من «الأوراق: أخبار الشعراء» لأبي بكر الصولي (ت ٣٣٥هـ)
ذكر قتل الترجمان
جملة أمره أنه كان جبانا مضربا منتقلا، بخيلا قصير الرأى ردىء الاختيار، وكان سيف الدولة يتهمه بأنه هو الذى ضرب الأمير توزون عليه، حتى كان منه إليه بواسط ما كان، وأنه أطمع المتقى لله فى الاحتيال على ناصر الدولة وراسله فى ذلك، يحصله فى داره فيطالبه بالأموال، وأن الرسل بينهما اختلفت بذلك.
ولقد أمكنه ذلك من ناصر الدولة مرات، خاصة عند قرب خروجه من بغداد فما اضطلع بذلك، ولا كانت له نفس تفى به، إلى أن خرج ناصر الدولة، وهو أوثق الناس به وعنده أنه فى جملته ثم غدر به. فرجع وكان بالرقة قد تمكن من المتقى لله، يصل إليه متى أراد ويأكل معه ويسمع منه، وكان يثلب سيف الدولة. وكاتب
الاخشيد ابن طغج فى إنفاذ جيش إلى الرقة لأخذ الخليفة من يد سيف الدولة فركب يوما إلى سيف الدولة، وقال له قد ضرب الجند على، فان كان فى نفسك شىء على، فأنا بين يديك، وتغضب وزاد فى الكلام، فنصحه سيف الدولة وقال له: لا يركب معك غيرى، حتى يؤديك إلى منزلك، فركب وخرج من بابه وأغلق غلمان سيف الدولة بابا خلف سيف الدولة، وضربوا الترجمان- وكان خلفه- بالسيوف واحتزوا رأسه، وبلغ أمره الخليفة فغضب وتكلم، وقال: ابن رايق بالأمس، والترجمان اليوم! وأشير إليه ألا يعيد فى هذا شيئا وأن يرى سيف الدولة أن الذى حكاه حق، ويستصيب رأى الغمان فيما فعلوه وفاز جميع من كانت له عنده ودائع مال فهو فى أيديهم، واعتل الامير توزون فى ذى القعدة علة صعبة شديدة من قولنج وغير ذلك، ثم أقاله الله ووهب له العافية فاستحجب فتاه صافيا، وخلع عليه خلعا، ركب فيها حتى رآه الناس ثم اتصل بتوزون أن الديلمى الذى بواسط يريد بغداد، فقدم مقدمته إلى المداين، وخرج فى أثرهم وذلك فى ذى القعدة لاحدى عشرة ليلة بقيت منه ووقع فى هذا الشهر بالكرخ حريق عظيم من حد طاق التكك إلى السماكين، وعطف على أصحاب الكاغد وأصحاب النعال، وذهبت النيران بأمتعة البزازين وأموال خطيرة، وكان وقوع الحريق ليلا
فبادر الناس ليخلصوا أمتعتهم فكان كل من أخرج شيئا نهبه الخرابون ومن يعينهم من العيارين، فما وصل الناس إلى شىء من أمتعتهم وسار أحمد بن بويه الديلمى يريد بغداد، وحدر أبو جعفر إقبالا غلامه فى الماء ومعه الطيارات والزبازب، ليمنع الديلمى من الماء، وكان ذلك من أجل الآراء وكان ذلك سبب الفتح وهزيمة الديلمى، ووقعت الحرب فى الجانب الغربى من حدود قباب حميد أياما متوالية والامير توزون يرى أن يستجرهم إلى قرب بغداد، لتقرب عليه الميرة إلى أن عبر بهم نهر ديالى، فصيره بينه وبينهم. وذلك برأى أبى جعفر بن شيرزاد، وجاء الديلمى حتى نزل حياله وهو بلا زاد، وقد ذبح جماله وجاع أصحابه ومنع مع ذلك من الماء، وكان المعروف بابن أبى على اللص قد صار فى جملة الديلمى وجمع أبو جعفر أموالا فحملها إلى الأمير توزون فقويت بها نفوس أصحابه، وأثبت جماعة من العيارين فأنفذهم فى الماء، ليرموا بالمقاليع، فكانوا يعطعطون بالديلم ويمنعونهم مع إقبال من الماء حتى هلكوا جوعا وعطشا، وعلم الأمير بما هم فيه من ذلك وأمر أبا الدفين الاعرابى أن يعبر إليهم، وعبر جماعة من الاكراد ومتسرعة من قواد الأمير توزون وغلمانه، فولى الديالم هاربين فى الساعة الخامسة من يوم الأحد لأربع خلون من ذى الحجة سنة اثنتين وثلاثين وثلاثمائة واستأمن إلى الأمير جماعة من وجوه الديلم وقوادهم، وظفر
بجماعة منهم، وأخذ فيمن أخذ ابن قرابة العطار، فأمر الأمير توزون فيه بأمر عظيم، فتكلم فيه الحر الجليل أبو جعفر حتى تخلصه، وكان تخلص ابنه قبل ذلك، لأنهم ذكروا أنه وجد له كتاب إلى أبيه، فيه ما لا يجوز فأمر الامير بقتله حتى استنقذه أبو جعفر ولما اشتد أمر الديالم وظن الناس أن الأمر أهم، انتدب جماعة وعزموا على الفتك بأبى جعفر فى داره والوثوب ببغداد، ليبادر جيش الأمير إلى منازلهم فيكون هزيمة ويركبهم الديالم واتصل خبرهم بأبى جعفر، فوجه بمن قبض على من وجد منهم وأحضر أبو العباس بن عبد الرحمن بن جعفر الخياط، والمعروف بابن أبى الردينى وطلب يمن البرى فلم يوجد وهرب جماعة ذكروا فى هذا الامر، فوبخ أبو جعفر ابن الخياط وذكره إحسانه إليه وأنكر أنه فعل ذلك، فأمر بحبسهم بعد أن صح عنده أمرهم؛ فحلم ولم يسلمهم فيقتلوا، وكان هذا من فضله وتوقيه وكان ظفره بهؤلاء علامة للاقبال، لأنه أخذهم لليلتين خلتا من ذى الحجة، وهزم الديلمى بعد يومين ولقد اجتمعت على أبى جعفر فى هذا الوقت أمور، لو اجتمعت على أوسع الناس صدرا وأشدهم بأسا وأكملهم شجاعة لبعل بها، ولم يتسع للفكر فيها، وكان يلجأ إلى هرب واستتار، فصبر على ذلك كله واضطلع به، حتى بلغه الله ما أراده وأظفره ببغيته منها مجيىء الديلم إلى قرب بغداد فى الجيش الذى لا يقام لمثله ومعه
كتب يقرأها على الناس بمكاتبة المتقى لله له يأمره بقصد بغداد، وذلك ما لا يكذب به أحد ممن سمعه لهرب الخليفة، وما أظهره من عداوته للامير.
فمنها علة الأمير توزون، التى اشتدت فى هذا الوقت، فما خرج عن بغداد إلا وهو عليل رقيد ومنها قلة المال وأنه لا يرجع إلى شىء معد ولا يقدر على استسلاف من التجار على شىء يرد، ولا مطالبة للمستظهرين منهم، بقرض، لئلا تنفر عامة البلد مع حاجته إلى تسكينهم وإلى الرفق بهم ومنها مجىء القرامطة إلى الكوفة يطالبون بمائة وخمسين ألف دينار، وورد المكنى بأبى دلف بغداد مستحثا لذلك ومنها شذوذ الخليفة وتباعده إلى الرقة، يورى الناس أن توزون قد عصاه، وأراد إتلافه فهرب منه، وأن الترجمان يهتف بذلك ويجاهر به ويكاتب الناس من أهل الشرق والغرب بمعونة الخليفة وإغاثته واستنقاذه ومنها أن ناحية ناصر الدولة التى كانت مغوثة بالأموال الموكفة والأقوات الواردة قد أفسدها الخليفة ومن معه، فانقطعت مواردها وغلت الأسعار بها ويئس الجند منها؛ إلى أشياء بعد هذا لعله لا يجوز ذكرها. فصبر أبو جعفر على هذا كله، حتى كشفه الله لمناصحته، ويمن تدبيره ومن أعجب العجب أن قوما يظنون أنهم يقومون مقامه ويغنون
غناءه، وأن أعداءه يرجفون به ويتالون المعايب له. وقد نسوا ما كان منه وما كان يعانيه ويقاسيه فى هذا الوقت من [الأ] مور الملابس بها. والله الذى لا إله إلا هو إنه بالرحمة له منها أولى من الاغتباط بها له ولا تعمل إلا على أن واحدا قام مقامه وفعل فعله، من أين يملك مثل طبعه حتى يجلس سائر نهاره وأكثر ليله، لا يأكل ولا يشرب ولا يتشاغل بشىء من جميع الملاذ التى لا يصبر الناس عن شىء واحد منها، ولا يحجب واحد عنه، ولا ينصرف ذو حاجة أتاه إلا راضيا إما بقضائها وإما بوعد فيها يقنع به، وإما بولاية يرى نفعها على ما أمله من حاجته وملتمسه، أو تعويض له من ماله، بصدر رحب ووجه طلق وخلق واسع، لا يقدر المتخلق على مثله وسل أين من كتب لبجكم وهو فى أدنى أمره فبلغ به أعلاه فربى الصغير بمعرفته، وتكهل الشاب بخدمته، وشاخ الكهل ولا يعرف غيره. فهو لجماعتهم كالوالد الحدب وكلهم له هايب طائع ومن أين يوجد رجل ما كتب لأحد قط واتصل به إلا علت مرتبته، وزادت حالته وطغى يساره، ثم يكون مفارقته له فيه سبب حتفه وسقوط حاله هذا ابن الخال هارون، مازالت حالته متوسطة إلى أن كتب له فبلغ به أقصى ما يبلغه مثله، إلى أن تغير له وفارقه فساق نفسه الى حينه ولقد حدثنى بعض أسبابه أن كتاب أبى جعفر نفذ اليه مطلقا بالرأى عليه بأن يقبل ما كاتبه به الراضى بالله ويرجع ويتركه حتى
يسعى له فما يريد على رفق وتأيد فخالف وبادر وهذا الأمير بجكم، مازال وهو يكتب له مصحح البدن بآمن الحال موفر الأصحاب، ما قتل أحدا من أتباعه ولا أنكر شيئا من أمره، حتى قبض عليه وصادره، واستكتب غيره. ففسدت عليه حاشيته، وقتل جماعة منهم، وتندم على ذلك، وحالفه سقم فى جسمه؛ فو الله ما قتل إلا وهو مستسقم فاسد المزاج ولقد كنت أقول لسنان بن ثابت ما ترى لون الأمير واستحالته والغلظ الذى يشكوه فى جوفه؟ فيقول لى لعله يصلح إذا احتمى، قول آيس منه، فما كان عمره بعد مفارقته له مع تنغص عيشه إلا مديدة وهذا الأمير المظفر أبو الوفاء توزون، ما كان أصحابه قبل أن يكتب له يفى عدتهم بثلثى عدتهم فى هذا الوقت، ولا نفقاته تفى بنصف بعضه فى هذا الوقت، فهو بركة عليه فى نفسه وجيشه واتساع نفقاته والله يعلم أنى ما تحريت بقولى هذا إلا الحق والمناصحة ولا يرانى الله- فى شىء مما أرويه وأؤلفه- أريد صديقا لصداقته، ولا رئيسا لإحسانه، ولا أتزيد على عدو لعداوته، ولما أعتقده من بغضه، ومن لزم الحق سلم فى عاجله وآجله، وكان الله ولى توفيقه
النص من طبعة شركة أمل بالقاهرة (١٤٢٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع