من «الروزنامجة» للصاحب بن عباد (ت ٣٨٥هـ)
فصل (٣)
ما بينهما سواه. أمتعنا الله به ورعاه. وحديثهُ عجب، وإن استوفيتُه ضاع الغرض الذي قصدتُه، على أنه - أيَّد الله مولانا - من سعة النفس والخلق، ووفور الأدب والفضل، وتمام المروءة والظرف، بحالٍ أعجزُ عن وصفها. وأدلُ على جملتها: أنه - مع كثرة عياله واختلال أحواله - طلب سيف الدولة جاريته المغنِّية بعشرين ألف درهم أحضرها صاحبه، فامتنع من بيعها، وأعتقها وتزوَّج بها.
فصلٌ
وسمعتُ عنده أبا الحسن بن طرخان، وقد نمِي إلى
سيدنا خبر فنِّه وحذقه، والفتى يُبرز مع التمسك بمذهبه، وليس بالعراق ولا شيءٍ من الآفاق طنبوريٌّ يشاكله أو يقاربه. ومما يُغَنّى به من شعر أبي الحسن ويُحْلَفُ على الرسم أنْ لا مُداني له فيه:
بيني وبين الدهر فيك عتابُسيطولُ إنْ لم يمحهُ الاعتابُ
يا غائباً بوصاله وكتابِهِهل يُرتجى من غَيْبَتَكَ ايابُ
وإذا بعدت فليس لي متعلَّلٌإلا رسولٌ بالرضا وعتابُ
وإذا دعوت مساعداً فهو المنىسعد المحبُّ وساعد الأحباب
لولا التعلل بالرجاء تقطَّعَتْنفسٌ عليك شعارُها الأوصاب
لا يأس من رَوْح الإله فربَّمايصل القطوع وتحضر الغيّابُ
وقال الصاحب: توفَرْتُ على عِشْرة فضلاء البلد، فأولُ مَنْ كارثني أولاد المنجِّم، لفضل أبي الحسن علي بن هارون وغزارته، واستكثاري من روايته، وطيب سماعه ولذيذ عِشْرته، فسمعتُ منه أخباراً عجيبة، وحكايات غريبة، ومن ستارته أصواتاً نادرة مشنَّفةً مقرطقة، يقول في كلٍّ منها: الشعر لفلان والصنعة لفلان، أخَذَتْهُ هذه عن فلانٍ أو فلانة، حتى يتصل النسب بإسحاق أو غيره من أبناء جنسه، وكان أكثر ما يعجَبُ به مولاها أبيات له، أولها:
ضلَّ الفراق ولا اهتدىونأتْ فلا دنت النوى
وهوى فلا وجد القرارَ مُعَنِّفٌ أهلَ الهوى
فاتفق أنْ سألتُ - أولَ ما سمعتُ اللحن فيه - عن قائله، فغضب واستشاط، وتنكّر واستوفز، ونفر وتنمَّر وقال: تقول لمن هذا؟ أما يدلُّ على قائله؟ أما يُعرب عن جوهره؟ أما
ترى أثَرَ بني المنجم على صفحته؟ أما يحميه لألاؤه أو لوذعيَّته من أن يُدال بمَنْ وممَّنْ هو الرجل؟
وحدَّث في كتاب الروزنامجة:
وانتهيتُ إلى أبي سعيدٍ السيرافيِّ، وهو شيخ البلد، وفرد الأدب، وحسن التصرف، ووافر الحظ من علوم الأوائل، فسَّلمتُ عليه، وقعدتُ إليه وبعضهم يقرأ الجمهرة، فقرأ
ألْمَقْتُ، فقلت: لَمَقْتُ، فدافعني الشيخ ساعة ثم رجع إلى الأصل فوجد حكايتي صحيحة. واستمر القارئ حتى أنشد - وقد استشهد -:
رسمُ دارٍ وقفتُ في طَلَلِهْكدتُ أُقَضِّي الغَداة من جَلَلِهْ
فقلتُ: أيها الشيخ! هذا لا يجوز، والمصراعان على هذا النشيد يخرجان من بحريَنْ، لأنَّ:
رسم دارٍ وقفتُ في طلَلَهْكدتُ أُقَضِّي الغداة من جلَلَهْ
فاعلاتُنْ مفاعِلُنْ فَعِلُنْمفتعِلُنْ مَفْعلاتٌ مفتعِلُنْ
فذاك من الخفيف وهذا من المنسرح. فقال: لم لا تقول: الجميع من المنسرح والمصراع الأول مخزوم؟، فقلتُ: لا يدخل الخزم هذا البحر، لأن أوَّله مستفعلن مفاعلن، هذه مزاحَفةٌ عنه. وإذا حذفنا متحركاً بقَّيْنا ساكناً، وليس في كلام العرب ابتداءٌ به، وإنما هو:
كدتُ أقْضِي الغداةَ من جلله
بتخفيف الضاد. فأمر بتغييره، ورفعني إلى جنبه.
وابتدأ فقرئ عليه من كتاب المقتضب باب ما يجري وما لا يجري، إلى أن ذكر وسحَر وأنه لا ينصرف إذا كان لسحر بعينه، لأنه معدول عن الأول. فقلتُ: ما علامة العدل فيه؟ فقال: إنّا قلنا: السحر، ثم قلنا سحر، فعلمنا أن الثاني معدول عن الأول. قلتُ: لو كان كذلك لوجب أن تطَّرد العلَّة في عتمة، لأنك تقول: العتمة، ثم تقول: عتمة. فضجر واحتدَّ، وصاح واربدَّ، وادَّعيتُ أنه ناقص، والتمس التحاكُم، فكتبتُ رسالةً أخذتُ فيها خطوط أهل النظر، وقد أنفذتُ درجَ كتابي نسختها، وفيها خط أبي عبد الله بن رذامر عين مشايخهم. ورأيت الشيخ بعد ذلك غزيراً فاضلاً، متوسعاً عالماً، فعلَّقت عليه، وأخذتُ منه، وحصلت تفسيره لكتاب سيبويه، وقرأتُ صدراً منه. وهناك أبو بكر بن مقسم، وما في أصحاب
ثعلب أكثر دراية وما أصح رواية منه، وقد سمعتُ مجالسه، وفيها غرائب ونكت، ومحاسن وطرف، من بين كلمة نادرة، أو
مسألة غامضة، وتفسير بيت مشكل، وحلِّ عقد معضل. وله قيام بنحو الكوفيين وقراءاتهم، ورواياتهم ولغاتهم. والقاضي أبو بكر بن كامل بقية الدنيا في علوم شتى، يعرف الفقه والشروط والحديث، وما ليس من حديثنا، ويتوسَّع في النحو توسُّعاً مستحسناً، وله في حفظ الشعر بضاعة واسعة، وفي
جودة التصنيف قوة تامة، ومن كبار رواة المبرد وثعلب والبحتري وأبي العيناء وغيرهم، وقد سمعتُ قدراً صالحاً مما عنده، وكنت أُحبُّ أن أسمع كلام أهل النظر بالعراق، لما تتابع في حذقهم من الأوصاف.
ومن كتاب الروزنامجة قال الصاحب:
ما زال أحداث بغداد يذكِّرونني بابن سمعون المتصوف وكلامه على الناس في مكان الشبلي فجمَّعتُ يوماً في المدينة وعليَّ طيلسان ومُصْمتةَ، ووقعتُ عليه وقد لبس فوطة قصب، وقعد على كرسيِّ ساج، بوجهٍ حسن ولفظ عذب، فرأيتُه يقطع مسائله بهوسٍ يطيله ويسهب فيه، فقلتُ: لا بد من أن أسأله عمَّا أقطع به، وابتدرتُ فقلت: يا شيخ ما تقول في قدسيكونيّات العلم إذا وقعتْ قبل التوهم، فورد عليه ما لم يسمع به، فأطرق ساعة ثم رفع رأسه وقال: لم أؤخر إجابتك عجزاً عن مسألتك بل لأعطشك إلى الجواب، وأخذ في ضرب من الهذيان، فلما سكت قلتُ: هذا بعد التوهم، وإنما سألتُك قبله، إلى أن ضَجر فانصرفتُ عنه.
ومن كلامه ما رواه الصاحب أبو القاسم إسماعيل بن عباد... قال: سمعتُ ابنَ سمعون يوماً وهو على الكرسيِّ في مجلس وعظِهِ يقول: سبحان مَنْ أنطق باللحم، وبصَّر بالشحم، وأسمع بالعظم. إشارة إلى اللسان والعين والأذن.
النص من طبعة مكتبة النهضة ببغداد (١٣٨٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع