تجاوز إلى المحتوى

من «تفسير أبيات المعاني من شعر المتنبي» لأبي المرشد المعري (ت ٤٩٣هـ)

حرف التاء

سِربٌ مَحَاسِنُه حُرِمتُ ذَوَاتِهَادَانِي الصِّفاتِ بَعيدُ مَوصُوفاتِها
للشاعر المتنبي، من قصيدة «سرب محاسنه حرمت ذواتها»

قال أبو الفتح كنى بالسرب عن النساء يقول: هواي سرب حرمت ذوات محاسنها أي صواحب محاسنه، وذوات محاسن السرب هذا السرب فكأنه قال هواي سرب حرمته، أي حيل بيني وبينه، وداني الصفات لأن الوصف قول وهو قادر عليه متى أراده، إلا أن الموصوف بهذه الصفة وهو السرب بعيد مني.

وفي هذا البيت شيء من الإعراب لطيف المذهب منع سيبويه منه البتة وهو إضافة) ذو وأخواتها (إلى المضمر لأنه لا يجيز) هذا رجل ضرب ذاه (.

قال أبو العلاء: أما قول سيبويه في أن) ذو (لا تضاف إلى الضمير، فعلى ذلك ورد مسموع كلامهم، وإنما امتنع في الإضافة لأن) ذو (كناية عن شيء والهاء كناية، فكره الجمع بين كنايتين، وقوى ذلك أن) ذو (كلمة ناقصة لا قوة لها فتحتمل أن تضاف إلى الضمير، فإذا دخلها الجمع والتثنية قويت بذلك لأن حروفها تزيد، فقوله ذواتها يزيد في القوة على قولهم) هذا ذوه (. وقد أضاف كعب بن زهير فيما روي ذوي إلى الهاء وهي أضعف من ذوات لأنها أقل حروفا منها وذلك قوله:

صحبنا الخَزرَجِيَّةَ مُرهَفاتٍأبَادَ ذَوِي أُرومِيَتها ذَوُوها

وقال أبو علي كأنه لاحظ قول القائل:

فَقلتْ لأصحَابِي هي الشَّمسُ ضَوءُهاقَرِيبٌ ولكنْ في تَناوُلَها بُعدُ
للشاعر أبو عيينة بن أبي عيينة، اقرأ القصيدة

وقد ألم هذا المعنى إلا أنه غيره إلى باب آخر الشيخ أبو العلاء أحمد بن عبد الله ابن سليمان المعري، أنشد فيه لنفسه:

قَد يَبعُدُ الشَّيءُ من شَيءٍ يُشَابِهُهُإنَّ السماءَ نَظيرُ المَاءِ في الزَّرقِ
للشاعر أبو العلاء المعري، من قصيدة «يا للمفضل تكسوني مدائحه»
وَمقانِنٍ بمقَانِبٍ غادَرتُهُاأقوَاتَ وَحشٍ كُنَّ مِنْ أقَوَاتِها

قال أبو العلاء: يعني أنه قتلهم فأكلتهم الوحوش كالأسد، والنمور، والذئاب والضياع، وكان هؤلاء القوم يصيدون هذه الوحوش فيأكلونها، كأنه يصفهم بالنجدة والشدة وأنهم كانوا يأكلون هذه الأجناس التي لم تجر العداة بأكلها.

أقبَلتُها غُرَرَ الجِيادِ كأنَّماأيدِي بَنِي عِمرَانَ في جَبَهاتِها
للشاعر المتنبي، من قصيدة «سرب محاسنه حرمت ذواتها»

قال ابن جني: أقبلتها أي حملتها عليها وكلفتها لقاءها وما أحسن ما خلط الخروج بالتشبيه.

وقال ابن فورجة: أقبلتها الخيل أي أقبلت بها إليها، وسيرتها مستقبلة لها كما قال الشاعر:

يمشينَ مشيَ الهجان الأُدمِ أقبلهاخلّ الكوود هدان غير مهتاجِ
للشاعر الراعي النميري، من قصيدة «ألا اسلمي اليوم ذات الطوق والعاج»

وعنى بالأيدي هنا النعم، من قولهم لفلان عندي يد بيضاء، وقد جرت العادة في جمع يد النعمة بالأيادي وهي جمع الجمع، وفي يد الأعضاء بالأيدي، وقد إستعمل أبو الطيب هذه في مكان تلك فقال: فُتلِ الأيادِي رَبِذاتِ الأرجُلِ وقد جاء ذلك عن العرب في كثير من أشعارها فمنها قول عدي:

نُحسِنُ الهِناءَ إذا استهنأتَناودفَاعاً عَنكَ بالأيدي الكِبارِ

يعني بالنعم الضخام وبياض يد النعمة مجاز لا حقيقة.

الثَّابِتينَ فُرُوسَةً كَجُلُودِهافي ظَهرِها والطَّعنُ في لَبَّاتِها
للشاعر المتنبي، من قصيدة «سرب محاسنه حرمت ذواتها»

قال أبو العلاء: قوله في ظهرها كقول الآخر:

كُلُو في نِصفِ بطنِكُمُ تَعِيشُوافإنَّ زمانكُم زَمَنٌ خَمِيصُ

وقول علقمة:

بها جيفُ الحسري فأما عظامُهافبيضٌ وأمّا جلدُها فَصليبُ
للشاعر علقمة الفحل، من قصيدة «طحا بك قلب في الحسان طروب»

والمعنى أنه وصفهم بالثبات على ظهور الخيل وهي الطعن في لباتها.

العارِفينَ بِهَا كَما عَرَفتْهُمُوالرَّاكبينَ جُدُودُهُم أُمَّاتِها
للشاعر المتنبي، من قصيدة «سرب محاسنه حرمت ذواتها»

قال أبو العلاء: لو كان الكلام منثورا لكان الواجب أن يقال والراكب جدودهم على التوحيد لأن أسم الفاعل إذا تقدم جرى مجرى الفعل فيقال) مررت بالراكب الخيل جدوده وجدودهم (لأن الألف واللام تنوب عن الذي واللذين والذين فإذا جمعت أو ثنيت فهو على قول من قال) قمن النساء. وأكلوني البراغيث (وقال أبو علي: هذا البيت يحتمل معنيين، أحدهما وهو الظاهر أن هذه الخيل تعرفهم وهم يعرفونها لأنها من نتاجهم. والثاني: أنها تناسلت عندهم. فجدود هؤلاء الممدوحين كانت تركب أمات هذه الخيل، وهم اليوم يركبون بناتها، ولو ساعده الوزن لقال والراكبين آباؤهم ليكون أصح في التقابل وهذا المعنى سواء وقوله:

بَنُو قَتلَى أبيكَ بأرضِ نَجدٍوَمَن أبقَى وأبقَتهُ الحِرَابُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «بغيرك راعيا عبث الذئاب»

وقوله في أخرى:

لَعلَّ بَينَهمُ لِبَنيكَ جُندٌفَأوَّلُ قُرَّحِ الخَيلِ المِهارُ

وأنشدني أبو العلاء لنفسه في هذا المعنى:

بَناتِ الخَيلِ تَعرفُها دَلُوكٌوَصارِخةٌ وآلسُ واللُّقَانُ
للشاعر أبو العلاء المعري، من قصيدة «معان من أحبتنا معان»

هذه كلها من بنات الروم، يقول أبوك.... بأماتها في هذه الديار فهي تعرفها. وهذا المعنى على ظهوره وإظهار أبي الفتح إياه في كتاب الفسر ليس بذلك السائغ عندي. لما أذكره وهو أن توالي الأبيات تدل على غير ما حكى.

يقول:

ومَقانبٍ بمقَانبٍ غادَرتُهاأقوَاتَ وَحشٍ كُنَّ من أقَواتِها
للشاعر المتنبي، من قصيدة «سرب محاسنه حرمت ذواتها»
أقبَلتُها غُررَ الجِيادِ كأنَّماأيدِي بَني عِمرانَ في جَبَهاتِها
للشاعر المتنبي، من قصيدة «سرب محاسنه حرمت ذواتها»
الثَّابتينَ فُرُوسةً كجُلُودِهافي ظَهرِها والطَّعن في لَبَّاتِها
للشاعر المتنبي، من قصيدة «سرب محاسنه حرمت ذواتها»
العارِفينَ بها كما عَرَفتهُموالرَّاكبِينَ جُدُودُهمْ أُمَّاتِها
للشاعر المتنبي، من قصيدة «سرب محاسنه حرمت ذواتها»

فهذا يصف خيل نفسه التي قاتل عليها عدوه، وليس يصف خيل الممدوحين اللهم إلا أن يدعي مدع أنه قاتل على خيل الممدوحين، وفي هذا) نبو (أو يعني أنه قادها إليه. والمعنى جيد لأنه يريد أن يقود الخيل إلى الشعراء من نتائجه، والمعنى عندي هو الذي أورده، وهو أنه يصف معرفتهم بالخيل ولا يعرفها إلا من طال مراسه لها، والخيل أيضا تعرفهم لأنهم فرسان، وقد قال أبو الطيب في بيت آخر: فالخَيلُ واللّيلُ والبَيداءُ تَعرِفُني وهذا ظاهر من أمثال العرب:) الخيلُ تُعرفُ من فُرسانها البُهُم (وقوله) والراكبين جدودهم أماتها (يريد بذلك أن جدودهم أيضا كانوا من ركاب الخيل، أي أنهم عريقون في الفروسية، ويوضح معنى ذلك ما أنشده أبو العلاء نفسه:

يا ابن الأُلى غيرَ زَجر الخَيلِ ما عَرَفواإذ تعرفُ العُربُ زَجر الشاءِ والعَكرِ

فهذا هو الأشبه والمعنى الأول غير ممتنع.

سُقِيَتْ مَنابِتُها الَّتِي سَقَتِ الوَرَىبِيَدي أبِي أُيوبَ خَيرِ نَباتِها
للشاعر المتنبي، من قصيدة «سرب محاسنه حرمت ذواتها»

قال ابن جني: جعل النفوس منيات لما أراد أن يدعو لها بالسقي، إذا كانت المنابت محتاجة إلى السقي اتساعا فيقول سقى منابت هذه النفوس بيدي أبي أيوب هذا الممدوح الذي هو خير نباتها، أي نفسه أشرف هذه النفوس المذكورة، أي لا زال ظله وعرفه على أهله وذويه، لأنه إذا أفاض عرفه فقد أفاضه على كافة الورى، لأنهم معاط مساميح هذا مع ما يتولاه هو من إعطائه كافة الناس، والهاء في نباتها تعود على المنابت، فجعل النبات هو الذي يسقي المنبت قلبا لعادة وإغرابا في القول وتغلغلا في الصنعة.

قال ابن فورجة: الهاء في قوله منابتها، عائدة على النفوس في البيت الذي تقدمه وهو:

تِلكَ النُّفوسُ الغالِباتُ على العُلاوالمجدُ يَغلِبُها على شَهَواتِها
للشاعر المتنبي، من قصيدة «سرب محاسنه حرمت ذواتها»

يدعو لهذه النفوس ومنابتها بالسقايا، ويقول أن منابتها لم تزل تسقي الورى، يعني أن أبا الممدوح وقومه كانوا كلهم مفضلين على الناس، فسيقت منابت هذه النفوس، كما لم يزالوا يسقون الناس، وجعل النفوس منابت لما أراد أن يدعو لها بالسقي، ثم قال سقيت بيد أبي أيوب، يريد بذلك أن سقيا يديه أعظم السقيا، وهو أفضل قومه وخير من نبت فيهم، وليس الغرض أن يدعو لقوم أبي أيوب بإفضال أبي أيوب عليهم، ولكن الغرض تعظيم شأن إعطائه، كأنه لو دعا بأن يسقيهم الغيث لكان دون سقيا أبي أيوب، وهذا ظاهر ولقد أحسن في هذا النحو القائل:

سقى الجِيرَةَ الغَادِينَ وَسمِيُّ عَارِضٍهزيمَ الحَيا سبط الرِوَاقين مُمرِعِ
بسُحبٍ كأجفَانِي وَبرقٍ كَحُرقَتِيورَعدٍ كإعَوالي وغَيثٍ كأدمُعِي

يريد بذلك تعظيم شان ركابه، وقد قال الشيخ أبو الفتح غير ما قلناه، ولم يعد الصواب لكنا قلنا برأينا

تكبُو وَرَاءَكَ يا بنَ أحمَدَ قُرَّحٌليسَتْ قَوَائِمُهُنَّ مِن آلاتِهَا
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

قال أبو العلاء: الهاء في آلاتها راجعة على وراء، لأنها مؤنثة، وكذلك قدام وأمام، وهذا ما لا يحتمل البيت غيره، وقد روي هذا التفسير عن قائل البيت وإنما أشكل على السامع لأن) وراء (لفظها لفظ المذكر، ولم يعد تأنيث وراء وقدام إلا بالتصغير لأنهم قالوا) قديدمة وورية (قال القطامي:

قُدَيدمِة التَّجرِيبِ والحِلمِ أنّنيأرى غَفَلاتِ العَيش قَبلَ التَّجارِبِ

وقال آخر:

قد طَرقتْ وُريَّةَ الشَبابِفمَرحباً بطَيفِها المُنتَابِ

وقال الأحسائي: يقول ليست قوائم المتبعين لك من آلات مجازاتك، فإذا تبعوك وقصروا عن إتباعك.

غَلِتَ الَّذي حَسَبَ العُشُورَ بآيَةٍتَرتِيلُكَ السَّورَاتِ من آياتِها
للشاعر المتنبي، من قصيدة «سرب محاسنه حرمت ذواتها»

قال أبو العلاء: ذهب إلى أن الغلت في الحساب خاصة والغلط واحد كأن أحد الحرفين مبدل من الآخر، وذهب أبو عبيدة إلى أن الغلت في الحساب خاصة والغلط في غير ذلك. والعشور جمع عشر، والمعنى أن الذي حسب العشور غلط في العدد، لأن ترتيل هذا الممدوح إذا قرأ السور يجب أن يحسب آية فتكون الآيات العشر بترتيله إحدى عشرة آية، وهذا من الغلو الذي يقصده الشعراء، وهو كذب صراح.

وقال الأحسائي: يقول أن الذي قاس مناقبك غيرك، وقدر أنك تزيد عليهم حتى يحسب كل آية لهم بعشر آيات من مناقبك لا عشر آيات بآية.

فإذا نَوَتْ سَفَراً إلَيكَ سَبقتَهافأضَفتَ قَبلَ مُضَافِها حالاتِها
للشاعر المتنبي، من قصيدة «سرب محاسنه حرمت ذواتها»

قال أبو الفتح: يقول ليس ينبغي أن نعذل المرض الذي بك، وكان قد اعتل لأنك تشوق أمراضها معها فقد شقت المرض حتى زارك، كما شقت صاحبه فإذا أرادت الرجال إليك السفر سبقتها بإضافتك أحوالها قبل إضافتك إياها.

قال ابن فورجة: هكذا رواه الشيخ أبو الفتح، وكذا رويته أيضا عن دعة مشايخ إلا أن الصواب عندي أن يروي) سبقتها (بالنون لما أنا اذكره وهذا البيت بعد قوله:

لا نَعزُلُ المرضَ الذي بكَ، شائِقٌأنتَ الرّجالَ وشَائِقٌ عِلاَّتِها

والهاء في سبقتها عائدة إلى الرجال، يقول أنت تشوق الرجال وتشوق علاتها، لأنك فرد عجيب في جميع محاسنك، وإنما يريد بذلك إقامة العذر للحمى، وتحسين أمرها كما يفعل الشعراء بالأحوال الذميمة للممدوحين، فيقول إذا نوت الرجال السفر إليك سبقت العلات الرجال فجاءتك قبلها، إلا أنها أعراض وأولئك جسوم، والأعراض أخف فأضفتها قبل أن تضيف الرجال، فلهذا، قلت الصواب) سبقنها (والمضاف مصدر أضفت كما أن المقام مصدر أقمت، والمصاب مصدر أصبت.

النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «تفسير أبيات المعاني من شعر المتنبي»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.