من «فصل المقال في شرح كتاب الأمثال» لأبي عبيد البكري (ت ٤٨٧هـ)
الباب السابع
أبواب أمثال الخلة والصفاء
؟ مثل المتخالين المتصافيين اللذين لا يفترقان
ذكر أبو عبيد خبر ندماني جذيمة وأنشد بيتي متمم: وكنا كندماني جذيمة حقبة.. قال: وفي هذين النديمين يقول الشاعر في سالف الدهر:
ألم تعلمي أن قد تفرق قبلناخليلا صفاء مالك وعقيل قال: ومن هذا، البيت السائر في العالم:
وكل أخٍ مفارقه أخوه ... لعمر أبيك إلا الفرقدان ع: قول متمم لطول اجتماع: اللام بمعنى مع، يريد: مع طول اجتماع. ذكر ذلك القتبي. والبيت الذي قال، يقوله الشاعر في سالف الدهر لشاعر أدرك
الإسلام وهو أبو خراش الهذلي، قال أبو خراش يرثي أخاه عروة:
تقول أراه بعد عروة لاهياًوذلك رزء؟ لو علمت - جليل
فلا تحسبي أني تناسيت عهدهولكن صبري يا أميم جميل
ألم تعلمي أن قد تفرق قبلنا ... .................. (البيت) وقوله: إلا الفرقدان: [الفرقدان] في موضع النعت لكل وإلا في موضع غير كأنه قال: غير الفرقدين. والبيت لعمرو بن معد يكرب، هكذا قال الجرمي في كتاب سيبويه. وقال أبو الحسن: هو لسوار بن المضرب وقد نسب إلى عامر الأسدي الحضرمي، ولم يقع فيما رويناه من شعر عمرو بن معد يكرب، ومثله قول الآخر:
وكل أخ مفارقه أخوه ... فراق الشحط إلا ابني شمام وأصح من هذين البيتين قول الشاعر في الإسلام:
ولم أر ما يدوم له بقاءسيفترق اجتماع الفرقدين وقال العتابي:
قلت للفرقدين والليل ملقٍسود أكنافه على الآفاق
ابقيا ما بقيتما سوف يرمى ... بين شخصيكما بسهم الفراق قال أبو عبيد: ومنه قولهم في ابني شمام وهما جبلان.
ع: المثل المعروف في هذا " أطول صحبة من ابني شمام ". والأفصح فيه شمام، معدول مثل قطام، وقد أنشدنا البيت الشاهد عليه.
؟ باب عناية الرجل بأخيه وإيثاره إياه على نفسه
قال أبو عبيد: قال الأصمعي: من أمثالهم في هذا " لك ما أبكي ولا عبرة بي " يضرب للرجل يشتد اهتمامه بشأن أخيه.
ع: قال أبو زيد: معناه أبكي من أجلك، ولا حزن بي في خاصة نفسي.
قال أبو عبيد: ومن الإيثار قول الشاعر:
أرد شجاع الجوع قد تعلمينه ... وأوثر غيري من عيالك بالطعم ع: البيت لأبي خراش الهذلي. وشجاع الجوع: أشده مأخوذ من الشجاعة، وهي شدة القلب. وقيل: يريد بشجاع الجوع: حية البطن التي تهيج على صاحبها
إذا جاع وهي الصفر. وقبل البيت:
وإني لأطوي الجوع حتى تملنيحياتي لم تدنس ثيابي ولا جسمي
أرد شجاع الجوع قد تعلمينهوأوثر غيري من عيالك بالطعم
مخافة أن أحيا برغمٍ وذلة ... وللموت خير من حياة على رغم ؟ باب صفة الأخ المستمسك بإخاء صديقه
قال أبو عبيد: فإذا أرادوا به أنه لا يخالفه في شيء قالوا " هو على حبل ذراعك " والحبل: عرق في اليد.
ع: قال أبو بكر وغيره: العرب تقول: الأمر على حبل ذراعك، أي ممكن لك كما تقول: هذا الأمر على طرف الثمام إذا كان ممكناً قريباً. وكل عرق غليظ يسمى حبلاً. قال الله تعالى ﴿ونحن أقرب إليه من حبل الوريد﴾ (ق:).
؟ باب سرعة اتفاق الأخوين في التحاب والمودة
قال أبو عبيد: قال أبو زيد: من أمثالهم في نحو هذا: " كانت لقوة صادفت قبيساً " وقال سلمة: هي عندنا لقوة؟ مفتوحة -.
ع: لقوة ولقوة؟ بالكسر والفتح؟ لغتان فاشيتان فصيحتان، حكاهما يعقوب وغيره.
قال أبو عبيد: ومنه حديث عبد الله " الأرواح جنود مجندة فما تعاف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف ".
ع: ذكر أبو عبيد أن هذا الحديث لعبد الله؟ يعني ابن مسعود؟ وهو حديث مسند عن النبي ﷺ رواه أبو داود قال: نا هارون بن زيد بن أبي الزرقاء قال: نا أبي نا جعفر بن برقان عن يزيد عن أبي هريرة يرفعه: " الأرواح جنود مجندة ".
وقد أسنده البخاري في كتابه الصحيح وغيره، ولا شك أنه من حديث النبي ﷺ، والتقاؤها حين يتوفاها الله ﷿ في منامها فتلتقي حينئذ وإن لم تلتق أجسامها فتعارف وتناكر.
وإلى هذا المعنى أشار أبو الطيب بقوله:
أصادق نفس المرء من قبل جسمهوأعرفها في فعله والتكلم
وقال آخر؟ وهو طرفة؟ في أبيات كلها حكم وشواهد:
وأنت امرؤ منا ولست بخيرناجواد على الأقصى وأنت بخيل
وأنت على الأدنى شمال عريةشامية تزوي الوجوه بليل
وأنت على الأقصى صباً غير قوةتذاءب منها مرزغ ومسيل
وأعلم علماً ليس بالظن أنهإذا ذل مولى المرء فهو ذليل
فإن لسان المرء ما لم تكن لهحصاة على عوراته لدليل
وإن امرءاً لم يعف يوماً فكاهةًلمن لم يرد سوءاً به لجهول
تعارف أرواح الرجال إذا التقت ... فمنهم عدو يتقى وخليل قال أبو عبيد: ومن أمثالهم في نحو " وافق شناً طبقه " وذكر في تفسيره قولين.
ع: القول الذي نسبه إلى بعض أهل العلم هو قول ابن الكلبي، زعم أنه شن بن أفصى بن عبد القيس وأن طبقاً حي من إياد، أوقعت شن بطبق ثم أوقعت طبق بشن وقعة انتصفت منها، فقال الشاعر:
لقيت شن إياداً بالقنا ... ولقد وافق شن طبقه وذكر فيه علي بن عبد العزيز قولاً ثالثاً قال: أخبرني إبراهيم بن عبد الله الهروي أن قولهم " وافق شن طبقه " كانا رجلين كاهنين في الجاهلية، سئل كل واحد منهما بغير محضر صاحبه عن شيء فاتفقا فقيل " وافق شن طبقه ".
وذكر الشرقي بن القطامي فيه قولاً رابعاً: زعم أن شناً كان من دهاة العرب وعقلائها فجعل يضرب في الأرض رجاء أن يظفر بامرأة مثله في العقل والدهاء فيتزوجها، فبينما هو في مسيره وافقه رجل اتفقت نيتهما على إتيان موضع ما، فأقبل شن على الرجل في طريقه فقال له: أتحملني أم أحملك؟ فاستجهله الرجل في قوله وقال له: أنت راكب وأنا ركب فكيف أحملك أو تحملني؟ فسكت شن عنه، وسارا، حتى قربا من قرية فإذا زرع قد استحصد، فقال شن لرفيقه: أأكل هذا الزرع أم لا؟ فقال له: قد جئتنا أيضاً بمحال، فسكت عنه ولم يجبه، [وسارا حتى قربا من قرية] فدخلا القرية فتلقتهما جنازة فقال شن لرفيقه: أحياً ترى من على هذا النعش أو ميتاً؟ فأمسك عن جوابه استجهالاً له، وعدل إلى منزل به، وكان للرجل بنت تسمى طبقة، فسألت أباها عن ضيفه، فقال: هو أجهل من لقيت من الناس، وقص عليها خبره فقالت: يا أبة، ما هذا إلا عالم فطن ولكل ما قاله معنى. أما قوله: أتحملني أم أحملك فإنه أراد: أتحدثني أم أحدثك حتى نميط عنا كلال السفر. وأما قوله: أأكل هذا الزرع فإنما يريد: هل باعه أصحابه فأكلوا ثمنه أم لا. وأما قوله في الجنازة أحياً تراه أم ميتاً فإنما أراد: هل له عقب يحيا به ذكره أم لا.
فخرج الرجل إلى شن وفسر له ما كان رمز له به فقال شن: ما أنت بصاحب هذه الفطنة فأنبئني من صاحبها. قال: بنت لي. فخطبها فأنكحها منه، وكانت
تسمى طبقة، فقال الناس: " وافق شن طبقة، وافقه فاعتنقه ".
قال أبو عبيد: يقال: " وقعت عليه رخمته " إذا وافقه وأحبه.
ع: الرخمة: المحبة واللين، ومنه كلام رخيم أي سهل لين، وقال الخليل: رخمت فلاناً رخمة بمعنى رحمته سواء.
؟ باب الإفراط في التواد وما يكره منه
ويحب من الاقتصاد
قال أبو عبيد: [ومنه الحديث]: " أحبب حبيبك هوناً ما، عسى أن يكون بغيضك يوماً، وأبغض بغيضك هوناً ما، عسى أن يكون حبيبك يوماً ".
ومنه قول النمر بن تولب:
وأحبب حبيبك حباً رويداً ... فليس يعولك أن تصرما ع: الحديث الذي ذكره مروي عن رسول الله ﷺ، رواه هارون بن محمد الأهوازي عن ابن سيرين عن حميد بن عبد الرحمن الحميري عن علي عن النبي ﷺ.
وأسقط أبو عبيد البيت الثاني الذي به يقوم معنى الحديث المتقدم، وهو:
وأبغض بغيضك بغضاً رويداً ... إذا أنت حاولت أن تحكما قوله: أن تحكما أي أن تكون حكيماً، يقال: حكم يحكم: إذا صار حكيماً، ومنه قول الذبياني:
احكم كحكم فتاة الحي إذ نظرتإلى حمام شراع وارد الثمد أي كن حكيماً
وروى أبو عبيد: إذا أنت حاولت أن تحكما، وقال هدبة بن خشرم:
وأحبب إذا أحببت حباً مقارباًفإنك لا تدري متي أنت نازع
وأبغض إذا أبغضت بغضاً مقارباًفإنك لا تدري متى أنت راجع باب اقتداء الرجل بخليله وقرينه
قال أبو عبيد: ومن أمثال أكثم بن صيفي " من فسدت عليه بطانته كان كم غص بالماء " يعني أنه لا دواء له، من أجل أن الغاص بالطعام إنما غياثه الماء فإذا كان الماء هو الذي يغصه فلا حيلة له.
قال عدي بن زيد:
لو بغير الماء حلقي شرقكنت كالغصان بالماء اعتصاري
ع: يقوله عدي بن زيد في سجن النعمان بن المنذر يخاطبه، وقبله:
أبلغ النعمان عني مالكاًأنني قد طال حبسي وانتظاري
لو بغير الماء حلقي شرق ... ........................... يقول: لو شرقت بغير الماء أسغت شرقي الماء، فإذا غصصت بالماء فبم أسيغه؟ والاعتصار: الملجأ والحرز وهو العصر والعصرة.
قال أبو زبيد:
ولقد كان عصرة المنجود ... يقول: فأنت ملجأي وحرزي من الناس فإذا أتيت من قبلك فإلى من ألجأ؟ ومن أمثالهم: " يا ماء لو غصصت بغيرك أجزت بك ".
وقال إبراهيم بن العباس فأحسن:
وكنت أذم إليك الزمانفأصبحت فيك أذم الزمانا
وكنت أعدك للنائباتفها أنا أطلب منك الأمانا غيره:
كنت من محنتي أفر إليهمفهم محنتي فأين الفرار
؟ باب تخويف الرجل صديقه بالهجران
قال أبو عبيد: قال الأموي: من أمثالهم في هذا قول الرجل لأخيه:
" والله لئن فعلت كذا وكذا لتكونن بلدة ما بيني وبينك ".
ع: البلدة هنا القطيعة، مأخوذة من بلدة الحاجبين؟ وهي فرجة ما بينهما؟ وانقطاع شعر أحدهما من الآخر. وهي البلجة، والبلدة: فرجة ما بين النعائم وسعد الذابح؟ وليس بكوكب؟ إنما هو موضع صغير خال ليس فيه كوكب، شبه بالبلدة التي بين الحاجبين.
وهكذا صحت روايته عن أبي عبيد " وبينك "؟ بالنصب؟ وهو معطوف على ما، وموضعها جر، كما أنشد سيبويه:
فإن لم تجد من دون عدنان واحداً ... ودون معد فلتزعك الأوائل قال أبو عبيد: ومن أمثالهم في هجر الرجل صاحبه " تركه ترك الظبي ظله " وذلك أنه إذا نفر من شيء لم يرجع إليه أبداً.
ع: نقل أبو علي عن أبي زيد " لأتركنك ترك ظبي ظلاً " يريد كما
استظل ظبي بخمر ثم تركه. ورأيت في كتاب الأمثال للأصمعي، أن الظبي إذا استظل بظل فنفره منه منفر أو أفزعه مفزع لم يعد إليه أبداً.
قال أبو عبيد: قال الأصمعي: ومنه قولهم " ضرب في جهازه ".
ع: العرب تقول للبعير إذا شرد، " ضرب في جهازه " فيضرب هذا المثل لمن صرف عن وجهه الذي يريده، وكذلك الشارد من الإبل يعدل عن طريقه ويركب غير الطريق. قال الأصمعي: إذا أرادوا أنه نفر فلم يعد قالوا: ضرب في جهازه. وأصله في البعير الذي يسقط عن ظهره القتب بأداته فيقع بين قوائمه فينفر منه حتى يذهب في الأرض، ذكر هذا التفسير عن الأصمعي أبو عبيد في باب الجبن، ومعناه خولف وصرف عن وجهه الذي يريده.
؟ باب استعانة الرجل بإخوانه
قال أبو عبيد: ومنه قول القطامي:
وإذا يصيبك والحوادث جمةحدث حداك إلى أخيك الأوثق ع: وبعده:
وهم الرجال وكل ذلك منهمتجدن في رحب وفي متضيق
إن الرجال إذا طلبت إليهممنهم خليل ملاذةٍ وتملق
وأخو مكارمةٍ على علاته ... فوجدت خيرهم خليل المصدق قال أبو عبيد: يقال في نحو منه: " لمثل هذا كنت أحسيك الحسا "
ع: هكذا أورد أبو عبيد المثل عهذا على أنه غير موزون ولا شطر من رجز، وفسره. وقد أتى في رجز الأغلب العجلي موزوناً، قال: يذكر شأن مسيلمة الحنفي وامرأته سجاح المتنبئين:
كأن عرق فعله إذا ودىحبل عجوز ضفرت سبع قوى
يمشي على قوائم خمسٍ زكايرفع وسطاهن من برد الندى
قالت متى كنت أبا الخير؟ متى؟قال: حديثاً لم يغيرني البلى
ولم أفارق خلةً لي عن قلىفانتفشت فيشته ذات الشوى
كأن في أجيادها سبع كلىما زال عنها بالحديث والمنى
والخلق السفساف يردي في الردىقال: ألا ترينه؟ قالت: أرى
قال: ألا ألحمه ؟ قالت: بلىفشام فيها مثل محراث الغضا
تقذف عينه بمثل المصطكى ... يقول لما غاب فيها واستوى " لمثلها كنت أحسيك الحسا " ... وأنشد أبو عبيد لمسكين الدارمي:
أخاك أخاك إن من لا أخا لهكساعٍ إلى الهيجا بغير سلاح
ع: نسبه أبو جعفر ابن النحاس في كتابه الذي عمله في أبيات كتاب سيبويه إلى ابن هرمة.
؟ باب مشاركة الرجل أخاه في الرفاهية
وخذلانه إياه في الشدائد
قال أبو عبيد: ومن أشعارهم في هذا، قولهم:
" موالينا إذا افتقروا إليناوإن أثروا فليس لنا موال " ع: ومثله قول الآخر:
إذا ما علوا قالوا أبونا وأمناوليس لهم عالين أم ولا أب وأنشد يعقوب في مثله:
أبو راشد مولاي ما طل حقه ... وإن كانت الأخرى فمولى بني سهم وقال أبو بكر الخوارزمي في ضد هذه الصفة، يمدح:
أراك إذا أيسرت خيمت عندنالزاماً وإن أعسرت زرت لماما
فما أنت إلا البدر إن قل ضوءهأغب وإن زاد الضياء أقاما
ووصف النبي ﷺ الأنصار بنحو هذه الصفة فقال: " إنكم لتكثرون عند الفزع، وتقلون عند الطمع ".
وقال عنترة:
يخبرك من شهد الوقيعة أنني ... أغشى الوغى وأعف عند المغنم قال أبو عبيد: وإذا ضيع الرجل حق أخيه في حياتهن ثم بكاه بعد موته فإن مثلهم السائر في هذا قول الشاعر:
" لأعرفنك بعد الموت تندبني ... وفي حياتي ما زودتني زادي " ع: البيت لعبيد بن الأبرص، ويروى: لا أعرفنك. ولا زائدة مؤكدة كما قال الله تعالى لا قسم، وقرأ ابن كثير: لأقسم، ويحتمل أن يريد: لا أعرفن ندبتك لي بعد موتي ولا بكاءك علي إن فعلت ذلك، ولا يصل إليّ، وأما في حياتي فلم تصلني بل ضيعت حق إخائي وودي.
وروى ابن أبي أويس: قال حدثني محمد بن طلحة قال: قال طلحة بن عبيد الله: خرجت مع عمر في بعض أسفاره، فإذا براكب على الطريق فقال: ما وراءك؟ قال: أمر جليل. قال: ويحك! ما هو؟ قال: مات خالد بن الوليد. فاسترجع عمر ﵁ استرجاعاً طويلاً. فقلت له: يا أمير المؤمنين:
ألا أراك بعيد الموت تندبنيوفي حياتي ما زودتني زادي فقال: يا طلحة لا تؤنبني
قال أبو عبيد: ومن هذا قولهم " من فاز بفلان فاز بالسهم
الأخيب " وهذا المثل يروى عن علي ﵁ في بعض ما كان يستبطئ من أصحابه.
ع: ويروى: فاز بقدح الأخيب، أي الخيبة كما قال العجاج:
رمى سواداً فأصاب الأخيبايريد الخيبة
؟ باب معاتبة الإخوان وفقدهم
قال أبو عبيد: إذا استعتب الأخ فلم يعتب فإن مثلهم في هذا " لك العتبى بأن لا رضيت ". وهو محول عن موضعه لأن أصل العتبى رجوع المستعتب إلى محبة صاحبه، وهذا على ضده، يقول: أعتبك بخلاف رضاك. ومنه قول بشر ابن أبي خازم:
غضبت تميم أن تقتل عامر ... يوم النسار فأعتبوا بالصيلم ع: إنما معنى المثل: الذي يقوم لك مقام العتبى أن لا ترضى وأن يقال لك: لا رضيت أبداً، كما قال تعالى ﴿فبشرهم بعذاب أليم﴾ (آل عمران:، والتوبة:، والانشقاق:) أي الذي يقوم لهم مقام البشارة للمبشرين، العذاب الأليم.
وأما قول بشر وهو أسدي: فإنه كان من شأن يوم النسار، وذلك أن أسداً وطيئاً غطفان احتلفت وغزت بني عامر يوم النسار فقتلوا بني عامر قتلاً
شديداً، فغضبت تميم لبني عامر، فتجمعوا معهم حتى لقوا الأحلاف أسداً وطيئاً وغطفان يوم الجفار، فقتلت تميم أشد مما قتلت عامر، فقال بشر بن أبي خازم:
غضبت تميم أن تقتل عامريوم النسار فأعتبوا بالصليم
كانوا إذا نعروا لحربٍ نعرةً ... يشفى صداعهم برأس مصدم فقال ضمرة بن ضمرة النهشلي: الخمر علي حرام حتى يكون يوم يكافئه، فأغار ضمرة على الأحلاف يوم ذات الشقوق فقتلهم وقال يرد على بشر بن أبي خازم:
الآن ساغ لي الشراب ولم أكنآتي التجار ولا أشد تكلمي
حتى صبحت على الشقوق بغارةٍكالتمر ينثر من جرين الجرم
ومشت نساء بالنساء عواطلاًمن بين عارفة النساء وأيم
ذهب الرماح بزوجها فتركنه ... في صدر معتدل القناة مقوم قال أبو عبيد: ومن أمثالهم في ترك العتاب قول الشاعر:
" وليس عتاب الناس للمرء نافعاً ... إذا لم يكن للمرء لب يعاتبه " ع: البيت لبشار بن برد، وقبله:
إذا كنت في كل الأمور معاتباًصديقك لم تلق الذي لا تعاتبه
فعش واحداً أو صل أخاك فإنهمقارف ذنب مرةً ومجانبه
إذا أنت لم تشرب مراراً على القذىظمئت وأي الناس تصفو مشاربه
وليس عتاب الناس للمرء نافعاً..................... قال أبو عبيد: وقال آخر:
ودع العتاب فرب شر هاج، أوله العتابع: ضمنه بعض المحدثين شعراً أوله:
هبوا إلى حلب الكروم مزاجها حلب السحاب
ودعوا العتاب فإنهوقت يضيق عن العتاب
ما العيش إلا في المدام تحثه نعم الكعاب وقال ابن الرومي في هذا فأحسن:
ترددت حتى لم أجد متردداًوأمللت أقلامي عتاباً مرددا
كأني أستدني بك ابن حنيةٍإذا النزع أدناه إلى الصدر أبعدا ؟ باب نصيحة الرجل أخاه
قال أبو عبيد: رووا عن عمر بن عبد العزيز أنه قال: رحم الله رجلاً
أهدى إلينا عيوبنا.
ع: قد روي عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه كان إذا خرج من المدينة فأقام قال لأصحابه: من بدا جفا فرحم الله امرءاً أهدى إلينا عيوبنا.
قال أبو عبيد: وفي بعض الحديث " المؤمن مرآة أخيه ".
ع: نظمه ابن الرومي فقال:
أنا كالمرآة ألقىكل وجه بمثاله وقال منصور الفقيه:
إن المرائي لا تريك خدوش وجهك في صداها ... وكذاك نفسك لا تريك عيوب نفسك في هواها ... نظم قول الحكيم: ما أبين وجوه الخير والشر في مرآة العقل إذا لم يصدئها الهوى.
وقال الخليل:
عقل من يعقل مرآة يرى فيها فعاله
فإذا أخلصها اللهصفاءً وصقاله
فهي تعطي كل حيناظر فيها مثاله وأنشد أبو عبيد في قول الشاعر:
ستقطع في الدنيا إذا ما قطعتنييمينك فانظر أي كف تبدل الأبيات الثلاثة
ع: وهي لمعن بن أوس المزني.
النص من طبعة مؤسسة الرسالة ببيروت (١٩٧١م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع