من «تفسير أبيات المعاني من شعر المتنبي» لأبي المرشد المعري (ت ٤٩٣هـ)
حرف الشين
من التي أولها:
مَبيتي مِنْ دِمِشْقَ على فِراشِ
يُدَمَّي بَعْضُ أيْدي الَخْيلِ بَعْضاًومَا بعُجَايَةٍ أثَرُ ارْتِهاشِ
قال الشيخ ﵀: العجاية العصب الذي في الوظيف، والارتهاش أن يصك الفرس بإحدى يديه الأخرى فيؤلم بذلك العجاية، وإنما يصف ان الخيل في ضنك فقد أدمى بعض أيديها بعضاً وليس بها ارتهاش وإنما هو من التزاحم وبعض يقع عند قوم على ما دون النصف، وقيل يقع على النصف فما دونه، وأنكر قوم وقوعها على النصف، وكرهوا: جاءني بعض الرجلين، وقالوا: إنما ينبغي أن يقال جاءني أحدهما.
كأنَّكَ ناظِرُ في قَلْبٍفما يَخْفَى عَلَيْكَ مَحَلُّ غاشِ
قال الشيخ ﵀: بعض الناس يذهب إلى أنه أراد محل غاش من الغش وتلك ضرورة قبيحة، والمعنى غير مفتقر إلى ذلك، وإنما هو فاعل من غشي يغشى وهو مؤد معنى الغش، لأنه يغشى القلب، وكثيراً ما يقولون على قلبه غشاوة وفي الكتاب العزيز) والليل إذا يغشى (وكل شيء إذا حل في موضع فقد غشيه من الناس وغيرهم.
وقال ابن فورجة: هذا البيت فضح الصاحب ﵀ نفسه به في رسالته التي ذم فيها أبا الطيب يقول فيها: ومن مجازاته التي خلقها خلقاً متفاوتاً تخفيفه الغاش وهذا ما لا أعلم سامعاً باسم الأدب يسوغه أو يفسح فيه ويجوزه وذلك قوله) كأنك ناظر.. البيت (فإن جاز أن يقال:) عباس بن عبد المطلب وشماخ بن ضرار (فلا تشدد الباء ولا الميمعلى أن الذي أورده أشفع من هذا الذي مثلناه به، إذ كان لفظ فاعل بني على لفظ فعل مشدد. هذا كلامه. وإذا لم تفهم الكلام اعترض عليه بما يفضح، وكأنه تصور أن يريد غاشاً من الغش ولم يرد أبو الطبيب شيئاً من ذلك، وإنما أراد محل من يغشاك من صنوف الناس يقال: غشيته أغشاه إذا قصدته من قوله: غشيتُ دِيَارَ الحيَّ بالبَكَرَاتِ قال الله تعالى:) ومن فوقهم غواش (. وقال ذو الرمة:
وذي شُعَبٍ شَتَى كِسْوتُ فُروجَهلغَاشيةٍ يَوماً مقطَّعةً حُمْرا
ومنه كنى عن الجماع بالغشيان. قال الله تعالى) فلما تغشاها حملت حملاً خفيفاً (ولو أراد الغش لما أتى بالمحل إلاّ أن ذا الغش يعرف غشه فقط وهذا كقوله:
وَيَمْتَحِنُ النَّاسَ الأميرُ برأيِهِوَيُغْضِي على عِلْمٍ بكُلِّ مُمَخْزِقِ
أتَى خَبَرُ الأمِيرِ فَقِيلَ كُرُّوافَقُلْتُ نَعَمْ وَلَوْ لَحِقُوا بِشَاشِ
قال ابن فورجة: روى أبو الفتح ابن جنى) كروا (بفتح الكاف وفسره فقال كان أبو العشائر استطرد للخيل بين أيديها، ثم خبره أنه كر عليهم راجعا أي فلو لحق راجعاً أي فلو لحق بشاش لوثقت بعودته هذا تفسير يتبع الرواية ولم يرو غير أبي الفتح) كروا (بفتح الكاف. ووقع إليّ نسخ غير واحدة شاميات كلها) كروا (وليس التفسير إلاَّ ما أقول ولا الرواية إلاّ بالضم، يقول أتى خبر الأمير بظفره بالعدو لنا: معشر المستميحين واللائذين به كروا، فقلت نعم ولو كان بشاش، الدليل على ذلك قوله فيما يليه.
وأُسْرِجَتِ الكُمَيْتُ فَناقَلَتْ بِيعَلى إعْقاقِها وعلى غِشاشِي
والإعقاق مصدر أعقت الأنثى فهي عقوق، إذا عظم بطنها لقرب النتاج والغشاش العجلة، يقال: سرت بها على عجلة مع كونها معقاً، فهذا دليل على أن الغرض ما ذكرنا. وأيضاً قوله فيما بعد:
إذا ذُكِرتْ مَوَاقِفُه لحافِوَشِيكَ فما يُنَكَسُ لانْتِقاشِ
أي بعجلة سروره بها عجلته إلى زيارته عن إخراج الشوك من رجله، ومما يفسد ما ذكره أن قوله) فقيل كروا (يكون ضميره لأصحاب الممدوح) ولحقوا (ضميره لأصحاب العدو فكيف يفرق السامع بين ضميرين. وهل يرضى أبو الطيب لشعره بهذا المجاز من كون ضميرين في بيت واحد مختلفين ولفظهما متفق.
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع