من «الأوراق: أخبار الشعراء» لأبي بكر الصولي (ت ٣٣٥هـ)
ذكر رجوع الامير أبى الوفاء توزون
(إلى داره، بعد هزيمة الديلمى وركوبه الظهر ورجوعه فى الماء) ولما فتح الله على الأمير المظفر أبى الوفاء توزون، وأظفره بالديلم وأقام فى عسكره أياما، وأنفذ فى طلب المنهزمة من يقتل ويأسر، ولم يعجل برحيل ليتبين آخر أمر عدوه، وما زال هذا من فعل الحزمة ذى الرأى المصيب، والعزم الصحيح.
وأمر أصحابه بالرجوع إلى منازلهم، مسرورين بما صار إليهم من سلب الديالمة وسوادهم، بعد أن كثر عند الأمير على بعضهم، فما نفس بذلك عليهم، ولا سأل عنه، ولا عرض به ثم رحل إلى بغداد وركب على الظهر فى يوم الاربعاء لسبع خلون من ذى الحجة، فمضى فى شارع المخرم إلى الجسر، ودعا الناس له، ثم انصرف فى الماء إلى داره، وكانت ركبته هذه ركبة ما ركب أحد مثلها قط إلا خليفة، لأنه كان بين يديه مائة جنيبة ودابة وبغل بالسروج المذهبة والمفضضة، وبين يديه وخلفه من الغلمان الأتراك، بألوان الثياب وأحسن السيوف والمناطق وأفره الدواب، وهم عدة، ما اجتمع لأحد منذ مدة طويلة مثلهم. وما من قائد من قواده بعد هذا إلا وهو مساو بعدته وعدته قربه لأجل أمراء النواحى وأصحاب الاطراف الممتنعين بها ووافى فى ذى الحجة أبو على الحسن بن هارون بغداد برسالة
الخليفة المتقى لله وكتابه إلى الأمير أبى الوفاء المظفر وهذا رجل من رؤساء كتاب الزمان ممن خدم الأمراء السادة، وهو حدث لم يتكهل فحسن خبره، وحمد أثره. كتب ليوسف بن ديوذاذ أبى الساج، وهو الامير الذى لا تدفع شجاعته ولا يجهل قديمه ورياسته ولا يشك فى عقله وأدبه ونفاذه فى جميع الأمور، فبلغ به ومعه الغاية التى لا تبلغها الآمال وهو مع كتبته رابط الجأش قوى الشجاعة حسن الفروسية، شهد مع يوسف بن أبى الساج وقعة القرمطى بالكوفة، فما زال ضاربا بالسيف إلى أن علم بأمر صاحبه فحمى نفسه بإقدامه وغلمانه، حتى أفلت جريحا وكتب لعلى بن يلبق وهو هنى لا يعد، فجعل إليه بتلطفه أمر المغرب كله وشرطة بغداد وحجبة الخليفة، إلى أن خلط عليه فتركه، فآل أمره إلى ما آل اليه، وإنما ذكرت أمر ابن يلبق معه لشىء أجىء به بعد سمعت الراضى يقول فى خلافته: إنما كتب الحسن بن هارون لابن يلبق رحمة من الله لنا لنبقى، ولو لاه لقتلنا القاهر كلنا! ولكنه كان يمنع منا ويحمل ابن يلبق على المناضلة عنا والدفع عن أنفسنا، وكان يصفه كثيرا.
ولقد غنت ستارته يوما بشعر مليح، فقال أتعرف هذا اللحن؟
قلت لا، قال فالشعر؟ قلت لا، قال هذا الشعر كتب به الى الحسن بن هارون وعمل هذا اللحن فيه، وكان عنده بمنزلة لطيفة. فلما قدم برسالة الخليفة وكتابه لطف للأمير ابن المظفر إلى أن جمع الناس عنده
فى يوم الاثنين لاحدى عشرة ليلة بقيت من ذى الحجة، وفيهم خليفة القاضى أحمد بن إسحاق سهل بن ابراهيم والعدول، وأحضر من العدول من يحسن أن يتكلم بالفارسية، حتى أخذوا على الأمير مارضى به من القول. وحضر الهاشميون ووقع الصلح، وانصرف الناس مسرورين، وأنفذ الحسن بن هارون كتاب الأمير إلى الخليفة. ومعه كتابه بما جرى، وانتظر الناس ورود الجواب وخلع الأمير على ينال المحتاجى يوم الاثنين لثلاث بقين من ذى الحجة، وولاه طريق خراسان، فخرج مبادرا فى عدة واستظهار، واتصل به وهو يعبر نسا أن الأعراب قطعوا على قافلة فخرج مبادرا ولم ينتظر أصحابه استهانة بالأعراب، وكان قد أطلق لصا يقال ابو الفرج بن مياح بعشرة آلاف درهم أخذها، وكان من حقه أن يقتل لقطعه الطريق فنظر اليه ابن مياح هذا، وهو فى خف فطمع فيه وحرض عليه إلى أن انبرى له، فطعنه فقتله فسلط الله عليه اللص الذى أطلقه ظالما لنفسه، عاصيا لله فى إطلاقه حتى قتله، فورثه الأمير ابو الوفاء وأخذ غلمانه ودوابه وأثاثه وضياعه وولى مكانه الفتح اللشكرى فطلب الأعراب فهربوا منه ولم يقفوا له.
وورد ابن الغمر صاحب القرمطى الذى كان أدخل أيام القاهر مشهورا ببرنس مع الشريف أبى على عمر بن يحيى العلوى بغداد مطالبا بمال المفارقة، فكتب له أبو جعفر بن شيرزاد على عمال الكوفة كل ذلك، ليأمن على الحاج وهو يعلم ما عليه فى ذلك
وكان أبو بكر النقيب قد هرب من بغداد إلى ناصر الدولة، قبل شخوص الخليفة عن بغداد فقبله أحسن قبول وخلع عليه وعلى ولده، وبلغ برزقه ألفى دينار، ومثلها لولده وغلمانه، ثم خرج مع الخليفة إلى الرقة، ثم رجع إلى ناصر الدولة فأقام يأخذ رزقه، ثم كاتب أبا جعفر فى مصيره إلى الحضرة واحتال حتى قدم وكان أبو جعفر قد وجد على أسكروز الديلمى عامل الشرطة ببغداد فى أشياء أنكرها عليه من أخذ الدراهم، وقبالة ثقيلة يلزمها ولاة الشرطة فكاتب الأمير فيه فعزله، وولى مكانه أبا بكر النقيب، وهذا فى المحرم سنة ثلاث وثلاثين وثلاثمائة ولما رجع الامير أبو الوفاء من نهر ديالى ظافرا أنشد شعرا فى وصف ما كان منه ومن أبى جعفر فى العزم والرأى، فما وقع عند من حضر الموقع المرضى. فنطقوا بأجمعهم وقالوا لى: مثل هذا الخطب العظيم والفتح الجليل، لا يكون له مدح يشهره الناس ويرويه؟ فقلت فى ذى الحجة سنة اثنتين وثلاثين وثلاثمائة
نعم الورى بسوابغ النّعماءونجوا من البأساء والضّرّاء
عضد الآلهّ أبا الوفاء بنصرهعضد الخلافة سيّد الأمراء
فأريح قلبى من جوى البرحاءولهيب نار الوجد والأدواء
عاد الزّمان إلى نضارة عيشهوأزيلت البأساء بالسّرّاء
قد واصل النّصر للتابع سيفهكوصال حبّ كاره لجفاء
فى كلّ يوم للأعادى وقعةمنه تبيدهم وسيف فناء
فتراهم لمّا رأوه مقبلاكالشّاء ينفر من أسود ضراء
صرعى وقتلى والّذى فات الرّدىمنهم حليف الذّلّ فى الأسراء
ضحكت به الأيّام بعد قطوبهاوجلا الضّياء به دجى الظّلماء
فصلوا السّرور قضاء ما عاينتموابالأمس من همّ ومن برحاء
قد عوفى اللّيث المطلّ على الغدامن كلّ ما يشكو من اللّأواء
وأتاه نصر من إله منعميقضى له أبدا بخير قضاء
أعييت حيلتهم وفتّ مداهممن غير إتعاب ولا إعياء
نثرت سيوفك بالفضاء أكفّهمفكأنّهم فيه حصى البطحاء
وعطفت خيلك خاطفا أرواحهممن غير إمهال ولا إبطاء
أنت المعظّم فى الزّمان ومن لهذلّت رقاب السّادة العظماء
أبت الامارة أن تزوّج غيرهمن بعد ما خطبت أشدّ إباء
وعصى المديح فليس يعطى طاعةإلّا له فى سؤدد وثناء
يلهو بأبطال الرّجال شجاعةلهو الملاعب فاز بالأهواء
ملك أبرّ على الملوك ببأسهوقبوله من سيّد النّصحاء
أحيا محمّد بن يحيى دولةبصحيح عزم صائب الآراء
زين الكتابة وابن من ذلّت لهوعليه قدما كتبة الخلفاء
من بعد ما ظنّ الأعادى أنّهسيكون من ناواه ذا استعلاء
إذ ساور الاسلام سقم قاتللو لم يدارك سقمه بشفاء
فرماهم من رأيه بنوافذتهدى بلا هاد إلى الأحشاء
ورأى حبالى رأيه شركا لهمفهووا لحمئته هوىّ دلاء
فى كار يرجى عين رأى مجرّبماضى الحسام لحسم هذا الدّاء
سل بالأمير وسيفه من رامهأو هاجه فى حومة الهيجاء
ضرغامه دامى الأظافر كلّماعرت النّوائب من دم الأعداء
فكأنّه فى سرجه يوم الوغابدر تلألأ فى سعود سماء
وكأنّما قوّاده من حولهمستلئمين كواكب الجوزاء
متلبّس جلباب صبر تحتهقلب كمثل الصّخرة الصّمّاء
شرد الأعادى خوفه فكأنّهمخرق النّعام بقفرة بيداء
أوكد رسرب قطا أضرّ بها الصّدىفتسا قطت عطشا الى الأحشاء
عطف الرّجال إليهم فتعطّفواللأسر والاذلال فعل نساء
وأتى الأمير بعزّة ومهابةيختال بين غنى وبين غناء
خصبت به بغداد بعد جدوبهاوتلبّست منه ثياب رخاء
هذا وفى أيّام بجكم كم لهمن صدق عارفة وحسن بلاء
تسودّ أيدى غيره فى حربهفيضيئها قيد له بيضاء
أطناب بأسك يوم حربك علّقتلعلوّها بكواكب العوّاء
فضلت كفضل بنى النّبىّ وصهرهفى نبل قدرهم بنى الطّلقاء
فرقيت فى درج المعالى صاعداتعلو على العظماء والكبراء
ولما استكتب الأمير أبو الوفاء توزون أبا جعفر محمد بن يحيى، وقدم بغداد، دخلت إليه فأنشدته
عذلت امرءا فى عشقه ليس يعذركأما عاش أن ينهاك عنه ويزجرك
متى لم تحط خبرا بما صنع الهوىبمن فارق الأحباب فالدّمع يخبرك
أما لو بلوت الحبّ واقتادك الهوىإلى هجر محبوب لقلّ تصبّرك
شربت كؤوس الحبّ صرفا ودون ماشربت من الممزوج ما لا يسكّرك
على اليمن والتّوفيق ألبست خلعةبها المتّقى لله بالحقّ يؤثرك
وفى خصرها قاض كرأيك فى العدابه تنقضى أعمارهم ويعمّرك
رآك أحقّ النّاس بالإمرة الّتىيمازج فيها جوهر الملك جوهرك
يقدّم للمقدور دهر معاندسواك إليها ظالما ويؤخّرك
إلى أن وفا بالوعد فيك أبو الوفافكلّ أمير بالصّغار يؤمّرك
لئن كان للأتراك فخر بهاشمفقد زادهم فى البأس والفخر مفخرك
ملكت فملّكت المنى كلّ راغبفموردك الإحسان والحقّ مصدرك
إذا كاثر الأتراك يوما بسيّدفما أحد فى سالف الدّهر يكثرك
ومن كان منهم ماجدا متقدّمافهم رهطك الغرّ الكرام ومعشرك
طبعت على عقل وجود ونجدةفما تستطيع الحادثات تغيّرك
وسيّان فى الأعداء مخبرك الّذىبه ينصر الله الولىّ وينصرك
وهل تجد الأعداء عندك غرّةوأبيضك الموت المرجّى وأسمرك
وما نصر الله امرءا أنت حربهوأنّى له بالنّصر والله ينصرك
تخيّرك البارى أميرا مظفّراتبارك فى تدبيره متخيّرك
رأيتك للسّلطان محيى دولةفهذا اسمك الأولى بوصفك يشهرك
تسمّ به تكبت عدوّا وحاسداكما قد تسمّى قبل من ليس يعشرك
إذا التفّت الأقران واحتدم الوغافسيفك بالنّصر القريب يبشّرك
عرفت بإقدام وفتك وجرأةفما أحد فى كلّ ذلك ينكرك
وإن جرّ يوما عسكرا ذو تجمّعفسيفك فردا فى قتالك عسكرك
تذبّر فى ترب السّنين أمورنابرأى مصيب والاله يدبّرك
وعدتك هذا الأمر من قبل كونهووعدك لى بالبذل لا شكّ ينذرك
وهذا مسيحىّ بقولى شاهدوحسبى به عدلا بوعدك يذكرك
وما زلت مذعا ينت شخصك دائبالما نلته أثنى عليك وأشكرك
لقد ظفرت كفّاك بالمال والعدابرأى ابن يحيى القرم والله يظفرك
وثقت بادبار النّحوس عن الورىوإقبال سعد حين صار يدبّرك
أبو جعفر فى الرّأى والعقل وافربه الله بعد الانتقاص يوقّرك
سيوردك العذب الزّلال مجرّبعليم بتدبير الورى كيف يصدرك
لقد ظفرت كفّاك منه بفاصلبه الله من بعد القليل يكثّرك
فلا زالت الأيّام سلما مطيعةتوقّيك ما تخشاه فيها وتخفرك
وفزت بما تهوى وصالت على العداسنوك بتمليك عليهم وأشهرك
النص من طبعة شركة أمل بالقاهرة (١٤٢٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع