تجاوز إلى المحتوى

من «فصل المقال في شرح كتاب الأمثال» لأبي عبيد البكري (ت ٤٨٧هـ)

الباب العاشر

الأمثال في أهل الألباب والحزم

وفي السلامة من الزلل والجهل

؟ باب الأخذ بالثقة والاحتياط في الأمور

قال أبو عبيد: من أمثالهم في الاحتياط " اشتر لنفسك وللسوق "

ع: وروي عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه قال: إذا اشتريت بعيراً فاجعله ضخماً، فإن أخطأك خير لم تخطئك سوق.

قال أبو عبيد: (ومنه الحديث) " الإثم ما حك في الصدر وإن أفتاك الناس عنه وأفتوك ".

قال: ومنه قول ابن مسعود: الإثم حواز القلب.

ع: الأول حديث النبي ﷺ. يقال: حك في نفسي الشيء إذا لم تكن منشرح الصدر به، وكان في قلبك منه شيء. وكذلك حديث ابن مسعود: والإثم حواز القلب، يعني ما حز في القلب أي أثر فيه، فاجتنبه. يقال: حز الشيء يحز حزاً إذا ثر فيه بسكين أو غيرها، ووجد في قلبه حزحزة. وهو الألم من خوف أو حزن، وهو قريب المعنى من حك. وروى معاوية بن أبي صالح عن عبد الرحمن ابن جبير بن نفير عن أبيه عن البراء بن سمعان أنه سأله رسول الله ﷺ عن البر والإثم فقال: " البر حسن الخلق والإثم ما حك في نفسك وكرهت أن يطلع الناس عليه ".

؟ باب التقدم في الأمر والأخذ فيه بالحزم

قال أبو عبيد: ومنه قول النجاشي أحد بني الحارث بن كعب يذم قوماً:

ولا يردون الماء إلا عشيةً ... إذا صدر الوراد عن كل منهل ع: هجا بهذا الشعر بني العجلان، قال:

إذا الله عادى أهل لؤمٍفعادى بني العجلان رهط ابن مقيل
للشاعر النجاشي الحارثي، اقرأ القصيدة
قبيلة لا يغدرون بذمةٍولا يظلمون الناس حبة خردل
للشاعر النجاشي الحارثي، اقرأ القصيدة
ولا يردون الماء إلا عشيةًإذا صدر الوراد عن كل منهل
للشاعر النجاشي الحارثي، اقرأ القصيدة
تعاف الكلاب الضاريات لحومهمويأكلن من كعب وعوف ونهشل
للشاعر النجاشي الحارثي، اقرأ القصيدة

وما سمي العجلان إلا لقولهم ... خذ القعب واحلب أيها العبد واعجل فاستعدى عليه بنو عجلان عمر بن الخطاب ﵁ فقال: ما قال

فيكم؟ فأنشدوه: إذا الله عادى أهل لؤم ودقة. فقال: إنما دعا فإن كان مظلوماً استجيب له وإن كان ظالماً لم يستجب له. قالوا: وقد قال: قبيلة لا يغدرون بذمة ... البيت، فقال عمر ﵁: ليت آل الخطاب هكذا. قالوا: وقد قال: ولا يردون الماء ... البيت، فقال عمر ﵁: ذاك أقل للكاك. قالوا: وقد قال: تعاف الكلاب الضاريات لحومهم.. البيت، فقال عمر ﵁: أجن القوم موتاهم ولم يضيعوهم. قالوا: وقد قال: وما سمي العجلان إلا لقيلهم ... البيت. فقال عمر ﵁: خير القوم خادمهم.

وأنشد ثعلب في ضد قول النجاشي:

كرام ينال الماء قبل شفاههملهم عارضات الورد شم المناخر ؟ باب الاستعداد للنوائب قبل حلولها

قال أبو عبيد: ومنه قولهم " دمث لنفسك قبل النوم مضطجعا "

ع: وأسير ما قيل في هذا من الشعر قول تأبط شراً:

ولكن أخو الحزم الذي ليس نازلاًبه الأمر إلا وهو للقصد مبصر
للشاعر السهروردي المقتول، اقرأ القصيدة

قال أبو عبيد: ويروى عن عائشة أنها ذكرت عمر، فقالت: كان والله أحوذياً نسيج وحده، قد أعد للأمور أقرانها.

ع: روى محمد بن وضاح، حدثنا الأنباري، حدثنا هشام بن القاسم عن عبد العزيز بن أبي سلمة عن عبد الواحد بن أبي عون عن القاسم بن محمد عن عائشة ﵂ أنها كانت تقول: من رأى ابن الخطاب عرف أنه خلق غناء للإسلام؛ كان والله أحوزياً نسيج وحده، قد أعد للأمور أقرانها.

ع: قال عبد العزيز: الأحوزي الذي يحتاز الأمور برأيه فيكتفي بما عنده. وقال اللغويون: الأحوذي والأحوزي: الحسن السياسة وبما وليه، وقيل هو الجاد فيما يأخذ فيه من عمل. وقال الراجز:

يحوزهن وله حوزي ... كما يحوز الفئة الكمي ويروى [وله] حوذي بالذاك، كما يحوذ. قال أبو حاتم: حوزي أي حائز من قلبه، أي مزعج.

قال أبو عبيد: قال الأثمعي: ومن أمثالهم في نحو هذا " في بطن زهمان زاده " يقول: مع فلان عدته التي يحتاج إليها وبتاته وما يصلحه.

ع: قال الرياشي: زهمان وزهمان بالفتح والضم: اسم كلب. وقال أبو بكر أيضاً: هو اسم كلب. وذكر أبو علي عن أبي زيد زَهمان وزُهمان أيضاً.

قال أبو زيد: وإذا قسم قوم جزوراً فأعطوا رجلاص منهم حظه ثم جاءهم بعد ذلك فقال لهم: أطعموني، قيل له: " في بطن زهمان زاده " أي قد أكلت وأخذت حظك.

؟ باب الحزم في تعجيل الفرار ممن لا يدي لك به

قال أبو عبيد: وقال الذي قتل محمد بن طلحة بن عبيد الله يوم الجمل:

" يذكرني حاميم والرمح شاجر ... فهلا تلا حاميم قبل التقدم " ع: اختلف في قائله، وقائله هو قاتل محمد بن طلحة ﵄، قتله يوم الجمل، فقيل هو عصام بن المقشعر، وقيل [بل] هو شريح بن أوفى العبسي، وقيل: هو الأشتر النخعي. وقبل البيت:

وأشعث قوام بآيات ربهقليل الأذى فيما ترى العين مسلم
هتكت له بالرمح حضني قميصهفخر صريعاً لليدين وللفم
على غير شيء غير أن ليس تابعاًعلياً ومن لا يتبع الحق يظلم
للشاعر مالك الأشتر، من قصيدة «وأشعث سجاد بآيات ربه»

يذكرني حاميم والرمح شاجر ... فهلا تلا حاميم قبل التقدم وكان محمد من الخيار الصالحين، وإنما قتله وحمله على الخروج بره بأبيه لأنه رأى أن التخلف عنه عقوق. وكذلك كان علي بن أبي طالب ﵁ يقول: ذاك الذي قتله بره بأبيه.

وأنشد أبو عبيد:

" أقاتل حتى لا أرى لي مقاتلاً ... وأنجو إذا لم ينج إلا المكيس " ع: هذا البيت لزيد الخيل، ويروى " حتى لا أرى لي مقاتلا " يعني قرناً يقاتله. ومن رواه بفتح التاء فيحتمل أن يكون مصدراً وأن يكون أراد به موضع قتال. ويروى: " أقاتل ما كان القتال حزامة.

وقال أوس بن حجر في مثله:

وليس فرار اليوم عاراً على الفتىإذا عرفت منه الشجاعة بالأمس وقال عمرو بن معدي كرب:
ولقد أجمع رجلي بهاحذر الموت وإني لفرور
للشاعر عمرو بن معد يكرب، من قصيدة «ولقد أجمع رجلي بها»

ولقد أعطفها كارهةً ... حين للقوم من الموت هرير ؟ باب النظر في العواقب وما فيه من الأخذ بالثقة

قال أبو عبيد: ومن هذا فٍعْل الطائي الذي نزل به امرؤ القيس بن حجر

فهم أن يغدر به فأتى الجبل وقال: إن فلاناً غدر؛ وساق الخبر محذوفاً غير منسوب.

ع: كان أبو حنبل جارية بن مر الطائي عزيزاً منيعاً وفياً، فنزل به امرؤ القيس بن حجر ومعه أهله وماله وسلاحه. ولأبي حنبل امرأتان جدلية وثعلية، فقالت الجدلية: رزق الله أتاك به لا ذمة له عليك ولا عقد ولا جوار، فأرى أن تأكله وتطعمه قومك. وقالت العلية: رجل تحرم بك واستجارك، فأرى أن تحفظه وتفي له، فقام أبو حنبل إلى جذعة من الغنم فاحتلبها وشرب لبنها، ثم مسح بطنه وقال:

لقد آليت أغدر في جداعوإن منيت أمات الرباع

لأن الغدر في الأقوام عار ... وأن المرء يجزأ بالكراع فقال الجدلية؛ ورأت ساقيه حمشتين: تالله ما رأيت كاليوم ساقي واف.

فقال أبو حنبل: " هما ساقا غادرٍ شر " ويروى: " لم ار كاليوم قفا وافٍ ". ويقال: إن صاحب هذا الخبر عامر بن جوين الطائي، وهو الذي أتى الجبل فقال: إن فلاناً غدر، فأجابه الصدى.

؟ باب التوقي من الأمور وما فيه من السلامة

قال أبو عبيد: من أمثال أكثم بن صيفي " من سلك الجدد أمن العثار "

ع: قال أبو بكر ابن دريد: من أمثالهم " من تجنب الخبار أمن العثار "

قال: والخبار أرض تتعتع فيه الدواب.

قال أبو عبيد: من أمثالهم في ذلك " جروا له الخطير ما انجر لكم " ومعناه: اتبعوه ما كان فيه موضع متبع. قال: والخطير هو زمام الناقة وجديلها. وهذا المثل يروى عن عمار بن ياسر قاله في فلان.

ع: قاله عمار في عثمان ﵁ حين أنكر الناس عليه ما أنكروه. وإنما قيل لزمام الناقة خطير لاهتزازه عند مشيها كما قيل للرمح اللدن خطار للينه واهتزازه. ومنه قيل: هو يخطر في مشيته إذا تبختر. وإذا كان الحبل من جلود فهو جديل وجرير، وإذا كان من خوص فهو شريط، وإذا كان من كتان فهو مرس، وإذا كان من ليف فهو مسد.

؟ باب توسط الأمور بين الغلو والتقصير

قال أبو عبيد: قال أبو زيد: من أمثالهم في هذا: " لا تكن حلواً فتسترط ولا مراً فتعقى " أي تلفظ من المرارة. يقال: قد أعقى الشيء إذا اشتدت مرارته.

ع: فسره أبو عبيد على خلاف ما أورده فقال: فتعقى أي تلفظ، ثم قال: يقال أعقى الشيء إذا اشتدت مرارته. وحده إذا كان قوله فتعقى من

شدة المرارة أن يكون بكسر القاف. قال أبو علي: هذه رواية أبي زيد وتفسيره. وإن كان معناه فتلفظ أن يكون فتعقى بفتح القاف وصحة تفسيره وبيان معناه أن يقال فتعقى معناه فتلفظ بالعقوة، والعقوة ساحة الدار.

قال أبو عبيد: ومنه قول مطرف بن الشخير: " الحسنة بين السيئتين، وخير الأمور أوساطها وشر السير الحقحقة ".

ع: قال مطرف يوصي ابنه: يا عبد الله إن هذا الدين متين فأوغل فيه برفق، ولا تبغض إلى نفسك عبادة ربك فإن الحسنة بين السيئتين، وخير الأمور أوساطها، وشر السير الحقحقة، وإن المنبت لا أرضاً قطع ولا ظهراً أبقى. ومن قوله: إن هذا الدين متين ... إلى آخر الحديث، يروى عن النبي ﵇.

وأسير بيت في هذا قول الشاعر:

عليك بأوساط الأمور فإنها ... نجاة ولا تركب ذلولاً ولا صعبا ومن أمثالهم: " لا تكن رطباً فتعصر، ولا يابساً فتكسر ".

؟ باب حذر الإنسان على نفسه

قال أبو عبيد: ومنه قولهم " حلأت حالئة عن كوعها " قال: وأصله أن تحلأ المرأة الأديم وهو نزع تحلئته يعني باطنه، فإذا رفقت سلمت، وإن خرقت أخطأت، فقطعت بالشفرة كوعها.

ع: التحلئة، هو ما يبقى من الصفاق على باطن الجلد عند سلخه، والكوع رأس الزند الذي يلي الإبهام، والكرسوع: رأس الزند الذي يلي الخنصر.

؟ باب المحاذرة للرجل من الشيء قد ابتلي بمثله

قال أبو عبيد: ومن أمثالهم في نحو هذا " كل الحذاء يحتذي الحافي الوقع " وأصله الرجل يمشي في الوقع؟ وهي الحجارة؟ حافياً، فيصيبه الوجى، فهو يحاذر على رجليه من كل شيء ومنه قول الشاعر:

يا ليت لي نعلين من جلد الضبعع: أوله:
داوية شقت على اللاعي الشكعوإنما النوم بها مثل الرضع

يا ليت لي نعلين من جلد الضبع ... وشركاً من استها لا تنقطع كل الحذاء يحتذي الحافي الوقع ... الشكع: جزع الإنسان من طول المرض أو التعب. والوقع: أن يشتكي الرجل لحم رجليه من المشي. وقد وقع يوقع وقعا. هكذا صحة تفسيره، يقال

منه: وقع [الرجل يوقع وييقع فهو وقع]، ويقال: حفى الرجل حفاية إذا مشى بلا نعل ولا خف. وحفي حفى وحفوة وحفية إذا رقت قدماه من المشي، وحفيت بالرجل حفاوة إذا عنيت به.

قال أبو عبيد: ويقال في نحو: " من يشتري سيفي وهذا أثره " يضرب للرجل الذي يقدم على الأمر الذي قد اختبر وجرب. ويقال غن المثل للأغلب العجلي.

ع: روى عبيد بن شرية الجرهمي عن مالك بن جبير العامري أن أول من قال: من يشتري سيفي وهذا أثره، الحارث بن ظالم المري، وكان من شأنه أنه كان للحارث سيف لا يوضع على شيء إلا أثر فيه، وأنه كان بعاقته منه أثر، وكان قد عرضه للبيع وجعل يقول: " من يشتري سيفي وهذا أثره ".

؟ باب الحذر من اتباع الهوى وما يؤمر به من اجتنابه

قال أبو عبيد: قال أبو عبيدة من أمثالهم في هذا: " أمر مبكياتك لا أمر مضحكاتك " أي أطلع من يأمرك بما فيه رشادك وصلاحك وإن كان

يبكيك ويثقل عليك، ولا تطع أمر من يأمرك بما تهوى ويضحكك بما فيه شينك.

ع: قال عبيد بن شرية: كان أصل هذا المثل أن فتاة من العرب كان لها خالات وعمات، فكانت إذا زارت عماتها ألهينها، وإذا زارت خالاتها أبكينها. فقالت لأبيها: إن عماتي يلهينني وإن خالاتي يبكينني إذا زرتهنن فقال لها أبوها: أمر مبكياتك لا أمر مضحكاتك. فذهبت مثلاً. قال أبو عبيد: ومن ذمهم الهوى قولهم " حبك الشيء يعمي ويصم " وهذا يروى عن أبي الدرداء.

ع: بل هو مرفوع إلى النبي ﷺ: وقال أبو العتاهية ف معناه:

؟؟ المرء يعمى عمن يحب فإن ... أقصر شيئاً عما به أبصر وفي حديث مرفوع: " جاهدوا أهواءكم كما تجاهدون أعداءكم ". وقال الشاعر:

إذا طالبتك النفس يوماً بشهوةٍوكان عليها للخلاف طريق
فخالف هواها ما استطعت فإنماهواك عدو والخلاف صديق وقال آخر:
وفي الحلم والإسلام للمرء وازعوفي ترك طاعات الفؤاد المتيم
للشاعر كثير عزة، من قصيدة «عرج بأطراف الديار وسلم»
بصائر رشدٍ للفتى مستبينةوأخلاق صدق علمها بالتعلم [وهذا الشعر لزياد الأعجم]

؟ باب التحذير من المعايب والشين

قال أبو عبيد: قال مؤرخ: من أمثالهم في نحو هذا: " نزو الفرار استجهل الفرارا "

قال: وولد بقر الوحش يقال له: فرار وفرير نحو طوال وطويل.

ع: قال سيبويه: فرار جمع فرير في نظائر ذكرها نحو ظئر وظؤار، ورخل ورخال، وشاة ربى وشاء رباب. وأورد يونس هذا المثل: " فرارة قد سفهت فرارا ". والفرار صنف من الضأن. وذلك أن الفرار إذا رأى الغنم قصد إليها فتبعتها البقية. ومن أراجيز العرب في الضبع:

أفرعت في فراريكأنما ضراري أردت يا جعار والافراع: إراقة الدماء

قال أبو عبيد: ومن أمثالهم في كراهة المعايب " الملسى لا عهدة له " أي أنه قد خرج من الأمر سالماً لا عليه ولا له، وفي بعض النسخ عن علي بن

عبد العزيز أو غيره الملسى: الشيء ينساب ويتلمس ويتسرب.

ع: ومن هذا قولهم: ناقة مسلى إذا كانت تمر مراً سريعاً، والملسى أيضاً: ضرب من عدو الإبل، والعهدة: العيب، والعهدة: الدرك، فمعنى المثل: ذو الاملاس والتخلي عن الشر وأهله لا يلحقه عيب ولا درك. لمبياينته لذلك وانتزاحه منه. والملسى أيضاً: بيعة إلى أجل، فيكون المعنى على هذا: البائع إلى أجل على ما ينبغي لا درك عليه؛ ثم ضرب مثلاً.

وذكره أبو عبيد أيضاً في باب الغيبة التي لا يرجى لها إياب: الملسى لا عهدة له. أي إذا انقضى الشأن فلا عليك ولا لك.

وقال أبو العباس المبرد: وبيع الملسى هو بيع لا توقف فيه، وإنما هذا كالمثل أي ليست فيه عقدة تحبسه ومنه قولهم رمان إمليسي، إذا لم يكن فيه عجم، فكأنه لا تعقد فيه.

؟ باب التحذير من الأمر يخاف منه العطب

قال أبو عبيد: من أمثالهم في التحذير من الأمرين يخافان " الليل وأهضام الوادي " وأصله أن يسير الرجل ليلاً في بطون الأودية، فيقول: أحذر لعل هناك من لا يؤمن اغتياله.

ع: الاهضام من الأرض: كل مطمئن غامض، واحدها هضيم ويجمع هضيم على هضم، وهضم على أهضام، ويقال أيضاً " الليل وأهضام

الوادي "؟ بالرفع؟ على تقدير: ملجؤك الليل، والنصب خير.

قال أبو عبيد: ومن أمثالهم في التحذير مما يخاف " إن السلامة منها ترك ما فيها ".

ع: هذا من شعر لسابق البربري:

النفس تكلف بالدنيا وقد علمتأن السلامة منها ترك ما فيها
للشاعر سابق بن عبد الله البربري، اقرأ القصيدة
والله ما قنعت نفس بما رزقتمن المعيشة إلا سوف يكفيها
أموالنا لذوي الميراث نجمعهاودورنا لخراب الدهر نبنيها
للشاعر علي بن أبي طالب، من قصيدة «النفس تبكي على الدنيا وقد علمت»
قس بالتجارب أحداث الزمان كماتقيس نعلاً بنعل حين تحذوها
للشاعر سابق بن عبد الله البربري، اقرأ القصيدة

والله ما غبرت في الأرض ناظرة ... إلا ومر الليالي سوف يفنيها قال أبو عبيد: والحطيئة هو القائل عند موته " ويل للشعر من الرواة السوء ".

ع: حدث أبو غسان، دماذ، عن أبي عبيدة قال: لما حضرت الحطيئة الوفاة، اجتمع إليه قومه، فقالوا: يا أبا مليكة أوص. فقال: " ويل للشعر من الرواة السوء " قالوا: أوص يرحمك الله، قال: من الذي يقول:

إذا أنبض الرامون عنها ترنمت ... ترنم ثكلى أوجعتها الجنائز قالوا: الشماخ، قال: أبلغوا غطفان أنه أشعر العرب. قالوا: ويحك، أهذه وصية؟ قال: أبلغوا أهل ضابيء أنه شاعر حيث يقول:

لكل جديد لذة غير أنني ... وجدت جديد الموت غير لذيذ قالوا: اتق الله ودع عنك هذا، قال: أبلغوا الأنصار أن صاحبهم أشعر العرب حيث يقول:

يغشون حتى ما تهر كلابهم ... لا يسألون عن السواد المقبل قبل: إن هذا لا يغني عنك شيئاً، فقل غير ما أنت فيه، فقال:

الشعر صعب وطويل سلمهإذا ارتقى فيه الذي لا يعلمه
للشاعر الآثاري، اقرأ القصيدة

زلت به إلى الحضيض قدمه ... يريد أن يعربه فيعجمه قيل: يا أبا مليكة ألك حاجة؟ قال: لا والله، ولكن أجزع على المديح الجيد يمدح به من ليس له أهلاً. قالوا: فمن أشعر الناس؟ فأومأ بيده إلى فيه، وقال: هذا الجحير إذا طمع، قيل له: قل لا إله إلا الله، فقال:

قالت وفيها حيدة وذعر ... عوذ بربي منكم وحجر قيل له: فما تقول في عبيدك، قال: هم عبيد قن ما عاقب الليل النهار، قيل: فأوص للفقراء بشيء، قال: أوصيهم بالإلحاف في المسالة فإنها تجارة لا

تبور، واست المسؤول أيضق. قيل: فما تقول في مالك؟ قال: للأنثى من ولدي مثل حظ الذكر. قالوا: ليس هكذا قضى الله. قال: لكني هكذا قضيت. قالوا: فماذا توصي لليتامي؟ قال: كلوا أموالهم ونيكوا أمهاتهم. قالوا: فهل لك شيء تعهد فيه غير هذا؟ قال: نعم، تحملوني على أتان وتتركوني راكبها حتى أموت فإن الكريم لا يموت على فراشه، والأتان مركب لم يمت عليه كريم قط. فحملوه على أتان وجعلوا يذهبون به ويجيئون حتى مات وهو يقول:

لا أحد ألأم من حطيئه ... هجا بنيه وهجا المريئه من لؤمه مات على فريئه ... قال أبو عبيد: من التحذير قولهم " قد أعذر من أنذر ".

ع: قال الفراء: أعذر: بلغ أقصى العذر، يقول: من أنذرك فقد بلغ أقصى العذر، قال الطائي:

على أهل عذراء السلام مضاعفاًمن الله ولتسق الغمام الكنهورا

ولاقى به حجر من الله رحمة ... فقد كان أرضى الله حجر وأعذرا ويقال: عذر فهو معذر إذا اعتذر ولم يأت بعذر. وكان ابن عباس يقرأ ﴿وجاء المعذرون﴾ (التوبة:)، ويقول: لعن الله المعذرينن وفي المعذرين

وجهان إذا كان من عذر فهم لا عذر لهم، وإذا كان أصله المعتذرون فألقيت فتحة التاء على العين وأبدل منها ذال وأدغمت في الذال التي بعدها، فلهم عذر.

قال الفراء: قد اعتذر الرجل إذا أتى بعذر، وقد اعتذر إذا لم يأت بعذر، قال الله سبحانه: ﴿يعتذرون إليكم إذا رجعتم إليهم﴾ (التوبة:)، ثم بين تعالى أنه لا عذر لهم فقال ﴿قل لا تعتذروا﴾ (التوبة:).

وقال لبيد:

فقوما فقولا بالذي قد علمتماولا تخمشا وجهاً ولا تحلقا شعر
للشاعر لبيد بن ربيعة، من قصيدة «تمنى ابنتاي أن يعيش أبوهما»
إلى الحول ثم اسم السلام عليكماومن يبك حولاً كاملاً فقد اعتذر أي أتى بعذر

؟ باب الأمر بحسن التدبير

قال أبو عبيد: من أمثالهم في هذا: " وجه الحجر وجهةً ما له " ويقال: وجهة؟ بالرفع؟ وتكون " ما " مبهمة في تأويل الصفة. وفي كتاب المعاني

للفراء قال: سمعتهم يقولون وجه جهة ما له، ووجه ما له، ومعناه وجه الحجر فله جهة. يقول: إذا رأيت الحجر في البناء لم يقع موقعه، فأدره، فإنه سيقع على جهته. قال: ولو نصبوا على قولك: وجه جهة، كان صواباً.

قال أبو عبيد: ومن هذا قولهم: " أجر الأمور على أذلالها "، يقول: على وجوهها واستقامتها.

ع: قال بعض العلماء: الأذلال جمع لا واحد له، وقال أبو بكر: الذل وجمعه أذلال، من قولهم: إن أمور الله تعالى تجري على أذلالها، أي على مسالكها.

قال أبو عبيد: ومن أمثالهم قولهم: " السعيد من وعظ بغيره "، قال: وهذا يروى عن عبد الله بن مسعود.

ع: تمام المثل " والشقي من وعظ بنفسه "، وقال الشاعر:

إن السعيد له في غيره عظة ... وفي التجارب تحكيم ومعتبر قال أبو عبيد: ومن أمثالهم في هذا " ول حاترها من تولى قارها " وهذا المثل يروى عن عمر بن الخطاب أنه قاله لعتبة بن غزوان أو لأبي مسعود الأنصاري.

ع: روى ابن وهب عن أشهل بن حاتم عن ابن عون قال قال عمر رضي الله

عنه لأبي مسعود عقبة بن عمرو: ألم أنبأ أنك تفتي الناس، ول حارها من تولى قارها. وهذا المثل قد قاله الحسن بن علي لأبيه. وذلك أن الوليد بن عقبة لما شهد عليه عند عثمان، حمران ورجل آخر، بشرب الخمر وصلاته بالناس سكران، وهو أمير الكوفة، عزله واستحضره وأمر علياً بحده، فقال علي للحسن ابنه: تول ذلك منه غضباً لله وانتهاك محارمه، فقال له ابنه: ول حارها من تولى قارها، فأمسك، فقال علي لعبد الله بن جعفر: أقم عليه الحد، فأخذ السوط وجلده، وعلي يعد، حتى بلغ أربعين، فقال: حسبك، جلد النبي ﵇ أربعين، وجلد أبو بكر أربعين، وجلد عمر ثمانين، وكل سنة.

قال الخطابي: معنى ول حارها من تولى قارها: ول العقوبة والضرب من تولى العمل والنفع.

قال أبو عبيد: وفي بعض الآثار " الرفق يمن، والخرق شؤم ".

ع: قال النابغة الذبياني، فجمع ثلاثة مثال في بيت:

الرفق يمن والأناة سعادة ... فاستأن في رفق تلاق نجاحا فقوله " الرفق يمن " مثل، و " الأناة سعادة " مثل ثان، وقوله: " فاستأن في رفق " مثل ثالث، وتمم المعنى وحسنه بقول: تلاق نجاحاً، وكذلك قول زهير:

وفي الحلم إدهان في العفو دربةوفي الصدق منجاة من الشر فاصدق

فهذه ثلاثة أمثال في بيت، وتمم المعنى بقوله " من الشر فاصدق " ووفى به وزن البيت، وأوقع القافية أحسن موقع. وكذلك قول صالح بن عبد القدوس:

كل آت لابد آت وذو الجهل معنى بالغم، والحزن فضلولا يعلم بيت جمع ثلاثة أمثال إلا هذه الثلاثة الأبيات

قال أبو عبيد: ومن أمثالهم في التحذير: " رب أكلة تمنع أكلات "

ع: قال ابن هرمة فأحسن:

وكم من طالب يسعى لأمروفيه هلاكه لو كان يدري
للشاعر إبراهيم بن هرمة، من قصيدة «وربة أكلة منعت أخاها»
وربت أكلة منعت أخاهابلذة ساعة أكلات دهر ؟ باب الأخذ في الأمر بالمشورة والنظر

قال أبو عبيد: يروى عن عمر بن الخطاب ﵁ " الرجال ثلاثة: رجل ذو عقل ورأي، ورجل إذا حزبه أمر أتى ذا رأي فاستشاره. ورجل حائر بائر لا يأتمر رشداً ولا يطيع مرشداً "

ع: ذكر أن ملك الروم بعث إلى معاوية يسأله عن هذه المسائل: يسأله عن رجل سار به قبره، وعن رجل لا قبلة له، وعن خمسة أكلوا في الدنيا وحيوا لم يخلق واخد منهم في رحم، وعن شيء ونصف شيء ولا شيء. وبعث بوفد يسمعون الجواب عنها، فاستنظرهم معاوية وبعث إلى ابن عباس يسأله عنها، فقال ابن عباس: أما من سار به قبره فيونس حين التقمه الحوت، وأما من لا قبلة له فمن صعد فوق الكعبة فلا قبلة له حتى ينزل، وأما الخمسة الأنفس الذين أكلوا في الدنيا وعاشوا لم يخلق واحد منهم في رحم فآدم وحواء وكبش إبراهيم أخرجه الله ﷿ من الجنة، وناقة ثمود أخرجها الله من صخرة صماء، وعصا موسى ألقاها من يده فانقلبت حية تسعى، والتقمت ما ألقى السحرة. وأما الشيء فالرجل العاقل العالم ترد عليه الأمور فيدبرها بعقله ويمضيها بعلمه. وأما نصف الشيء فالرجل الممضي لما علم المتثبت فيما جهل ترد عليه أمور يعجز عنها علمه ويقصر فهمه فيلجأ إلى ذوي العقول فيستشيرهم فلا تنتشر قواه ولا يتبع هواه. وأما لا شيء فالرجل الذي لا علم له ولا عقل، ترد عليه الأمور فيتبع فيها هواه، فيحل به رداه، فلا تلقاه إلا حائراً، ولا تجده إلا بائراً.

فأخبرهم معاوية بذلك فقالوا: ما خرج هذا إلا من أهل نبي، فقال معاوية: أجل، هذا من كلام ابن عم نبينا ﷺ. قالوا: فأذن لنا نأته، فأذن لهم فأتوه فقال: أأنتم أصحاب السائل؟ قالوا: نعم، فقال: إن صاحبكم ذكر أنكم أفضل أهل دينكم، قالوا: إن قومنا ليقولون ذلك. قال: فقد سألتمونا فأجبناكم، فهل تجيبوننا إن سألناكم؟ قالوا: سل. قال: أخبرونا عن موضعين أحدهما سهل والآخر جبل، السهل لم تطلع عليه الشمس إلا ساعة من الدهر، والجبل رفعه الله ﷿ عن الأرض بلا عمد تمسكه، ولا سبب يحبسه. قالوا: ما لنا بذلك علم فأخبرنا. قال: السهل منفلق البحرين لما فرقه الله تعالى لموسى، لم تصل إليه الشمس قط إلا تلك الساعة، والجبل هو الذي نتقه الله ﷿ فوق بني إسرائيل كأنه ظلة، قالوا: صدقت، وانصرفوا مغلوبين.

النص من طبعة مؤسسة الرسالة ببيروت (١٩٧١م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «فصل المقال في شرح كتاب الأمثال»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.