تجاوز إلى المحتوى

من «تفسير أبيات المعاني من شعر المتنبي» لأبي المرشد المعري (ت ٤٩٣هـ)

حرف الدال (٢)

وقال:

وأنتَ الذي رَبَّيتَ ذَا المُلكِ مُرضَعاوليسَ لَهُ أُمُّ سِوَاكَ ولا أبُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أغالب فيك الشوق والشوق أغلب»
سَبائِكُ كافُورٍ وعِقيانُهُ الّذِيبِصُمّ القَنَا لا بالأصَابِعِ نَقدُهُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أود من الأيام مالا توده»

قال ابن جني: يقول فيها سبائك كافور وذهبه، أي لا ذهب هناك ولا سبائك، وإنما هناك غلمان مختارون وأصحاب مصطفون اختارهم بعد أن أمتحنهم بالطعان بين يديه، وجربهم فأقامهم مقام ماله وذخائره، لأنه بهم يصل إلى مطالبه كما يصل بالمال، ولم يرد المال في الحقيقة.

فيا أيُّها المَنصُورُ بالجَدّ سَعيُهُويا أيُّها المَنصُورُ بالسَّعي جَدُّهُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أود من الأيام مالا توده»

قال أبو العلاء: أراد أن الممدوح قد جمع بين الجد الذي هو الحظ، وبين الجد الذي هو السعي في طلب المكارم، فكل واحدة من الخلتين تنصر الأخرى، لأن المجدود إذا اتكل على جده ولم يسع في طلب المكارم كان ذلك يقضي عليه، وإذا سعى وهو غير مجدود لم يصل إلى خير، لأن المثل السائر) غثني بجدك لا بكدك (.

وألقى الفَمَ الضِّحَّاكَ أعلمُ أنَّهُقَرِيبٌ بذي الكَفِّ المُفَدَّاةِ عَهدُهُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أود من الأيام مالا توده»

قال الأحسائي: يقول قد ثبت عندي أن من والاك لا يزال بطاعتك مسرورا، ومن عاداك لا ينفك خائفا مغموما، فأستدل بما أراه من مرح من اختار به وسروره على طاعتك، وأنه قريب العهد برضاك عنه وتقبيله يدك، لأن من وصل إليها فقد فاز بالحظ الجسيم، وأستدل على عدوك بانقباضه وغمه.

وَوَعدُك فِعلٌ قَبلَ وَعدٍ لأنَّهُنَظيرُ فَعالِ الصَّادِقِ القَولِ وَعدُهُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أود من الأيام مالا توده»

قال ابن فورجة: قال أبو الفتح: يقول الصادق إذا وعد وفى، فكان وعده بصحة وقوع موعوده وفعله، هذا كما قال إلا أنا نزيد اللفظ بيانا، يقول كل من وافيا بمواعيده فوعده نظير فعله، أي كان إذا وعد شيئا فقد فعله لركون النفس إليه وشدة الاعتماد عليه، وتقيض هذا قوله:

أصبَحْتُ أروَحَ مُثرٍ خازناً وَبَداًأنا الغَنِيُّ وأموالي المَوَاعِيدُ

وهذا هزء ويقول أنا مثر لا تعب على خازني ولا على يدي، إذ كان أبرأني من المواعيد وكذلك قوله:

جُودُ الرّجال مِن الأيدي وَجُودُهُمُمِنَ اللّسانِ فَلا كانُوا وَلا الجُودُ
للشاعر فهد العسكر، من قصيدة «يا عيد عدت فأين الروض والعود»

ومن التي أولها: حَسَمَ الصُّلحُ ما اشتَهَتهُ الأعادِي

وَكلامُ الوُشاةِ لَيسَ عَلَىالأحْباب سُلطانُهُ عَلى الأضدَادِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «حسم الصلح ما اشتهته الأعادي»

قال الشيخ أبو العلاء: هذا البيت يحتمل وجهين: أقواهما: أن يكون سلطانه مرفوعا بليس، وقوله على متعلق بسلطانه أي ليس سلطان كلام الوشاة الذي يتسلط على الأضداد واقعا على الأحباب، والآخر: أن يكون الكلام قد تم عند قوله) على الأحباب (ثم ابتدأ مخبرا فقال: سلطانه. أي سلطان الكلام على الأضداد، كما تقول: ليس شرك على صديقك إنما هو على عدوك.

ومن التي أولها:

عِيدُ بأيَّةِ حَالٍ عُدْتَ يا عِيدُبِمَا مَضَى أمْ لأمْرٍ فيكَ تَجدِيدُ
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

قال ابن جني: كأنه قال هذا عيد، ثم انتقل يخاطب العيد، فقال بأية حال عدت يا أيها العيد أي: هل عدت بما عهد من الحال أم تجدد فيك أمر.

قال أبو العلاء: عيد مرفوع، لأنه خبر ابتداء محذوف، كأنه جاء فأنكر مجيئه، فقال له أنت عيد كما تقول للرجل إذا لقيته: فلان أي أنت فلان. ويدل على أنه أنكر لقاه قوله) بأية حال عدت (. وقوله) بما مضى (يجب أن تكون الباء متعلقة بقوله عدت، ودخلت) أم (هاهنا لأن في أول الكلام استفهاما، ويحتمل أن يكون أراد ألف الاستفهام بقوله بما مضى، كأنه قال أبما مضى عدت. أم لأمر لا نعلمه جددت. وقد رويت اللام مكان الباء في قوله بما مضى. ومنهم من يروي لأية حال باللام أيضا، واللام فيما أراه أحسن من الباء.

لَولا العُلى لم تُجبْ بي ما أجُوبُ بِهاوَجناءُ حَرفٌ ولا جَرداءُ قَيدُودُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «عيد بأية حال عدت يا عيد»

قال ابن جني: الوجناء العظيمة الوجنات من النوق، ويقال بل هي الغليظة الخلق أخذت من الوجين وهو الغليظ من الأرض، قال الشاعر:

أنختُ بها الوجَناءَ مِن غَير سَامةٍلثنتَين بينَ أثنين جَاءٍ وذَاهِب

لثنتين يعني ركعتي العصر، بين أثنين يريد الليل والنهار، وأراد سامة فحذف الألف. ومثله للكميت: لا يَتَداوىَ بنزلَةٍ منهم المُدنَفُ من هَيضَة الكَرى الوَصبُ إلاَّ بخَمسٍ هي المُنيِخَةُ للأركُبِ في حيثُ تُنْكَأُ الحَلبُ يعني بالخمس الصلوات، وبالحلب مواضع السجود، أي لولا ما أطلبه من العلا لم تقطع بي الفلاة والمهالك ناقة هذه حالها، ولا فرس هذه صفتها.

قال أبو العلاء: الأشبه أن يكون الحلب التي في ظهور العيس، لأن الحلب في الحياة لا يستعمل.

ما يُقبِضُ المَوتُ نَفساً مُنْ نفوسِهِمإلاَّ وفي يَدِهِ من نَتنها عُودُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «عيد بأية حال عدت يا عيد»

قال ابن فورجة: هذا البيت ظاهر المعنى، وقد تكلف له القاضي أبو الحسن ما كان غنيا عنه، وذكر أنه عيب بهذا، وقيل أن العود يعني الطيب ليس بذي رائحة فيفي عند الشم أو يفزع إليه من نتن ثم قال: وقد قال المحتج عنه إنما يعني أنه لا يباشر الموت قبض روحه بيده تقززا وإستقذارا، فيحمل عودا من الأعواد التي هي قضبان أو قطعة خشب من أي شجر كانت ليقبضها به، ولعمري أن المتوهم على أبي الطيب أنه يعني عود الطيب لعاجز، وأن الاحتجاج عنه والنفخ دونه من الكلف التي كفاها الله، وهذا الشيخ أبو الفتح فسر هذا البيت فقال: أي لا يباشر الموت أنفسهم وقت قبضه إياها ضربه مثلا، هذا كلامه ألا تراه أورد غرض الرجل بدءا من غير تعريج على محال أو توهم لغير الواجب، وما أغوى القاضي إلا ذكره للنتن، فحسب ألا بد من طيب يقابل النتن، وقد علم أن أبا الطيب جد عالم أن العرب لم تسم العود المتبخر به عودا، إلا أنه بعض العيدان وجنس منها، وأنهم لا يوردونه هذا المورد إلا إذا كان في الكلام ما يدل على الغرض ولم نسمع أحدا من الشعراء ولا في نثر من نثر الفصحاء: أخذت بيدي عودا من الأعواد، وناولني فلان عودا على معنى لفظ التنكير، واملراد هذا الطيب وإنما يقولون: أخذت مندلا وألوة، أو مجمرا أو العود معرفا في الأسماء التي تختص به، والعود الذي عليه الأوتار هذه سبيله لا يقال أخذت عودا فيعلم أنك عنيت البربط إلا في الكلام ما يدل عليه كقول بشار:

إذا قَلّدَتْ أطرافُها العُودَ زَلزَلَتْقُلوباً دَعَاها للصَبَابةِ دَاعِ
العَبدُ لَيسَ لُحرٍّ صَالِحٍ بأخٍلَو أنَّهُ في ثِيابِ الحُرِّ مَولُودُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «عيد بأية حال عدت يا عيد»

قال أبو العلاء: لو أن هذا الكلام منثور لكان الأحسن أن يقول ولو أنه بالواو كما يقال: لا تركن إلى عبد، ولو أنك قد وليت تربيته، وحذف الواو للضرورة وإقامة الوزن. وقال ابن فورجة: هذا يعرض بابن طغج، يقول كان لا يجب أن تركن إليه ولا تتخذه أخا وصاحبا لو أنه حر وولد في ثياب حر، والهاء في قوله لو أنه عائدة إلى ابن طغج، كأنه يقول لو كان حرا لما اتخذ العبد أخا، يريد هو ولد زنى ولولا ذاك لما رضي بهذه الهضيمة، يغريه به ويذمه على تسليطه.

إنَّ أمراً أمَةٌ حُبْلَى تُدَبِّرُهُلُمستَضَامٌ سَخِينُ العَينِ مَفئُودُ
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

قال ابن جني: يعرض بالإخشيد ويريد بالأمة الحبلى كافورا، ومفئود بلا عقل كأنه قد أصيب فؤاده.

وَعندَها لَذَّ طَعمَ المَوتِ شارِبُهُإنَّ المَنيَّةَ عِندَ الذُّلِّ قِندِيدُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «عيد بأية حال عدت يا عيد»

قال أبو العلاء: القنديد شراب من عنب يطبخ وتطرح فيه أفاويه، فأما القند فمعروف أنه ضرب من السكر، يقال: قندت السويق فهو مقنود وقندته. قال الشاعر:

أهَاجَتكَ أظَعَانٌ تَحَملنَ غدوةًبكرمانَ يُصبَحنَ السَّويقَ المقَنَّدا

واشتقاق القنديد من القند فيما يوجبه القياس.

ومن التي أولها:

جاءَ نَورزُنا وأنتَ مُرَادُهْ

كُلّما استُلَّ ضَاحَكَتْهُ إياةٌتَزعُمُ الشَّمسُ أنَّها أرادُهْ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «جاء نيروزنا وأنت مراده»

قال أبو العلاء: إياة الشمس ضوءها، وقال قوم الإياة عين الشمس، قال طرفة:

سَقَتْهُ إياةُ الشَّمسِ إلا لِثِاتِهِأُسِفّ وَلم تكدِمْ عليهِ بإثِمدِ
للشاعر طرفة بن العبد، من قصيدة «لخولة أطلال ببرقة ثهمد»

يريد أن نور الشمس إذا قابل فرند هذا السيف حدث بينهما أنوار، تزعم الشمس أنها أرآده هذا الحسام وإنما ذلك زعم لا حقيقة له، واكثر ما يستعمل الزعم فيما لا يثبت، كما قال الله سبحانه:) زعم الذين كفروا أن لن يبعثوا (أي ليس الأكر كذلك. وقال الضبي:

زَعَمتُ تُماضِرُ أنَّني إمَّا أمُتْيَسدُدْ بُنَيُّوها الأصاغِرُ خَلتي
للشاعر عِلباء بن أرقم، اقرأ القصيدة

أي أنها تدعي ذلك وليس هو على ما تزعم.

وقال ابن فورجة: الشمس مؤنثة ولا ذكر ههنا ترجع إليه الهاء في أرآدة السيف. وإياة نكرة يحتاج بها إلى ضمير يرجع إليها في باقي الكلام، أو صفة، وأن كانت الهاء في) أنها (راجعة. فالهاء في أرآدة أما للشمس وأما للسيف، وأن كانت الهاء في أنها للشمس فالهاء في) أرآدة (لا تصلح أن ترجع إلى إياة لأنها مؤنثة فيها علامة تأنيث، وأرآد جمع والشمس وإيادة معا موحدان، والذي عندي في هذا البيت أنه ذكر الشمس إذ ليس تأنيثها حقيقيا، واضطرته القافية إلى تذكيره وقد فعلت العرب مثل ذلك كثيرا. يقول القائل:

فلا مُزنَةٌ ودَقَتْ وَدقَهاولا أرضْ أبقَل إيقَالَها

وقول الأعشى:

أرَى رَجُلاُ منهم أسيفاً كأنَّمايَضُمُّ إلى كَشحَيهِ كَفَّاً مُخَضبا

فأما وجه جمعه الأرآد والإياة موحدة، فأنه حملها على المعنى في قوله) كلما أستل (فكأنه عنى سلات كثيرة، فكل سلة راد للشمس، وفي البيت نظر آخر: وهو أن الرئد الترب، وإنما يقال فلانة أي هي في سنها، ولا فائدة في كون ضوء السيف رئدا للشمس في السن، بل الفائدة في أن يكون ضوءه مثل ضوئها، والقول في ذلك عندي أنه أقام الرئد مقام النظير والشبيه اتساعا في الكلام.

مَثَّلُوهُ في جَفنِهِ خَشيَةَ الفَقدِ فَفي مِثل أُثِرِهِ أغمادُهْ قال أبو العلاء: المعنى أنه أراد أن أصحاب هذا السيف كانوا معجبين به، يؤثرون أن لا يغيب عنهم في حال، فمثلوه في غمده من الفضة، بشبه أثره، ليكونوا وهو مغمد كأنهم ينظرون إليه وهو مسلول، لأنهم يختارون أن لا يغيب عنهم، ولا يمتنع أن يكونوا صاغوا له غمدا من الفضة، والسيف يوصف بالبياض والفضة بيضاء فكأنه مغمد في فرنده.

وقال ابن فورجة: هذا البيت يحتاج إلى إشباع في التفسير. وقد قال أبو الفتح ابن جني: أن جفن هذا السيف كان مغشى بفضة منسوجة عليه، فكأنهم بنقاء الفضة التي على جفنه صونا له من الفقد لئلا يأكل جفنه. هذا كلامه. وفيه زلل في مواضع سابينها فأحد ما زال فيه قوله حكوه بنقاء الفضة التي على جفنه، مع قوله كان مغشى بفضة منسوجة، فأن كان المعنى ما حكاه فكان يجب أن يغشى بفضة مطروقة مصفاة ليكون نقاؤها مثل نقائه، وهيئتها كهيئة، فأما المنسوجة فلا نقاء لها، وقد زعم أنها كانت منسوجة، فقد نقض آخر كلامه أوله، والآخر قوله صونا له من الفقد فقد ظن أبو الفتح أنه يعني لو لم يغش بالفضة لفقد، وليت شعري كيف يفقد هذا السيف من بين السيوف وكلها غير مغشاة بفضة فما تفقد! والآخر قوله لئلا يأكل جفنه وقد علم أن السيف قد يأكل جفنه ولا يفقد، والذي عنى أبو الطيب غير ما حكى وإنما شبه أثره بنسج الفضة على جفنه، فهو إذا كان من الفرند المسمى المزرد أشبه شيء بنسج حتى أن في السيوف المجلوبة من بعض بلاد الترك سيوفا حدودها فولاذ ومتونها حديد من المذيل، وهو المسمى بالفارسية) الترماهن (يهز أحدها ثم يعطف طرفه فيلتقي مع قائمه للينه ثم يخلى فيعود إلى استوائه، وعلى متونها كأحسن ما يكون من النسج، فيزعمون أنها تتخذ من حديد يمطل الفضة، فإذا صار في دقة الوتر نسج منه على هيئة التكة، فإذا فرغ من نسجه نفخ عليه، حتى إذا صار نارا طرق فأنحلت تلك القوى وتلازمت فإذا برد كشف عنه بالمداوس، وألبس حدا من) الشابرقان (الجيد، فلا ترى فرندا أحسن من فرندها، وهي تقد الفارس، وتهتك الدرع بلينها ومضائها، فأدعى أبو الطيب، لحذقه بصنعة الشعر، أن ما نسج على جفنه من الفضة تصوير لما على متنه من الفرند، فعل به ذلك إرادة أن لا تفقده العين بكونه في غمده، بل تكون كأنها ناظرة إليه، ولم يرد بقوله) خشية الفقد (خشية ضياعه وذهابه، بل أراد أنه لحسنه لا يشتهي مالكه أن يفقده منظره بإغماده.

وَتَقَلَّدْتُ شامَةً في نَدَاهُجِلدُها مُنفِساتُهُ وَعَتَادُهْ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «جاء نيروزنا وأنت مراده»

قال أبو العلاء: لما كانت الشامة تكون في الجلد، استعاره أبو الطيب في هذا البيت، فجعل السيف شامة في يدي الممدوح، والجلد الذي هي فيه المنفسات والعتاد وهي قليلة فيه لأن الشامة إنما تشغل ما قل من جلد الإنسان.

فَرَّسَتنا سَوَابِقٌ كُنَّ فِيهِفارَقَتْ لِبدَهُ وفيها طِرادُهْ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «جاء نيروزنا وأنت مراده»

قال أبو العلاء: الهاء في) فيه (راجعة على الندى، وقوله) فرستنا (أي جعلتنا حاذقين بالفروسية، لأن كل من ركب الفرس سمي فارسا، إلا أنه وأن ركب جائزا ألا يكون صاحب فروسة على ظهور الخيل، والهاء في) لبده (راجعة إلى الممدوح، واللبد هاهنا واحد في معنى الجمع، والهاء في) طراده (يرجع إلى الممدوح أيضا، أي أنه فارس على الخيل، فهذه السوابق قد فارقت ركابه إلا أنها متعودة ما عدوها من الطراد، فنحن نجده فيها إذا أردناه.

وَرَجَتْ رَاحَةً بنا لا نَرَاهاوَبِلادٌ تَسِيرُ فِيها بِلادُهْ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «جاء نيروزنا و أنت مراده»

قال ابن جني: أي لما انتقلت خيله إلي رجت أن تستريح من طول كده إياها وليست ترى ذلك من جهتي مادمت أسير في بلاده، والعمل الذي يتولاه لسعة وامتداد الناحية التي تحت يده.

وقال أبو العلاء: يقول هذه سوابق رجت أن تستريح إذا صارت إلينا، لأنها كانت متعبة عنده بالطراد، ودعا عليها بألا تنال ذلك أي: إنا نتعبها لأنا نتبع سيرته، ونفعل كما يفعل من طراد الأعداء، وهذا معنى مستطرف لأنه كان ينبغي لهذه الخيل أن تستريح مادامت في بلاد الممدوح، إذ كانت آمنة من الأعداء، فإذا خرجت منها جاز أن يحتاج أربابها إلى القتال.

ومن أبيات له قوله:

ذَمّ الزَّمانُ إلَيهِ منْ أحبَتِهِما ذَمَّ مِنْ بَدرِهِ في حَمدِ أحمَدِهِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «وشادن روح من يهواه في يده»

قال ابن فورجة ما قال ابن جني: الهاء في) أحبته (عائد على العاشق، والهاء في) بدره وأحمده (جميعا عائدة على الزمان، والفاعل المضمر في) ذم (الثانية عائد على العاشق أيضا. والبدر هو المعشوق، وأحمد هو المتنبي جعل نفسه أحمد الزمان، أي ليس في الزمان أحمد آخر مثله.

وقال أيضا: فالزمان يذم معه هجر أحبته إياه ويحمده.

أي: يحمد أحمد لفضله ونجابته، وهذا البيت على ما فسره. إلا أنا نزيد وضوحا وبيانا. ونقول فيه غير ما قاله، غذ كان البيت مما يستصعب كثيرا على أفهام قوم) قوله ذم الزمان إليه (. هو من قولهم: أحمد إليك الله تعالى وأذم إليك زيدا كما قال أيضا: أَذُمُّ إلى هَذا الزَّمانِ أُهَيلَهُ وقوله) من أحبته (جائز أن تكون الهاء للعاشق على ما ذكره، والأولى عندي أن تكون عائدة على الزمان، يريد أحبة الناس فيه، أضافهم إلى الزمان لأنهم فيه، كأنه قال: الزمان له كل الأحبة في مذموم، كما قد ذممت بدرك، ثم قال في) حمد أحمده (يريد ذمهم الزمان مع حمده إياي ففي بمعنى مع كما تقول مر وهو يقرأ في سيره، أي مع سيره، ومثله قول الشاعر:

رأَيتُ اللَّيالي يَنتَهِبنَ شَبِيبَتيفأوضَعْتُ باللَّذاتِ في ذلك النَّهب
للشاعر أشجَع السَلمي، اقرأ القصيدة

ومن التي أولها: نَسِيتُ ومَا أنسَ عِتاباً عَلى الصًّدِّ

وَمَنْ لي بيومٍ يَومٍ كَرِهتُهُقَرُبتُ به عندَ الوَداعِ مِنَ البُعدِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «نسيت وما أنسى عتابا على الصد»

قال ابن جني: أي من لي بيوم مثل يوم الوداع، لأن المودع على كل حال يحظى بالنظر والتسليم، وهي الآن قد بعدت عني فلا نظر ولا عيان، وهو كقول الشاعر:

رُبَّ يَومٍ بكيتُ مِنهُ فَلَمَّاصِرتُ في غَيرهِ بكيتُ عَليهِ
للشاعر علي بن أبي طالب، من قصيدة «عجبا للزمان في حالتيه»
وأنْ لا يَخُصَّ الفَقدُ شَيئاً فأنَّنيفَقدْتُ فلم أفقِدْ دُموعِي ولا وَجدي
للشاعر المتنبي، من قصيدة «نسيت وما أنسى عتابا على الصد»

قال ابن جني: أي ومن لي بأن لا يخص الفقد شيئا، دون شيء، وإنما قلت هذا القول لأني فقدت محبوبتي ولم أفقد دموعي عليه ولا وجدي به.

وَمَن يَصحَبِ أسمَ ابن العَميدِ مُحَمَّدٍيَسِرْ بينَ أنيابِ الأساوِدِ والأُسْدِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «نسيت وما أنسى عتابا على الصد»

قال ابن جني: يجوز محمد ومحمدا، والذي قاله بالجر وهو أمدح من أن ينصب، لأنه إذا نصب أبدله من اسم، وإذا جر أبدله من ابن العميد، أي هذه اللفظة أعني أن يقول ابن العميد يصير سببا للنجاة له ليركبها، وامتناع الأعداء من الإقدام على من يجري ذكره، وإنما صار أمدح لأن ابن العميد لا يشاركه فيه غيره، ومحمد اسم مشترك.

إذا ما استَحَينَ المَاءَ يَعرضُ نَفسَهُكَرَعْنَ بِسبتٍ في إناءٍ من الوَردِ
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

قال أبو العلاء: استحين في معنى استحيين، يقول هذه الإبل غنية عن الورد وهن يعبرن بالمياه كثيرا، فالماء كالذي يعرض نفسه عليها فتستحي منه ألا تشرب فتكرع فيه، وأصل الكروع في الماشية التي تدخل في الماء حتى تغيب فيه أكرعها، ثم كثر ذلك حتى قيل كرع الشارب في القدح بمعنى شرب، يقول كرعت هذه الإبل بسبت لأن مشافرها تشبه بالسبت وهو نعال تدبغ بالقرظ، وقوله في إناء من الورد يريد أن الماء قد اجتمع في موضع منخفض وقد نبت الزهر حوله، وكل زهر يسمى وردا على الإستعارة، فكأن ذلك الموضع إناء من الورد، لأن الماء قد غطى ما ليس فيه ورد منه، فدق صار كالماء في القدح، وما حوله من زهر كفضلة الإناء التي ليس فيها ماء.

لَنا مَذهَبُ العُبَّادِ في تَركِ غَيرِهِوإتبانِهِ نَبغِي الرَّغائِب بالزُّهدِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «نسيت وما أنسى عتابا على الصد»

قال أبو العلاء: العباد يتركون ما في الدنيا من اللذات رغبة فيما هو أعظم منه، وذلك ما يرجون من ثواب الآخرة، فنحن في قصد هذا الممدوح لنا مذهب العباد، لأنا قد زهدنا في غيره من الملوك. وإنما زهدنا فيهم كثرة ما نرجوه من الرغائب التي لا نجدها لديهم، وهذا من اللفظ الذي ظاهره عموم ومعناه خصوص.

فَتىً فاتَتِ العَدوَى من النَّاسِ عَينُهُفما أرمَدَتْ أَجفانهُ كَثرةُ الرُّمْدِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «نسيت وما أنسى عتابا على الصد»

قال الشيخ: يزعمون أن الجرب والرمد والثوباء من المعديات، وقالوا في المثل: هو أعدى من الثوباء، وإنما ضرب الرمد هاهنا مثلا لما في الناس من العيوب، أي أن فيهم البخلاء والجبناء ومن هو قليل اللب فما أعدوه بما فيهم من الأشياء المذمومة.

يُغَيَرُ ألوَانَ اللَّيالي على العِدَابِمَنشورَةِ الرّاياتِ مَنصُوَرةِ الجُندِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «نسيت و ما أنسى عتابا على الصد»

قال ابن جني: يقول من عادة الليل أن يكون أسود، فإذا سار بعساكره فيه وأبلق بريق الحديد عليه بما يسايره من النيران، أما للاستضاءة وإما لإحراق أعدائه انجابت الظلمة فتغير لون الليلة ببريق الحديد، وهذا قريب من قول أبي تمام:

قَومٌ إذا اسوَدَّ الزَّمانُ تَوضَّحُوافيه فغُودِرَ وَهوَ مِنهم أبلَقُ
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «الدار ناطقة وليست تنطق»

وقال الأحسائي: يعني أنه يضيء الليالي السود بلمعان السيوف والمشاعل، وسود الليالي المقمرة بالعجاج ودخان القرى وما جرى مجراه، ويطول الليالي القصار بالخوف والذعر، ويقتصر الليالي الطوال بالسرور واللذات، فهو مغير ألوان الليالي وأحوالها.

يَغِضْنَ إذا ما عدْنَ في مُتفاقِدٍمن الكُثرِ غَانٍ بالعَبيدِ عَن الحَشدِ

قال ابن جني: يغضن أي تدخل الكتائب التي أنفذها للفارة، إذا عادت إلى معظم جيشه، في عسكر متفاقد من الكثرة، فتختفي فيه، كما يغيض الماء في الأرض، ومعنى متفاقد أن الشيء يطلب فيه فلا يوجد من كثرته، أي يخفي بعضه بعضا لاضطرابه وتموجه، وقوله) غان بالعبيد عن الحشد (أي قد استغنى الجيش العظيم بعبيد صاحبه وبرئيسه عن الحشد للرجال الغرباء، والحشد الجمع، أي جميع رجال هذا العسكر العظيم عبيد الممدوح.

حَثَتُ كلُّ أرضٍ تُربَةً في غُبارِهِفَهُنَّ عَليهِ كالطَّريقِ في البُردِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «نسيت وما أنسى عتابا على الصد»

قال ابن جني: أي إذا مر هذا العسكر بأرض سوداء علاه غبار أسود، وإذا مر بأرض حمراء علاه تراب أحمر، وإذا مر بأرض غبراء علاه غبار أغبر، فقد صارت عليه هذه الألوان كطرائق وألوان في برد بصفة تبعد السرية لأنه يمر بأرضين وترب مختلفة، ويقال حثوت التراب وحشيته حثوا وحثيا قالت امرأة لبنتها:

الحُصْنُ أدنَى لو تأيَّيتِهِمن حَثيِكِ التُّرْبَ على الرَّاكبِ

قال الشيخ أبو العلاء: قالت جارية لأمها:

يا أمّتَا أبصَرني راكِبٌفي بلدٍ مُسحَنفرٍ لاَغِبِ
فَظَلْتُ أحثُوا التُّربَ في وجهِهِخَوفاً وأحمِي حَوزَة الغَائِبِ

فأجابتها أمها بالبيت المتقدم.

وكلُّ شريكٍ في السُّرورِ بِمُصحِبيأرَى بعدَهُ من لا يَرَى مثلَهُ بَعدِي

قال ابن جني: قوله) كل شريك (أي من يشاركني في السرور بمصحبي عنده إذا عدت إليه من أهل وغيرهم، فرأى ما قد افدتنيه وحظيت به منك، أرى أنا بعده منك يا ابن العميد إنسانا لا يرى هو مثله بعد مفارقتي إياه، إذ لا نظير لك في الدنيا جميعا.

وقال أبو العلاء: الهاء في قوله) أرى بعده (عائدة على المصحب، وقد يجوز أن تكون عائدة على شريك، والهاء في) مثله (عائدة على الشريك.

وقال الأحسائي: وروى بمصحبي، أي ويصيرني كل شريك في السرور بمصبحي في أهلي، أرى بعده أي بعد فراقي له من لا يرى مثله بعدي، أي أنا أرى ابن العميد بعد فراقي هذا الشريك، وهو لا يرى مثل ابن العميد بعد فراقي، وإذا رأيت من لا يراه فقد خنته في المسرة لأنه شريكي فيها.

ومن التي أولها: أزَائِرٌ يا خَيالُ أم عائِدْ قال أبو العلاء: وهي مما لم يذكره الخليل من الأوزان لأن العرب عنده لم تستعمله وقد ذكره غيره، وخروجه من ثاني المنسرح، وقوله أزائر خبر مقدم محذوف المبتدأ، كأنه قال أزائر أنت يا خيال؟.

وَجُدْتُ فيه بِمَا يَشِحُّ بهِمِنَ الشَّتِيتِ المُؤَشَّرِ البارِدْ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أزائر يا خيال أم عائد»

قال الشيخ ﵀: يقال شح ويشح وحكى يشح بفتح الشين، وقالوا شحيح وشحاح قال ابن هرمة:

وإنّي وَتَركي نَدَى الأكرمِينَوقَدْ حي بكَفِّي زَنداً شَحاحا
للشاعر إبراهيم بن هرمة، من قصيدة «تعلقتها وإناء الشباب»
كتارِكةٍ بَيضها بالعَراءومُلبِسَةٍ بَيضَ أُخرى جَناحا
للشاعر إبراهيم بن هرمة، من قصيدة «تعلقتها وإناء الشباب»

والمؤشر الذي به الأشر وهو تخزيز في أطراف الأسنان، يدل على حداثة السن، يقال أشور وأشر فإذا قالوا مؤشر جاز أن يجعل الهمزة واوا خالصة لأنها مفتوحة قبلها ضمة.

حَكَيْتَ يا لَيْلُ فَرْعَها الوَارِدْفاحْكِ نَوَاها لَجفنِي السَّاهِدْ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أزائر يا خيال أم عائد»

قال الشيخ ﵀: الفرع الشعر، والوارد يحتمل وجهين أحدهما أنه قد طال حتى قد ورد إلى الكفل، والآخر أنه يعمل بالأدهان الطيبة فكأنه يرد الماء لكثرة ما يسقاها وقوله) حكيت يا ليل فرعها (أي أنك طويل شديد السواد. وقوله) فاحك نواها لجفني الساهد (أي أبعد عني كما بعدت هي، فأنك ثقيل علي.

أوْ مُوضِعاً في فِتان ناجِيَةٍتَحمِلُ في التَّاجِ هامَةَ العَاقِدْ

قال ابن جني: الموضع هو المسرع في سيره، والفتان غشاء من أدم يكون للرجل، الناحية الناقة السريعة، أي يرد عليه كل ساعة مبشر بهلاك عدو وأخذ رأسه في تاجه الذي عقده عليه فيجيئه به.

وَمُتَّقٍ والسّهامُ مُرسَلَةٌيحيصُ عَنْ حابضٍ إلى صَارِدْ
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

قال ابن جني: حبض السهم إذا وقع بين يدي الرامي لضعفه، وقد أحبضه صاحبه، وصرد السهم إذا نفذ من الرمية، ومعنى البيت أي رب إنسان يعدل عن أمر ليس بالعظيم إلى ما فيه هلاكه، وهو كقول الآخر:

المسّتَغيثُ بعَمروٍ عندَ كُربتهِكالمُستَجِير من الرّمضاء بالنَّارِ

ويحيص: يعدل.

ومن التي أولها: كم قَتيلٍ كَما قُتِلْتُ شَهيدِ

عَمرَكَ اللهَ هَلْ رأيتَ بُدُوراًطَلَعَتْ في بَرَاقِعٍ وَعُقُودِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «كم قتيل كما قتلت شهيد»

قال الشيخ ﵀: عمرك كلمة تستعمل في القسم، فإذا دخلت عليها لام الابتداء كانت مرفوعة، وكان الخبر محذوفا، وإذا فقدت اللام فهي منصوبة وانتصابها بفعل مضمر، كأنه قال أذكرك عمرك الله أو نحو ذلك من الأفعال، والعمر يجب أن يكون مصدر عمر يعمر وهو هنا موضوع موضع الخدمة كأنه قال أذكرك خدمتك الله. أخذ من قولهم عمرت البيت الحرام إذا زرته، ومنه اشتقاق الاعتمار والعمرة، وقال غالب بن الحر الجعفي أنشده ابن الأعرابي في صفة النخل:

يَطوفُ بها الزُوارُ كُلٌّ....كما طافَتْ العُمَّارُ حول المناسِكِ

فلما كانت الزيارة فيها تواضع للمزور جعلت الخدمة عمرا، وقال قوم ومعنى قولهم: عمرك الله أي حلفك بعمرة إذا قال لعمر، والعمر البقاء وقالوا عمرتك الله أي جعلتك تحلف بعمرة، قال الشاعر:

عَمّرتُكِ الله إلاَّ ما ذَكرتِ لناهل كُنتِ جارتَنا أيامَ ذِي سَلَمِ
للشاعر الأحوص الأنصاري، من قصيدة «إذ كدت أنكر من سلمى فقلت لها»

ويحتمل أن يكون قولهم: عمرك الله مأخوذ من عمرت الدنيا من العمارة، أي يعمرك المنازل المشرفة بذكر الله وعبادته، ويكون هذا الكلام مجانسا لقوله تعالى:) هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله (أي: أمر الله فحذف المضاف.

النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «تفسير أبيات المعاني من شعر المتنبي»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.