من «الفاخر» للمفضل بن سلمة (ت ٢٩٠هـ)
قولهم صحيفة المتلمس
كان من حديثهما أن عمرو بن المنذر بن امرئ القيس كان يرشِّح أخاه قابوس
بن المنذر، وهما لهند بنت الحارث بن عمرو الكندي آكل الُمرار، ليملك بعده. فقدم عليه المتلمس وطرفَة فجعلهما في صحابة قابوس وأمرهما بلزومه. وكان قابوس شابّاً يُعجبه اللهو، وكان يركب يوماً في الصيد فيركض يتصيّد وهما معه يركضان حتى يرجعا عشيّة وقد لَغِبا، فيكون من قابوس من الغد في الشراب فيقفان بباب سُرادقه إلى العشيّ. فكان قابوس يوماً على الشراب فوقفا ببابه النهار كله ولم يصلا إليه، فضجِر طَرَفة فقال:
لَيْتَ لنا مكانَ المَلْكِ عَمْروٍرَغُوثاً حول قُبَّتِنا تَخُورُ
مِنَ الزَّمِراتِ أَسْبَلَ قادِماهَاوضَرَّتُهَا مُرَكَّنَةٌ دَرُورُ
يُشَارِكُنَا لَنَا رَخِلان فيهاوَتَعْلُوها الكِباشُ وما تَثُورُ
لَعَمْرُكَ إنّ قابوسَ بنَ هِنْدٍلَيَخْلِطَ مُلْكَه نَوْكٌ كَثِيرُ
قسمتَ الدَّهْرَ في زَمَنٍ رَخِيٍّكذاك الحُكْمُ يَقصِدُ أوْ يَجُورُ
لَنَا يَوْمٌ وللكِرْوَانِ يَوْمٌتَطيرُ البائِساتُ ولا نَطيِرُ
فأمَّا يومُهُنَّ سُوءٌتُطارِدُهُنَّ بالحَدَبِ الصُّقُورُ
وأمَّا يَوْمُنا فَنَظَلُّ رَكْباًوُقوفاً ما نَحُلُّ ولا نَسِيرُ
وكان طرفة عدوّاً لابن عمه عبد عمرو بن بشر بن مرثد. وكان عبد عمرو كريما على عمرو بن هند وكان سميناً فدخل مع عمرو الحمَّام. فلما تجرّد قال عمرو بن هند: لقد كان ابن عمك طرفة رآك حين قال ما قال. وكان طرفةُ هَجا عبد عمرو فقال:
لاخَيْرَ فيه غير أَنَّ له غِنىًوأنَّ له كَشْحاً إذا قام أَهْضَمَا
تَظَلُّ نِساءُ الحَيِّ يَعْكُفْنَ حَوْلَهيَقُلْنَ عَسِيبٌ من سَرارَةِ مَلْهَمَا
له شَرْبَتان بالعَشِيِّ وشَرْبةٌمن اللَّيْلِ حتى آضَ جِبْساً مُوَرِّما
كأنَّ السِّلاح فوقَ شُعْبَةِ بانَةٍتَرَى نَفَخاً وَرْدَ الأَسِرَّةِ أَصْحَما
ويَشْرَبُ حتَّى يَغْمُرَ المَحْضُ قَلْبَهوإنْ أُعْطَهُ أترك لقلبِيَ مَجْثَما
قال: فلما قال ذلك، قال عبد عمرو: ما قال لك شرٌ مما قال لي. ثم أنشده:
لَيْتَ لنا مَكَانَ المَلْك عَمْروٍ
فقال عمرو: ما أُصدقك عليه. وقد صدقه ولكنه خاف أن يُنذره وتُدركه الرَّحِم. فمكث غير كثير. ثم دعا المتلّمس وطرفة فقال: لعلكما قد اشتقتما إلى أهلكما وسرّكما أن تنصرفا. قالا: نعم. فكتب لهما إلى عامله على هَجَر أن يقتلهُما. وأخبرهما أنه كتب لهما بحِباءٍ ومعروف. وأعطى كل واحد منهما شيئاً فخرجا. وكان المتلمّس قد أسنَّ. فمرا بنهر الحيرة على غلمان يلعبون. فقال المتلمّس: هل لك في أن تنظر في كتابينا فإن كان فيهما خيرٌ مضينا له وإن كان شراً ألقيناهما؟ فأبى عليه طرفة. فأعطى المتلمّس كتابه بعض الغلمان فقرأه عليه، فإذا فيه السَوءة فألقى كتابه في الماء. وقال لطرفة: أطعني وألقِ كتابك، فأبى طرفة، ومضى بكتابه إلى العامل فقتله. ومضى المتلمس حتى لحق بملوك بني جفنة بالشام. فقال المتلمس في ذلك:
مَنْ مُبْلِغُ الشَّعَرِاءَ عن أَخَوَيْهِمُنَبَأً فَتَصْدُقَهُمْ بذاك الأَنْفُسُ
أَوْدِى الَّذِي عَلِقَ الصَّحِيفَةَ منهماونَجَا حِذَارَ حِبائه المُتَلَمِّسُ
النص من طبعة دار إحياء الكتب العربية بالقاهرة (١٣٨٠هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع