من «عجائب المخلوقات وغرائب الموجودات» لزكريا القزويني (ت ٦٨٢هـ)
النوع الأول: الفلزات
وهي الأجساد السبعة زعموا أن تولدها من اختلاط الزئبق والكبريت، فإن كان الزئبق والكبريت صافيين واختلطا اختلاطا تامّا، وشرب الكبريت رطوبة الزئبق كما تشرب الأرض نداوة الماء، وكان فيه قوة صباغة، ومقدارهما متناسبين، وحرارة المعدن تنضجهما على اعتدال، ولم
يعرض لهما عارض من البرد واليبس قبل إنضاجهما انعقد ذلك مع طول الزمان الذهب الإبريز، وإن كان الزئبق والكبريت صافيين، وانطبخا انطباخا تامّا، وكان الكبريت مع ذلك أبيض تولدت منه الفضة، وإن أصابه قبل النضج برد عاقد تولد الخارصين، وإن كان الزئبق والكبريت رديئين وفيهما قوة محرقة تولد النحاس، وإن كان الكبريت غير جيد المخالطة مع الزئبق تولد الرصاص، وإن كان الزئبق والكبريت رديئين وكان الزئبق متحللا أرضيّا والكبريت رديئا تولد الحديد، وإن كان الزئبق والكبريت رديئين وكانا مع رداءتهما ضعيفي التركيب تولد الأسرب؛ فبسبب هذا الاختلاف اختلف أنواع الجواهر المعدنية، وهي العوارض التي تعرض لها من كمية الكبريت والزئبق وكيفيتهما والذي يدل على هذه الأشياء كلها تجربة أهل الصناعة، ولنذكر بعض عجائبها وخواصها العجيبة إن شاء الله تعالى.
(الذهب) طبعها حار لطيف، ولشدة اختلاط أجزائها المائية بأجزائها الترابية لا تحترق بالنار، لا تقدر على تفريق أجزائها ولا تبلى بالتراب، ولا تصدى على طول الزمان وهي لينة صفراء برّاقة حلوة الطعم طيبة الرائحة، ثقيل رزين جدّا؛ فصفرة لونها من ناريتها، ولينها من دهنيتها، وبريقها من صفاء لونها، ورزانتها من ترابيتها، وهي أشرف نعم الله تعالى على عباده؛ إذ بها قوام أمور الدنيا ونظام أحوال الخلق؛ فإن حاجات الناس كثيرة، وكلها تنقضي بالنقود فإن النقدين يباع بهما كل شيء ويشترى بهما كل شيء لرواجهما بخلاف سائر الأموال؛ فإنها لا يرغب فيها كل أحد رغبته في النقود، فإنهما كالقاضيين يقضيان حاجة كل من لقيهما، ولذلك قال الله تعالى: ﴿يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَها فِي سَبِيلِ اللهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ (٣٤)﴾ [التوبة: ٣٤]؛ لأن المقصود منهما تداولهما بين الناس لقضاء حوائجهم فمن كنزهما فقد أبطل الحكمة التي خلقها الله تعالى كمن حبس قاضي البلد ومنعه أن يقضي حوائج الناس.
ومن خواصها ما ذكر أرسطاطاليس: أنها تقوي القلب وتدفع الصرع إن علق على إنسان وتمنع الفزع وإن اتّخذ من الذهب ميل، وأديم التكحل به وإدخاله في العين جلا العين وحسّن النظر وقوّاه، وإن ثقب الأذن بإبرة من الذهب لم تلتحم، وإذا كوى بالذهب لم يتنفط موضعه، ويبرى سريعا، وقال الشيخ الرئيس: إمساك الذهب في الفمّ يزيل البخر، والذهب يقوي العين كحلا، وينفع من أوجاع القلب والخفقان وحديث النفس.
(الفضة) أقرب الفلزات إلى الذهب ولولا برد أصابها قبل النضج لكادت تكون ذهبا وهي تحترق بالنار إذا داوم عليها، وتبلى في التراب بطول الزمان. قال أرسطو: إن للفضة وسخا بخلاف الذهب، فإذا أصابها رائحة الرصاص والزئبق تكسّرت عند الطرق، فإذا أصابها رائحة الكبريت اسودت، وإن طرح الكبريت على مذابها احترقت واسودت وتكسّرت كالزجاج، وإذا ألقي عليها شيء من البورق ردّها إلى حالها، لكن ينقص منها شيء كثير، والأسرب والقلي يعيبانها، ولكن لا كتعييب الذهب، ومن خواصها تقطيع الرطوبات اللزجة إذا خالطت سحالتها بالأدوية المشروبة، وتنفع من البخر إذا أمسكها في الفم وتنفع للكحة والجرب وعسر البول، وتدخل في أدوية الخفقان جدّا، وتنفع مع الزئبق للبواسير طلاء، والله تعالى أعلم.
(النحاس) قريب من الفضة، والفرق بينهما حمرة اللون واليبس وكثرة الوسخ، أما الحمرة فمن إفراط الحرارة والكبريتية، وأما يبسه ووسخه فلغلظ مادته، فمن قدر على تبيضه وتليينه فقد ظفر بحاجته، وإذا طلي بالحموضات أخرج الزنجار، وإن اتخذ منه إبرة وسقيت دما وثقب بها شحمة الأذن لم تلتحم منه، ومن اتخذ منه آنية لطعامه أو شرابه يتولد فيه أمراض لا دواء لها.
(الحديد) تولده كتولد سائر الأجساد وقد مضى ذكرها وسواد لونه؛ لإفراط الحرارة والحديد أكثر فائدة من سائر الفلزات؛ ولذلك قال الله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنافِعُ لِلنّاسِ﴾ [الحديد: ٢٥] فالبأس في النصول والمنافع في الآلات حتى قيل: ما من صنعة إلاّ وللحديد فيها، أو في أداتها مدخل، ومن وخواصة العجيبة ما ذكر أرسطو أن برادة الحديد إذا علّقت على إنسان يغط في نومه يزول عنه ذلك ومن استصحب شيئا من الحديد يقوى قلبه، ويزول عنه المخاوف، والأفكار الرديئة ويسرّ في نفسه ويطرد عنه الأحلام الرديئة ويزيد هيبة في أعين الناس، وصداه يأكل أوساخ العيون اكتحالا، وينفع من جرب العين والرمد والسبل،
ويخفف ثقل الأجفان وينفع كحلا للعين وينفع للنقرس وإذا احتمل من صداه نفع للبواسير، ومن أخذ مسمارا ويحميه حتى يحمرّ، ثم يدلك بذلك النصل لا يصدأ.
(الرصاص) قال أرسطو: إنه صنف من الفضة؛ لكنه دخل عليه ثلاث آفات: رائحة، ورخاوة، وصريرة فدخلت عليه هذه الآفات في بطن الأرض كما تدخل على الجنين في بطن أمه فيفسد. ومن خواصه ما ذكره أرسطو: أنّ من اتّخذ منه طوقا وطوّق به شجرة عند أصلها من الأرض لم يسقط من ثمرتها شيء ويزيد فيها، وإن شدّ منه صفيحة على الظهر أو البطن سكّن الانعاظ، وإن ألقي في قدر لا ينضج اللحم، والرصاص يطلى بالدهن والملح، ويؤخذ سواده يطلى به السيف؛ فإنه لا يصدأ.
(الأسرب) تولده كالرصاص، وهو صنف أردأ منه؛ لأن مادته أكثر وسخا، ومن خواصه:
تكليس الذهب وتكثير الماس ولو وضع الماس على السندال وضرب بالمطرقة دخل إما في السندال أو في المطرقة، ولو وضع على الأسرب تكسر بأدنى ضربة ويكون جميع أقطاعه مثلثا.
وقال الرئيس ابن سينا: تؤخذ منه صفيحة وتشدّ على الخنازير والغدد تذيبها، وقال بليناس في كتاب (الخواص): من اتخذ منه صفيحة وزنها ثمانية وعشرون درهما وشدها على بطن إنسان بطلت شهوته.
(الخارصين) تولده كتولد الأجساد المذكورة معدنه بأرض الصين ولونه أسود يضرب إلى الحمرة، نصله شديد الضرب جدّا، ويتخذ منه الكلاليب يصاد بها الحوت الكبير؛ لأنها إذا انتشبت بشيء لا ينفصل منه إلا بالشدة ويتخذ منه المرآة ينظر فيها صاحب اللقوة في بيت مظلم؛ فإنه أنفع دواء لهذا المرض، ويتخذ منه منقاش ينتف به الشعر ويدهن موضعه مرارا يفعل ذلك فإن الشعر لا ينبت.
النص من طبعة مكتبة الثقافة الدينية بالقاهرة (٢٠٠٦م) كما في المكتبة الشاملة، بلا حواشي المحقق. مصادر الموقع