تجاوز إلى المحتوى

من «مصارع العشاق» لجعفر بن أحمد السراج (ت ٥٠٠هـ)

مأساة بشر وهند

تَمُرُّ ببابي لَيسَ تَعلَمُ ما الذيأُعالِجُ من شَوْقٍ إلَيكَ ومن جُهدِ
تَمُرُّ رخيَّ البالِ من لوعةِ الهوىوأنت خليُّ الذرعِ مما بدا عِندي
فديتُك فانظر نحو بابي نظرةًفإنك أهوى الناسِ كلُّهمِ عِندي
فوالله لو قصَّرتَ عنَّا فلم تكنتمُرُّ بنا أصبحتُ لا شك في لحدِ

فأجابها الفتى يقول:

عليكِ بتقوى الله والصبر إنهنهى عن فُجورٍ بالنساء مُوحِّدُ
وصبرًا لأمر الله لا تقرَبي الذينهى الله عنه والنبيُّ مُحمَّدُ
فوالله لا آتي حليلَة مُسلِمٍإلى أن أُدلَّى في القُبُورِ وأُفقَدُ
أحاذر أن أَصلى جحيمًا وأن أرىصريعًا لنارٍ حرُّها يتوقَّدُ
فلا تطمعي في أن أزورَكِ طائِعًاوأنتِ لغيري بالخناء مُعَوَّدُ

فأجابته الفتاة تقول:

أمرتَ بتقوى الله والصبر والتقىفكيف؟ وما لي من سبيل إلى الصبر
وهل تستطيع الصبر حرى حزينةٌمعذَّبةٌ بالحُبِّ موُقَّرة الظهرِ؟
ووالله ما أدعوك يا حُبُّ للذيتظُنُّ، ولكن للحديث وللشعر
وكي نتداوى ما تراكَد داؤهمن الشوق والحبِّ الذي لك في صدري
ولستُ فدتْكَ النفس أبغيك مَحرَمًاوما ذاك مِن شأني ولا ذاك من أمري
وما حاجتي إلا الحديثُ ومَجلِسٌيُسَكِّنُ دَمعًا يستهِلُّ على النَّحرِ

قال، فأجابها الفتى:

مَنَعَ الزيارة أن أزورك طائِعًاأخشى الفساد إذا فعلتُ فنعتدي
أخشى دُنُوًّا منك غير مُحلَّلٍفأكون قد خالفتُ دين مُحمَّدِ
فأخاف أن يَهواك قلبيَ شارِفًافيكون حتفي بالذي كسبَتْ يدي
فالصبر خيرُ عزيمةٍ فاستَعصِميوإلى إلهك ذي المعارج فاقصدي
وإذا أتتكِ وساوِسٌ وتفكَّرٌوتذكَّرٌ فلكل ذلك فاطرُدي
وعليكَ ياسين فإن بدرسهاتُنفى الهُمومُ وذاك نفسكِ عوِّدي

فأجابته الفتاة وهي تقول:

لعَمرُكَ ما ياسينُ تُغني من الهوىوقُرْبُكَ من ياسينَ أشهى إلى قلبي
فدع ذكر ياسينَ فليس بنافعيفإنيَ في غَمرِ الحياةِ وفي كربِ
تحرَّجتَ عن إتياننا وحديثنافقتلي إن فكَّرتَ من أكبر الذَّنبِ
وإتياننا أدنى إلى الله زُلفَةًوأحسنُ من قتل المُحبِّ بلا عَتبِ

قال: فلما قرأ بِشرٌ هذه الأبيات غضب غضبًا شديدًا، وحلف لا يمرُّ بباب هندٍ ولا يقرأ لها كتابًا، فلم امتنع كتبت إليه تقول:

سألتُ ربي فقد أصبحتَ لي شجنًاأن تُبتلى بهوى مَن لا يُباليكا
حتى تذوقَ الذي قد ذُقتُ من نَصَبٍوتطلُب الوصل ممَّن لا يؤاتيكا
رماكَ ربي بحُمَّاة مُقلقِلَةٍوبامتِناع طبيبٍ لا يُداويكا
وأن تظلَّ بصحراءٍ على عَطَشٍوتطلبَ الماء ممَّن ليس يسقيكا

فلما لج بشرٌ وترك الممر ببابها، أرسلت إليها بوصيفة لها فأنشدتْه هذه الأبيات، فقال للوصيفة: لأمرٍ ما لا أمرُّ. فلما جاءت الوصيفة أخبرتها بقول بِشر، فكتبت وهي تقول:

كفِّرْ يمينك! إن الذنب مغفورُواعلم بأنَّك إن كفَّرتَ مأجورُ
لا تطرُدَنَّ رسولي وارثيَنْ لهإن الرسول قليلُ الذنبِ مأمورُ
واعلَم بأني أبيتُ الليل ساهِرةًودمعُ عيني على خدَّيَّ محدورُ
أدعوه باسمِكَ في كَرْبٍ وفي تَعبٍوأنت لاهٍ قريرُ العَينِ مَسرُورُ

فلما لج بشرٌ وترك الممر ببابها اشتدَّ عليها ذلك، ومرضت مرضًا شديدً، فبعث زوجُها إلى الأطباء، فقالت: لا تبعث إليَّ طبيبًا، فإني عرفتُ دائي، قهرني جِنِّي في مُغتَسَلي، فقال لي: تحوَّلي عن هذه الدار، فليس لكِ في جوارنا خير.

فقال لها زوجها: فما أهوَنَ هذا. فقالت: إنِّي رأيتُ في منامي أن أسكن بطحاء تُراب. قال: اسكني بنا حيثُ شئتِ. فاتَّخذت دارًا على طريق بشر، فجعَلت تنظر إليه كُلَّ غداةٍ إذا غدا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى برأت من مرضها، وعادت إلى حُسنِها، فقال لها زوجُها: إنِّي لأرجو أن يكون لك عند الله خيرٌ لما رأيتِ في منامِكِ أن اسكني بطحاء تراب، فأكثري من الدعاء.

وكانت مع هندٍ في الدار عجوزٌ، فأفشَتْ إليها أمرَها، وشكت ما ابتُليت به، وأخبرتها أنها خائفة إن علم بشر بمكانها أن يَترك الممر في طريقه، ويأخذ طريقًا آخر. فقالت لها العجوز: لا تخافي، فإني أعلم لك أمرَ الفتى كلِّه، وإن شئتِ أقعدتُك معه ولا يشعرُ بمكانك. قالت: ليت ذاك قد كان.

فقعَدت العجوز على باب الدار، فلما أقبل بشرٌ قالت له العجوز: يا فتى! هل لك أن تكتب لي كتابًا إلى ابنٍ لي بالعراق؟ قال بشر: نعم! فقعد يكتب، والعجوز تُملي عليه وهندٌ تسمع كلامهما، فلما فرغ بشر قالت العجوز لبشر: يا فتى! إنِّي لأظُنُّكَ مَسحورًا. قال بشر: وما أعلمكِ بذلك؟ قالت له: ما قلُتُ لك حتى علمت، فما الذي تتَّهم؟ قال لها: إنِّي كنتُ أمرُّ على جُهينة، وإن قومًا منهم كانوا يُرسلون إليَّ ويدعونني إلى أنفُسهم، ولست آمنُهم أن يكونوا قد أضمروا لي شرًّا. قالت له العجوز: انصرف عني اليوم حتى أنظر في أمرك.

فلما انصرف دخلت إلى هند فقالت: هل سمعتِ ما قال؟ قالت: نعم! قالت: أبشري، فإني أراه فتًى حدَثًا لا عهدَ له بالنساء، ومتى ما أتى وزيَّنتُك هنيئة وطيَّبتُك، وأدخلتُك عليه، غلبتْ شهوتُه وهواه دينه، فانظري أيَّ يوم يخرج زوجُك إلى القرية، فأخبريني.

فبعث النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى العجوز وهند، فأحضرهما، فأقرَّتا بين يديه، فقال: الحمدُ لله الذي جعلَ من أمتي نظير يوسف الصِّدِّيق. ثمَّ قال لهند: استغفري لذنبك. وأدَّب العجوز، وقال لها: أنتِ رأسُ الخطيئة. فرجع بِشرٌ إلى منزِله وهندٌ إلى منزلها، فهاجَ بِشرًا حبُّ هند، فسكَت حتى إذا قضت عدَّتها بعث إليها يخطُبُها، فقالت: والله لا يَتزوَّجني وهو قد فضحَنني عند رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.

ثمَّ مرض من حُبِّها، وعاد إليها الرسول، فقال: إنه مريض، وإنك إن لم تفعلي ليموتن. فقالت: أماتَه الله، فطال ما أمرَضَني.

قال: ومرض بِشرٌ فاشتدَّ مرضُه، وبلغَ أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم فأقبلوا إليه يعودونه، فقال بعضهم: أنا أرجو أن يُعذِّبَ الله هندًا، وأنشأ يقول:

إلهي إنِّي قد بُليتُ من الهوىوأصبحتُ يا ذا العرش في أشغلِ الشغلِ
أكابدُ نفسًا قد تولَّى بها الهوىوقد ملَّ إخواني وقد ملَّني أهلي
وقد أيقَنَت نفسي بأنيَ هالِكٌبهندٍ وأني قد وهَبتُ لها قتلي
وإني وإن كانتْ إليَّ مُسيئَةًيَشُقُّ عليَّ أن تُعَذَّبَ مِن أجلي

قال: فشهق شهقةً فمات رحمه الله، وأقامت عليه أخته مأتَمًا، فقامت تندُبُه، فجاءت هند، وأخته تقول:

وا بِشراه من لوعة الهوى قد تولَّىوا بِشراه ذو الحاجات لا تُقضى
وا بِشراه شبابه ما تملَّىوا بِشراه صحيحًا قد تولَّى
وا بِشراه لكتابه ما أقراوا بِشراه بين أصحابه لا يُرى
وا بِشراه للضيف ما أقرىوا بِشراه مُعجِّلًا إلى الغُرَبَا

قال: فلما سمعتْ هند صرَخت صرخةً ووقعت ميِّتةً رحمهما الله وذُهِبَ بها فدُفِنَت مع بِشر، فلما مضت أيام جاءت العجوز إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقالت: يا رسول الله، أنا رأس الخطيئة كما قلت، أنا التي كنتُ سبب الأمر، وقد خشيتُ أن لا تكون لي توبةٌ. فقال النبي صلى الله عليه وسلم : «استغفري لذنبك وتوبي، فإن الله تعالى يقبلُ التوبةَ النصوح.»

آخر حديثهما رحمهما الله.

النص من طبعة مؤسسة هنداوي كما في «مدونة الكتب العربية الإلكترونية» (رخصة المشاع الإبداعي: نسب المصنف ٤٫٠)، والنص الأصلي في الملكية العامة، بعد حذف الحواشي. الرخصة · مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الجزء الثاني

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.