من «فصل المقال في شرح كتاب الأمثال» لأبي عبيد البكري (ت ٤٨٧هـ)
الباب الثالث عشر
الأمثال في المعايب والذم
؟ باب الذم لسوء معاشر الناس
قال أبو عبيد: جاء في الحديث عن أبي الدرداء الأنصاري " وجدت الناس أخبر تقله "
ع: قال أبو عمرو: يقال الخبر تقله وتقله لغتان فصيحتان. ذكر ذلك في كتاب الياقوت. والكلام على لفظ الأمر ومعناه الخبر، يريد أنك إذا خبرتهم قليتهم؛ وهذا الحديث رواه عقبة عن أبي بكر بن أبي مريم عن عطية بن قيس عن أبي الدرداء عن النبي ﷺ أنه قال: " اخبر من شئت تقله ". نظمه أبو العتاهية فقال:
أبل من شئت تقلهعن قليل لفعله
وتبدله هجرةبعد ود ووصله
ضاع معروف واضع العرف في غير أهله ؟ باب سوء الجوار وما فيه من المذمة
قال أبو عبيد: وجاءنا عن نبينا ﷺ أنه قال: " الجار ثم الدار والرفيق قبل الطريق ".
ع: هكذا رواه أبو عبيد مرفوعاً والنصي جيد. أي التمس الجار قبل الدار والتمس الرفيق قبل الطريق. أخذه أبو تمام فقال يمدح أحمد بن أبي داود:
بوأت رحلي في المراد المبقلورتعت في أثر الغمام المسبل
من مبلغ أفناء يعرب كلهاأني ابتنيت الجار قبل المنزل وقال آخر:
يلومنني أن بعت بالرخص منزليولم يعلموا جاراً هناك ينغص
فقلت لهم: بعض الملام فإنمابجيرانها تغلو الديار وترخص وقال آخر:
يقولون قبل الدار جار موافقوقبل الطريق النهج أنس رفيق
فقلت وندمان الفتى قبل كأسهفما حث كأس الخمر مثل صديق
؟ باب سوء الموافقة في الأخلاق
قال أبو عبيد: قال أبو زيد في قلة الموافقة يقال: " لا يلتاط هذا بصفري " أي لا يلصق بقلبي ولا يوافق شيمتي ولا خلقي.
ع: يقال هذا الأمر ألوط بقلبي أي ألزق به وأقرب منه. وقال الفراء: إنما يقال: هو أليط بقلبي وإن كان من ذوات الواو ليفرقوا بينه وبين المعنى الآخر، يعني عمل قوم لوط. وفي الحديث أن أبا بكر قال لعمر ﵄: إنك لأحب الناس إليّ، ثم قال: اللهم أعز، والولد ألوط بالقلب. وأصل يلتاط يلتوط. وقال أبو بكر قولهم: لا يلتاط بصفري، لا يلزق بوهمي أو بقلبي أو بخاطري. وقال أبو زيد: يقال لا يلتاط هذا بصفري ولا يلتاق بصفري أي لا يوافق خليقتي، ومثله: ولا يليق صفري، أي لا يلزق بكبدي كلزرق الصفر، وهو دابة رقيقة بيضاء تعض الكبد. وقال أبو عبيدة: الصفر بفتح الفاء والصاد العقد، ويقال: ما يليق هذا بصفري. هكذا نقله أبو علي عن أبي عبيدة: الصفر العقد، وأنا أراه الصفر العقل باللام.
قال أبو عبيد: وقال النبي ﷺ: " ما أنا من ددٍ ولا الدد مني "
ع: الدد: اللهو، وفيه ثلاث لغات. يقال: هذا دد على مثال يد ودم.
وهذا دداً على مثال قفاً وعصاً. وهذا ددن على مثال سكن ووسن. قال الأعشى:
أترحل من ليلى ولما تزودوكنت كمن قضى اللبانة من دد وقال عدي بن زيد:
أيها القلب تعلل بددن ... إن همي في سماع وأذن قال أبو عبيد: ومن أمثالهم في قلى الاتفاق قولهم: " لا يجتمع السيفان في غمد "، ومنه قول أبي ذؤيب:
تريدين كيما تجمعيني وخالداً ... وهل يجمع السيفان ويحك في غمد ع: يقال: " لا يجمع سيفان في غمد ولا فحلان في ذود ". وكان لأبي ذؤيب ابن أخت يقال له خالد، وكان رسول خاله أبي ذؤيب إلى صديقته أم عمرو. فلما شب خالد أفسدها عليه. وكانت هذه المرأة صديقة عبد عمرو بن مالك. وكان أبو ذؤيب رسوله إليها، فلما كبر عبد عمرو أفسدها عليه أبو ذؤيب ومالت إليه. فجاءت أم عمرو إلى أبي ذؤيب تعتذر من أمر خالد فقال:
تريدين كيما تجمعيني وخالداًوهل يجمع السيفان ويحك في غمد
أخالد ما راعيت من ذي قرابةفتحفظني بالغيب أو بعض ما تبدي
دعاك إليها مقلتاها وجيدهافملت كما مال المحب على عمد
فآليت لا أنفك أحدو قصيدةأدعك وإياها بها مثلاً بعدي
وقال أبو ذؤيب أيضاً (يعاتب خالداً):
رعى خالد سري ليالي نفسهتوالى على قصد السبيل أمورها
فلما تراماه الشباب وغيهوفي النفس منه فتنة وفجورها
لوى رأسه عني ومال بودهأغانيج خود كان قدماً يزورها وهي أبيات ... فأجابه خالد:
لعلك أما أم عمرو تبدلتسواك خليلاً شاتمي تستحيرها
فلا تجزعن من سنة أنت سرتها ... فاول راضٍ سنةً من يسيرها قوله: أحدو قصيدة: يريد أغني بها. وقوله: تستحيرها، يريد تستعطفها حتى ترجع إليك، يقال: حار إذا رجع.
؟ باب سوء المشاركة في اهتمام الرجل بشأن صاحبه
قال أبو عبيد: قال أبو زيد من أمثالهم في هذا " ما يلقى الشجي من الخلي " يقول إنه لا يساعده وهو مع ذلك يعذله.
ع: معنى قولهم: " ويل للشجي من الخلي " ويل للمهموم من الفارغ. والشجي الذي كأن في حلقه شجى من الهموم، وهو الغصص. يقال: قد شجي شجى. قال صريم:
إني أرى الموت مما قد شجيت به ... إن دام ما بي ورب البيت قد أفدا وقال أكثر أهل اللغة: يقال: ويل للشجي من الخلي بتخفيف الياء من الشجى وبتثقيلها من الخلي. ويروى عن الأصمعي أنه حكى " ويل للشجي من الخلي " بتثقيل الياء فيهما. وأنشد:
ويل الشجي من الخلي فإنهنصب الفؤاد بحزنه مهموم وكذلك ورد في شعر أبي تمام
؟ باب نظر الرجل إلى نفسه وإقباله على شهوته وهواه
قال أبو عبيد: من أمثالهم في هذا: " ذهبت هيف لأديانها " قال: واصل الهيف شدة السموم، وعادتها أنها تجفف كل شيء وتوبسه.
ع: الأديان جمع دين. والدين: العادة. قال:
تقول وقد درأت لها وضيني ... أهذا دينه أبداً وديني أي عادته وعادتي. والهيف ريح حارة بين الجنوب والدبور يهيف بها الشجر أي يسقط ورقه. وقال أبو بكر، من أمثالهم: ذهبت هيف لأديانها، يقال ذلك للشيء إذا انقضى.
؟ باب عادة السوء يعتادها صاحبها
قال أبو عبيد: منه قولهم " أعطي العبد كراعاً فطلب ذراعاً " وكان ابن الكلبي يخبر أن هذا المثل لجارية يقال لها أم عمرو، وكانت لمالك وعقيل ابني فارج من بلقين ندماني جذيمة، فمر بهما عمرو بن عدي ابن أخت جذيمة وذكر الحديث إلى آخره، وقول عمرو:
تصد الكأس عنا أم عمرو ... وكان الكاس مجراها اليمينا ع: ذكر العلماء أن هذا البيت لعمرو بن جذيمة ذي الطوق هذا فنقله عمرو بن كلثوم التغلبي في قصيدته التي أولها
ألا هبي بصحنك فاصبحينا ... وكان بينهما دهر طويل. ومثل قولهم " أعطي العبد كراعاً فطلب ذراعاً " قولهم " أجلست عبدي فاتكأ "
؟ باب عادة السوء يدعها صاحبها ثم يرجع إليها
قال أبو عبيد: قال أبو عبيدة: من أمثالهم في هذا قولهم: " عادت لعترها لميس "، قال: والعتر هو الأصل وكذلك العكر، يضرب للذي يرجع
إلى خلق قد كان تركه. قال الأصمعي ومثله: " رجع فلان على قرواه "
ع: قال سلمة الذي أحفظ عن الفراء أنه روى حديثاً فقال: " لا ترجع هذه الأمة على قروائها " أي على أمرها الأول. وروى ابن ولاد في كتابه المقصور والممدود يقال: رجع فلان على قرواه مقصور، أي رجع إلى خلق قد كان تركه. قال ابن ولاد: وحكى سلمة عن الفراء: لا ترجع هذه الأمة عل قروائها بالمد. أي على أول أمرها. وقال أبو علي في كتابه الممدود، حكى الفراء: " لا ترجع أمتي على قروائها أبداً " كذا حكى عنه ابن الأنباري في كتابه ولم يفسره، واستفسرناه عنه فقال: على اجتماعها. فلا أدري أشتقه أم رواه.
قال أبو عبيد: وأما قولهم " النقد عند الحافر " فإنه النقد الحاضر عند البيع، وبعضهم يقول بالهاء: الحافرة.
ع: أما قولهم عند الحافر فإنهم يعنون عند حافر الدابة المبيعة. وكان هذا أصله في الدواب ثم صار مثلاً لكل نقد حاضر. ومن قال: عند الحافرة بالهاء فمعناه في أول التبايع كما فسر أبو عبيد في قولهم: عاد فلان في حافرته، أي إلى طريقه الأول. قال الشاعر:
أحافرة على صلع وشيبٍمعاذ الله من سفه وعار يعني أرجوعاً إلى الصبا والباطل بعد الصلع
؟ باب قلة عناية الرجل واهتمامه بشأن صاحبه
قال أبو عبيد: يقال: " همك ما أهمك ". قال: يضرب لمن لا يهتم بشأن صاحبه [أي] إنما اهتمامه بغير ذلك.
ع: هكذا أورده أبو عبيد وفسره. والمحفوظ فيه عن غيره " همك بفتح الميم؟ ما أهمك " معناه: أذابك ما حزنك. يقال: همه الحزن والمرض إذا أذاباه. وهممت الشحمة في النار إذا أذبتها، وما خرج منها فهو الخاموم، قال الراجز:
وإنهم هاموم السديف الواري ... قال أبو عبيد: ومن أمثالهم في قلة الاهتمام " إنك لتشكو إلى غير مصمت "
ع: مصمت من الصمت، أي أنك تشكو إلى غير مسكت لك بإشكالئه إياك أو بتسليته لك إن عجز عن الإشكاء، كما قال الشاعر:
ولابد من شكوى إلى ذي حفيظةيواسيك أو يسليك أو يتفجع وقال الأول:
ولابد من شكوى إلى ذي حفيظةٍإذا جعلت أسرار نفسي تطلع وقال الشاعر فنظم المثل:
إنك لا تشكو إلى مصمت ... فاصبر على الحمل الثقيل أو مت والصمة والسكتة؟ بضم أولهما؟ ما أسكت به الصبي. وقال الآخر:
يا أيها الفصيل المغني ... إنك ريان فصمت عني أي صمت عني الأضياف بما أسقيهم من اللين الذي تريد رضاعه.
قال أبو عبيد: ومن قلة المبالاة قولهم: " الكلاب على البقر " واصله أن يلخى بين الكلاب وبقر الوحش.
ع: قال الخليل وابن دريد: ومنهم من يقول " الكراب على البقر " وكراب الأرض: حرثها، أي حرث الأرض وإثارتها على البقر. وذكر سيبويه في المنصوبات قول العرب " الظباء على البقر " أي خل الظباء على البقر ومن نصب قولهم: الكلاب على البقر فعلى هذا التقدير.
؟ باب استهانة الرجل بصاحبه
قال أبو عبيد: من أمثالهم في هذا " ما أباليه عبكة وعبكة " وهي الوذحة واحدة الوذح، وهي ما يتعلق بأصواف الضأن من بعرها وأبوالها.
ع: فأما قولهم: " ما ذقت عنده عبكة ولا لبكة " فإن العبكة ملء الكف من السويق، واللبكة: اللقمة من الثريد. والعبك: خلط الشيء بالشيء: عبكته عبكاً.
؟ باب تمدح الرجل بالشيء وهو من غير أهله
قال أبو عبيد: قال الأصمعي: من أمثالهم في هذا: " حن قدح ليس منها "
ع: هذا المثل يروى عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه قاله. وذلك أن رسول الله ﷺ لما أمر بقتل عقبة بن أبي معيط قال: أقتل من بين قريش؟ فقال عمر بن الخطاب " حن قدح ليس منها "، فقال رسول الله ﷺ: وهل أنت إلا يهودي من صفورية. وذكر الكلبي أن أمية بن عبد شمس خرج إلى الشام وأقام بها عشر سنين فوقع على أمة يهودية للخم من أهل صفورية يقال لها " ترنى " فولدت له ذكوان فاستلحقه أمية وكناه أبا عمرو فهو أبو أبي معيط.
قال أبو عبيد: وكذلك قولهم: " كالفاخرة بحدج ربتها " والحدج هو المركب، وجمعه أحداج وحدوج.
ع: الحدج: مركب من مراكب النسا. يقال منه حدجت البعير أحدجه حدجاً، إذا وضعت عليه الحدج. وقالت دخنتوس بنت لقيط بن زرارة للنعمان
ابن قهوس التيمي، وكان فر يوم جبلة وهو اليوم الذي قتل فيه أبوها، وكان مع ابن قهوس لواء من شهد ذلك اليوم منهم:
فر ابن قهوس الشجاع بكفه رمح متليغدو به خاظي البضيع كأنه سمع أزل
إنك من تيم فدعغطفان إن ساروا وحلوا
لا منك عزهم ولا ... إياك إن هلكوا وذلوا فخر البغي بحدج ربتها إذا ما الناس شلوا ... تقول: لا تفخر بغطفان فإنك في ذلك كالأمة البغي تفخر بحدج ربتها، ودخنتوس أول من نطق بهذا المثل وتبعها الشاعر فقال:
فإنك والفخار بأم عمروكمن باهى بثوب مستعار
كذات الحدج تبهج أن تراه ... وتمشي أو تسير على حمار أي تفخر وتفرح بحدج ربتها وليس لها منه إلا النظر.
قال أبو عبيد: ومنه قولهم: " استنت الفصال حتى القرعى " وأصله من القرع. وهو قرح يظهر في أعناق الفصلان فتسحب في التراب لتبرأ. ومنه قول أوس بن حجر:
يجر كما جر الفصيل المقرع ... يقال: قرعت الفصيل إذا جررته. قال أبو عبيد: وهذا معنى قولهم للشيء الذي يوصف بالحرارة: " هو أحر من القرع " تأويله هذا الداء الذي وصفنا. وأما قول العامة: " أحر من القرع " بجزم الراء على معنى القرع الذي يؤكل، فليس بشيء.
ع: معنى " استنت الفصال " أخذت في سنن واحد من المرح والنشاط، حتى نشطت القرعى لنشاطها. وإنما تسحب القرعى في أرض سبخة، أو في أرض قد صب عليها ملح، بعد أن تنضح الفصال بالماء، والقرع لا يصيب إلا الفصال دون المسان. ومام البيت الذي أنشده:
لدى كل أخدود يغادرن فارساً ... يجر كما جر الفصيل المقرع وأنكر أبو عبيد أن يقال: " هو أحر من القرع " بإسكان الراء. وقال محمد ابن حبيب: إنه هو الصحيح، ليس على معنى القرع الذي يؤكل، ولكن يراد بعه قراع الميسم بالنار.
؟ باب الممتدح بما ليس عنده يؤمر بإخراج نفسه منه
قال أبو عبيد: قال الأصمعي وغيره في هذا المثل: " ليس هذا بعشك فادرجي " أي ليس هذا من الأمر الذي لك فيه حق فدعه. وقد يضرب مثلاً للرجل ينزل المنزل لا يصلح له.
ع: قال ابن قتيبة: يضرب مثلاً للرجل المطمئن المقيم وقد أظله أمر عظيم يحتاج إلى نباشرته والخفوف فيه. وقد أتى به الحجاج في خطبته حين دخل العراق فقال: " إني أرى رؤوساً قد أينعت وحان قطافها، كأني انظر إلى الدماء بين العمائم واللحى، ليس أوان عشك فادرجي، ليس أوان يكثر الخلاط ". وإنما حضهم يومئذ على اللحاق بالمهلب لقتال الأزارقة. والخلاط: السفاد.
قال أبو عبيد: ومنه قولهم: " هذا أوان الشد فاشتدي زيم " وهذا المثل قاله الحجاج بن يوسف على المنبر. وزعم الأصمعي أن زيم في هذا الموضع اسم فرس. قال: والزيم في غير هذا: الشيء المتفرق. وإنما تكلم الحجاج بهذا حين أزعج الناس لقتال الخوارج.
ع: المثل الذي ذكره شطر من رجز اختلف في قائله، فنسبه أبو تمام إلى رشيد ابن رميض وهو:
هذا أوان الشد فاشتدي زيمقد لفها الليل بسواق حطم
ليس براعي إبل ولا غنمولا بجزار على ظهر وضم
بات يراعيها غلام كالزلم ... خدلج الساقين خفاق القدم وقد نسب هذا الرجز إلى شريح بن ضبيعة من بني قيس بن ثعلبة، وهو الملقب بالحطم. وقيل إنه لقب الحطم بقوله:
" قد لفها الليل بسواق حطم " ...
وذكر المدائني أن معاوية بن أبي سفيان جمعه الطريق مع عبد الله بن الزبير من مكة إلى المدينة ومعاوية خليفة، فنزل عبد الله بن الزبير يحدو ويقول:
قد لفها الليل بعصلبي ... أروع خراج من الدوي مهاجرٍ ليس بأعرابي ... يعرض بمعاوية أنه ليس من المهاجرين، فقال معاوية لابنه يزيد: انزل فاحد بنا. فنزل يزيد وجعل يقول:
قد لفها الليل بسواقٍ حطم ... ليس براعي إبل ولا غنم ولا بجزار على ظهر وضم ... يعرض بالزبير بن العوام لأنه كان جزاراً. فلما انتصف من ابن الزبير قال له أبوه معاوية: اركب فداك أبوك. وليس هذا الباب الذي أدخل فيه أبو عبيد هذا المثل بمطابق له ولا أدي من حيث يلتقيان.
؟ باب الشره والجشع ومسألة الناس
قال أبو عبيد: من أمثال أكثم بن صيفي: " غثك خير لك من سمين غيرك "، يقول فاقنع به ولا تمدن عينيك إلى ما في أيدي الناس.
ع: هذا المثل لمعن بن عرفطة، ويقال ابن عطية، المذحجي، وذلك أنه كان بينهم وبين حي من أحياء العرب المجاورين لهم حرب شديدة فمر معن في حملة حملها برجل من ذلك الحي وهو صريع مرمل بالداء بين القتلى فاستغاثه فأغاثه معن، واستقل به حتى أبلغه مأمنه. وقال معن بن عرفطة:
ما فرج الكرب امرؤإلا وعنه سوف يفرج
إني امرؤ سمح الخلي ... قة وساط في آل مذحج ثم عطف أولئك على مذحج فهزموهم وأسروا معناً وأخاً يقال له روق، وكان يضعف، وأسروا رئيس مذحج. فلما صار المأسورون في حي أعدائهم إذا صاحب معن الذي نجاه أخو رئيس القوم، فناداه معن بهذا الشعر:
يا خير جازٍ بيد ... أوليتها نج منجيكا هل من جزاءٍ عندك اليوم لمن رد عواديكا ... ويروى " لمن يرجو أياديكا " فعرفه صاحبه وقال لأخيه: هذا المان علي ومنقذي بعدما اشرفت على الموت فهبه لي، فوهبه له فخلى سبيله، وقال له: إني أحب أن أضعف لك الجزاء فاختر أسيراً فاختار معن أخاه روقاً ولم يلتفت إلى سيد مذحج وهو في الأسرى، ثم انطلق فسئل عن أمرهما فحدث قومه بخبرهما فأتوه وعنفوه وشتموه وقالوا: هلا أنقذت رئيسنا وتترك أخاك الفسل الذي ما نكأ قط جرحاً، ولا أعمل رمحاً، ولا ذعر سرحاً، وإن لقبيح المنظر لئيم المخبر، فقال معن: " غثك خير من سمين غيرك " فأرسلها مثلاً.
قال أبو عبيد: يقال " جدح جوين من سويق غيره "
ع: جدح الرجل السويق: إذا دافه بماء أو لبن أو غيرهما ثم حركه
بالمجدح وهي الخُشيبة التي يعرض رأسها. والشراب المخوض مجدوح، والمجدوح أيضاً شيء كان يتخذ في الجاهلية في الجدوب. وهو أن يعمد إلى الناقة فتفصد ويخلط دمها بما قدروا عليه من دقيق أو سويق أو غير ذلك فيأكلونه.
قال أبو عبيد: ومن أمثال أكثم بن صيفي في نحو هذا: " المسألة أخر كسب المرء "
ع: هذا من كلام قيس بن عاصم لا من كلام أكثم. قال لبنيه: إياكم ومسألة الناس فإنها أخر كسب الرجل، كذلك ذكر غير واحد من الرواة، وهو أخر على وزن فعل، ومعناه أبعده من الخير وأرذله. ومن حديث الزهري عن أبي سلمة وسعيد بن المسيب أن رجلاً من أسلم أتى النبي ﷺ فقال: إن الأخر زنى أي الأبعد، والأخر أيضاً على وزن فعل الغائب. ولا يحسن هنا أن يقال " آخر كسب المرء " بالمد الذي هو نقيض أول لأن ذلك إباحة للمسألة وأن تكون من آخر ما يتكسب به المرء. والمسألة مكروهة منهي عنها في الجاهلية والإسلام. وقد أمر النبي ﷺ بأن يحتطب على ظهره ولا يسأل الناس.
قال أبو عبيد: وقال أبو الأسود الديلي يصف رجلاً بالأخلاق الدنيئة فقال: " إذا سئل أرز وإذا دعي انتهز "
ع: قال غيره: " الكريم إذا سئل اهتز واللئيم إذا سئل أرز " اهتز أي استبشر، ومعنى أرز تقبض، وقد تقدم القول في أرز. وقوله أبو الأسود الديلي: هذا قول محمد بن حبيب إنه الديل بن بكر بن عبد مناة بن كنانة وهم رهط
أبي الأسود الديلي، والناس على خلافه. قال سيبويه ومحمد بن سلام وابن الكلبي وأبو بكر ابن دريد: هو الدئل مضموم الأول مهموز على مثال فعل وفتحت الهمزة في النسب كما فتحت الميم من نمر فقيل نمرى. وقال أبو بكر: هما لغتان دؤل ودئل وهي دويبة معروفة لطيفة، قال الشاعر:
جاءوا بجيش لو قيس معرسه ... ما كان إلا كمعرس الدئل والديل بكسر الدال على بناء قيل في عبد القيس وفي الأزد وفي إياد. وأما الدول بضم أوله على مثال دور ففي بني حنيفة، وفي الرباب وفي عنزة. قال محمد بن حبيب: الذي في بني حنيفة هو الدول على لفظ الذي ذكرنا في كتابه، وهو الدول بن حنيفة بن لجيم.
قال أبو عبيد: ومن أمثالهم في الطمع والجشع قولهم: " تقطع أعناق الرجال المطامع "
ع: هذا عجز بيت من شعر البعيث قال:
طمعت بليلى أن تريع وإنماتقطع أعناق الرجال المطامع ؟ باب الشره للطعام والحرص عليه
قال أبو عبيد: قال بعض حكماء العرب " شدة الحرص من سبل
المتالف "، وقال آخر: " والمرء تواق إلى ما لم ينل ".
ع: هذا من رجز للأغلب العجلي، وأحسن ما قيل في هذا قول الشاعر:
وللنفس ملهى في التلاد ولم يقدهوى النفس شيء كاقتياد الطرائف وقال آخر:
لا يصلح النفس إذا كانت مصرفة ... إلا انتقالك من حال إلى حال قال أبو عبيد: ومن أمثالهم في ذم الشره قولهم: " الرغب شؤم "
ع: هذا من حديث النبي ﷺ. روى أبو الرجال عن عمرة عن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ اشترى غلاماً نوبياً فألقى بين يديه تمراً فأكثر الأكل فقال: " الرغب شؤم " ورده. وروي عنه أيضاً ﷺ أنه قال: " ما ملأ ابن آدم وعاء شراً من بطن، حسب الرجل من طعامه ما أقام صلبه، فإن أبى فثلث طعام وثلث شراب، وثلث نفس ". ويروى عن معاوية أنه قال: " البطنة تأفن الفطنة " أي تنقص. ورجل مأفون: ناقص العقل. وقال عمرو لمعاوي يوم الحكمين: أكثر لهم من الطعام، فوالله ما بطن قوم إلا فقدوا بعض عقولهم، يقال: رغب ورغب ورغبى ورغبة ورغبوت ورغبوتى. وكذلك رعب ورهب ورهبة ورهبوت ورهبوتى بمعنى.
قال أبو عبيد: ومن أمثالهم في ذلك " لا تجعل شمالك جردبانا " وهو الذي يستر الطعام بشماله لكي لا يراه أحد فيتناوله من بين يديه.
ع: يقال منه جردبت الطعام. قال الشاعر:
إذا ما كنت في قوم شهاوىفلاتجعل شمالك جردبانا ؟ باب التثقيل على الناس
قال أبو عبيد: من أمثالهم في هذا: " لا تبطر صاحبك ذرعه " (يقول: لا تحمله ما لا يطيق).
ع: يقال: ضاق بالأمر ذرعاً وذراعاً بمعنى، إذا لم يطقه. وليس البطر هنا الذي هو كالأشر وغمط النعمة، إنما هو بمعنى الحيرة والدهش، قاله الخليل. وقال الأصمعي: بطر الرجل إذا بهت. وقال رجل لصاحبه: لا يبطرنك جهل فلان حلمك، أي لا يدهشنك عنه، وكذلك هو بمعنى المثل: لا تدهش وتحير صاحبك عما يحتمله ذرعه ويدركه وسعه.
قال أبو عبيد: وفي بعض الحديث " ازهد فيما في أيدي الناس يحببك الناس "
ع: هذا حديث النبي ﷺ. رواه سفيان الثوري عن أبي حازم المدني عن سهل بن سعد الساعدي. قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، أخبرني بعمل إذا أنا عملته أحبني الناس. قال: " ازهد في الدنيا يحبك الله وازهد فيما عند الناس يحبك الناس ".
قال أبو عبيد: وفي حديث مرفوع: " استغنوا عن الناس ولو عن قصم السواك ".
ع: هكذا أورده أبو عبيد، والمعروف أن القصم مصدر قصمت الشيء أقصمه قصماً إذا كرسته والقصمة بكسر القاف: القطعة منه، والجميع قصم، ورجل أقصم إذا ذهبت إحدى ثنيتيه أو رباعيتيه. وقال بعض اللغويين: يقال في القطعة قصمة وقصمة؟ بالكسر والفتح؟ والذي أحفظه في حديث مرفوع: " ليجتزئ أحدكم ولو بضوز سواكه " والضوز: اللوك، ضازه يضوزه مثل لاكه يلوكه. والرجل يضوز التمرة في فيه لتلين، قال:
فظل يضوز التمر والتمر ناقع ... دماً مثل لون الأرجوان سبائبه وروى الحربي من طريق الأعمش عن سعيد عن ابن عباس عن النبي ﷺ: " استغنوا عن الناس ولو بشوص السواك ". قال الحربي: الشوص: الاستياك عرضاً. وقد شاص فاه بالسواك. فمعنى الحديث: استغنوا عن الناس
ولو بسواك الشوص كما نهى عن غبيراء السكر يريد سكر الغبيراء. وأنشدنا عمرو:
فلا زال يسقي ما مفداة حولهأهاضيب مستن الصبا ومسيلها يعني ما حول مفداة
؟ باب الذم لمخالطة الناس وما يحب من اجتنابهم
قال أبو عبيد: قال أبو زيد: من أمثالهم في هذا: " خلاؤك أقنى ليحائك " أي أنك إذا خلوت في منزلك كان أحرى أن تقنى الحياء وتسلم من الناس.
ع: وقال أبو زيد: قنا الرجل حياءه يقنوه قنواً إذا أصابه استحياء.
قال أبو عبيد: قال الأصمعي: ومن أمثالهم في نحو هذا: " من يسمع يخل "، يقول: من يسمع أخبار الناس ومعايبهم يقع في نفسه عليهم المكروه.
ع: قال أبو زيد: قولهم من يسمع يخل هو من خلت الشيء أخاله بمعنى ظننته، يقول: من سمع بشيء ظن وقوعه إن لم يتيقنه، قال: وذلك يكون في الخير والشر.
النص من طبعة مؤسسة الرسالة ببيروت (١٩٧١م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع