من «الروزنامجة» للصاحب بن عباد (ت ٣٨٥هـ)
فصل أيضاً منه
وحضرتُ الأستاذ أبا محمد - أيَّده الله تعالى - في منظرةٍ له على دجلة تنفتح منها أبوابٌ إلى بساتين، فعمل بيتين صُنعا في الوقت وغُنِّيَ بهما، وهما:
لئن عرفت جريراًأو اعتمدت قطيعاً
فلا ظفرتُ بعاصٍولا أطعتُ المطيعا
والبيت الأول يحتاج إلى تفسير، فالمراد بالجرير: جريرة، وبالقطيع: قطيعة. وأنفذ الأستاذ أبو محمد - أيده الله - ليلةً وقد مضى الثلث منها فاستدعاني، وقاد دابة نوبته كي لا أتأخر انتظاراً لدابتي، فمضيتُ وألفَيتْهُ قد انتهى من بستانه الكبيرة إلى مصبِّها من دجلة على ميادين ريحان نضرةٍ، فاستحسن الموضع، وقعد فيه... مع خدمه: أبي الكأس، وسلاف، وأبي المدام، وشراب،
وخندريس، وشمول، وراح. وأمر فَنُصبتْ نحو مائة شمعة في أصول تلك الميادين، صغيرة. وقعدتُ، فغنّى سلاف:
يا شقيقَ النفس من حكمِنمتَ عن ليلي ولم أنَمِ
فقال الأستاذ: بل غنِّ:
يا شقيق النفس من خدميلم يَنَمْ ليلي ولم أنَمِ
غنِّني من شعر ذي حكميا شقيقَ النفس من حكمِ
ولم نزلْ... إلى أن باح الصباح بسرِّه، وقام كلٌّ منّا يتعثَّر في سكره.
يقول الثعالبي في ترجمة الأحنف العكبري: قرأتُ للصاحب فصلاً في ذكره فأورَدْتُه، وهو: لو أنشدتُك ما أنشدنيه الأحنف العكبري لنفسه، وهو
فرد بني ساسانَ اليوم بمدينة السلام، وحَسَنُ الطريقة في الشعر، لامتلأتَ عجباً من ظرفه، وإعجاباً بنظمه، ولا أقل من إيراد موضع افتخاره، فإنه يقول:
على أنّي بحمد اللهِ في بيتٍ من المجدِ
بإخواني بني ساسانَ أهلِ الجِدِّ والجَدِّ
لهم أرض خراسانَفقاشان إلى الهندِ
إلى الروم إلى الزنجإلى البلغار والسندِ
إذا ما أعوز الطَرْقعلى الطُّرّاقِ والجندِ
حذاراً من أعاديهِمْمن الأعراب والكردِ
قطعنا ذلك النهجبلا سيفٍ ولا غمدِ
ومَنْ خاف أعاديهِبنا في الروع يستعدي
ولهذا البيت الأخير معنىً بديع، وتفسيره: يريد أن ذوي الثروة وأهل الفضل والمروءة إذا
وقع أحدهم في أيدي قُطاع الطريق وأحبَّ التخلص قال: أنا مكدّي. فانظر كيف غاص، وأبرز هذا المعنى المعتاص.
يقول الثعالبي في ترجمة المتنبي: وقوله:
تألم درزه والدرزُ لينٌكما يتألَّم العضب الصنيعا
وعلى ذكر الدرز فقد حكى الصاحب في كتاب الروزنامجة من حديث لحظة الطولونية المغنية ما يشبه معنى هذا البيت، وهو أنه قال: سمعتُها تقول: يا جارية عليَّ بالقميص المعمول في النسج فقد آذاني ثقل الدروز.
النص من طبعة مكتبة النهضة ببغداد (١٣٨٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع