من «عجائب المخلوقات وغرائب الموجودات» لزكريا القزويني (ت ٦٨٢هـ)
فصل: في نفوس عجيبة التأثيرات
ذهب أهل الحق إلى أن النفوس مختلفة بحسب جواهرها فمنها نفوس علوانية نورانية لها شعور بعالم الأرواح فتستفيد بالفيض من عالم الأرواح أمورا عجيبة، ومنها نفوس كثيفة كدرة مشغوفة بالجسمانية لاحظ لها من عالم الأرواح. وذهب بعض الحكماء إلى أن النفوس الناطقة جنس تحته أنواع، وتحت كل نوع أفراد لا يخالف بعضها بعضا إلا بالعدد، وكل نوع منها كالولد لروح من الأرواح السماوية، وهذا هو الذي تسميه أصحاب الطلسمات بالطباع التام، ويزعمون أنه يتولى إصلاح تلك النفوس تارة بالمنامات وتارة بالإلهامات وتارة بالنفث في الروح، فمن النفوس الفاضلة نفوس الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، فإن الله تعالى لما أراد أن يجعلهم قدوة للخلق جمع في نفوسهم أنواع الفضائل، ونفى عنها أصناف الرذائل؛ لاقتداء الخلق بهم وأظهر عليها الآثار العجيبة لانقياد الخلق إليهم.
(ومنها نفوس الأولياء) فإنها لما كانت لنفوس الأنبياء مشتبهة بها صدرت عنها آثار عجيبة كما ذكرنا في مقامات الزهاد والعباد والعارفين من شفاء المرضى باستشفائهم، وسقي الأرض باستسقائهم وصرف الوباء والمؤذيات بدعائهم، وتبدل نفرة الطيور بالهدوء والوقوع وصولة السباع بالبصبصة والخضوع، وإلى غير ذلك من الأمور التي تحكي عنهم.
(منها نفوس أصحاب الفراسة) وهي نفوس تستدل بالأحوال الظاهرة على الأمور الباطنة وأنه استدلال صحيح، وقد قال الله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ﴾ [الحجر: ٧٥] وقد قال رسول الله ﷺ: «اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله تعالى».
حكى أبو سعيد الخراز قال: رأيت في الحرم رجلا فقيرا ليس عليه إلا ما يستر عورته، فأنفت نفسي منه فتفرس في ذلك وقال: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ ما فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ﴾ [البقرة:
٢٣٥] فندمت على ذلك واستغفرت في فقال: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ وَيَعْفُوا عَنِ السَّيِّئاتِ﴾ [الشورى: ٢٥].
وحكي أن الشافعي رضي الله تعالى عنه ومحمد بن الحسن رحمة الله عليهما: رأيا رجلا فقال أحدهما: إنه نجار، وقال الآخر: بل حداد، فسألا عنه فقال: كنت حدادا قبل هذا والآن صرت نجارا.
وحكى عبيد الله بن ظبيان، وكان أميرا من أمراء العراق فنادى أنه كان يترصد الفتك بالحجاج مدة، قال: فظفرت به يوما كان واقفا على باب داره وحده فقلت في نفسي: الآن وقته، فتفرس ذلك في وبقي بيني وبينه مقدار رمح، فقال لي: أخذت كتابك من فلان فقلت: لا، قال:
امض إليه فإن كتابك معه فلما سمعت اسم الكتاب تركت عزمي، وانصرفت لطلب الكتاب فأدركني عدوانه.
(ومنها نفوس أصحاب القيافة) والقيافة على ضربين: قيافة البشر، وقيافة الأثر. أما قيافة البشر فالاستدلال بهيئات الأعضاء على الإنسان، ويختص هذا الاستدلال بقوم من العرب يقال لهم: بنو مدلج يعرض على أحدهم مولود في عشرين امرأة فيهن أمه يلحقه بها.
(حكى) بعض التجار قال: ورثت من أبي مملوكا أسودا شيخا، فكنت في بعض أسفاري راكبا على بعير والمملوك يقوده، فاجتاز علنيا رجل من بني مدلج أمعن فينا نظره، وقال: ما أشبه الراكب بالقائد، فوقع في قلبي من قوله ما وقع حتى رجعت إلى أمي وأخبرتها بما قال المدلجي، فقالت: صدق والله المدلجي، اعلم يا بني أنه كان زوجي شيخا كبيرا ذا مال لم يولد له ولد، فخشيت أن يفوت ماله عنا بموته فمكنت نفسي من هذا المملوك الأسود، فحملت بك، ولولا أن هذا شيء ستعلمه في الآخرة ما أخبرتك في الدنيا.
(وأما قيافة الأثر) فالاستدلال بآثار الأقدام والخفاف والحوافر، وقد اختص هذا الاستدلال بقوم في المغرب أرضهم ذات رمل، فإذا هرب منهم هارب، أو دخل عليهم سارق تبعوا آثار قدميه حتى يظفروا به، ومن العجب ما حكى أنهم يعرفون أثر قدم الشاب من الشيخ والرجل من المرأة والغريب من المتوطن.
(ومنها نفوس الكهنة) وهي نفوس تتلقى الروحانية وتكتسب أحوال الكائنات التي تدل عليها المنامات وغيرها من الحادثات.
حكي أن ربيعة بن نصر اللخمي رأى رؤيا هائلة، فبعث إلى أهل مملكته سأل عن تفسيرها، فقالوا: ليبعث الملك إلى سطيح وشق فلا يجد أعلم منهما، فبعث إليهما فقدما، فقال الملك لسطيح: رأيت رؤيا هالتني فأخبرني بها فإنك إن أصبتها أصبت تأويلها، فقال سطيح: رأيت جمجمة خرجت من ظلمة فوقعت بأرض نعمة فأكلت منها كل ذات جمجمة. فقال الملك: ما أخطأت منها شيئا فما تأويلها؟ فقال: ليهبطن بأرضكم الحبش وليملكن ما بين أبين وجرش، فقال الملك: يا سطيح إن هذا الغائظ فأخبرني متى هو كائن أفي زماني أم بعده؟ فقال: بل بعده بحين أكثر من ستين أو سبعين تمضين من السنين، ثم يقتلون بها أجمعين أو يخرجون منها هاربين، فقال الملك: ومن الذي يملك قبلهم؟ قال: ابن ذي يزن يخرج عليهم من عدن ولا يترك منهم أحدا باليمن. قال الملك: أيدوم ملك ذلك أم ينقطع؟ قال: بل ينقطع، قال: ومن يقطعه؟ قال:
نبي زكي كريم عظيم يأتيه الوحي من قبل العلي، قال الملك: ومن هذا النبي؟ قال: رجل من ولد غالب بن فهر بن مالك بن النضر يكون الملك في قومه إلى آخر الدهر، قال: وهل للدهر من آخر؟ قال: نعم، يوم يجمع فيه الأولون والآخرون، ويسعد فيه المحسنون ويشقى فيه المسيئون، قال: أحقّ ما تخبر به؟ قال: نعم، والشفق والقمر إذا اتسق إن ما نبأتك به الحق. فلما فرغ من حديثه دعا بشق وخاطبه مثل ما خاطب سطيحا، وكتم جواب سطيح لينظر أيتفقان أم يختلفان؟ فقال شق: رأيت جمجمة خرجت من ظلمة، فأكلت منها كل ذات نسمة، فعلم الملك اتفاقهما، فقال: ما أخللت بشيء منها يا شق فما تأويلها؟ قال: لينزلن أرضكم السودان وليملؤن ما بين نجران، فقال: إن هذا لغائظ، فمتى هو كائن في زماني أما بعده؟ فقال: بعده بزمان ثم ينقذكم منه عظيم ذو شأن ويذيقهم أشد الهوان، قال الملك: أيدوم سلطانه أم ينقطع؟ قال: بل ينقطع برسول من الرسل يأتي بالحق والعدل من أهل الدين والفضل، يبقى الملك في قومه إلى يوم الفصل. ثم إنه اتفق استيلاء الحبشة على اليمن وملوكها إلى أن جاء سيف بن ذي يزن إلى كسرى، واستنجده فأمده بعساكره برّا وبحرا، وقتلوا الحبشة قتلا ذريعا، وأخرجوهم من اليمن وملكها سيف بن
ذي يزن، فاجتمع على بابه رؤساء العرب، ودخل على عبد المطلب بن هاشم جد رسول الله ﷺ مع قومه وخلع عليه، وقال: إنا نجد في كتبنا أن هذا الملك صائر إلى أحد أولاده فليتني كنت أدركه.
(ومنها نفوس أصحاب العرافة) وهي النفوس تستدل ببعض الحوادث على بعض لمناسبة بينهما أو مشابهة خفيفة.
كما حكي أن الإسكندر تملك بعض البلاد فدخل هيكلها، فوجد فيها امرأة تنسج ثوبا، فقالت: أيها الملك، أعطيت ملكا ذا طول وعرض، ثم دخلها والى بلدها، فقالت له: إن الإسكندر سيعزلك، فغضب الوالي، فقالت: لا تغضب إن النفوس تعلم أمورا بعلامات، فإن الإسكندر لما دخل كنت أدبر طول الثوب وعرضه، وأنت لما دخلت فرغت منه وأردت قطعه فكان الأمر كما قالت.
وحكي أن سيف بن ذي يزن لما استنصر بكسرى على قتال الحبشة، بعث إليهم كسرى في جند عظيم برّا وبحرا، فخرج إليهم ملك الحبشة مسروق بن أبرهة في مائة ألف من الحبشة وغيرهم من حمير وكهلان، فتصاف القوم وكان بين عيني مسروق بن أبرهة ياقوتة حمراء معلقة من تاجه بعلاق من الذهب تضيء كالنار وهو على فيل عظيم فقاتل عليه ساعة، ثم نزل عن الفيل وركب جملا ساعة، ثم نزل عن الجمل وركب فرسا ساعة، ثم أنف من محاربتهم على الفرس استصغارا لأصحاب سيف فدعا بحمار فركبه، فتأمل هرمز ذلك وقال: احملوا عليه فإن ملكه قد ذهب انتقل من كبير إلى صغير فحملوا عليهم وكشفوا الحبشة فأخذتهم السيوف من كل جانب، وقتلوا مسروق بن أبرهة وخواصه.
وحكي عن علي ﵁ أنه لما جلس للبيعة فأول من بايعه طلحة بن عبيد الله، فبايعه وكانت أصبعه شلاء فتطير منه علي ﵁ وقال: ما أخلقه أن ينكث، فكان كذلك ولم تصف له الخلافة إلى أن درج إلى رحمة الله تعالى.
وحكي أن إبراهيم بن المهدي قال: بعث إلي الأمين فسرت إليه فإذا هو جالس في طارم خشبها عود وصندل مزين بأنواع الحرير والديباج الأخضر والذهب الأحمر، وإذا سلمان بن منصور معه في القبة، وبين يدي الأمين قدح من بلور مخروط، وكان شديد الإعجاب به فقال:
إنما بعثت إليكما لما بلغني وصول طاهر بن الحسين إلى النهروان، وقد صنع في أمرنا من المكروه مما صنع فدعوتكما لأفرج همي بكما، فأقبلنا نحدثه فدعا بجارية تسمى صعب فتطيرنا بها لاسمها
فأمرها أن تغني فغنت:
أبكى فراقهم عيني فأرقهاإن التفرق للمشتاق بكاء
ما زال يعدو عليهم ريب دهرهمحتى تفانوا وريب الدهر عداء
فزجوا وتطير من قولها، وقال لها: لعنك الله ما عرفت غير هذا. فقالت: يا سيدي ما قصدت إلى ما نطقت إلا أنك تحبه فعاد إلى حزنه فأقبلنا نحدثه إلى أن ضحك ثم أقبل وقال لها هاتي ما عندك فغنت:
همو قتلوه كي يكونوا مكانهكما فعلت يوما بكسرى مرازبه
بني هاشم كيف التواصلبيننا وعند أخيه سيفه ونجائبه
فزجرها وعاد إلى الحالة الأولى فسليناه حتى عاد إلى الضحك، وأقبل عليها في الثالثة وقال لها: غني غنت:
أما ورب السكون والحركإن المنايا شديدة الشرك
ما اختلف الليل والنهار ولادار نجم السماء في فلك
إلا بنقل النعيم عن ملكقد انتهى ملكه إلى ملك
وملك ذي العرش دائم أبداليس بفان ولا بمشترك
فقال لها: قومي لعنك الله، فعثرت بالقدح الذي كان بين يديه فكسرته، وكانت ليلة مقمرة ونحن على شاطئ دجلة فقمنا متعجبين مما شاهدنا متفكرين في أمره فسمعنا قائلا يقول: ﴿الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيانِ (٤١)﴾ [يوسف: ٤١] وكان ذلك آخر الإجتماع به.
وحكى صاعد بن محمود النهاوندي أنه كان ببغداد عراف من الطرقيين يخبر بأشياء قلما يخطئ فيها بجاءه رجل وقال له: إن لي مسألة إن أصبت فيها فلك كذا وكذا، فقال: سلها، فقال:
إن أخرجتها لك لا أطمئن إلى جوابها، فمكث يسيرا ثم قال: تسألني عن محبوس؟ فقال: أصبت والله، فأخبرني عن حبسه؟ فقال: الشرط أملك إذا وفيت بالوعد أخبرتك بحاله فمضى الرجل إلى بيته وأتما بما وعده به وقال: أخبرني عن حبسه، فقال: إنه يخرج عن قريب، ويخلع عليه فلم يمض أيام حتى كان الأمر على ما قال فأتى السائل إلى العراف وقال له: أخبرني بكيفية معرفتك أمر هذا المحبوس، فقال له: اعلم أني إذا سئلت عن شيء أنظر أمامي وعن يميني وعن يساري
فإن رأيت شيئا يكون بينه وبين المسئول مناسبة أو مشابهة أجبت على وفق ذلك، فإنك لما سألتني رأيت قربة فيها ماء مع رجل سقاء فقلت: السؤال عن محبوس، ولما سألتني ثانيا: رأيت تلك القربة بعينها قد أفرغت وألقاها الرجل السقاء على منكبه فقلت: يخرج ويخلع عليه، والله أعلم بغيبه.
النص من طبعة مكتبة الثقافة الدينية بالقاهرة (٢٠٠٦م) كما في المكتبة الشاملة، بلا حواشي المحقق. مصادر الموقع