تجاوز إلى المحتوى

من «فصل المقال في شرح كتاب الأمثال» لأبي عبيد البكري (ت ٤٨٧هـ)

الباب التاسع

أبواب الأمثال في العلم والمعرفة

؟ باب المثل في معرفة الأخبار وصحتها

قال أبو عبيد: قال الأصمعي: من أمثالهم في صحة الخبر: " عند جفينة الخبر اليقين " وذكر قول الأصمعي في خبر المثل وقول ابن الكلبي إلى آخرهما.

ع: قال ابن الأنباري: وذكر عن أبي عبيدة حفينة بالحاء المهملة. وقال ابن السكيت في كتاب إصلاح المنطق: جفينة اسم خمار، بالجيم والفاء. وذكر عبيد بن شرية أن هذا المثل للحمام السهمي أبي الحصين بن الحمام، وأن

هاشم بن حرملة أحد بني ضمرة بن مرة جمع على بني سهم بن مرة. فلما رأى ذلك الحصين سار ببني سهم، وبالحرفة، وهم حي من بني وداعة بن جهينة. وإنما سموا الحرقة لأن رجلاً منهم يقال له حميس انطلق يتصيد، فرمى ظبياً وهو في يبيس على شفير واد عظيم، فأصاب سهمه مروة، فأورت ناراً في ذلك اليبيس فاحترق ذلك الوادي، فسموا الحرقة. فسار بهم الحصين حتى نزل دارة موضوع؟ وهو فضاء بين جبال - وكان الحمام شيخاً كبيراً لا يمر به أحد إلا سأله هل التقى القوم. فالتقى القوم واقتتلوا قتالاً شديداً، وظهرت سهم وأسر الحصين أسارى كثيرة، فخرج رجل من الحرقة، حتى أتى الحمام فبشره فقال:

أسائل كل ركب عن حصينٍ ... وعند جهينة الخبر اليقين قال أبو عبيد: ومن أمثالهم في الخبر " كفى قوماً بصاحبهم خبيرا "

ع: تمام البيت على ما أنشده سلمة عن الفراء:

إذا لاقيت قوماً فاسأليهمكفى قوماً بصاحبهم خبيرا ويروى " كفى قوماص بعالمهم خبيراً "

قال أبو عبيد: ومن أمثالهم في المعرفة والعلم قولهم " هو ابن بجدتها " وأصله الرجل يكون هادياً خريتاً في الأرض ثم صار ذلك مثلاً لكل عارف ماهر.

ع: يقال فلان ابن بجدة هذا الأمر إذا كان عالماً به. وأصله من بجد بالمكان بجوداً إذا أقام به، والمقيم بالموضع الساكن فيه هو العالم به. وقال كراع: يقال فلان من أهل البجد إذا كان من أهل البادية. قال: ومن هذا قالوا: فلان ابن بجدتها.

قال أبو عبيد: ومن أمثالهم " على هذا دار القمقم " أي إلى هذا صار معنى الخبر.

ع: إن كان يريد القمقم المستعمل فهو رومي معرب، وقد تكلمت به العرب. قال عنترة:

حش الإماء به جوانب قمقم ... ولا أدري ما معنى دوران هذا القمقم. وحكى أبو حاتم عن العرب: القمقم طرف الحلقوم، وهذا المراد في المثل، والله أعلم، لأنه يدور عند الكلام ويتحرك، وخروج الصوت عليه، فمعنى المثل إلى هذا صار الكلام وعليه دار.

باب الحذق بالأمور وحسن المعاناة لها

قال أبو عبيد: قال الأصمعي: ومن أمثالهم في الحذق بالأمر والترفق فيه قولهم: " أنا منه كحاقن الإهالة " والاهالة: الودك المذاب، وليسي يحقنها العالم بها حتى يعلم أنها قد بردت لئلا تحرق السقاء.

ع: كل شيء جمعته من لبن أو شراب ثم شددته في سقاء فقد حقنته. ومنه المثل " أبي الحقين العذرة " أي بطل العذر مع حضور اللبن. وبذلك سمي حابس البول حاقناً والحواقن من البطن ما حقن الطعام. والعرب تقول: لا تحقن حواقنك بذواقك. والذواقن: الذقن وما تحته.

قال أبو عبيد: ومن هذا قولهم " أعط القوس باريها " أي استعن على عملك بأهل المعرفة والحذق.

ع: أول من نطق بهذا المثل الحطيئة. وذلك أنه دخل على سعيد بن العاص وهو يغدي الناس فأكل أكلاً جافياً. فلما فرغ الناس من طعامهم وخرجوا أقام مكانه فأتاه الحاجب ليخرجه، فامتنع وقال: أترغب بهم عن مجالستي؟ إني بنفسي عنهم لأرغب. فلما سمع سعيد ذلك منه وهو لا يعرفه، قال: دعه. وتذاكروا الشعر والشعراء. فقال لهم: أصبتم جيد الشعر، ولو أعطيتم القوس باريها لوقعتم على ما تريدون. فانتبه له سعيد، ونسبه فانتسب له، فقال: حياك الله يا أبا مليكة! ألا أعلمتنا بمكانك ولم تحملنا على الجهل بك فنضيع حقك

ونبخسك قسطك. وأدناه وقرب مجلسه واستنشده ووصله وحباه. وقال الشاعر:

يا باري القوس برياً ليس يحسنه ... لا تظلم القوس أعط القوس باريها قال أبو عبيد: ومن أمثال أكثم بن صيفي: " المرء يعجز لا المحالة ". يقول: إنما يجيء الجهل متن الناس، فأما العلم والحيل فكثيرة.

ع: العرب تقول: ماله حيلة ولا محالة ولا حول ولا حويل بمعنى. وقال أبو الأسود في نظم هذا المثل:

أعصيت أمر ذوي النهىوأطعت أمر ذوي الجهاله
للشاعر أبو الأسود الدؤلي، من قصيدة «أعصيت أمر ذوي النهى»
فاحتلت حين صرمتنيوالمرء يعجز لا المحاله
للشاعر أبو الأسود الدؤلي، من قصيدة «أعصيت أمر ذوي النهى»

والعبد يقرع بالعصا ... والحر تكفيه المقاله وكان من خبر هذا الشعر أن ابن عم لأبي الأسود دنيةً كان سيء الخلق، وكان بينهما باب يتطرقون منه. وكان مما يرفق بأبي الأسود ذلك الباب، وأن ابن عمه أراد سده، فقال له بعض بني عمهم: لا تشقن على ابن عمك. دع الباب، فأبى إلا سده، ثم ندم وأراد أن يفتحه لأن الباب كان يرفق بهما جميعاً، فأبى أبو الأسود إلا سده، وقال هذا الشعر، وقال أيضاً:

لنا جيزة سدوا المجازة بينناوإن ذكروك السد فالسد أكيس
ومن خير ما ألصقت بالدار حائطيزل به سفع الخطاطيف أملس
للشاعر أبو الأسود الدؤلي، من قصيدة «لنا جيرة سدوا المجازة بيننا»

؟ باب الاستخبار عن علم الشيء ومعرفته

قال أبو عبيد: وإذا أخبر الرجل بالخبر من غير استخبار ولا ذكر كان لذلك، قيل: " فعل ذلك قبل عيرٍ وما جرى ".

ع: قال المفضل الضبي وغيره: العير إنسان العين، وأنشد لتأبط شراً:

سوى تحليل راحلةٍ وعيرٍ ... أكالئه مخافة أن يناما ويروى سوى ترحيل. قال: ومنه قولهم: " قبل عير وما جرى "، أي قبل لحظة إنسان بعير عينه، وهو أحد الأقوال في بيت الحارث بن حلزة، وذلك قوله:

زعموا أن كل من ضرب العير موالٍ لنا وأنى الولاء ... يعني: أن كل من أطبق جفناً على عين. وقال المفضل: العير في قولهم: " قبل عير وما جرى " المثال الذي في الحدقة، يقال له اللعبة. وما جرى: أي وجريه. يريد قبل أن يطرف الإنسان. وقال الشماخ:

تعدو القبصى قبل عيرٍ وما جرىولم تدر ما بالي ولم أدر بالها

القبصى: ضرب من العدو فيه نزو.

قال أبو عبيد: ومن أمثالهم في قديم الدهر وحديثه: " ويأتيك بالأخبار من لم تزود ".

ع: هذا يروى لطرفة، وقد أنكره بعض الرواة. قال:

ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلاًويأتيك بالأخبار من لم تزود
للشاعر طرفة بن العبد، من قصيدة «لخولة أطلال ببرقة ثهمد»

ويأتيك بالأنباء من لم تبع له ... بتاتاً ولم تضرب له وقت موعد قوله: لم تبع يريد لم تشتر، والبتات: الزاد. قال الأصمعي: لم يأت بهما أحد عن طرفة غير جرير بن الخطفى.

؟ باب الانتهاء إلى غاية العلم

قال أبو عبيد: قال أبو زيد: من أمثالهم في هذا أن يقال " بلغ فلان من العلم أطوريه " بكسر الراء. أي بلغ أقصاه. وسمعت غيره من علمائنا يقول: أطوريه بفتح الراء.

ع: هكذا حكاها أبو زيد وغيره. الطور: الحد. ومنه قولهم: تعدى فلان طوره، وملكت الدار بطورها وطوارها، أي بمنتهى حدودها. ومنه قولهم

لا تطر حرى فلان، أي لا تدخل طوار داره. وحكى اللحياني أو غيره هذه الدار أطور من هذه، أي أوسع حدوداً وساحة. فأطوريه جمع أطور. يراد بلغ من العلم أقصى حدوده. ومن قال أطوريه فإنه تثنية أطور يعني حدي الطول والعرض.

قال أبو عبيد: ومن أمثالهم في العلم " إن العالم كالحمة يأتيها البعداء ويزهد فيها القرباء ".

ع: تمام هذا الحديث ويروى عن بعض السلف: العالم كالحمة يأتيها البعداء ويزهد فيها القرباء، قال: فبينما هم كذلك إذ غار ماؤها فانتفع بها قوم، وبقي قوم يتفكنون؟ أي يتندمون؟ تفكن تفكناً إذا تندم. وقرأ أبو حزام العكلي: ﴿فظلتم تفكنون﴾ (الواقعة:) وقال: إنما تفكهون من الفاكهة.

؟ باب ادعاء الرجل علماً لا يحسنه

قال أبو عبيد: من أمثالهم في هذا " لا تعطيني وتعظعظني "، أي لا توصيني وأوصي نفسك.

ع: قال أبو محمد: إنما يكون التضعيف إذا كان آخره مشدداً مثل حث، يقال منه: حثحث. وكذلك رق، يقال منه: رقرق. قال: ولا أعلم لتعظعظني مثلاً. وقد وجدت أنا حروفاً مثله منها قولهم فعطعطوا به من قولهم عيط عيط.

ومنها قوله:

ومستعجب مما يرى من أناتناولو زبنته الحرب لم يتركرك أي لم يتحرك من قولهم لم يرم

؟ باب انتحال الرجل العلم وليس عنده أداته

قال أبو عبيد: ومنه قولهم " إنباض بغير توتير " يقول: إنه ينبض القوس من غير أن يوترها.

ع: الانباض أن يجذب الرجل الوتر بإبهامه وسبابته ثم يرسله فتسمع لها صوتاً. وإنما هو مأخوذ من نبض العرق وهو حركته، ولا يكون النبض إلا للعرق خاصة فاستعير للوتر. ويشبه وميض البرق بنبض العرق، قال الشاعر

سرى مثل نبض العرق والليل ضارب ... بأرواقه والصبح قد كاد يسطع قال الكميت في قولهم: " كالحادي وليس له بعير "

فصرت كأني وامتداحي خالداًوأسرته حادٍ وليس له إبل

؟ باب شواهد الأمور الظاهرة على علم باطنها

قال أبو عبيد: منه " أراك بشر ما أحار مشفر "، يقول: قد أغناك ما ترى من ظاهر أمره عن سؤاله.

ع: معنى المثل أنك ترى في بشرة البعير أو الدابة ما زد مشفره إلى جسمه من جودة أكله وخصب مرعاه أو ضده. والحور: الرجوع؟ حار يحور حوراً إذا رجع. وأحرته رجعته. قال تعالى ﴿إنه ظن أن لن يحور﴾ (الانشقاق:) أي أن لن يرجع وأن لن يحشر، كما قال تعالى ﴿أفحسبتم أنما خلقناكم عبثاص وأنكم إلينا لا ترجعون﴾ (المؤمنون:). ويروى: أراك بشراً ما أحار مشفر، بالنصب، والمعنى أراك هذا المرئي في بشر ما أحار مشفر.

قال أبو عبيد: ويقال في نحو هذا أو مثله " نجارها نارها " والنار في هذا الموضع السمة.

ع: لما كانت الإبل وغيرها لا توسم إلا بالنار سمي الوسم ناراً، قال الراجز:

قد سقيت آبالهم بالنار ... والنار قد تشفي من الأوار يقولون إن هذه الإبل لعزة أهلها سقيت لما عرفت سماتها، قم ألغز فقال: والنار قد تشفي من الأوار.

؟ باب استقامة الأمور واعوجاجها

قال أبو عبيد: من أمثالهم " الأمور سلكى وليست بمخلوجةٍ " قال: والسلكى: المستقيمة، والمخلوجة المعوجة، وأصله في الطعن. قال امرؤ القيس:

نطعنكم سلكى ومخلوجة ... لفتك لامين على نابل وحكي عن أبي عمرو بن العلاء انه ذكر هذا الشعر فقال: ذهب من يحسنه:

ع: أول من قال " الأمور مخلوجة وليست بسلكى "؟ وهكذا ورد المثل لا كما ذكره أبو عبيد؟ الحارث بن عباد، وذلك أن مهلهلاً لما قتل ابن أخيه بجيراً في الحرب التي كانت بين بكر وتغلب ابني وائل، وهي حرب البسوس؟ وبلغ ذلك الحارث، وكان قد تخلف عن حربهم؟ قال: نعم القتيل قتيلاً، أصلح الله به بين ابني وائل، فقيل له: إن مهلهلاً لما قتله قال: بؤ بشسع نعل كليب، فعندها قال الحارث: الأمور مخلوجة وليست بسلكى، ثم قال:

قربا مربط النعامة منيلقحت حرب وائل عن حيال
للشاعر ابن حجاج، من قصيدة «صاح أيري ورمحه فوق خصييه»
لم أكن من جناتها علم اللهوإني بحرها اليوم صال
للشاعر الحارث بن عباد، من قصيدة «كل شئ مصيره للزوال»

وتجرد لحرب تغلب فأبارهم حتى فر مهلهل، فهلك غريباً في غير دياره.

وأما بيت امرئ القيس ففيه أقوال، قال الأصمعي: أراد ردك سهمين على رامي نبل. واللفت: الرد واللي، قال الشاعر:

" أسرع من لفت رداء المرتدي " ... وقال غيره: أراد بقوله " لامين " الريش اللؤم، أي ردك هذين اللامين على نابل بريش سهامه. وقد ذكر أن امرأ القيس فسر بيته بهذا. وقيل: إنما هو " لفت كلامين على نابل " تثنية كلام، يريد قولهم للرامي: ارم ارم.

قال أبو عبيد: قال أبو عبيدة، من أمثالهم في الاستقامة قولهم " محسنة فهيلي "، وأصله أن امرأة كانت تفرغ طعاماً من وعاء في آخر، فقيل لها: ما تصنعين؟ قالت: أهيل من هذا في هذا، فقيل: محسنة فهيلي.

ع: قال أبو بكر ابن دريد: أصل هذا المثل للهائلة بنت منقذ من بني عمرو ابن سعد بن زيد مناة أم جساس بن مرة وأختها البسوس بنت منقذ التي كانت الحرب على رأسها بين ابني وائل أربعين سنة. وذلك أن ضيفاً نزل بالهائلة ومعه سلف فيه دقيق، فأخذت وعاء فيه دقيق كان عندها لتأخذ من دقيق الضيف، فجاء الضيف، فلما رأته جعلت تأخذ من وعائها فتهيل في وعاء الضيف، فقال لها: ما تصنعين؟ قالت: أهيل من هذا في هذا، فقال: محسنة فهيلي. فسميت الهائلة. والسلف: الجراب. وقال ابن دريد: السلف: الأديم الذي لم يحكم دباغه.

قال أبو عبيد: ومن أمثالهم في الاستقامة والحذق " هو يرقم الماء " أي قد بلغ من حذقه أنه يرقم حيث لا يثبت الرقم.

ع: وقال أوس بن حجر في هذا المعنى:

سأرقم في الماء القراح إليكمعلى نأيكم إن كان للماء راقم

فراغ

النص من طبعة مؤسسة الرسالة ببيروت (١٩٧١م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «فصل المقال في شرح كتاب الأمثال»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.