من «عجائب المخلوقات وغرائب الموجودات» لزكريا القزويني (ت ٦٨٢هـ)
القسم الثالث: في الأجسام الدهنية
زعموا أن الرطوبات المختفية تحت الأرض تسخن في الشتاء وتبرد في الصيف؛ لأن الحرارة والبرودة ضدان فلا يجتمعان في مكان واحد، فإذا جاء الشتاء برد الجو وفرت الحرارة إلى باطن الأرض، فمنها مواضع دهنية فاكتسبت الرطوبات المنصبة إلى تلك المواضع بواسطة الحرارة منها دهنية، فإذا أصابها نسيم الهواء أو برودة الجو غلظت، فربما انعقدت وربما بقيت على معادنها، فتصير كبريتا أو زئبقا أو قيرا أو نفطا أو ما شابهه، وذلك بحسب اختلاف البقاع وتغيرات الأهوية بحرارة المعدن ونضجه إياها وتصفيتها مرة بعد أخرى.
فإذا اختلط الكبريت والزئبق مرة أخرى وتمازجا والتأثير بحالة تركب من امتزاجهما الجواهر المعدنية بأنواعها كما ذكرناه قبل، فلا نعيده، ونذكر تولد كل واحد منها مع بعض خواصها، والله الموفق.
(وأما الزئبق) فإنه يتولد من أجزاء مائية اختلطت بأجزاء أرضية لطيفة كبريتية اختلاطا شديدا، لا يتميز أحدهما عن الآخر، وعليه غشاء ترابي، فإذا اتصلت إحدى القطعتين بالأخرى انفتح الغشاء وسارت القطعتان واحدة والغشاء محيط بهما، وأما بياضه فسبب صفاء ذلك الماء، وهو التراب الكبريتي الذي ذكرناه.
قال أرسطو: الزئبق فضة إلاّ أنه دخل عليه آفة في معدنه كما ذكرنا آفات الرصاص أنها آفات الزئبق أيضا، ومن طلى بدنه بالزئبق قتل عنه القمل والصئبان والقراد، وتراب الزئبق يقتل الفأر إذا جعل في طعام أو نحوه، ومن دنا من الزئبق إذا مسّته النار أفلجه، ودخانه يحدث أسقاما رديئة، مثل: الرعدة والفالج وذهاب السمع وصفرة اللون والرعشة في الأعضاء والبخر في الفم ويبس الدماغ، ومن دخانه تهرب الحيات والهوام جميعا، ومن أقام عنده مات، وإن طرح من الزئبق في تنور الخباز سقط جميع خبزه في النار، والمسافر يتقلد بقلادة من صوف ملطخة بالزئبق المقتول، فإنه لا يتولد في ثوبه قمل أصلا.
(وأما الكبريت) فإنه يتولد من أجزاء مائية وهوائية وأرضية، إذا اشتد اختلط بعضها بالبعض؛ بسبب حرارة قوية ونضج تام حتى يصير مثل الدهن، ثم ينعقد بسبب برودة ضربته.
قال أرسطو: الكبريت أصناف؛ منه الأحمر الجيد اللون، ومنه الأبيض الذي هو كالغبار، ومنه الأصفر، أما الأحمر فمعدنه بالمغرب لأناس في موضع بقرب بحر أوقيانوس على فرسخ منه، وهو نافع من الصرع والسكتة والشقيقة، ويدخل في أعمال الذهب.
وأما الأبيض فيسود الأجسام البيض، وذلك في العيون التي يجري منها الماء جريا مشوبا به، ويوجد لتلك المياه رائحة منتنة، فمن انغمس في هذه العيون في أيام معتدلة الهواء أبرأه من الجراحات والأورام والجرب ورياح الأورام والسلع التي تكون من المرة السوداء.
وقال ابن سينا: إن الكبريت من أدوية البرص ما لم تمسه النار، وإذا خلط بصمغ القرط قلع الآثار التي تكون على الأظفار وبالخل على البهق ويجلو القوبى خصوصا مع علك، وهو طلاء للنقرس مع النطرون والماء ويحبس الزكام بخورا.
وقال غيره: إذا سحق الكبريت الأصفر ونثر على موضع اللسعة نفعه، وهو يبيض الشعر بخورا، وتهرب من رائحته البراغيث، وكذلك الحيات سيما مع دهن أو حافر حمار، وإذا دخن به تحت شجرة الأترج نزل الأترج كله.
(وأما القير) فمنه ما ينبع في بعض الجبال، ومنه ما ينبع مع الماء في بعض منابع المياه فيفور مع الماء الجاري من العين، فما دام مع الماء يكون لينا، فإذا فارق الماء برد وجفّ فيغرف من الماء بالقفف ويطرح على الأرض، ثم يجعل في القدر ويوقد تحته وينخل له الرمل ويطرح عليه مقدار معلوم؛ ليختلط به، ويحرك تحريكا متداركا، فإذا بلغ حد استحكامه صب على وجه الأرض فيجمد، وتقير به السفن والحمامات.
قال ابن سينا: إنه يذوب الدم الجامد في البطن إذا شرب وينضج الخنازير ويطلى به القوبى، وهو ضماد للنقرس، ويطلى به عرق النسا، وينفع من السعال والخناق.
(وأما النفط) فيطفو الماء في منابع المياه، منه أسود ومنه أبيض، وقد يصاعد الأسود بالقرع والأنبق، فيصير ينفع من أوجاع المفاصل واللقوة والفالج وبياض العين والماء النازل فيها، إذا شرب منه نصف مثقال نفع من المغص والرياح، ويخرج الأجنة الموتى والمشيمة
المحتبسة، ويقتل الدود وحب القرع، وينفع للملسوع طلاء، وربما يتوقد من غير نار بل بتحريكه.
(وأما المومياين) فإنه شبيه بالقير، لكنه كثير المنافع، ومعدنه بالموصل وبأرجان من أرض فارس، ينفع من الخلع والكسر والضربة والسقطة والفالج واللقدة شربا وتمريخا، ومن الشقيقة والصداع البارد والصرع والدوار سعوطا بماء المرزنجوش، ومن الخناق والخفقان.
(وأما العنبر) فقد اختلف الناس في معدنه، فمنهم من زعم أنه من عين في البحر كالقير، ومنهم من زعم أنه طل يقع على بعض الأشجار في البحر، ثم يترشح من خلالها وينعقد هناك، وإنها في بقاع مخصوصة في زمان معلوم كما أن الترنجبين طل يقع على نوع من الشوك بخراسان في وقت معلوم.
ومنهم من قال: إنه روث حيوان مائي، ولا خلاف في أن تولده في البحر، والبحر يقذفه إلى الساحل، وذكروا أن بحر الزنج يقذف في بعض الأوقات قطعة عظيمة تشبه تلاّ، وأكثر ما يرى على قدر الجماجم أكثر ألف مثقال، وكثيرا ما يوجد في جوف السمك البحري والذي يأكله يموت، ويكون في هذا الصنف سهوكة لا رائحة له.
ومن خاصيته تقوية الدماغ والحواس والقلب تقوية عجيبة، وهو يزيد في جوهر الروح وينفع المشايخ جدّا بلطف تسخينه والشربة منه دانق وما فوقه مضر، وليكن هذا آخر الكلام في المعدنيات، والله الموفق للصواب.
النص من طبعة مكتبة الثقافة الدينية بالقاهرة (٢٠٠٦م) كما في المكتبة الشاملة، بلا حواشي المحقق. مصادر الموقع