من «عجائب المخلوقات وغرائب الموجودات» لزكريا القزويني (ت ٦٨٢هـ)
النظر الثاني: في النفس الناطقة
قالوا: هو كما أول النفس الطبيعي إلى جهة ما يعقل من الأمور الكلية. واعلم: أن الإنسان حال ما يكون شديد الاهتمام بالشيء يقول: قلت: كذا، وفعلت كذا، وهو في هذه الحالة عالم بذاته غافل عن جميع أعضائه الظاهرة والباطنة، والمعلوم في هذه الحالة هو النفس وإنه متقلد لهذه التكاليف متعرض لخطر الثواب والعقاب، باق بعد الموت إما في نعيم وسعادة كما قال الله تعالى:
﴿بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (١٦٩) فَرِحِينَ﴾ [آل عمران: ١٦٩] وإما في جحيم وشقاوة كما قال عز من قائل: ﴿النّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها غُدُوًّا وَعَشِيًّا﴾ [غافر: ٤٦]. وروي أن رسول الله ﷺ
قال في يوم بدر لما قتل صناديد قريش وألقوا في قليب بدر: «يا عتبة يا شيبة قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقّا، فهل وجدتم ما وعد ربكم حقا؟» فقيل يا رسول الله: تناديهم وهم أموات؟ فقال:
«والذي نفسي بيده ما أنتم بأسمع منهم لكلامي، لكنهم لا يقدرون على الجواب» وهذه النفس في البدن كالوالي في مملكته والقوى والأعضاء كالخدم له، وهو متصرف فيها وإنها مجبولة على طاعته لا تستطيع مخالفته، فالبدن مملكة النفس ومدينته، والقلب واسطة المملكة والأعضاء كالخدم، والقوى الباطنة كصناع المدينة والعقل كالوزير المشفق الناصح، والشهوة طالب أرزاق الخدم، والغضب صاحب الشرطة وهو عبد مكار خبيث يتمثل بصورة الناصح سم قاتل ودأبه أبدا منازعة الوزير الناصح والقوة المتخلية في مقدم الدماغ كالخازن، واللسان كالترجمان والحواس الخمس جواسيس وقد وكل كل واحد منهما بأخبار صقع من الأصقاع، فقد وكل العين بعالم الألوان، والسمع بعالم الأصوات، وكذلك سائرها فإنها أصحاب أخبار يلتقطونها من هذه الأصقاع ويردونها إلى الحس المشترك الذي هو صاحب البريد، وهو يسلمها إلى الخازن، والخازن يحفظها لتستعمل النفس منها ما تحتاج إليه وقت حاجتها في تدبير مملكته، وهذه النفس أبدى الوجوه لكنه منتقل من حال إلى حال ومن دار إلى دار.
وقد ذكر علي ﵁ في بعض خطبه: إنما خلقتم للأبد من دار إلى دار تنتقلون من الأصلاب إلى الأرحام ومن الأرحام إلى الدنيا ومن الدنيا إلى البرزخ ومن البرزخ إلى الجنة أو النار، ثم تلا قوله ﷿: ﴿مِنْها خَلَقْناكُمْ وَفِيها نُعِيدُكُمْ وَمِنْها نُخْرِجُكُمْ تارَةً أُخْرى﴾ [طه: ٥٥] وقال الشيخ الرئيس في تعلق النفس بالبدن واستئناسها به ومفارقتها إياه شعرا:
هبطت إليك من المحل الأرفعورقاء ذات تعزز وترفع
محجوبة عن كل مقلة ناظروهي التي سفرت ولم تتبرقع
وصلت على كره إليك وربماكرهت فراقك وهي ذات تفجع
أنفت وما سكنت فلما استأنستألفت مجاورة الخراب البلقع
وأظنها نسيت عهودا بالحمىومنازلا بعراقها لم تقنع
حتى إذا اتصلت بهاء هبوطهامن ميم مركزها بذات الأجرع
علقت بها هاء الثقيل فأصبحتبين المعالم والطلول الخضع
تبكي إذا ذكرت عهودا بالحمىبمدامع تهمى ولما تقطع
إذ عاقها شرك الكثيف وصدهاقفص عن الأوج الفسيح المربع
وتظل ساجمة على الدمن التيدرست بتكرار الرياح الأربع
حتى إذا قرب المسير إلى الحمىودنا الرحيل إلى الفضاء الأوسع
وغدت مفارقة لكل مخلفعنها حليف الدرب غير مشيع
سمعت وقد كشف الغطاء فأبصرتما ليس يدرك بالعيون الهجع
وغدت تغرد فوق ذروة شاهقوالعلم يرفع كل من لم يرفع
فلأي شيء أهبطت من شاهقسام إلى قرع الحضيض الأوضع
إن كان أهبطها الإله لحكمةطويت عن البعد اللبيب الأروع
فهبوطها إن كان ضربة لازبلتكون سامعة بما لم تسمع
وتكون عالمة بكل حقيقةفي العالمين وخرقها لم يرفع
وهي التي قطع الزمان طريقهاحتى لقد غربت بغير المطلع
فكأنها برق تألق بالحمىثم انطوى فكأنه لم يطلع
زعموا أن هذه النفوس في هذا العالم الجسماني وما قد ابتلى به من آفات هذا البدن كرجل
حكيم في بلد أو قرية، وقد ابتلى بعشق امرأة رعناء فاجرة سيئة الخلق وهي في أكثر الأوقات تطالبه بالمأكول الطيب والمشروب اللذيذ والثياب الفاخرة والمسكن المزخرف والشهوات المردية، وإن ذلك الحكيم من شدة محنته بعظم محبتها وعظم بلائه بصحبتها، قد صرف كل همته إلى إصراف أمرها وأكثر عنايته إلى إصلاح شأنها، وقد نسى أمر نفسه وإصلاح شأنه وبلدته وأقاربه الذين نشأ فيهم، ونعمته التي كان فيها ولا راحة لهذا الحكيم إلا بمفارقة هذه المرأة والتسلي عن حبها، ولكنه إن سمع هذا الحديث تنشق مرارته من خوف مفارقتها. ولا يخفى أن النفوس جواهر روحانية لا حاجة لها إلى الأكل والشرب واللباس والنكاح، فإن كل ذلك مما يحتاج إليه البدن في قوام وجوده، والنفس مادامت مع هذا البدن تكثر همومه لإصلاح هذا البدن، ولا راحة للنفس دون مفارقته كما قلنا: إن الحكيم المبتلى بحب المومسة لا راحة له إلا بمفارقتها والسلو عنها، والله المستعان، وعليه التوكل.
النص من طبعة مكتبة الثقافة الدينية بالقاهرة (٢٠٠٦م) كما في المكتبة الشاملة، بلا حواشي المحقق. مصادر الموقع