من «الأوراق: أخبار الشعراء» لأبي بكر الصولي (ت ٣٣٥هـ)
اخر امر المتقى لله
فكان قبض الأمير على المتقى لله يوم السبت لاحدى عشرة ليلة بقيت من صفر، وكان هذا كله بغير علم أبى جعفر محمد بن يحيى بن شيرزاد ولا اطلاع عليه، ولا مشاورة له فيه، ولا علم به إلا فى وقته ولما توثق من المتقى لله فى المضرب، نهب أصحاب الأمير عسكره، فلم يفلت من جميع من كان معه أحد، وخرج قوم لتلقيه فنهبوا ووجه الأمير بصافى الخازن إلى دار ابن طاهر، لاحضار أبى القاسم عبد الله بن المكتفى بالله، وأخذ الخاتم من يد المتقى وسلمه إلى صافى فصار صافى إلى دار ابن طاهر، واستخرج عبد الله بن المكتفى بالله فألبسه ثيابا جاء بها معه ودفع إليه الخانم وقلد سيف حمايل، وصار إلى مضرب الأمير، فعقد له الأمر، وكحل المتقى لله فصاح فأمر أصحاب الدبادب فضربوا بها، فصاح فلم يسمع صياحه، بعد أن خلع نفسه وسلم الأمر إلى الخليفة عبد الله وكان هذا كله يوم السبت بالعشى، لاحدى عشرة ليلة بقيت من
صفر، بل وجه فى طلب الخليفة أبى القاسم قبل أن يقبض على المتقى وكان المتقى لله لما قرب الامير منه، ولقيه ركب قبة نمور أهداها ابن طغج له، فلما رآه الامير أكب على الأرض فقبلها بين يديه مرتين فقال له: اصعد معى، فلم يصعد وكان عديله خادم له، فلما سايره وصار إلى السندية أحدق به الديلم، فقبض بعضهم على لجام بغلته العمارية، وعدل به، فأنزل المضرب، وتسلمت دوابه وجنائبه التى كانت تقاد بين يديه، وأخذت خزائنه، ونهب عسكره كله وكان من أمره ما ذكرناه، فكانت خلافته ثلاث سنين وأحد عشر شهرا، أولها يوم الاربعاء، لعشر بقين من شهر ربيع الاول سنة تسع وعشرين وثلاثمائة. وآخرها يوم السبت لاحدى عشرة ليلة من صفر، سنة ثلاث وثلاثين وثلاثمائة وما أعجب ما اتفق له من صحة الأخبار فيه، جاءت الرواية أن عمر الحادى والعشرين من الخلفاء أقل من ثلثى عمر الذى كان قبله وأكثر من نصفه، فكان كذلك وذكر بليناس فى كتابه الذى ذكر فيه الكسوفات، وهو كتاب قديم قد ألف فى قديم الدهر «أمر ملك بابل» فقال وأنا أحكى لفظه من كتابه، ومن طلب هذا الكتاب وجد ما ذكرته فيه على ما شرحته إن شاء الله قال بليناس: «انظر إلى سر غامض فى الكسوفات، إذا كانت الشمس فى الميزان، ووقع كسوف القمر، وهو فى الحمل، وزحل فى
السرطان والمريخ فى الجدى هلك ملك بابل» فاتفق هذا الكسوف على هذه الصفة بعينها، فكان بين الكسوف وبين هلاك المتقى لله أسبوع.
النص من طبعة شركة أمل بالقاهرة (١٤٢٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع