من «عجائب المخلوقات وغرائب الموجودات» لزكريا القزويني (ت ٦٨٢هـ)
النظر الثالث في تولد الإنسان
اعلم: أن الغذاء إذ ورد المعدة وأثرت فيها القوة الهاضمة تصفيه وتجذب ما فيه إلى الكبد يقسمه على جميع البدن، وما فضل من الغذاء في الهضم الأخير يبعث إلى النخاع، ومن النخاع إلى الأشبين فيستحيل فيهما إلى طبيعة المني يدغدغ ويهيج اضطراب القدم، فلا يسكن إلا بنفض تلك المادة فيكون ذلك سبب اجتماع الذكر والأنثى، فإذا حصلت النطفة في الرحم صار نطفة الذكر والأنثى ممتزجين على شكل كرة فتنعقد عليها بحرارة الرحم قشرة رقيقة ما ترى في العجين إذا وضع في شيء حار، وتتشبث بها أفواه العروق التي يرد منها دم الحيض إلى الرحم، ثم إن القوة المصورة بإذن الله تعالى تجمع دهنية النطفة فتأخذ منها حصة إلى الوسط إعدادا للقلب، ومن عن يمينه حصة للكبد ومن أعلاه حصة للدماغ، ثم تخلق السرة متصلة بوريد وشريان وهذا يتم في ستة أيام، ثم تأخذ في التخطيط والتنقيط ويتم ذلك إلى خمسة عشر يوما، ثم ينفذ دم الحيض في جميع الكرة فيصير علقة وبعده بإثنى عشر يوما تصير الرطوبة لحما متميزا الأجزاء وتمتد رطوبة النخاع فإنه أساس البدن، وبعده بسبعة أيام ينفصل الرأس عن المنكبين والأطراف من الضلوع والبطن إلى أربعين يوما، ثم يظهر عظامه وتكسى العظام باللحم المتولد من دم الحيض، كما قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ جَعَلْناهُ نُطْفَةً فِي قَرارٍ مَكِينٍ (١٣) ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظاماً فَكَسَوْنَا الْعِظامَ لَحْماً ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبارَكَ اللهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ﴾ [المؤمنون:
١٣ - ١٤].
النص من طبعة مكتبة الثقافة الدينية بالقاهرة (٢٠٠٦م) كما في المكتبة الشاملة، بلا حواشي المحقق. مصادر الموقع