من «فصل المقال في شرح كتاب الأمثال» لأبي عبيد البكري (ت ٤٨٧هـ)
الباب الخامس عشر
الأمثال في البخل وصفاته وأشكاله
؟ باب ذكر البخيل وما يوصف من أخلاقه
قال أبو عبيد: من أمثالهم في نعت البخيل " ما عنده خل ولا خمر " أي ما عنده من الخير شيء. وقال النمر بن تولب العكلي:
هلا سألت بعادياء وبيته ... والخل والخمر التي لم تمنع ع: هو عادياء أبو السموأل الغساني، وقوله: لم تمنع أي لم يمنعها هو ولم
تمنعه، والخل والخمر مثلان للخير والشر، يقال في المثل " ما فلان بخل ولا خمر " أي لا خير فيه ولا شر عنده، وأنشدوا على هذا بيت النمر المتقدم إنشاده، وقيل: هما مثلان مضروبان لقلي الخير وكثيره، ولا شر هناك، وإلى هذا أشار أبو عبيد فيما تقدم من كلامه؛ قال أبو علي: وأما قول العرب في أمثالها " ليس بخلةٍ ولا خمرةٍ " فهو كقولهم: سويقة ودقيقة وعسلة وضربة.
قال أبو عبيد: وكذلك قولهم " سواء عليك هو والقفر " يقول: إذا نزلت به فكأنك بالقفار الممحلة. قال: ومنه قول ذي الرمة في بيت عاب فيه قوماً، إلا أنا نكره ذكره.
ع: ليس فيه شيء من الاقذاع فيكره ذكره، وقد أنشد عدة أبيات هي في الهجو أشد منه، قال ذو الرمة يهجو المرئيين:
تخط إلى القفر امرأ القيس إنهسواء على الضيف امرؤ القيس والقفر
يحب امرؤ القيس القرى أن يناله ... ويأبى مقاربها إذا طلع النسر وطلوع النسر في أول الليل يكون عند كلب البرد وشدة الزمان.
؟ باب صفة البخيل مع السعة والوجد
قال أبو عبيد: من أمثالهم في ذلك " رب صلف تحت الراعدة " قال: والراعدة هي السحابة ذات الرعد، والصلف قلة النزل والخير.
ع: قد أنكر كثير من اللغويين النزل وإنما يقال: طعام قليل النزل، بفتح النون والزاي، أي قليل الريع والنماء، ويقال: فلان صلف أي قليل الخير وامرأة صلفة: لم تحظ عند زوجها، وقال غير أبي عبيد: هذا المثل يضرب للرجل يكثر الكلام والمدح لنفسه ولا خير عنده، وهذا هو الصحيح لأن السحابة إذا كانت كثيرة الماء لم يقل لها صفة.
قال أبو عبيد: وقال الأموي في مثله أو نحوه " إنه لنكد الحظيرة " إذا كان منوعاً لما عنده، قال: وجمع النكد: أنكاد ونكد، ومنه قول الكميت:
نزلت به أنف الربيع وزايلت نكد الحظائر ... قال: أراه سمى مواله حظيرة لأنه حظرها عنده ومنعها فهي حظيرة في معنى محظورة.
ع: قوله في جمع نكد نكد وهم، إنما يجمع نكد أنكاد كما قال، وأما نكد فإنه جمع نكود، يقال: ناقة نكود إذا كانت قليلة الدر. وأصل هذا اللفظ من العسر والضيق، وقوله: أراه سمى أمواله حظيرة لأنه قد حظرها عنده ومنعها، وإنما الحظيرة والحظار ما حظرته على غنم أو غيرها لتأوي إليه ويمنعها من الخروج وهذا كما تقول " فلان ضيق العطن " يضرب أيضاً مثلاً للمنع وضيق الخلق، وإنما العطن موضع مبارك الإبل حول الماء، فهذا ذاك.
؟ باب البخيل يعطي على الرهبة
ع: قد تقدم ما في هذا الباب من الأمثال إلا قول أبي عبيد، قال أبو زيد:
يقال " رهباك خير من رحماك " يقول: فرقه خير من حبه لك وأحرى أن يعطيك عليه.
ع: هكذا حكاها أبو زيد وصح عنه رهباك ورحماك بفتح أولهما والضم فيهما فصيح.
وإلا قول أبي عبيد: إذا أعطى البخيل شيئاً مخافة ما هو أشد منه قالوا: " قد يضرط العير والمكواة في النار " وهذا المثل يروى عن عمرو بن العاصي أنه قاله في فلان.
ع: قال العلماء بالأخبار: إن أول من نطق بهذا المثل مسافر بن أبي عمرو وكان يهوى هنداً بنت عتبة أم معاوية وكانت تهواه، فقالت له: إن أهلي لا يزوجوني منك لأنك معسر، فلو وفدت على بعض الملوك لعلك تصيب مالاً فتتزوجني، فدخل إلى الحيرة وافداً على النعمان، فبينما هو مقيم عنده إذ قدم عليه قادم من مكة فأخبره بأشياء كانت بعده منها أن أبا سفيان تزوج هنداً، فسقي بطنه من الغم، فأمر النعمان أن يكوى فأتى الطبيب بمكاويه فجعلها في النار ثم وضع عليه منها مكواة، وعلج من علوج النعمان واقف، فلما عاين ذلك ضرط، فقال مسافر: قد يضرط العير والمكواة في النار. ومات مسافر من علته، وقد قيل في المثل غير هذا، والذي ذكرناه أحرى واصح.
؟ باب البخيل يعتل بالإعسار
قال أبو عبيد: من أمثالهم في هذا قولهم " قبل البكاء كان وجهك عابساً "
ع: من جيد ما ورد في هذا من الشعر قول الصاحب في هجائه قابوس بن وشمكير:
قابوس ويحك ما أخسك ما أخصك بالعيوب ... وجه قبيح في التبسم كيف يحسن في القطوب ... ؟ باب ما يؤمر به من الإلحاح في سؤال البخيل
قال أبو عبيد: ومن ذلك قولهم " إن جرجر فزده ثقلاً "
ع: جرجر الفحل جرجرة إذا تضور وتشكى، قال الراجز:
جرج لما عضه الكلوب ... وفحل جراجر: كثير الجرجرة، ومعنى المثل: إن ضج بعيرك وتشكى ثقل حمله بجرجرته، فزده ثقلاً.
قال أبو عبيد: ومثله قولهم: " إن أعيا فزده نوطاً "
ع: النوط جلة صغيرة يكنز فيها التمر، يقول: إن أعيا فزده في حمله جلة. وأصل النوط التعليق، نطت الشيء نوطاً إذا علقته.
قال أبو عبيد: وقال أبو عبيدة في نحو منه: " دقك بالمنحاز حب الفلفل "
ع: المنحاز: المدق، وهو كل ما دققت به، والنحز الدق، يقال: نحزت الشيء نحزاً، والمنحاز: الهاوون؟ وبعضهم يقول الهاون؟ وهكذا أنشده أبو عبيد: " حب الفلفل " وأنشده غيره حب القلقل وهو ثمر شجرة من العضاعه يخبط بالمنحاز لكثرة شوك شجره فيسقط.
؟ باب استخراج الشيء من البخيل أحياناً
قال أبو عبيد: من أمثالهم في هذا " إن الضجور قد تحلب العلبة " وفسره.
ع: روي أن عمرو بن العاصي قال لمعاوية: إن الضجور قد تحلب العلبة. فقال له معاوي: وتزبن الحالب فتدق أنفه وتكفأ إناءه، الزبن: الدفع، يقال ناقة زبون إذا زبنت حالبها فدفعته برجلها، يقال: زبن البعير برجله ونفح بيده.
؟ باب الاضطرار إلى مسألة البخيل
قال أبو عبيد: من أمثالهم في هذ " شر ما أجاءك إلى مخة عرقوب "
ع: قال يحيى بن زياد: طرح الباء من جاء بك وأوصل الفعل بالهمزة فقال: أجاءك كما قال الله سبحانه ﴿فأجاءها المخاض إلى جذع النخلة﴾ (مريم:) وقال غيره: يقال أجاءك وأشاءك بمعنى ألجأك، وإنما خص العرقوب لأنه لا مخ فيه، وإنما هو شيء رقيق كالاهالة فليس يحتاج إليه إلا من لا يقدر على شيء، ولذلك قال الأخطل لكعب بن جعيل:
وسميت كعباً بشر العظام ... وكان أبوك يسمى الجعل قال أبو عبيد: وفي نحو منه وليس هو بعينه " الذئب يغبط بذي بطنه " قال أبو عبيد: وذلك أنه ليس يظن به أبداً الجوع، إنما يظن به أبداً البطنة لعدوه على الناس والماشية، وربما كان مجهوداً من الجوع، قال الشاعر:
" ومن يسكن البحرين يعظم طحاله ... ويغبط بما في بطنه وهو جائع " ع: في هذا المثل وإيراد أبي عبيد له في باب مسألة البخيل سؤال، وما الذي يؤلف بينهما، وإنما التقاؤهما من جهة أن البخيل إذا سئل الجود وهو غير مجبول عليه لبخله فكأنه سئل شيئاً ليس لديه ولا يقدر عليه، فهو كالرجل يغبط بالمال وليس عنده، كالذئب يغبط بذي بطنه وهو جائع. وقال الأصمعي: إنما يضرب هذا المثل للرجل يتهم بالمال وليس عنده.
؟ باب البخيل يمنع الناس ماله
وهو جواد (به على نفسه)
قال أبو عبيد: ومنه قولهم " سمنكم هريق في أديمكم " أي مالكم ينفق عليكم.
ع: يحمل الناس هذا المثل على أن معناه: سمنكم هريق في جلدكم؟ وهو الأديم؟ وقد فسره بذلك بعضهم، وهو خطأ. إنما الأديم هنا طعامهم المأدوم؟ فعيل بمعنى مفعول؟ أي خيرهم راجع إليهم وفيهم، كذلك فسره أبو علي وغيره. وباقي ما في هذا الباب من الأمثال قد تقدم ومضى القول فيه.
؟ باب موت البخيل وماله وافر لم يعط منه شيئاً
قال أبو عبيد: من أمثالهم في هذا " مات فلان ببطنته لم يتغضغض منها بشيء "، قال: وهذا المثل لعمرو بن العاصي في بعضهم.
ع: هذا الذي روى عنه قد صرح باسمه في آخر الباب فقال: ولعل هذا المعنى أراد عمرو بن العاصي حين قال لعبد الرحمن بن عوف: هنيئاً لك ابن عوف خرجت من الدنيا ولم تتغضغض منها بشيء، أي خرجت منها سليماً لم تثلم دينك ولم تكلمه.
؟ باب إعطاء البخيل مرة في الدهر الطويل
قال أبو عبيد: من أمثالهم في البخيل مرة ثم لا يعود " كانت بيضة الديك " فإن كان يعطي شيئاص ثم قطعه قبل للمرة الآخرة " كانت بيضة العقر ".
ع: أما بيضة الديك فإنهم يزعمون أن الديك يبيض بيضة واحدة في عمره [بيضة] صغيرة شديدة البياض محددة الطرفين، قال بشار بن برد:
قد زرتنا زورةً في الدهر واحدةً ... ثني ولا تجعليها بيضة الديك وأما بيضة العقر فإن فيها قولين: أحدهما الذي أشار إليه أبو عبيد أنها آخر بيضة تكون في الدجاجة وذلك إذا عقرت فصارت لا تلد، والقول الثاني: أن بيضة العقر هي البيضة التي تجرب بها الجارية البكر من قولك: عقرها إذا افتضها والعقر: الفضة، قال الشاعر:
فإن أنفلت من عمر صعبة سالماً ... تكن من نساء الناس لي بيضة العقر قال السرقسطي: أما بيضة العقر فيقال إنها بيضة الديك، وإنما نسبت إلى العقر لأن الجارية إذا افتضت إنما يبلى ذلك منها ببيضة الديك فتضرب ببيضة العقر لكل شيء لا يستطاع مسه رخاوة وضعفاً. والعقر: دية فرج المرأة إذا غصبت نفسها، وبيضة الإسلام: جماعتهم ومعظمهم. ومنه الحديث: ولا تسلط عليهم عدواً من غيرهم يستبيح بيضتهم. وبيضة القيظ معظمه، قال الشماخ:
طوى ظمئها في بيضة القيظ بعدما ... جرى في عنان الشعريين الأماعز فأما قولهم " فلان بيضة البلد " فمن أراد به المدح فهو من هذا، ومن أراد به الذم ذهب إلى التريكة من بيض النعام لأنه لا منفعة فيها كما يقال " فقع القرقر ".
قال الراعي:
لو كنت من أحد يهجى هجوتكميا ابن الرقاع ولكن لست من أحد
تأبى قضاعة أن تدري لكم نسباً ... وابنا نزار فأنتم بيضة البلد وقد يضرب مثلاً للمنفرد عن أهله وأسرته فلا يكون مدحاً ولا ذماً، قال الشاعر:
لو كان حوض حمار ما شربت بهإلا بإذن حمار آخر الأبد
لكنه حوض من أودى بإخوته ... ريب الزمان فأضحى بيضة البلد يقول: لو كان أنصاري أحياء ثم كان حوض حمارٍ من الحمر ما شربت به إلا بإذن ذلك الحمار.
النص من طبعة مؤسسة الرسالة ببيروت (١٩٧١م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع