من «فصل المقال في شرح كتاب الأمثال» لأبي عبيد البكري (ت ٤٨٧هـ)
الباب الرابع عشر
أمثال الخطأ والزلل في الأمور
باب مثل الخطأ في القياس والتشبيه
قال أبو عبيد: من أمثالهم في هذا: " مذكية تقاس بالجذاع " يضرب لمن يقيس الكبير بالصغير.
ع: المذكي من الخيل الذي قد جاوز القراح بعام، والجذاع جمع جذع وهو أقل الأسنان ومثله أو نحوه قولهم: " جري المذكيات غلاب " وقد تقدم ذكره وتفسيره.
؟ باب الخطأ في نقل الأشياء من الأماكن
التي تعز فيها إلى الأماكن التي تكثر فيها
قال أبو عبيد: من أمثالهم [في هذا]: " كمستبضع التمر إلى هجر "
ع: نظمه الشاعر فقال:
فإنا ومن يهدي القصائد نحونا ... كمستبضع تمراً إلى أهل خيبرا قال أبو عبيد: ومن أمثالهم في وضع الأشياء في غير موضعها قولهم: " خلع الدرع بيد الزوج ". وكان المفضل فيما يحكى عنه يخبر أن المثل لرقاش بنت عمرو بن تغلب بن وائل وذكر الخبر:
ع: ذكر غير واحد أن عثمان بن عفان ﵁ لما تزوج نائلة بنت الفرفصة بن الأحوص بن عمرو بن ثعلبة بن الحارث بن الحصين الكلبي؟ وهذا هو الفرافصة، بفتح أوله، وكل اسم في العرب غيره فرافصة؟ بضم أوله؟ وساقها إليه أخوها فأدخلت عليه وخلا بها فقال لها: أتقومين إليّ أم أقوم إليك. فقالت: ما قطعت إليك عرض السماوة وأنا أحب أن تقطع إليّ عرض البساط. فقامت إليه فجلست إلى جنبه فقال لها: لا يسوءنك ما ترين من سيبي، قالت: إني لمن نسوة أحب رجالهن إليهن السيد الكهل. قال لها: ضعي الخمار، فوضعته، فقال لها: اخلعي الدرع، فخلعته، فقال لها: اخلعي الإزار، فقالت: ذاك إليك. فلما دخل على عثمان ﵁ يوم الدار أكبت عليه وجعلت تنافح بيديها حتى أصيبت بجراحات. فلما قتل ﵁ رثته فقالت:
ألا إن خير الناس بعد ثلاثةٍقتيل التجيبي الذي جاء من مصر
ومالي لا أبكي وتبكي قرابتي ... وقد حجبت عنا فضول أبي عمرو فلما انقضت عدتها خطبها معاوية فامتنعت فألح عليها فقالت لنسوتها: ما يعجب الرجال مني؟ قلن: ثناياك. فعمدت إلى فهر ودقت به ثنيتها وبعثت بها إلى معاوي، فكف، ولم تزل تحد بعد قتل عثمان حتى لحقت به.
وقال ابن كرشم: أول من قال " التجريد لغير نكاح مثلة " رقاش بنت عمرو بن تغلب، وزاد زيادة على أبي عبيد، قال: وكانت من أجمل النساء فتزوجها كعب بن مالك بن تيم الله، فقال لها: اخلعي درعك، وكانت امرأة شريفة عاقلة، فقالت: " خلع الدرع بيد الزوج " قال: اخلعي درعك لأنظر إليك، فقالت: يا بن عم " إن التجريد لغير نكاح مثلة " فأرسلتها مثلاً، فطلقها مكانها، فتحملت إلى أهلها، فمرت بذهل بن شيبان بن ثعلبة فسلم عليها وخطبها إلى نفسها. فقالت لخادمها، انظري إذا بال أيبعثر أم يقعر، فنظرت الأمة فقالت لمولاتها: يقعر، فتزوجته.
؟ باب الخطأ في وضع الإنسان بحيث لا يستوجب
قال أبو عبيد: من أمثالهم في هذا " متى كان حكم الله في كرب النخل " وهذا المثل لجرير بن الخطفى يقوله لرجل من عبد القيس شاعر كان قال في جرير:
أرى شاعراً لا شاعر اليوم مثلهجرير ولكن في كليب تواضع فقال جرير:
متى كان حكم الله في كرب النخلوذلك أن بلاد عبد القيس بها النخل كثير فلهذا قاله
ع: هذا الرجل الذي لم يسمه هو الصلتان العبدي، حكم بين جرير والفرزدق في قصيدة، يقول فيها البيت الذي أنشده، ويقول:
أنا الصلتاني الذي قد علمتممتى ما يحكم فهو بالحق صادع
لئن كان بحر الحنظليين واحداًفما تستوي حيتانه والضفادع
وما يستوي صدر القناة وزجهاولا تستوي في الراحتين الأصابع يفضل الفرزدق على جرير، وتمام بيت جرير:
أقول وقد فاضت دموعي بعبرةٍمتى كان حكم الله في كرب النخل فرد عليه خليد عينين:
وهل كان رسل الله إلا من القرى ... وود أبوك الكلب لو كان ذا نخل قال أبو عبيد: ومنه قول ابن هرمة:
" كتاركةٍ بيضها بالعراءوملبسة بيض أخرى جناحا "
يعني الحمامة التي تحضن بيض غيرها وتترك بيض نفسها.
ع: قبل البيت بيت يتعلق به ولا يفهم معناه إلا منه وهو:
وإني وتركي ندى الأكرمينوقدحي بكفي زنداً شحاحا
كتارجكة بيضها بالعراء ... وملحفة بيض أخرى جناحا وذكر أبو عبيد أن ابن هرمة عنى بالحمامة، وهو قول أبي عبيدة، وقال غيره من العلماء: إنما يعني النعامة. وذلك أنها تنتشر للطعم فربما رأت بيض نعامة أخرى قد ذهبت لما ذهبت هي له فتحضن بيضها وتترك بيض نفسها وتنساه، ثم تجيء الأخرى فترى غيرها على بيضها فتمر لطيتها. ولذلك تقول العرب " أحمق من نعامة " وهذا معهود فيها معلوم، ولا يعلم في الحمام.
وقال ابن الأعرابي " بيضة البلد " التي سار المثل بها هي بيضة النعامة المتروكة لا يهتدى إليها فتفسد. والنعام موصوف بالموق والشراد والنفار، وإنما توصف الحمام بالخرق وسوء النظر لأنها تضعه على غير تحصين فيسقط وينكسر كما قال عبيد بن الأبرص:
عيوا بأمرهم كماعيت ببيضتها الحمامه
جعلت لها عودين من ... نشم وآخر من ثمامه فشبههم في عيهم بأمرهم وخرقهم فيه بالحمامة في خرقها ببيضها، ولهذا المعنى الذي نسبوا فيه النعام إلى الموق والحمق ضربوا بها المثل لحضنها بيض غيرها. وقالوا " أحمق من جهيزة " وهي أنثى الذئاب لأنها تدع ولدها وترضع ولد الضبع. قال ابن جذل الطعان في ذلك:
كمرضعة أولاد أخرى وضيعت ... بنيها فلم ترقع بذلك مرقعا ؟ باب الخطأ ف مكافأة المحسن بالإساءة والمسيء بالإحسان
قال أبو عبيد: من أمثالهم في هذا قولهم " خير حالبيك تنطحن " قال [أبو عبيد]: وأظن أصله أن شاة أو بقرة كان لها حالبان، وكان أحدهما أرفق بها من الآخر، فكانت تنطح الرافق بها وتدع الآخر.
ع: إنما كانت شاة تسمى هيلة من أساء إليها درت له، ومن أحسن إليها نطحته فضربت مثلاً، قال الكميت:
فإنك والتحول عن معدكهيلة قبلنا والحالبينا وإلى هذا ذهب الآخر في قوله:
كعنز السوء تنطح من خلاها ... وترأم من يحد لها الشفار من خلاها: يريد من أطعمها الخلى، وهو الرطب من الكلأ، وحشها إذا أطعمها الحشيش وهو اليابس، ومنه قولهم في المثل " أحشك وتروثني "
قال أبو عبيد: وكذلك قولهم " يحمل شن ويفدى لكيز " وشن ولكيز ابنا أفصى بن عبد القيس، كانا مع أمهما في سفر، وهي ليلى بنت قرآن بن بلي.
ع: رواه علي بن عبد العزيز: ليلى بنت قران بضم القاف وتشديد الراء، ورواه الخشني: فران بالفاء مفتوحة وتخفيف الراء، وهو الصحيح على ما ذكر محمد بن حبيب.
وقال أبو بكر ابن دريد: إنما هو فران، بفتح الفاء وتشديد الراء، قال وهو فعلان من فررت الدابة إذا رفعت جحفلته لتعرف سنه، أو من قولهم: هذا فر بني فلان أي الذي فر منهم.
قال أبو عبيد: ومنه قول الشاعر:
" وإذا تكون كريهة أدعى لهاوإذا يحاس الحيس يدعى جندب " ع: صلة هذا البيت:
أمن السوية أن إذا استغنيتموأمنتم فأنا البعيد الأجنب
وإذا تكون كريهة أدعى لهاوإذا يحاس الحيس يدعى جندب
هذا وجدكم الصغار بعينه ... لا أم لي إن كان ذاك ولا أب وهذه الأبيات لرجل من مذحج.
؟ باب الخطأ في كفران النعمة
قال أبو عبيد: من أمثالهم السائرة في قولهم: " أسمن كلبك يأكلك "؟ وذكر حديثه عن المفضل.
ع: وقالوا في نقيض هذا: " جوع كلبك يتبعك "
قال محمد بن حبيب: وأول من قاله ملك من ملوك حمير كان عنيفاً على أهل مملكته يغصبهم أموالهم ويسلبهم ما في أيديهم، وكانت الكهنة تخبره أنهم سيقتلونه، ولا يحفل بذلك. وإن امرأة له سمعت أصوات السؤال فقالت: إني لأرحم هؤلاء لما يلقون من الجهد ونحن في العيش الرغد وإني لأخاف أن يكونوا عليك سباعاً، وقد كانوا لنا أتباعاً. فرد عليها " جوع كلبك يتبعك " فأرسلها مثلاً، فلبث كذلك زماناً ثم أغزاهم مع أخيه فغنموا ولم يقسم فيهما شيئاً. فقالوا لأخيه: قد ترى ما نحن فيه من الجهد، ونحن نكره خروج الملك عنكم إلى غيركم، فساعدنا على قتل أخيك واجلس مكانه، وعرف أخوه بغيه واعتداءه. فأجابهم إلى ذلك، فوثبوا عليه وقتلوه، فمر به عامر بن جذيمة وهو مقتول، وقد سمع قوله " جوع كلبك يتبعك " فقال: " ربما أكل الكلب مجوعه إن لم ينل شبعه ".
وقال المنصور أبو جعفر لقواده: صدق الأعرابي حيث يقول " أجع كلبك يتبعك " فقال له أبو العباس الطوسي منهم: يا أمير المؤمنين أخشى أن يلوح له رجل برغيف فيتبعه ويدعك.
قال أبو عبيد: ومن هذا المعنى مثلهم المشتهر في العالم:
أعلمه الرماية كل حين ... فلما اشتد ساعده رماني " ع: هذا البيت لمالك بن فهم الدوسي ثم الأزدي، وكان ابنه سليمة بن مالك رماه بسيف فقتله، فقال أبوه مالك هذا البيت لما رماه.
قال أبو بكر: يروى استد ساعده واشتد؟ بالسين مهملة وبالشين معجمة؟ قال: وكان مالك بن فهم بن غنم بن دوس الأزدي هذا قد تنحى في قومه بعين
هجر، وتحالفوا هناك، واجتمعت إليهم قبائل من العرب، فنزلوا الحيرة فوثب سليمة بن مالك بن فهم على أبيه فرماه فقتله، فقال أبوه:
أعلمه الرماية كل يوم ... فلما اشتد ساعده رماني فتفرق بنو مالك، وكانوا عشرة، ولحقوا بعمان، وملك جذيمة ابنه منهم وهو الأبرش عشرين ومائة سنة، وذلك في أيام ملوك الطوائف، وقد تقدم خبر جذيمة هذا.
؟ باب اختلاط الرأي وما فيه من الخطأ
قال أبو عبيد: ومنه قولهم " اختلط الخاثر بالزباد ".
ع: الزباد: ضرب من النبات كانوا يضعون ورقه على ظروف اللبن ويقال أيضاً: زبدت المرأة الصوف والشعر إذا نفشته، فيحتمل أن يراد في المثل: إن خاثر اللبن اختلط بمنفوش الصوف فلا يؤكل.
قال أبو عبيد: وكذلك قولهم: " اختلط الحابل بالنابل "
ع: الحابل: الذي يصيد الوحش بالحبالة، والنابل: الذي يصديها بالنبل، والحبالة: شرك الصائد، والجمع الحبائل، والصيد محبول ومحتبل إذا وقع في
الحبالة، وقال أبو زيد يقال: " ثار حابلهم على نابلهم " إذا أوقدوا الشر بينهم و " حولت حابله على نابله " إذا حولت أعلاه على أسفله.
قال أبو عبيد: ومن هذا قولهم " ما يدري أيخثر أم يذيب " وأصله في الزبد يذاب فيفسد على صاحبه فلا يدري أيجعله سمناً أم يتركه زبداً، ومنه قول بشر بن أبي خازم:
وكنتم كذات القيدر لم تدر إذ غلت ... أتنزلها مذمومة أم تذيبها ع: هذا تفسير لم يتابع عليه أبو عبيد، وإنما معنى تذيبها ليس من الإذابة على النار، يقال: أذاب بنو فلان على بني فلان إذا أغاروا عليهم وأخذوا مالهم. يقول بشر: لما رآنا تحيروا فلم يدروا ما يصنعون كسالئة فسدت عليها إذ لا يصلح ما تصنع، أتنزل القدر مذمومة لم تحسن سلاها سمناً أم تقسم ما فيها، إذ لا يصلح للادخار، وكيف يكون قوله أو تذيبها من ذوب الشيء الجامد والقدر على النار راهنة مقيمة.
قال أبو عبيد: ومن هذا قولهم " قد ترهيأ القوم " وذلك أن يضطرب عليهم الرأي فيقولوا مرة كذا ومرة كذا.
ع: المرهيأ من الرجال: الضعيف المنزعة، المائق، قال الراجز:
قد علم المرهيئون الحمقى ...
؟ باب الخطأ في سوء التدبير
قال أبو عبيد: من أمثالهم في نحو هذا وليس هو منه بعينه قولهم:
" لا أبوك نشر، ولا التراب نفد "
وكان المفضل يذكر أصل هذا أن رجلاً قال: لو علمت أين قتل أبي لأخذت من تراب موضعه فجعلته على رأسي فقيل له هذه المقالة، أي أنك لا تدرك بذلك ثأر أبيك ولا تقدر أن تنفد التراب.
ع: انظر كيف جعل تفسير قولهم في المثل: لا أبوك نشر: أي أنك لا تدرك ثأر أبيك، وذلك أن العرب كانت ترى أن المقتول إذا أدرك بثأره فكأنه قد أحيي، ولذلك قال جرير:
إن العيون التي في طرفها مرض ... قتلننا ثم لم يحيين قتلانا يريد أن الثأر لا يؤخذ منهن ولا يدين من قتلنه، ولولا هذا التأويل لم يكن لقوله " ثم لم يحيين قتلانا " معنى.
وقال الأخطل:
وكم قتلت أروى بلا ديةٍ لها ... وأروى لفراغ الرجال قتول والقول الصادع في هذا قوله سبحانه ﴿ولكم في القصاص حياة﴾ (البقرة:).
؟ باب الخطأ في اتهام النصيح
قال أبو عبيد: ومن أمثالهم في التهمة قولهم: " عسى الغوير أبؤساً " وقد فسرناه في غريب الحديث.
ع: قال الصمعي: أصل هذا أنه كان غار فيه ناس، فانهار عليهم وأتاهم فيه عدو فقتلوهم، فصار مثلاً لكل شيء يخاف أن يأتي منه شر، ثم صغر الغار فقيل غوير. وقال ابن الكلبي: الغوير، ماء لكلب معروف، وهو بناحية السماوة، وهذا المثل إنما تكلمت به الزبى، وذلك أنها لما وجهت قصيراً اللخمي بالعير، ليحمل لها عليها من بز العراق وألطافه، وكان يطلبها بذحل جذيمة الأبرش، فجعل الأحمال صناديق، وجعل في كل واحد منها رجلاً معه السلاح، ثم تنكب بهم الطريق المنهج، وأخذ على الغوير، فسألت عن خبره، فأخبرت بذلك، فقالت: " عسى الغوير أبؤساً " تقول: عسى أن يأتي ذلك الطريق بسوء، واستنكرت شأنه حين أخذ على غير الطريق. وتشبه عسى بكان لأنها فعل مثلها فتقول: عسى زيد قائماً، كما تقول: كان زيد قائماً، وعلى هذا أتى المثل.
قال أبو عبيد: وإذا أتهم الرجل رجلاً فقيل: من أين هو؟ قال: من بلاد كذا، فقل له " أعرضت القرفة " معناه أن هذا مطلب عريض لا يقدر عليه ولا يحاط به.
ع: هذا مثل لا يفهم معناه بتفسير أبي عبيد، وقال الأصمعي: معنى أعرضت القرفقة: أخطأت لأنك عممت بتهمتك ولم تخص فتبين، والقرفة: التهمة، تقول: فلان قرفتي من القوم، أي موضع تهتمتي، وقال غيره، ويقال: أعرضت القرفة ويعني بالقرفة لحاء الشجر، وهو إذا عرض وخشن صعب على قارفه واشتد عليه قرفه، يقول: فهذا صعب عليك شديد كصعوبة قرف العريض الخشن من القرفة.
؟ باب الخطأ في سوء الرعي
قال أبو عبيد: ويقال في مثله " رعى فأقصب " قال: وذلك أنه إذا أساء رعيها ولم يشعبها من الكلأ تركت شرب الماء فلم تشرب لأنها لا تشرب إلا علف في أجوافها. يقال من ذلك: بعير قاصب، إذا امتنع من الورد، ورجل مقصب إذا فعلت إبله ذلك.
ع: أصل القصب: القطع، وإنما يقال: قصبت الإنسان أو الدابة أقصبه قصباً إذا قطعت عليه شربه قبل أن يروى. وأنشد أبو حاتم عن الأصمعي:
وهن مثل القاصبات القمحوسمي الجزار قصاباً لقصبه اللحم، وقد قصبت الرجل إذا عبته
قال أبو عبيد: ومن أمثالهم في سوء الرعي قولهم: " شر الرعاء الحطمة "
ع: هذا كلام يروى في حديث مرفوع عن النبي ﷺ، قال الحسن:
دخل عائذ بن عمرو المزني وكان من صالحي أصحاب محمد ﷺ على عبيد الله بن زياد فقال: أي بني، سمعت رسول الله ﷺ يقول " إن من شر الرعاء الحطمة، فإياك أن تكون منهم ". فقال له عبيد الله: اجلس فما أنت إلا من نخالة أصحاب محمد. فقال: وهل كانت لهم نخالة؟ إنما نخالة بعدهم في غيرهم.
وإذا كان راعي الإبل يخرق في إيرادها وإصدارها قيل له: حطمة، لأنه يحطمها، وإذا كان رفيقاً بها عالماً بمصالحها قيل له ترعية.
؟ باب الخطأ في رفع الشيء وادخاره عند
وقت استعماله والحاجة إليه
قال أبو عبيد: من أمثالهم في هذا قولهم: " لا مخبأ لعطر بعد عروس "؟ وذكر معناه؟ ثم قال: وكان المفضل يعرف الحديث ويقول: عروس اسم رجل والعامة تذهب إلى أن العروس هو المبتني بأهله.
ع: قال ابن كرشم: إن عروساً رجل من العرب كانت عنده ابنة عم له فمات عنها فتزوجها بعده ابن عم لها آخر وهي كارهة، وانطلق بها إلى أهله وقد زودها طيباً في سفط فسار بها، فمر بقبر عروس وبه حي حلول فأقبلت تبكيه وترفع صوتها: يا عروس الأعراس، ويا شديد الباس، مع أشياء لا يعلمها الناس، فغضب زوجها فانتهرها وقال: ما تلك الأشياء؟ فقالت: عن المكارم غير نعاس، يعمل السيف صبيحات الباس، ثم قالت: يا عروس الأعراس الأزهر، الكريم المحضر، مع أشياء كانت تذكر. فازداد زوجها غضباً وقال: ما هي تلك الأشياء
التي كانت تذكر؟ قالت: كان عيوفاً للخنا والمنكر، طيب النكهة غير أبخر. ثم أخذت السفط فكسرته على قبر عروس، ثم قالت " لا عطر بعد عروس " فذهبت مثلاً. فقال زوجها: إلى أهلك فأنت طالق، فقالت: إذن أنصرف مغتبطة.
وروى محمد بن السائب عن أبي صالح عن ابن عباس أن عروساً هذا رجل من هذيل، وامرأته أيضاً هذلية اسمها أسماء.
قال أبو عبيد: ويروى عن محكم اليمامة أنه كان يقول فيما يحض به قومه يوم مسيلمة: " الآن تستحقب الحرائم غير حظيات، وينكحن غير رضيات، فما كان عندكم من حسب فأخرجوه ".
ع: محكم اليمامة هو محكم بن الطفيل الحنفي سيد أهل اليمامة، قتل يومئذ وكان أشرف من مسيلمة.
وفي كتاب " النسب " للكلبي: قيل له محكم لأنهم جعلوه حكماً وحكموه.
قال أبو عبيد: في كتاب " الأموال " يقال: محكم ومحكم؟ بالكسر والفتح؟ والحرائم جمع حريمة يريد الحرم، وقوله: غير حظيات هو جمع حظية من الحظ، وكيف تكون حظية وهي مقهورة مسبية. وكذلك قوله: غير رضيات، جمع رضية من الرضى. وقوله ما عندكم من حسب فأخرجوه، يعني من حمية، لأن الحفيظة والحمية إنما تكون على مقدار الحسب والشرف.
؟ باب التدبير يصاب فيه مرة ويخطأ أخرى
ع: كل ما أورده أبو عبيد في هذا الباب من مثل فهو متكرر، وقد مضى فيما سلف من الكتاب، وقد تقدم تفسيره والقول فيه، ووصلت المصراع الذي أنشد:
يد تشج وأخرى منك تأسونيوذكرت أنه لصالح بن عبد القدوس، وتمام البيت:
إني لأكثر مما سمتني عجباًيد تشج وأخرى منك تأسوني
النص من طبعة مؤسسة الرسالة ببيروت (١٩٧١م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع