تجاوز إلى المحتوى

من «مصارع العشاق» لجعفر بن أحمد السراج (ت ٥٠٠هـ)

ماتت حُزنًا على المأمون

أخبرنا أبو علي محمد بن الحسين الجازري، حدَّثنا المعافى بن زكريا، حدَّثنا الحسين بن القاسم الكوكبي، حدَّثنا أبو محمد عبد الله بن مالك النحوي، حدَّثنا يحيى بن أبي حماد الموكبي، عن أبيه، قال: وُصِفَت للمأمون جاريةٌ بكلِّ ما تُوصَفُ امرأةٌ من الكمال والجمال، فبعَث في شرائها، فأُتي بها وقتَ خروجه إلى بلاد الروم، فلما هم ليَلبسَ درعه خطرَت بباله، فأمر فخرجَت إليه، فلما نظر إليها أُعجِبَ بها وأُعجِبَت به، فقالت: ما هذا؟ قال: أُريد الخروج إلى بلاد الروم. قالت: قتلتْني والله يا سيِّدي، وحَدَرَت دموعها على خدها كنِظام اللؤلؤ، وأنشأت تقول:

سأَدعو دعوةَ المضطرِّ ربًّايُثيبُ على الدعاء ويستجيب
لعلَّ الله أن يكفيك حربًاويجمعنا كما تهوى القلوبُ

فضمَّها المأمون إلى صدره وأنشأ مُتمثِّلًا يقول:

فيا حُسنها إذ يغسلُ الدمع كُحلَهاوإذ هي تُذري الدمعَ منها الأنامِلُ
للشاعر جميل بثينة، من قصيدة «فيا حسنها إذ يغسل الدمع كحلها»
صبيحة قالت في العتاب: قتلتْنيوقتلي بما قالت هُناك تُحاوِلُ

ثمَّ قال لخادمِه: يا مسرور! احتفظ بها وأكرم محلَّها، وأصلح لها كل ما تحتاج إليه من المقاصير والخدم والجواري إلى وقتِ رجوعي. فكان كما قال الأخطل:

قومٌ إذا حاربوا شدُّوا مآزِرَهمدون النساءِ ولو باتَت بأطهارِ
للشاعر ابن نباته المصري، من قصيدة «إني لمن معشر للمرد قد ركضوا»

ثمَّ خرَج، فلم يزل الخادم يتعاهدُها ويصلح ما أمر به، فاعتلَّت عِلَّة شديدةً أشفق عليها منها، وورَد نعيُ المأمون، فلما بلَغها ذلك تنفَّست الصُّعَدَاء وتُوُفِّيَت. وكانت مما قالت وهي تجود بنفسها:

إنَّ الزمان سقانا من مرارتهبعد الحلاوةِ أنفاسًا وأروانا
للشاعر تتريف جارية المأمون، اقرأ القصيدة
أبدى لنا تارةً منه فأضحكناثمَّ انثنى تارةً أخرى فأبكانا
للشاعر تتريف جارية المأمون، اقرأ القصيدة
إنَّا إلى الله في ما لا يَزالُ لنامن القضاء ومِن تلوين دُنيانا
دُنيا نراها تُرينا مِن تصرُّفِهاما لا يدومُ مُصافاةً وأحزانا
ونحن فيها كأنا لا نُزايلُهاللعيش أحياؤنا يَبكُون موتانا
للشاعر تتريف جارية المأمون، اقرأ القصيدة

النص من طبعة مؤسسة هنداوي كما في «مدونة الكتب العربية الإلكترونية» (رخصة المشاع الإبداعي: نسب المصنف ٤٫٠)، والنص الأصلي في الملكية العامة، بعد حذف الحواشي. الرخصة · مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الجزء الثاني

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.