من «الفاخر» للمفضل بن سلمة (ت ٢٩٠هـ)
قولهم البلاء موكل بالمنطق
يقال إن أول من قال ذلك أبو بكر الصديق ﵀. وكان من خبره فيما ذكر ابن عباس قال: حدثني علي بن أبي طالب ﵄، قال: لما أمر النبي ﷺ أن يعرض نفسه على قبائل العرب خرج وأنا معه وأبو بكر،
فدفعنا إلى مجلس من مجالس العرب. فتقدم أبو بكر وكان رجلاً نسابة فسلَّم فردوا ﵇. فقال: ممن القوم؟ قالوا: من ربيعة. قال: أمن هامها أو من لهازمها. قالوا: بل من هامتها العظمى. قال: وأي هامتها العظمى أنتم؟ قالوا: ذهلٌ الأكبر. قال: أفمنكم عوف الذي كان يقال: لا حرَّ بوادي عوفٍ؟ قالوا: لا. قال: أفمنكم بسطامٌ ذو اللواء ومنتهى الأحياء؟ قالوا: لا. قال: أفمنكم الحوفزان قاتل الملوك وسالبها أنفسها؟ قالوا: لا. قال: أفمنكم المزدلف صاحب العمامة الفردة؟ قالوا: لا. قال: أفأنتم أخوال الملوك من كندة؟ قالوا: لا. قال: أفأنتم أصهار الملوك من لخمٍ؟ قالوا: لا. قال: فلستم ذهلاً الأكبر بل أنتم ذهلٌ الأصغر. فقام إليه غلامٌ من شيبان حين بقل وجهه يقال له دغفل، فقال:
إنَّ على سائلنا أنْ نسألهْوالعبءُ لا تعرفُه أوْ تحملَهْ
ثم قال: يا هذا إنك سألتنا فلم نكتُمك شيئاً. فمن الرجل أنت؟ قال: رجل من قريش. قال: بَخٍ بَخٍ أهلُ الشرف والرياسة. فمنْ أي قريش أنت؟ قال: من تيمِ بن مرة. قال: مكنت والله الرامي من صفاء الثغرة. أفمنكم قصيٌ بن كلاب الذي جمع القبائل من فهر فكان يدعى مجمعاً؟ قال: لا. قال: أفمنكم هاشم:
الذي هشمَ الثريدَ لقومهِورجالُ مكةَ مسنتُون عجافُ؟
قال: لا. قال: أفمنكم شيبة الحمد مطعم طير السماء، الذي كان وجهه قمراً يضيء ليل الظلام الداجي؟ قال: لا. قال: أفمن المفضين بالناس أنت؟ قال: لا. قال: أفمن أهل الحجابة أنت؟ قال: لا. قال: أفمن أهل السقاية أنت؟ قال: لا. قال: فاجتذب أبو بكر زمام ناقته فرجع إلى رسول الله ﷺ، فقال دغفلٌ:
صادفَ درءُ السيلِ دراءَ يدفعُهْبهيضُه طوراً وطوراً يصدعُهْ
أما والله لو ثبت لأخبرتك أنك من زمعات قريش أو ما أنا بدغفل. فتبسم رسول الله ﷺ. قال علي: فقلت لأبي بكر: لقد وقعت من الأعرابي على باقعةٍ قال: أجل. إن لكل طامةٍ طامة، وإن البلاء موَكلٌ بالمنطق.
قال ثم دفعنا إلى مجلس آخر عله السكينة والوقار. فتقدم أبو بكر فسلم فردوا ﵇. قال: ممن القوم؟ قالوا: من شيبان بن ثعلبة. فالتفت أبو بكر إلى رسول الله ﷺ فقال: بأبي أنت وأمي ليس بعد هؤلاء عز في قومهم. وكان في القوم
مفروق بن عمرو، وهانئ بن قبيصة، والمثنى بن حارثة، والنعمان بن شريك. وكان مفروق بن عمروٍ بارعاً جمالاً ولساناً. وكانت له غديرتان، وكان أقرب القوم إلى أبي بكر مجلساً. فقال له أبو بكر: كيف العدد فيكم؟ قال: إنا لنزيد على ألف، ولن تغلب ألف من قلة. قال: كيف المنعة فيكم؟ قال: علينا الجهد ولكل قوم جد. قال: وكيف الحرب فيما بينكم وبين عدوكم؟ قال: إنا أشد ما نكون لقاءً حين نغضب، وأشد ما نكون غضباً حين نلقى، وإنا لنؤثر جيادنا على أولادنا، والسلاح على اللقاح، والنصر من عند الله جل وعز، بديل لنا وبديل علينا. لعلك: أخو قريش. قال: إن كان بلغكم أنه رسول الله فهاهو هذا. قال: قد بلغنا أنه يقول ذاك. فإلى مَ تدعو يا أخا قريش؟ قال رسول الله ﷺ: إن الله أرسلني إلى خلقه. وإني أدعوكم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، وأن تؤوني وتنصروني، فإن قريشاً ظاهرت عن أمر الله وكذبت أيضاً؟ فتلا (قلْ تعالوا أتلُ ما حرمَ ربكُمْ عليكمْ ألا تشرِكوا به شيئاً وبالوالدين إحساناً، ولا تقتلوا أولادكم من إملاقٍ نحن نرزقكم وإياهم، ولا تقربوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن، ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق، ذلكم وصاكم به لعلكم تعقلون).
قال: وإلى ما تدعو أيضاً؟ فتلا عليهم (إن الله يأمرُ بالعدلِ والإحسانِ وإيتاء ذي القربى، وينهى عن الفحشاءِ والمنكرِ والبغي يعظكُم لعلكُم تذكرونَ).
فقال مفروق بن عمروٍ: دعوت والله إلى مكارم الأخلاق ومحاسن الأعمال. ولقد أفك قوم ظاهروا عليك وكذبوك. وكأنه أحب أن يشركه في الكلام هانئ بن قبيصة، وهذا هانئ بن قبيصة شيخنا وصاحب ديننا، فتكلم
هانئ. فقال: يا أخا قريش، قد سمعت مقالتك، وإنا نرى ترك ديننا واتباعك على دينك بمجلس واحد جلسته منا لم ننظر في أمرك ولم نتثبت في عاقبة ما تدعونا إليه زلة في الرأي وإعجالاً في النظر، والزلة تكون مع العجلة، ومن ورائنا قوم نكره أن نعقد عليهم، ولكن نرجع وترجع، وننظر وتنظر. وكأنه أحب أن يشركه في الكلام المثنى بن حارثة، قال: وهذا المثنى بن حارثة شيخنا وكبيرنا وصاحب حربنا. فتكلم المثنى بن حارثة فقال: يا أخا قريش، قد سمعت مقالتك فأما الجواب في تركنا ديننا واتباعنا إياك على دينك فهو جواب هانئ بن قبيصة، وأما أن نؤويك وننصرك فإنا نزلنا بين صيرين من اليمامة والسمامة. فقال رسول الله ﷺ: وما هذان الصيران؟ فقال: مياه العرب وأنهار كسرى. فأما ما كان مما يلي مياه العرب فذنب صاحبه مغفور وعذره مقبول، وأما ما كان مما يلي أنهار كسرى فذنب صاحبه غير مغفور وعذره غير مقبول. وإنما نزلنا على عهد أخذه علينا كسرى ألا نحدث حدثاً ولا نؤوى محدثاً، ولسنا نأمن أن يكون الأمر الذي تدعونا إليه مما يكرهه الملوك. فإن أحببت أن نؤويك مما يلي مياه العرب أويناك ونصرناك. فقال رسول الله ﷺ: ما أسأتم في الرد إذ أفصحتم بالصدق. وليس يقوم بدين الله جل وعز إلا من حاطه من جميع جوانبه. أرأيتم إن لم تلبثوا إلا يسيرا حتى يمنحكم الله أموالهم ويورثكم ديارهم ويفرشكم نساءهم، أتسبحون الله وتقدسونه؟ فقال النعمان بن شريك: اللهم لك ذاك. قال فتلا رسول الله ﷺ (إنا أرسلناك بالحق بشيراً ونذيراً) (وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً).
ثم نهض رسول الله ﷺ وأحذ بيدي وقال: يا علي! أي أحلام في الجاهلية بها يكف الله بأس بعضهم عن بعض ويتحاجزون في هذه الحياة الدنيا!
النص من طبعة دار إحياء الكتب العربية بالقاهرة (١٣٨٠هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع