تجاوز إلى المحتوى

من «مصارع العشاق» لجعفر بن أحمد السراج (ت ٥٠٠هـ)

الجارية الحميراء وابن جامع

أخبرنا أبو علي محمد بن الحسين إن لم يكن سَماعًا فإجازةً، حدَّثنا المعافى بن زكريا أبو النضر العُقيلي، حدَّثنا يعقوب بن نعيم الكاتب، حدَّثني محمد بن ضو التيمي، سمعت إسماعيل بن جامع السهمي يقول: ضمَّني الدهرُ ضمًّا شديدًا بمكة، فانتقلتُ منها بعيالي إلى المدينة، فأصبحتُ يومًا ولا أملك إلا ثلاثة دراهم، فخرجتُ وهي في كُمِّي، فإذا بجاريةٍ حُمَيراءَ على رَقبَتها جَرَّة تريد الركي، وتمشي بين يدي، وتترنَّم بصوتٍ شجيٍّ تقول فيه:

شكَونا إلى أحبابنا طول ليلِنافقالوا لنا: ما أقصرَ الليل عِندَنا
وذاك لأنَّ النوم يغشى عُيوُنهمسَراعًا، ولا يَغشى لنا النوم أعيُنا
إذا ما دَنا اللَّيلُ المُضر بذي الهَوَىجَزِعنا وهُم يستبشِرون إذا دنا
فلو أنهم كانوا يُلاقون مثل مانُلاقي لكانوا في المضاجِعِ مِثلَنا

فوالله ما دار لي منه حرفٌ واحدٌ، فقلت لها: يا جارية! ما أدري أوجهُك أحسن أم صوتُك أم جِرمُك، فلو شئتِ أعدتِه عليَّ. فقالت: حُبَّا وكرامةً. ثمَّ أسندت ظهرها إلى جدار كان بالقرب منها، ورفعَت إحدى رجلَيها فوضَعتها على ركبتِها، وحطَّت الجرَّة على ساقِها، واندفعت تُغنِّي بأحسن صوت، فوالله ما دار لي منه حرف واحد، فقلت: لقد أحسَنتِ وتفضَّلتِ، فلو شئت أعدتِه مرة أخرى.

فقطَّبت وكلَحت، وقالت: ما أعجب هذا! أحدكم يَجيء إلى الجارية عليها ضريبةٌ، فيقول لها: أعيدي مرَّةً بعد أخرى، فضربتُ يدي إلى ثلاثة دراهم ودفعتُها إليها، وقلت لها: أقيمي بهذا وجهَك اليوم إلى أن نلتقي. فأخذتها المُتكرِّهة وقالت: الآن تريد أن تأخذ عني صوتًا أحسبُك تأخذ عليه ألف دينار وألف دينار وألف دينار. ثمَّ اندفعت تغنِّي، وأعملتُ فكري في غنائها، فدار لي الصوت وفهمتُه، وانصرفت به مسرورًا. وذكر باقي الخبر.

قال ابن السراج: وقد ذكرت هذا الخبر بتمامه في أثناء كتابي هذا؛ فلذلك ما استوعبتُه هاهنا.

النص من طبعة مؤسسة هنداوي كما في «مدونة الكتب العربية الإلكترونية» (رخصة المشاع الإبداعي: نسب المصنف ٤٫٠)، والنص الأصلي في الملكية العامة، بعد حذف الحواشي. الرخصة · مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الجزء الثاني

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.