تجاوز إلى المحتوى

من «الفاخر» للمفضل بن سلمة (ت ٢٩٠هـ)

يوم الفرُوقُ

فلما أُصيبَ أهلُ الهباءة استعظمت غطفان قتل حذيفة وكبُر ذلك عندها فتجمعوا. وعرفت عبسٌ أن لا مقام لها بأرض غطفان، فخرجت متوجهةً نحو اليمامة

يطلبون أخوالهم. وكانت عبلة بنت الدول بن حنيفة أم رواحة. فأتوا قتادة بن مسلمة فنزلوا اليمامة زمنياً. فمر قيس ذات يوم مع قتادة فرأى قحفاً فضربه رجله وقال: كم من ضيمٍ قد أقررت به مخافة هذا المصرع ثم لم تئل منه. فلما سمعها قتادة كرهها وأوجس منه، فقال: ارتحلوا عنا. فارتحلوا حتى نزلوا لو أهجر بيني سعد بن زيد مناة بن تميم فمكثوا فيهم زمنياً.

ثم إن بني سعد أتوا الجون ملك هجر فقالوا: هل لك في مهرةٍ شوهاء، وناقة حمراء، وفتاة عذراء؟ قال: نعم. قالوا: بنو عبسٍ غارون نُغير عليهم مع جندك وتسهم لنا من غنائمهم. فأجابهم. وفي بني عبسٍ امرأة من بني سعد ناكحٌ فيهم، فأتاها أهلها ليضموها وأخبر وها الخبر، فأخبرت به زوجها، فأتى قيساً فأخبره، فأجمعوا على أن يرحلوا الظعائن وما قوى من الأموال من أول الليل، ويتركوا النار في الرثة فلا يُستنكر عنهم عن منزلهم، وتقدم الفرسان إلى الفروق فوقفوا دون الظعن. وبين الفروق وسوق هجر نصف يومٍ، فإن تبعوهم قاتلوهم وشغلوهم حتى تُعجز الظعن ففعلوا ذلك. فأغارت عليهم جنود الملك مع بني سعدٍ في وجه الصبح فوجدوا الظعن قد أسرين ليلتهنَّ، ووجدوا المنزل خلاء، فأتبعوا القوم حتى انتهوا إلى الخيل بالفروق فقاتلوهم حتى خلوا سربهم. فمضوا حتى لحقوا الظعن فساروا ثلاث ليالٍ وأيامهن حتى قالت بنت قيس لقيس: يا أبتاه أنسبر الأرض؟! فعلم أن قد جهدت فقال: أنيخوا. فأناخوا ثم ارتحل، ففي ذلك يقول عنترة:

ونحنُ منعنا بالفروق نساءَنانطرفُ عنها مُشعلاتٍ غواشيَا
للشاعر عنترة بن شداد، من قصيدة «ألا قاتل الله الطلول البوالي»
حفتُ والخيلُ تدمَى نُحورُهانفارقكم حتى تهزوا العواليَا
ألمْ تعلموا أنّ الأسنَّة أحرزَتْبقيتَنَا لو أنَّ للدهرِ باقيَا
للشاعر عنترة بن شداد، من قصيدة «ألا قاتل الله الطلول البوالي»
ونحفَظ عوراتِ النساءِ ونتَّقىعليهنَّ أنْ يلقين يوماً مخازِياً
للشاعر عنترة بن شداد، من قصيدة «ألا قاتل الله الطلول البوالي»

فلحقوا ببني ضية ويزعمون أن مالك بن بكر بن سعد وعبساً أخوان لأم ويقال لهم ابنا ضجام فكانوا فيهم زمنياً. وأغارت ضبة، وكانت تميم تأكلهم قبل أن يترببوا، فأغاروا على بني حنظلة، فاستاق رجل من بني عبس امرأةً من بني حنظلة في يوم قائظ حتى بهرها ولهثت. فقال رجل من بني ضبة: ارفق بها. فقال العبسي: إنك بهالرحيم؟ فقال الضبي: وما يمنعني ذلك. فأهوى العبسي لعجزها بطرف السنان فنادت: يال حنظلة. فشد الضبي على العبسي فقتله. وتنادى الحيان ففارقتهم عبس، فمرت تريد الشام.

وبلغ بني عامرٍ ارتفاعهم نحو الشام فخافوا انقطاعهم من قيس. فخرجت وفود بني عامرٍ حتى لحقتهم، فدعتهم إلى أن يرجعوا ويحالفوهم. فقال قيس: يا بني عبس! حالفوا قوماً في صيابة بني عامر ليس لهم عدد فيبغوا عليكم بعددهم، فإن احتجتم أن يقوموا بنصرتكم قامت بنو عامر. فحالفوا معاوية بن شكل، فمكثوا فيهم. ثم إن شاعراً يقال إنه بن همارق أحد بني عبد الله بن غطفان، ويقال إنه النابغة الذبياني قال:

جزَى الله عبساً ابن بغيضٍجزاءَ الكلابِ العاوياتِ وقدْ فعَل
بما انتهكوا من ربِّ عدنانَ جهرةوعوفٌ يُناجيهم وذلكُمُ جللْ
فأصبحتُمُ واللهُ يفعلُ ذاكُميعزٌّ كم مولَى موالِيكُم شَكَلْ

فلما بلغت قيساً قال: ما له قاتله الله أفسد علينا حلفنا!؟ فخرجوا حتى أتوا بني جعفر بن كلاب. فقالوا: نكره أن تسامع العرب أنَّا حالفناكم بعد الذي كان بيننا وبينكم، ولكنكم حلفاء بني كلاب. فكانوا فيهم حتى كان يوم جبلة فتهايجوا في شأن قتل ابن الجون، قتله رجل من بني عبسٍ بعد ما أعتقه عوف بن الأحوص. فقال عوف: يا بني جعفر إن بني عبسٍ أدنى عدوكم إليكم، إنما يجمون كراعهم ويحدون سلاحههم، ويأسون قرحهم فيكم، فأطيعوني وشدوا عليهم قبل أن يندملوا، وقال:

إنّى وقيساً كالمسمِّن كلبَهفخدَّشهُ أنيابُه وأظافرُه
للشاعر عوف بن الأحوص، اقرأ القصيدة

فلما بلغ ذلك بني عبس أتوا ربيعة بن قرط أحد بني أبي بكر بن كلاب فحالفوه. فقال في ذلك قيس:

أحاولُ ما أحاول ثم آوىإلى جارٍ كجارِ أبي دُؤاد
منيعٍ وسطِ عكرمَة بنِ قيسٍوهُوبٍ للطريفِ وللتلادِ
كفاني ما خشيتُ أبو هلالٍبذاتِ الرِّمثِ كالحِدَاءِ الغوادي

النص من طبعة دار إحياء الكتب العربية بالقاهرة (١٣٨٠هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «الفاخر»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.