من «الروزنامجة» للصاحب بن عباد (ت ٣٨٥هـ)
فصلٌ
وردتُ - أدام الله عزَّ مولانا - العراق، فكان أوَّل ما اتفق لي استدعاء مولاي الأستاذ أبي محمد أيَّده الله، وجمعه بين ندمائه من أهل الفضل وبيني، وكان الذي كلَّمني منهم شيخ ظريف، خفيف الروح أديب، متقعِّر في كلامه
لطيف يُعرفَ بالقاضي ابن قريعة، فإنه جاراني في مسائل خفَّتُها تمنع من ذكرها واقتصاصها، إلا أني استظرفت قوله في حشو كلامه: هذا الذي أورْدَتهُ الصافَّة عن الصافَّة، والكافَّة عن الكافة، والحافَّة عن الحافة.
وله نوادر غريبة ومِلحُ عجيبة منها:
إن كهلاً تطايب بحضرة الأستاذ أبي محمد أيَّدَه الله، فسأله عن حدِّ القفا مريداً تخجيله، فقال هو ما اشتمل عليه جِربّانُك، ومازحك فيه إخوانك، وباسطك فيه غلمانك، وأدَّبك عليه سلطانُك، فهذه حدودُ أربعة.
فانصرفت وقد ورد الخبرً بِمُضيِّ أبي الفضل صاحب البريد ﵁ ورحمه، وأنسأ أَجَلَ مولانا ومدَّ فيه -، فساعدتُ القومَ على الجلوس للتعزية عنه، لِمَا كان من الحال الذي يُعْرَف بيني وبينه:
صِلةٌ غدتْ في الناسِ وهيَ قطيعةٌعجباً وبِرٌّ راح وهو جفاءُ
فما تمكَّنْتُ أنْ جاءني رسولُ الأستاذ أبي محمد - أيَّده الله - يستدعيني، فعرَّفته عذري وحسبته يعفيني، فعاودني بمن استحضرني، فدخلتُ عليه وقد قعد....، ثم قال: أتعرف أحسنَ صنيعاً منّي بك؟ وقد نقلتك عن وا حرباه إلى وا طرباه، وسمعت عنده خادمه المسمَّى سلافاً وهو يضرب بالطنبور، ويجيد ويغنّي ويحسن، وفيه يقول - وقد شربنا عنده سلافاً -:
قد سمعنا وقد شربنا سلافاًوجَمَعنا بلطفه أوصافا
وشاهدت من حسن مجلسه، وخفَّة روح أدبه، وإنشاده
الصنوبري وطبقته، ما طاب به الوقت، وهشَّت له النفس، وشاكل رقَّة ذلك الهوى، وعذوبة ذلك اللمى.
وكان فيما أنشدني لنفسه، وقد عمله في بعض غلمانه:
خطط مقوَّمةٌ ومفرقُ طُرَّةٍفكأنَّ سُنَّةَ وجهه محراب
وَرَّيْتُ في كشفِ الذي ألقى بهفتعطَّل النَّمام والمغتاب
فانصرفتُ عنه، وجعلت ألقاه في دار الإمارة، وهو على جملةٍ من البرِّ والتكرمة، حتى عرفتُ خروجَه إلى بستانٍ بالياسريَّة لم يُرَ أحسن منه ولا أطيبُ من يومه فيه، لا أنَي حضرتُه ولكني حُدِّثْتُ بما جرى له، فكتبتُ إليه شعراً:
قل للوزير أبي محمدٍ الذيمن دون محتدِهِ السهى والفرقَدُ
مَنْ أن سما هبط الزمانُ وريبُهأو قام فالدهرُ المغالِبُ يقعدُ
سقَّيتني مشمولةً ذهبيةًكالنار في نور الزجاجة توقَدُ
لمَّا تخون صرفُ دهرٍ عارضٍصبري وقلبي مستهامٌ مُكمدُ
وفطمتني من بعدها عنها فقدأصبحتُ ذا حزنٍ يقيم ويقعدُ
من أين لي مهما أردتُ الشربَ عندك يأخا العلياء صبرٌ يوجدُ
فاستطاب هذا الشعر وأُعجِبَ به، واستدعاني من غده
النص من طبعة مكتبة النهضة ببغداد (١٣٨٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع