تجاوز إلى المحتوى

من «دلائل الإعجاز» لعبد القاهر الجرجاني (ت ٤٧١هـ)

فصل [في مسألة التعبير عن المعنى بلفظين أحدهما فصيح والآخر غير فصيح] (٢)

واعلم أنّا حين أخذنا في الجواب عن قولهم: «إنه لو كان الكلام يكون فصيحا من أجل مزيّة تكون في معناه، لكان ينبغي أن يكون تفسيره فصيحا مثله»، قلنا:

«إن الكلام الفصيح ينقسم قسمين، قسم تعزى المزيّة فيه إلى اللفظ، وقسم تعزى فيه إلى النظم»، وقد ذكرنا في القسم الأول من الحجج ما لا يبقى معه لعاقل، إذا هو تأمّلها، شكّ في بطلان ما تعلّقوا به، من أنه يلزمنا في قولنا: «إنّ الكلام يكون فصيحا من أجل مزية تكون في معناه»، أن يكون تفسير الكلام الفصيح فصيحا مثله، وأنه تهوّس منهم، وتقحّم في المحالات.

وأمّا القسم الذي تعزى فيه المزية إلى «النّظم» فإنهم إن ظنّوا أن سؤالهم الذي اغترّوا به يتّجه لهم فيه، كان أمرهم أعجب، وكان جهلهم في ذلك أغرب. وذلك أن «النظم»، كما بيّنا، إنّما هو توخّي معاني النحو وأحكامه وفروقه ووجوهه، والعمل

بقوانينه وأصوله، وليست معاني النّحو معاني ألفاظ، فيتصوّر أن يكون لها تفسير.

وجملة الأمر، أن «النظم» إنما هو أن «الحمد» من قوله تعالى: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ. الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ مبتدأ، و «لله» خبره، و «ربّ» صفة لاسم الله تعالى ومضاف إلى «العالمين» و «العالمين» مضاف إليه، و «الرحمن الرحيم» صفتان كالرب، و «مالك» من قوله: «مالك يوم الدّين» صفة أيضا، ومضاف إلى يوم. و «يوم» مضاف إلى «الدين»، و «إيّاك» ضمير اسم الله تعالى، وهو ضمير يقع موقع الاسم إذا كان الاسم منصوبا، معنى ذلك أنك لو ذكرت اسم الله مكانه لقلت: «الله نعبد»، ثم إنّ «نعبد» هو المقتضى معنى النصب فيه، وكذلك حكم «إيّاك نستعين». ثم إنّ جملة «إيّاك نستعين» معطوف بالواو على جملة «إيّاك نعبد»، و «الصّراط» مفعول، و «المستقيم» صفة للصّراط، و «صراط الّذين» بدل من «الصراط المستقيم»، «وأنعمت عليهم» صلة الذين، «وغير المغضوب عليهم» صفة «الذين»، و «الضّالين» معطوف على «المغضوب عليهم».

فانظر الآن هل يتصوّر في شيء من هذه المعاني أن يكون معنى اللفظ؟ وهل يكون كون «الحمد» مبتدأ معنى لفظ الحمد؟ أم يكون كون «رب» صفة وكونه مضافا إلى «العالمين» معنى لفظ «الرب»؟.

فإن قيل: إنّه إن لم تكن هذه المعاني أنفس الألفاظ، فإنها تعلم على كل حال من ترتيب الألفاظ، ومن الإعراب، فبالرفعة في «الدال» من «الحمد» يعلم أنه مبتدأ، وبالجر في «الباء» من «رب» يعلم أنه صفة، وبالياء في «العالمين» يعلم أنه مضاف إليه، وعلى هذا قياس الكلّ.

قيل: ترتيب اللفظ لا يكون لفظا، والإعراب وإن كان يكون لفظا، فإنه لا يتصوّر أن يكون هاهنا لفظان كلاهما علامة إعراب، ثم يكون أحدهما تفسيرا للآخر. وزيادة القول في هذا من خطل الرأي، فإنه مما يعلمه العاقل ببديهة النظر، ومن لم يتنبّه له في أول ما يسمع، لم يكن أهلا لأن يكلّم. ونعود إلى رأس الحديث فنقول:

قد بطل الآن من كل وجه وكل طريق، أن تكون «الفصاحة» وصفا للفظ من حيث هو لفظ ونطق لسان. وإذا كان هذا صورة الحال وجملة الأمر، ثم لم تر القوم تفكّروا في شيء مما شرحناه بحال، ولا أخطروه لهم ببال، بان وظهر أنهم لم يأتوا الأمر من بابه، ولم يطلبوه من معدنه، ولم يسلكوا إليه طريقه، وأنّهم لم يزيدوا على

أن أوهموا أنفسهم وهما كاذبا أنهم قد أبانوا الوجه الذي به كان القرآن معجزا، والوصف الذي به بان من كلام المخلوقين، من غير أن يكونوا قد قالوا فيه قولا يشفى من شاكّ غليلا، ويكون على علم دليلا، وإلى معرفة ما قصدوا إليه سبيلا.

واعلم أنه إذا نظر العاقل إلى هذه الأدلّة فرأى ظهورها، استبعد أن يكون قد ظنّ ظانّ في «الفصاحة» أنّها من صفة اللفظ صريحا. ولعمري إنه لكذلك ينبغي، إلّا أنّا إنما ننظر إلى جدّهم وتشدّدهم وبتّهم الحكم «بأن المعاني لا تتزايد وإنما تتزايد الألفاظ»، فلئن كانوا قد قالوا «الألفاظ» وهم لا يريدونها أنفسها، وإنما يريدون لطائف معان تفهم منها، لقد كان ينبغي أن يتبعوا ذلك من قولهم ما ينبئ عن غرضهم، وأن يذكروا أنهم عنوا بالألفاظ ضربا من المعنى، أن غرضهم مفهوم خاصّ.

هذا، وأمر «النظم» في أنه ليس شيئا غير توخّي معاني النحو فيما بين الكلم، وأنك ترتّب المعاني، أوّلا في نفسك، ثم تحذو على ترتيبها الألفاظ في نطقك، وأنّا لو فرضنا

أن تخلو الألفاظ من المعاني، لم يتصوّر أن يجب فيها نظم وترتيب في غاية القوة والظهور، ثمّ ترى الذين لهجوا بأمر «اللفظ» قد أبوا إلّا أن يجعلوا «النّظم» في الألفاظ. ترى الرّجل منهم يرى ويعلم أن الإنسان لا يستطيع أن يجيء بالألفاظ مرتّبة إلّا من بعد أن يفكّر في المعاني ويرتّبها في نفسه على ما أعلمناك، وثم تفتّشه فتراه لا يعرف الأمر بحقيقته، وتراه ينظر إلى حال السامع، فإذا رأى المعاني لا تقع مرتّبة في نفسه إلا من بعد أن تقع الألفاظ مرتبة في سمعه، نسي حال نفسه، واعتبر حال من يسمع منه. وسبب ذلك قصر الهمّة، وضعف العناية، وترك النّظر، والأنس بالتقليد. وما يغني وضوح الدّلالة مع من لا ينظر فيها، وإنّ الصّبح ليملأ الأفق، ثم لا يراه النائم ومن قد أطبق جفنه؟.

واعلم أنك لا ترى في الدّنيا علما قد جرى الأمر فيه بديئا وأخيرا على ما جرى عليه في «علم الفصاحة والبيان».

أما البديء، فهو أنك لا ترى نوعا من أنواع العلوم إلّا وإذا تأملت كلام الأوّلين الذين علّموا الناس، وجدت العبارة فيه أكثر من الإشارة، والتصريح أغلب من التّلويح. والأمر في «علم الفصاحة» بالضد من هذا. فإنك إذا قرأت ما قاله العلماء فيه، وجدت جلّه أو كلّه رمزا ووحيا، وكناية وتعريضا، وإيماء إلى الغرض من وجه لا يفطن له إلّا من غلغل الكفر وأدقّ النّظر، ومن يرجع من طبعه إلى ألمعيّة يقوى معها على الغامض، ويصل بها إلى الخفي، حتى كأنّ بسلا حراما أن تتجلّى معانيهم سافرة

الأوجه لا نقاب لها، وبادية الصّفحة لا حجاب دونها، وحتى كأن الإفصاح بها حرام، وذكرها إلا على سبيل الكناية والتعريض غير سائغ.

وأما الأخير، فهو أنّا لم نر العقلاء قد رضوا من أنفسهم في شيء من العلوم أن يحفظوا كلاما للأوّلين ويتدارسوه، ويكلّم به بعضهم بعضا، من غير أن يعرفوا له معنى، ويقفوا منها على غرض صحيح، ويكون عندهم، إن يسألوا عنه، بيان له وتفسير إلا «علم الفصاحة»، فإنّك ترى طبقات من الناس يتداولون فيما بينهم ألفاظا للقدماء وعبارات، من غير أن يعرفوا لها معنى أصلا، أو يستطيعوا- إن يسألوا عنها- أن يذكروا لها تفسيرا يصحّ.

فمن أقرب ذلك، أنك تراهم يقولون إذا هم تكلموا في مزيّة كلام على كلام:

«إن ذلك يكون بجزالة اللّفظ» وإذا تكلّموا في زيادة نظم على نظم: «إن ذلك يكون لوقوعه على طريقة مخصوصة وعلى وجه دون وجه»، ثم لا تجدهم يفسّرون الجزالة بشيء، ويقولون في المراد «بالطريقة» و «الوجه» ما يحلى منه السامع بطائل.

ويقرءون في كتب البلغاء ضروب كلام قد وصفوا «اللّفظ» فيها بأوصاف يعلم ضرورة إليه من حيث هو لفظ ونطق لسان وصدى حرف، وكقولهم: «لفظ متمكّن غير قلق ولا ناب به موضعه، وإنّه جيّد السبك صحيح الطّابع، وأنه ليس فيه فضل عن معناه» وكقولهم: «إن من حقّ اللفظ أن يكون طبقا للمعنى، لا يزيد عليه ولا ينقص عنه» وكقول بعض من وصف رجلا من البلغاء: «كانت ألفاظه قوالب لمعانيه»، هذا إذا مدحوه وقولهم إذا ذمّوه: «هو لفظ معقّد، وإنه بتعقيده قد استهلك المعنى»، وأشباه لهذا، ثم لا يخطر ببالهم أنه يجب أن يطلب لما قالوه معنى، وتعلم له فائدة، ويجشّم فيه فكر، وأن يعتقد على الجملة أقلّ ما في الباب، أنه كلام لا يصحّ حمله على ظاهره، وأن يكون المراد «باللفظ» فيه نطق اللسان.

فالوصف بالتّمكّن والقلق في «اللفظ» محال، فإنما يتمكن الشّيء ويقلق إذا كان شيئا يثبت في مكان، و «الألفاظ» حروف لا يوجد منها حرف حتى يعدم الذي كان قبله. وقولهم: «متمكّن» أو «قلق» وصف للكلمة بأسرها، لا حرف حرف منها.

ثم إنه لو كان يصحّ في حروف الكلمة أن تكون باقية بمجموعها، لكان ذلك فيها محالا أيضا، من حيث أنّ الشيء إنما يتمكن ويقلق في مكان الذي يوجد فيه، ومكان الحروف إنّما هو الحلق والفم واللسان والشفتان، فلو كان يصحّ عليها أن توصف بأنها تتمكّن وتقلق، لكان يكون ذلك التمكّن وذلك القلق منها في أماكنها من الحلق والفم واللسان والشفتين.

وكذلك قولهم: «لفظ ليس فيه فضل عن معناه»، محال أن يكون المراد به «اللّفظ»، لأنه ليس هاهنا اسم أو فعل أو حرف يزيد على معناه أو أن ينقص عنه.

كيف؟ وليس بالذّرع وضعت الألفاظ على المعاني.

وإن اعتبرنا المعاني المستفادة من الجمل، فكذلك. وذلك أنه ليس هاهنا جملة من مبتدأ وخبر أو فعل وفاعل، يحصل بها الإثبات أو النّفي، أتمّ أو أنقص مما يحصل بأخرى. وإنّما فضل اللفظ عن المعنى: أن تزيد الدّلالة بمعنى على معنى، فتدخل في أثناء ذلك شيئا لا حاجة بالمعنى المدلول عليه إليه. وكذلك السبيل في «السّبك والطّابع» وأشباههما، لا يحتمل شيء من ذلك أن يكون المراد به «اللّفظ» من حيث هو لفظ.

فإن أردت الصدق، فإنّك لا ترى في الدنيا شأنا أعجب من شأن الناس مع «اللفظ»، ولا فساد رأي مازج النفوس وخامرها واستحكم فيها وصار كإحدى طبائعها، من رأيهم في «اللفظ». فقد بلغ من ملكته لهم وقوّته عليهم، أن تركهم وكأنهم إذا نوظروا فيه أخذوا عن أنفسهم، وغيّبوا عن عقولهم، وحيل بينهم وبين أن يكون لهم فيما يسمعونه نظر، ويرى لهم إيراد في الإصغاء وصدر، فلست ترى إلا نفوسا قد جعلت ترك النّظر دأبها، ووصلت بالهوينا أسبابها، فهي تغترّ بالأضاليل وتتباعد عن التحصيل، وتلقي بأيديها إلى الشّبه، وتسرع إلى القول المموّه.

ولقد بلغ من قلّة نظرهم أن قوما منهم لما رأوا الكتب المصنّفة في اللّغة قد شاع فيها أن توصف الألفاظ المفردة بالفصاحة، ورأوا أبا العباس ثعلبا قد سمّى كتابه «الفصيح»، مع أنه لم يذكر فيه إلّا اللغة والألفاظ المفردة، وكان محالا إذا قيل: إن «الشّمع» بفتح الميم، أفصح من «الشّمع» بإسكانه، وأن يكون ذلك من أجل المعنى، إذ ليس تفيد الفتحة في الميم شيئا في الذي سمّي به سبق إلى قلوبهم أنّ حكم الوصف بالفصاحة أينما كان وفي أيّ شيء كان، أن لا يكون له مرجع إلى المعنى البتّة، وأن يكون وصفا للّفظ في نفسه، ومن حيث هو لفظ ونطق لسان ولم يعلموا أن المعنى في وصف الألفاظ المفردة بالفصاحة، أنها في اللّغة أثبت، وفي استعمال الفصحاء أكثر.

أو أنها أجرى على مقاييس اللغة والقوانين التي وضعوها، وأنّ الذي هو معنى «الفصاحة» في أصل اللغة، هو الإبانة عن المعنى، بدلالة قولهم: «فصيح» و «أعجم»،

وقولهم: «أفصح الأعجمي»، و «فصح اللّحّان» و «أفصح الرّجل بكذا»، إذا صرّح به وأنه لو كان وصفهم الكلمات المفردة بالفصاحة من أجل وصف هو لها من حيث هي ألفاظ ونطق لسان، لوجب إذا وجدت كلمة يقال إنها كلمة فصيحة على صفة في اللّفظ؛ أن لا توجد كلمة على تلك الصّفة، إلا وجب لها أن تكون فصيحة، وحتى يجب إذا كانت «فقهت الحديث» بالكسر أفصح منه بالفتح، أن يكون سبيل كلّ فعل مثله في الزّنة أن يكون الكسر فيه أفصح من الفتح.

ثم إنّ فيما أودعه ثعلب كتابه، ما هو أفصح، من أجل أن لم يكن فيه حرف كان فيما جعله أفصح منه، ومثل أنّ «وقفت» أفصح من «أوقفت»، أفترى أنّه حدث في «الواو» و «القاف» و «الفاء» بأن لم يكن معها الهمزة، فضيلة وجب لها أن تكون أفصح؟ وكفى برأي هذا مؤدّاه تهافتا وخطلا! وجملة الأمر أنه لا بدّ لقولنا «الفصاحة» من معنى يعرف، فإن كان ذلك المعنى وصفا في ألفاظ الكلمات المفردة، فينبغي أن يشار لنا إليه، وتوضع اليد عليه.

ومن أبين ما يدلّ على قلة نظرهم، أنه لا شبهة على من نظر في كتاب تذكر فيه «الفصاحة»، أن «الاستعارة» عنوان ما يجعل به «اللفظ» فصيحا، وأن «المجاز» جملته، و «الإيجاز» من معظم ما يوجب للّفظ الفصاحة. وأنت تراهم يذكرون ذلك ويعتمدونه، ثم يذهب عنهم أن إيجابهم «الفصاحة» للفظ بهذه المعاني، اعتراف بصحّة ما نحن ندعوهم إلى القول به، من أنّه يكون فصيحا لمعناه.

أما «الاستعارة»، فإنهم إن أغفلوا فيها الذي قلناه، من أن المستعار بالحقيقة يكون معنى «اللفظ»، واللّفظ تبع، من حيث أنا لا نقول: «رأيت أسدا»، ونحن نعني رجلا، إلّا على أنّا ندّعي أنّا رأينا أسدا بالحقيقة، من حيث نجعله لا يتميّز عن الأسد في بأسه وبطشه وجرأة قلبه فإنهم على كل حال لا يستطيعون أن يجعلوا «الاستعارة» وصفا للّفظ من حيث هو لفظ، مع أن اعتقادهم أنك إذا قلت: «رأيت أسدا»، كنت نقلت اسم «الأسد» إلى «الرجل»، أو جعلته هكذا غفلا ساذجا في معنى شجاع. أفترى أن لفظ «الأسد» لما نقل عن السبع إلى «الرجل» المشبه به، أحدث هذا النقل في أجراس حروفه ومذاقتها وصفا صار بذلك الوصف فصيحا؟

ثم إن من «الاستعارة» قبيلا لا يصحّ أن يكون المستعار فيه «اللفظ» البتّة،

ولا يصحّ أن تقع الاستعارة فيه إلا على المعنى. وذلك ما كان مثل «اليد» في قول لبيد:

وغداة ريح قد كشفت وقرّة،إذ أصبحت بيد الشّمال زمامها

ذاك أنه ليس هاهنا شيء يزعم أنّ شبهه باليد، حتى يكون لفظ «اليد» مستعارا له، وكذلك ليس فيه شيء يتوهّم أن يكون قد شبّهه بالزمام، وإنما المعنى على أنه شبه «الشّمال» في تصريفها «الغداة» على طبيعتها، بالإنسان يكون زمام البعير في يده، فهو يصرّفه على إرادته، ولما أراد ذلك جعل للشّمال يدا، وعلى الغداة زماما.

وقد شرحت هذا قبل شرحا شافيا.

وليس هذا الضّرب من الاستعارة بدون الضرب الأول في إيجاب وصف «الفصاحة» للكلام، لا بل هو أقوى منه في اقتضائها. والمحاسن التي تظهر به، والصّور التي تحدث للمعاني بسببه، آنق وأعجب. وإن أردت أن تزداد علما بالذي ذكرت لك من أمره، فانظر إلى قوله: سقته كفّ اللّيل أكواس الكرى وذلك أنه ليس يخفى على عاقل أنه لم يرد أن يشبّه شيئا بالكفّ، ولا أراد ذلك في «الأكواس»، ولكن لما كان يقال: «سكر الكرى»، و «سكر النوم»، استعار للكرى «الأكواس»، كما استعار الآخر «الكاس» في قوله: وقد سقى القوم كأس النّعسة السّهر ثمّ إنه لمّا كان الكرى يكون في الليل، جعل الليل ساقيا، ولما جعله ساقيا جعل له كفّا، إذ كان السّاقي يناول الكأس بالكفّ.

ومن اللّطيف النادر في ذلك، ما تراه في آخر هذه الأبيات، وهي للحكم بن قنبر:

ولولا اعتصامي بالمنى كلّما بدالي اليأس منها، لم يقم بالهوى صبري
ولولا انتظاري كلّ يوم جدى غد،لراح بنعشي الدّافنون إلى قبري
وقد رابني وهن المنى وانقباضهاوبسط جديد اليأس كفّيه في صدري

ليس المعنى على أنه استعار لفظ «الكفين» لشيء، ولك على أنّه أراد أن يصف اليأس بأنه قد غلب على نفسه، وتمكّن في صدره. لو ما أراد ذلك وصفه بما يصفون فيه الرجل

بفضل القدرة على الشيء. وبأنّه ممكّن منه، وأن يفعل فيه كلّ ما يريد، كقولهم: «قد بسط يديه في المال ينفقه ويصنع فيه ما يشاء»، و «قد بسط العمل يده في الناحية وفي ظلم الناس»، فليس لك إلّا أن تقول: إنه لما أراد ذلك، جعل لليأس «كفّين»، واستعارهما له، فأمّا أن توقع الاستعارة فيه على «اللفظ»، فما لا تخفى استحالته على عاقل.

والقول في «المجاز» هو القول في «الاستعارة»، لأنه ليس هو بشيء غيرها، وإنما الفرق أنّ «المجاز» أعمّ، من حيث أن كلّ استعارة مجاز، وليس كلّ مجاز استعارة.

وإذا نظرنا من «المجاز» فيما لا يطلق عليه أنه «استعارة»، ازداد خطأ القوم قبحا وشناعة. وذلك أنه يلزم على قياس قولهم أن يكون إنّما كان قوله تعالى: هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهارَ مُبْصِراً، أفصح من أصله الذي هو قولنا: «والنهار لتبصروا أنتم فيه، أو مبصرا أنتم فيه»، من أجل أنه حدث في حروف «مبصر» بأن جعل الفعل للنّهار على سعة الكلام وصف لم يكن. وكذلك يلزم أن يكون السبب في أن كان قول الشاعر: فنام ليلي وتجلّى همّي أفصح من قولنا: فنمت في ليلي أن كسب هذا المجاز لفظ «نام» ولفظ «الليل» مذاقة لم تكن لهما. وهذا مما ينبغي للعاقل أن يستحي منه، وأن يأنف من أن يهمل النّظر إهمالا يؤدّيه إلى مثله، ونسأل الله تعالى العصمة والتوفيق.

وإذ قد عرفت ما لزمهم في «الاستعارة» و «المجاز»، فالذي يلزمهم في «الإيجاز» أعجب. وذلك أنه يلزمهم إن كان «اللّفظ» فصيحا لأمر يرجع إليه نفسه دون معناه أن يكون كذلك موجزا لأمر يرجع إلى نفسه. وذلك من المحال الذي يضحك منه، لأنه لا معنى للإيجاز إلّا أن يدلّ بالقليل من اللفظ على الكثير من المعنى، وإذا لم تجعله وصفا للّفظ من أجل معناه، أبطلت معناه، أعني أبطلت معنى الإيجاز.

ثم إن هاهنا معنى شريفا قد كان ينبغي أن نكون قد ذكرناه في أثناء ما مضى من كلامنا، وهو أنّ العاقل إذا نظر علم علم ضرورة أنه لا سبيل له إلى أن يكثّر معاني الألفاظ أو يقلّلها، لأن المعاني المودعة في الألفاظ لا تتغيّر على الجملة عمّا أراده واضع اللّغة، وإذا ثبت ذلك، ظهر منه أنّه لا معنى لقولنا: «كثرة المعنى مع قلّة اللفظ»، غير أن «المتكلم يتوصّل بدلالة المعنى على المعنى إلى فوائد، لو أنه أراد الدّلالة عليها باللّفظ لاحتاج إلى لفظ كثير.

واعلم أنّ القول الفاسد والرأي المدخول، إذا كان صدره عن قوم لهم نباهة وصيت وعلوّ منزلة في أنواع من العلوم غير العلم الذي قالوا ذلك القول فيه، ثم وقع في الألسن فتداولته ونشرته، وفشا وظهر، وكثر الناقلون له والمشيدون بذكره صار ترك النّظر فيه سنّة، والتقليد دينا، ورأيت الذين هم أهل ذلك العلم وخاصّته والممارسون له، والذين هم خلقاء أن يعرفوا وجه الغلط والخطأ فيه لو أنهم نظروا فيه كالأجانب الذين ليسوا من أهله، في قبوله والعمل به والرّكون إليه، ووجدتهم قد أعطوه مقادتهم، وألانوا له جانبهم، وأوهمهم النّظر إلى منتماه ومنتسبه، ثم اشتهاره وانتشاره وإطباق الجمع بعد الجمع عليه أن الضّنّ به أصوب، والمحاماة عليه أولى. ولربّما بل كلّما ظنّوا أنه لم يشع ولم يتّسع، ولم يروه خلف عن سلف، وآخر عن أوّل، إلّا لأن له أصلا صحيحا، وأنه أخذ من معدن صدق، واشتقّ من نبعة كريمة، وأنه لو كان مدخولا لظهر الدّخل الذي فيه على تقادم الزّمان وكرور الأيام. وكم من خطأ ظاهر ورأي فاسد حظي بهذا السّبب عند النّاس، حتى بوّءوه في أخصّ موضع من قلوبهم، ومنحوه المحبة الصادقة من نفوسهم، وعطفوا عليه عطف الأمّ على واحدها. وكم من داء دويّ قد استحكم بهذه العلّة، حتى أعيا علاجه، وحتّى بعل به الطبيب.

ولولا سلطان هذا الذي وصفت على الناس، وأنّ له أخذة تمنع القلوب عن التدبّر، وتقطع عنها دواعي التفكّر لما كان لهذا الّذي ذهب إليه القوم في أمر «اللفظ» هذا التمكّن وهذه القوة، ولا كان يرسخ في النفوس هذا الرّسوخ، وتنشعب عروقه هذا الشّعب، مع الذي بان من تهافته وسقوطه وفحش الغلط فيه، وأنّك لا ترى في أديمه من أين نظرت، وكيف صرّفت وقلّبت مصحّا، ولا تراه باطلا فيه شوب من الحق، وزيفا فيه شيء من الفضّة، ولكن ترى الغشّ بحتا والغيظ صرفا، ونسأل الله التوفيق.

وكيف لا يكون في إسار الأخذة، ومحولا بينه وبين الفكرة من يسلّم أن الفصاحة لا تكون في أفراد الكلمات، وأنها إنّما تكون فيها إذا ضمّ بعضها إلى بعض، ثم لا يعلم أنّ ذلك يقتضي أن تكون وصفا لها، من أجل معانيها، لا من أجل أنفسها، ومن حيث هي ألفاظ ونطق لسان؟

ذاك لأنه ليس من عاقل يفتح عين قلبه، إلّا وهو يعلم ضرورة أنّ المعنى في «ضمّ بعضها إلى بعض»، تعليق بعضها ببعض، وجعل بعضها بسبب من بعض، لا أن ينطق بعضها في أثر بعض، من غير أن يكون فيما بينها تعلّق، ويعلم كذلك ضرورة إذا فكّر، أن التعلّق يكون فيما بين معانيها، لا فيما بينها أنفسها. ألا ترى أنّا لو جهدنا كلّ الجهد أن نتصوّر تعلّقا فيما بين لفظين لا معنى تحتهما، لم نتصوّر؟ ومن أجل ذلك انقسمت الكلم قسمين: «مؤتلف» وهو الاسم مع الاسم، والفعل مع الاسم، و «غير مؤتلف» وهو ما عدا ذلك كالفعل مع الفعل، والحرف مع الحرف. ولو كان التعلّق يكون بين الألفاظ، لكان ينبغي أن لا يختلف حالها في الائتلاف، وأن لا يكون في الدنيا كلمتان إلّا ويصحّ أن يأتلفا، لأنه لا تنافي بينهما من حيث هي ألفاظ.

وإذا كان كلّ واحد منهم قد أعطى يده بأن الفصاحة لا تكون في الكلم أفرادا، وأنّها إنّما تكون إذا ضمّ بعضها إلى بعض، وكان يكون المراد بضمّ بعضها إلى بعض، تعليق معانيها بعضها ببعض، لا كون بعضها في النّطق على إثر بعض كان واجبا، وإذا علم ذلك، أن يعلم أنّ الفصاحة تجب لها من أجل معانيها، لا من أجل أنفسها، لأنه محال أن

يكون سبب ظهور الفصاحة فيها، تعلّق معانيها بعضها ببعض، ثم تكون الفصاحة وصفا يجب لها لأنفسها لا لمعانيها. وإذا كان العلم بهذا ضرورة، ثم رأيتهم لا يعلمونه، فليس إلّا أن اعتزامهم على التّقليد قد حال بينهم وبين الفكرة، وعرض لهم منه شبه الأخذة.

واعلم أنّك إذا نظرت وجدت مثلهم مثل من يرى خيال الشيء فيحسبه الشيء.

وذاك أنهم قد اعتمدوا في كلّ أمرهم على النّسق الذي يرونه في الألفاظ، وجعلوا لا يحفلون بغيره، ولا يعوّلون في الفصاحة والبلاغة على شيء سواه، حتى انتهوا إلى أن زعموا أن من عمد إلى شعر فصيح فقرأه ونطق بألفاظه على النّسق الذي وضعها الشاعر عليه، كان قد أتى بمثل ما أتى به الشاعر في فصاحته وبلاغته إلّا أنهم زعموا أنه يكون في إتيانه به محتذيا لا مبتدئا.

ونحن إذا تأمّلنا وجدنا الذي يكون في الألفاظ من تقديم شيء منها على

شيء، إنما يقع في النفس أنّه «نسق»، إذا اعتبرنا ما توخّي من معاني النحو في معانيها، فأمّا مع ترك اعتبار ذلك، فلا يقع ولا يتصوّر بحال. أفلا ترى أنك لو فرضت في قوله: قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل أن لا يكون «نبك» جوابا للأمر، ولا يكون معدّى «بمن» إلى «ذكرى»، ولا يكون «ذكرى» مضافة إلى «حبيب»، ولا يكون «منزل» معطوفا بالواو على «حبيب» لخرج ما ترى فيه من التقديم والتأخير عن أن يكون «نسقا»؟ ذاك لأنه إنما يكون تقديم الشيء على الشيء نسقا وترتيبا، إذا كان ذلك التقديم قد كان لموجب أوجب ن يقدّم هذا ويؤخّر ذاك، فأمّا أن يكون مع عدم الموجب نسقا، فمحال، لأنه لو كان يكون تقديم اللفظ على اللفظ من غير أن يكون له موجب «نسقا»، لكان ينبغي أن يكون توالي الألفاظ في النّطق على أي وجه كان «نسقا»، حتى إنّك لو قلت: «نبك قفا حبيب ذكرى من»، لم تكن قد أعدمته النسق والنظم، وإنما أعدمته الوزن فقط. وقد تقدّم هذا فيما مضى، ولكنّا أعدناه هاهنا، لأن الذي أخذنا فيه من إسلام القوم أنفسهم إلى التقليد، اقتضى إعادته.

واعلم أن «الاحتذاء» عند الشعراء وأهل العلم بالشّعر وتقديره وتمييزه، أن يبتدئ الشاعر في معنى له وغرض أسلوبا- و «الأسلوب» الضّرب من النّظم والطريقة فيه فيعمد شاعر آخر إلى ذلك «الأسلوب» فيجيء به في شعره، فيشبّه بمن يقطع من أديمه نعلا على مثال نعل قد قطعها صاحبها، فيقال: «قد احتذى على مثاله»، وذلك مثل أنّ الفرزدق قال:

أترجو ربيع أن تجيء صغارهابخير، وقد أعيا ربيعا كبارها

واحتذاه البعيث فقال:

أترجو كليب أن يجيء حديثهابخير، وقد أعيا كليبا قديمها
للشاعر البعيث المجاشعي، من قصيدة «كليب لئام الناس قد يعلمونها»

وقالوا: إنّ الفرزدق لما سمع هذا البيت قال:

إذا ما قلت قافية شروداتنحّلها ابن حمراء العجان

ومثل ذلك أنّ البعيث قال في هذه القصيدة:

كليب لئام النّاس قد تعلمونهوأنت إذا عدّت كليب لئيمها
للشاعر البعيث المجاشعي، اقرأ القصيدة

وقال البحتريّ:

بنو هاشم في كل شرق ومغربكرام بني الدّنيا وأنت كريمها
للشاعر البحتري، من قصيدة «سقى دار ليلى حيث حلت رسومها»

وحكى العسكريّ في «صنعة الشعر» أن ابن الرّوميّ قال: قال لي البحتري:

قول أبي نواس:

ولم أدر من هم غير ما شهدت لهمبشرقيّ ساباط الدّيار البسابس
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «ودار ندامى عطلوها وأدلجوا»

مأخوذ من قول أبي خراش الهذليّ:

ولم أدر من ألقى عليه رداءه؟سوى أنّه قد سلّ من ماجد محض
للشاعر أبو الحسن أحمد بن علي البتِّيُّ، اقرأ القصيدة

قال فقلت: قد اختلف المعنى! فقال: أما ترى حذو الكلام حذوا واحدا؟

وهذا الذي كتبت من جليّ الأخذ في «الحذو»، وممّا هو في حدّ الخفيّ قول البحتريّ:

ولن ينقل الحسّاد مجدك بعد ماتمكّن رضوى واطمأن متالع
للشاعر البحتري، من قصيدة «ألمت وهل إلمامها لك نافيع»

وقول أبي تمام:

ولقد جهدتم أن تزيلوا عزّهفإذا أبان قد رسا ويلملم
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «أرض مصردة وأخرى تثجم منها»

قد احتذى كل واحد منهما على قول الفرزدق:

فادفع بكفّك، إن أردت بناءنا،ثهلان ذا الهضبات، هل يتحلحل؟
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «ولنا قراسية تظل خواضعا»

وجملة الأمر أنهم لا يجعلون الشاعر «محتذيا» إلّا بما يجعلونه به آخذا ومسترقا، قال ذو الرمة:

وشعر قد أرقت له غريبأجنّبه المساند والمحالا
للشاعر ذو الرمة، من قصيدة «أراح فريق جيرتك الجمالا»
فبتّ أقيمه وأقدّ منهقوافي لا أريد لها مثالا
للشاعر ذو الرمة، من قصيدة «أراح فريق جيرتك الجمالا»

قال يقول: لا أحذوها على شيء سمعته.

فأمّا أن يجعل إنشاد الشّعر وقراءته «احتذاء»، فما لا يعلمونه كيف؟ وإذا عمد عامد إلى بيت شعر فوضع مكان كلّ لفظة لفظا في معناه، كمثل أن يقول في قوله:

دع المكارم لا ترحل لبغيتها،واقعد فإنّك أنت الطّاعم الكاسي
للشاعر الحطيئة، من قصيدة «والله ما معشر لاموا امرأ جنبا»
ذر المآثر لا تذهب لمطلبها،واجلس فإنك أنت الآكل اللّابس

لم يجعلوا ذلك «احتذاء» ولم يؤهّلوا صاحبه لأن يسموه «محتذيا»، ولكن يسمّون هذا الصنيع «سلخا»، ويرذّلونه ويسخّفون المتعاطي له. فمن أين يجوز لنا أن نقول في صبيّ يقرأ قصيدة امرئ القيس: إنه احتذاه في قوله:

فقلت له لمّا تمطّى بصلبهوأردف أعجازا وناء بكلكل
للشاعر امرؤ القيس، من قصيدة «قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزِل»

والعجب من أنّهم لم ينظروا فيعلموا أنه لو كان منشد الشّعر «محتذيا»، لكان يكون قائل شعر، كما أن الذي يحذو النّعل بالنعل يكون قاطع نعل.

وهذا تقرير يصلح لأن يحفظ للمناظرة ينبغي أن يقال لمن يزعم أن المنشد إذا أنشد شعر امرئ القيس، كان قد أتى بمثله على سبيل «الاحتذاء»: أخبرنا عنك؟ لماذا زعمت أنّ المنشد قد أتى بمثل ما قاله امرؤ القيس؟ ألأنه نطق بأنفس الألفاظ التي نطق بها، أم لأنه راعى «النّسق» الذي راعاه في النّطق بها؟.

فإن قلت: «إنّ ذلك لأنه نطق بأنفس الألفاظ التي نطق بها»، أحلت، لأنه إنما يصحّ أن يقال في الثاني أنه أتى بمثل ما أتى بمثل ما أتى به الأوّل، إذا كان الأوّل قد سبق إلى

شيء فأحدثه ابتداء، وذلك في الألفاظ محال، إذ ليس يمكن أن يقال: إنه لم ينطق بهذه الألفاظ التي هي في قوله:

قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل قبل امرئ القيس أحد.

وإن قلت: إنّ ذلك لأنه قد راعى في نطقه بهذه الألفاظ «النّسق» الذي راعاه امرؤ القيس.

قيل: إن كنت لهذا قضيت في المنشد أنّه قد أتى بمثل شعره، فأخبرنا عنك؟

إذا قلت: «إن التّحدي وقع في القرآن إلى أن يؤتى بمثله على جهة الابتداء»، ما تعني به؟ أتعني أنه يأتي في ألفاظ غير ألفاظ القرآن، بمثل الترتيب والنسق الذي تراه في ألفاظ القرآن؟

فإن قال: ذلك أعني.

قيل له: أعلمت أنّه لا يكون الإتيان بالأشياء بعضها في أثر بعض على التوالي

نسقا وترتيبا، حتى تكون الأشياء مختلفة في أنفسها، ثم يكون للذي يجيء بها مضموما بعضها إلى بعض، غرض فيها ومقصود، لا يتمّ ذلك الغرض وذلك المقصود إلّا بأن يتخيّر لها مواضع، فيجعل هذا أوّلا، وذلك ثانيا؟ فإنّ هذا ما لا شبهة فيه على عاقل. وإذا كان الأمر كذلك، لزمك أن تبيّن الغرض الذي اقتضى أن تكون ألفاظ القرآن منسوقة النّسق الذي تراه.

ولا مخلص له من هذه المطالبة، لأنه إذا أبى أن يكون المقتضي والموجب للذي تراه من النّسق، المعاني وجعله قد وجب لأمر يرجع إلى اللّفظ، لم تجد شيئا يحيل في وجوبه عليه البتّة، اللهمّ إلا أن يجعل الإعجاز في الوزن، يزعم أنّ «النسق» الذي تراه في ألفاظ القرآن إنما كان معجزا، من أجل أن كان قد حدث عنه ضرب من الوزن يعجز الخلق عن أن يأتوا بمثله.

وإذا قال ذلك، لم يمكنه أن يقول: «إن التحدّي، وقع إلى أن يأتوا بمثله في فصاحته وبلاغته»، لأنّ الوزن ليس هو من الفصاحة والبلاغة في شيء، إذ لو كان له مدخل فيهما، لكان يجب في كلّ قصيدتين اتّفقتا في الوزن أن تتّفقا في الفصاحة والبلاغة.

فإن دعا بعض الناس طول الإلف لما سمع من أن الإعجاز في اللفظ، إلى أن يجعله في مجرّد الوزن كان قد دخل في أمر شنيع، وهو أن يكون قد جعل القرآن معجزا، لا من حيث هو كلام، ولا بما به كان لكلام فضل على كلام! فليس بالوزن ما كان الكلام كلاما، ولا به كان كلام خيرا من كلام.

وهكذا السبيل إن زعم زاعم أن الوصف المعجز هو «الجريان والسّهولة»، ثم يعني بذلك سلامته من أن تلتقي فيه حروف تثقل على اللّسان لأنه ليس بذلك كان الكلام كلاما، ولا هو بالذي يتناهى أمره إن عدّ في الفضيلة إلى أن يكون الأصل، وإلى أن يكون المعوّل عليه في المفاضلة بين كلام وكلام، فما به كان الشاعر مفلقا، والخطيب مصقعا، والكاتب بليغا.

ورأينا العقلاء حيث ذكروا عجز العرب عن معارضة القرآن، قالوا: إن النبي ﷺ تحدّاهم وفيهم الشعراء والخطباء والذين يدلّون بفصاحة اللسان، والبراعة والبيان، وقوّة القرائح والأذهان، والذين أوتوا الحكمة وفصل الخطاب ولم نرهم قالوا: إن النبي ﷺ تحدّاهم وهم العارفون بما ينبغي أن يصنع، حتّى يسلم الكلام من أن تلتقي فيه حروف تثقل على اللّسان.

ولما ذكروا معجزات الأنبياء ﵈ وقالوا: إنّ الله تعالى قد جعل معجزة كلّ نبي فيما كان أغلب على الذين بعث فيهم، وفيما كانوا يتباهون به، وكانت عوامّهم تعظّم به خواصّهم قالوا: إنّه لما كان السّحر الغالب على قوم فرعون، ولم يكن قد استحكم في زمان استحكامه في زمانه، جعل تعالى معجزة موسى ﵇ في إبطاله وتوهينه ولمّا كان الغالب على زمان عيسى ﵇ الطبّ، جعل الله تعالى معجزته في إبراء الأكمه والأبرص وإحياء الموتى ولما انتهوا إلى ذكر نبيّنا محمد ﷺ وذكر ما كان الغالب على زمانه، لم يذكروا إلا البلاغة والبيان والتصرّف في ضروب النّظم.

وقد ذكرت في الذي تقدّم غير ما ذكرته هاهنا، مما يدلّ على سقوط هذا القول، وما دعاني إلى إعادة ذكره إلّا أنه ليس لتهالك النّاس في حديث «اللّفظ»، والمحاماة على الاعتقاد الذي اعتقدوه فيه وضنّ أنفسهم به حدّ، فأحببت لذلك أن لا أدع شيئا مما يجوز أن يتعلّق به متعلّق، ويلجأ إليه لاجئ، ويقع منه في نفس سامع شكّ، إلّا استقصيت في الكشف عن بطلانه.

وهاهنا أمر عجيب، وهو أنه معلوم لكل من نظر، أن الألفاظ من حيث هي ألفاظ وكلم ونطق لسان، لا تختصّ بواحد دون آخر، وأنها إنما تختصّ إذا توخّى فيها النظم. وإذا كان كذلك، كان من رفع «النّظم» من البين، وجعل الإعجاز بجملته في سهولة الحروف وجريانها، جاعلا له فيما لا يصحّ إضافته إلى الله تعالى. وكفى بهذا دليلا على عدم التوفيق، وشدّة الضّلال عن الطريق.

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٢هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «دلائل الإعجاز»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.