من «الأوراق: أخبار الشعراء» لأبي بكر الصولي (ت ٣٣٥هـ)
سنة ثلاث وثلاثين وثلاثمائة
وكان الناس قد سروا بولاية أبى بكر النقيب محمد بن جعفر، فنادى برفع المؤن واشترط ذلك، فلما استهل شهر المحرم طولب بسنة اسكورج فعقد على ابراهيم بن شمحور الفروقى الجانب الشرقى والصحراء والأيواب بسبعة آلاف درهم فى كل شهر وتضمن محمد بن محمد تازى البيض وأعماله بثلاثة آلاف درهم، وعقدت الشرقية وما فيها من الأعمال على أحمد بن جعفر المعروف بابن الشرطى بثمانية آلاف سوى الاستثناءات فانها خمسة آلاف درهم وضمنت دجلة والماصر الأعلى بخمسمائة دينار، وعقد القيار بألفى درهم، فصار الجميع نيفا وثلاثين ألف درهم فى الشهر فلقى الناس من ذلك عنتا، وتعرم أصحاب الارياع والمصالح على الناس، والنقيب كاره لذلك لا يعرف مثله وكثرت الكبسات، ووثق اللصوص بالمصانعات والغرم، فكبسوا الناس ليلا ولم يهابوا نهارا، واجتمعوا فكان يوافى دار الرجل المقصود جيش اللصوص بالليل بالسيوف والنشاب، لو حوربوا لما وفاهم القليل واستلب كيس رجل يعرف بغلام ابن الأبوارى الصيرفى مع المغرب، وفيه خمسة آلاف دينار ليلة الجمعة لأربع بقين من المحرم وكان الكيس على رأس حمال، فصاح الرجل والحمال، فرماهم الناس
بالآجر، ورماهم اللصوص بالنشاب؛ فتفرقوا عنهم، وبادروا ناخية دار على بن عيسى، ونزلوا الشط إلى سميريات أعدت لهم، فأقر حارس الموضع أنهم أصحاب المعروف بابن بغرة النازل بدار الترجمان، فى قصر عيسى، فأخذوا فأقر بعضهم أنه دفع المال إليه، وجحد هو أن يكون يعرف ذلك، وتعصب له بعض الأتراك وطاح المال.
وكان رجل يعرف بممراج استأمن من عسكر البريدى ومعه من اللصوص البطارقة الحذاق جماعة، فصار يخدم فى دار أبى جعفر هو وأصحابه، يكبسون الناس ليلا ويعترضونهم فى دجلة ويجتمع هو وأصحابه وكاتبه البصرانى المعروف بسكباج لعنه الله، على النفقات والقيان والأنبذة والفسق وكان معه كلابزى قواد وكان مع زباشى التركى كلابزى مثله، فتغايرا على قحبة وأعان كل واحد صاحبه، فجرت بينهما حرب وأمور قبيحة، ثم كانت خطوب، وقتل ممراج هذا والحمد لله.
وظهر سعيد بن داود المسيحى، وعاد أخوه إلى خدمة الأمير والتطبب له، وكان طبيبه قديما وذلك فى المحرم ووجه ناصر الدولة بأبى عبد الله الحسين بن سعيد أبى العلاء مع غلام أبى بكر بن مقاتل إلى الشام، فى جيش كثيف بعد أن أزاح عللهم لمحاربة ابن طغج ودفعه عن الشام، فمضى حتى تجاوز حلب فلقيه جيش ابن طغج الأخشيذ فهزموه وأسروا رجاله وغنموا أمواله، وولى هاربا فى قلة يريد الرقة، فلما شارفها تقدم الخليفة المتقى لله بغلق أبوابها،
ومنعه من دخولها فأقام أياما ووجه إلى الخليفة برسالة غليظة فاذن له ووبخه على تسريحه لقتال من لم يأمر بقتاله ووافى ابن طغج فى أثره فخرج إلى ابن عمه سيف الدولة وقد كان ابن عمه تنحى عن الرقة فأعطى المتقى لله مالا وفرق على جميع من معه مالا على أقدارهم، فأمسك بذلك أرماقهم، ولولا فعله ما كان بهم نهوض ثم رجع ابن طغج إلى حلب فيقال إنه أعطى الخليفة مائة ألف دينار سوى الآلة والثياب ووجه إلى الوزير بثلاثين ألف دينار، وإلى الحاجب أحمد بن خاقان بعشرة آلاف دينار، هذا تأدى الينا ولم نشاهده وزاد غلاء السعر على الناس فشغبوا فى الجانب الغربى يوم الجمعة وتكلموا بالعظائم، ومنعوا الامام الصلاة، حتى انصرف أكثر الناس، ثم صلى الامام بمن بقى صلاة خفيفة وخرج الأمير أبو الوفاء إلى البثق بنهر عيسى، ومعه قواده، ومال من خاص ماله مؤملا سده، وذلك فى أول المحرم فأقام أياما عليه، واجتهد هو وأبو جعفر فى النفقة، واطلاق المال. ثم إن الله ﷿ لم يأذن فى ذلك، فحمل الماء أكثر العمل، واغتم الأمير لذلك غما شديدا ولما وصل كتاب الحسن بن هارون إلى المتقى لله بما صنع، وجه المتقى لله بأحمد بن عبد الله بن اسحاق القاضى من الرقة إلى الأمير أبى الوفاء المظفر لتوكد الأيمان عليه، وموافقته على شرائط شرطها له،
ويشهد عدوله عليه، ووجوه الهاشميين فوصل القاضى إلى بغداد يوم الخميس، لأربع خلون من صفر سنة ثلاث وثلاثين وثلاثمائة، ففعل جميع ما تقدم به المتقى لله إليه، وكان قد وجه معه بخلع، وطوق ذهب، ليخلعها على الأمير إذا فرغ مما بينه وبينه، ففعل هذا كله إلا أمر الخلع وأمر الأمير بعمارة دار الخليفة، وبناء ما استهدم منها، وكان يركب بنفسه حتى يشاهد ذلك ويعاينه، وكان فى الرسالة أن يخرج الأمير إلى واسط، فقال: هذا لا أجيب إليه، يعمل على أنى ابن طغج إذا قرب من بغداد خرجت وتلقيته، وأزلت كل ما فى نفسه، فاذا صار فى داره أمرنى بما شاء حتى أفعله، وإن خرجت ولم أره كنت عند الناس عاصيا! وامتنع من أن يلبس الخلع إلا بحضرة الخليفة إذا رآه، وكتب القاضى إلى الخليفة بإحكامه له جميع ما أراد، وأشار عليه بالمبادرة إلى الحضرة وعظم أمر اللصوص، وكبس الناس فى منازلهم وقتلهم، وأخذ أموالهم.
فولى الأمير أبو الوفاء الطوف رجلا أعجميا، وضم إليه جماعة فأفرط فى أمر الطوف، وجرى إلى أشياء عظيمة، حتى تمنى الناس أنهم أعفوا منه ووجه الأمير بقوم من أصحابه، فأمرهم أن يكبسوا أهل الريف من النباذين والقوادين، وتعطيل ما يجرى من أمر النباذين بدار الروم
بالجانب الشرقى، ونسب ذلك إلى الجاثليق، وأن له عليهم قائما، وأنه يرسل أهل نحلته فيعوز بهم، وصادره على خمسين ألف درهم بوساطة طازاذ وابن سنكلا، وعطف بعد ذلك على النباذين والقوادين، فحبس منهما وعاقب، وسكن أمر البلاء قليلا وانكسف القمر ليلة السبت لثلاث عشرة ليلة خلت من صفر، وغاب كله وتحدث الناس بمجيىء الخليفة المتقى لله إلى هيت، وخرج القاضى الخرقى إليه فعرفه جميع ما جرى، فسكن إلى ذلك ورجع القاضى إلى الأمير يعرفه فدخل بغداد يوم الثلاثاء للنصف من صفر وركبت مع أبى جعفر فى الطيار، فأعلم الأمير أنه يتلقى الخليفة بالأنبار، فقدم الأمير الطيارات إلى باب الشماسية، وقال للقاضى تعبر بالخليفة من المزرفة وهى قرية بأعلى قطربل بفرسخين، حتى يدخل بغداد من الماء، ونصب الناس القباب بباب الطاق، وأخرج الأمير توزون أثقاله وجماله إلى باب الأنبار، وخرج يوم الأربعاء، وأقام فى الطريق وسار يوم الخميس.
ولا والله ما سمعت بأعجب من أفعال المتقى لله كلها، أول خطئه، وتركه الرأى، وركوبه العوز: تركه دار مملكته، وخروجه عنها برأى الترجمان وأشباهه لغير سبب أوجب ذلك، ولا اضطرار دعا اليه. [و] الأمير توزون إلى وقته ذاك مطيع له تابع لما يشتهيه، عالم
مع ذلك أن الصواب والرأى غير ما تكلفه.
فمن ذلك: أن الأمير أقام بواسط، ليستنطف الأموال بها، فكتب اليه: «دع كل شىء، وصر إلى، ولعن الله المال!» فراجعه فألح عليه فقدم، فخلع عليه وأمره. وأشار الأمير عليه أن يصالح بنى البريدى إذ كانوا قد ظفروا بمجيئه بكثير من المال. وقال: نستعجل الأموال منهم، ونحن على أمرنا بعد ذلك. فخالفه، وقال لابد من محاربتك لهم، وإزالة أمرهم، وكان رأى الأمير صوابا، فى هذا فترك الرأى ولم يخالفه وانحدر هذا بعد أن قد كان كتب قبل ذلك بالايقاع بسيف الدولة ليريحه الله هو بذلك من ناصر الدولة ببغداد، ولكرم الأمير توزون وحسن عهده، ما ترك سيف الدولة حتى جاء لأسباب دعاها له، ولو أراده ما فاته، ثم ما عامله من الخروج عن بغداد يرى الناس أنه فزع منه، وأن الامير عاص له ثم ما حمل ابن حمدان عليه من محاربته مرة بعد مرة، على كراهة ابن حمدان للحرب، كل ذلك طمعا من المتقى فى إزالة الأمير عن مرتبته ومنها أنه كاتب صاحب خراسان يستنجده عليه، والأخشيذ بن طغج بمثل ذلك، كل هذا هو فيه ظالم للأمير توزون، ثم إقباله بعد ذلك حتى وضع يده فى يده، ظن أن الأمير هو حدث أعجمى نسى هذا كله، والله لو فعل [الرشيد] هذا بالمأمون فى حلمه وعقله، وهو
ابن له ما احتمله! وأعجب من ظنه بأنه لا ذنب له ونسيانه ما فعله: ذهاب الرأى عن جميع من معه ممن يدبره، وما ذهب على العقلاء، ولا على أهل الرأى.
فلقد رأوا الذى فعله الأمير بالرأى قبل كونه
النص من طبعة شركة أمل بالقاهرة (١٤٢٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع