تجاوز إلى المحتوى

من «الديارات» لأبي الفرج الأصبهاني (ت ٣٥٦هـ)

دير مرماري

دير مرماري بسرّ من رأى وهو بسرّ من رأى، عند قنطرة وصيف، حوله كروم وشجر، كان عامراً كثير الرهبان، ولأهل اللهو به إلمامٌ، وفيه يقول الفضل بن العباس بن المأمون:

انضيتُ في سرّ من را خَيل لذاتيونِلتُ منها هوى نفسي وحاجاتي
عمّرتُ فيها بقاعَ اللهو منغمساًفي القصف ما بين أنهار وجناتِ
بدير مرمار إذ نحيي الصبَّوح بهونُعمل الكأس فيه بالعشياتِ
بين النواقيس والتقديس آونةًوتارةً بين عيدان وناياتِ
وكم به من غزالٍ أغيدٍ غَزِلٍيصيدنا باللِّحاظ البابلياتِ

- حدّثني الصولي قال حدّثني أحمد بن محمد بن إسحاق الخراساني قال حدّثني الفضل بن العباس بن المأمون قال: كنت مع المعتزّ في الصيد، فانقطع عن الموكب وأنا ويونس بن بُغا معه، ونحن بقرب قنطرة وصيف، وكان هناك دير فيه ديراني يعرفني وأعرفه، نظيف ظريف، مليح الأدب واللفظ، فشكا المعتز العطش، فقلت: يا أمير المؤمنين، في هذا الدير ديراني أعرفه خفيف الروح لا يخلو من ماء بارد، أفترى أن نميل إليه؟ قال: نعم. فجئنا فأخرج لنا ماءً بارداً، وسألني عن المعتزّ ويونس فقلت: فتيان من أبناء الجند، فقال: بل مفلتان من حور الجنة، فقلت له: هذا ليس في دينك، فقال: هو الآن في ديني، فضحك المعتز، فقال لي الديراني: أتأكلون شيئاً؟ قلت نعم، فأخرج شطيرات وخبزاً وأداماً نظيفاً، فأكلنا أطيب أكل، وجاءنا بأطرف أشنان، فاستظرفه المعتز وقال لي: قل له فيما بينك وبينه: من تحب أن يكون معك من هذين لا يفارقك؟ فقلت له، فقال: " كلاهما وتمراً " فضحك المعتز حتى مال على حائط الدير.

فقلت للديراني: لا بد من أن تختار. فقال: الاختيار والله في هذا دمار، وما خلق الله عقلاً يميّز بين هذين! ولحقهما الموكب، فارتاع الديراني. فقال له المعتز: بحياتي لا تنقطع عمّا كنّا فيه، فإني لمن ثمّ مولى ولمن ها هنا صديق، فمزحنا ساعة، ثم أمر له بخمسمائة ألف درهم. فقال: والله ما أقبلها إلا على شرط. قال: وما هو؟ قال: يجيب أمير المؤمنين دعوتي مع من أراد. قال: ذلك لك، فاتفقنا ليوم جئناه فيه، فلم يبق غاية، وأقام للموكب كله، ما احتاج إليه، وجاءنا بأولاد النصارى يخدموننا، ووصله المعتزّ يومئذ صلة سنية، ولم يزل يعتاده ويقيم عنده، ويشرب مدة حياته.

النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الباب الأول أخبار الديارات

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.