من «مباهج الفكر ومناهج العبر» لجمال الدين الوطواط (ت ٧١٨هـ)
القول في طبائع الكركي
ذهب بعض الناس أنه الغرنيق، وذهب آخرون إلى أن الغرنيق صنف من الكركي وهو أخضر طويل المنقار، قال أصحاب البحث عن طبائع الحيوان، الأنثى من الكراكي لا تجلس للذكر عند السفاد، وسفاده سريع مثل العصفور، وهو من الحيوان الذي لا يصلح إلا برئيس لأن في طبعه الخور والتمارس بالنوبة والذي يحرس يهتف بصوت خفي كأنه ينذر بأنه حارس، فإذا قضى نوبته قام الذي كان نائما مستريحا حتى تعفى كلها ما يلزمها من حراسة بعضها بعضا، ولها مشاتي ومصايف، ومنه ما يلزم موضعا واحدا ومنه ما يسافر بعيدا، وفي طبعه التناحر، ولهذا جماعاته لا تطير منقطعة ولا متباعدة بل صفا واحدا تقدمها واحد منها كالرئيس لها، وهن يتبعنه، يكون ذلك حينا ثم يخلفه آخر منها متقدما حتى يصير الذي كان متقدما منها متأخرا، وفي طبعه أن أبويه إذا كبرا عالهما وأتاهما بقوتهما، وقد مدح هذا الخلق أبو الفتح كشاجم يخاطب ولده فقال:
اتخذ في خلة في الكراكيأتخذ فيك خلة الوطواط
أنا إن لم تر في غناءوببري ترجو جواز الصراط
ومعنى قوله خلة الوطواط أنه يبر ولده ولا يتركه بمضيعة بل يحمله حيث توجه وأما من زعم أن الغرانيق غير الكراكي، وهو الجاحظ، حاكيا عن أرسطو: الغرانيق من الطير القواطع، وليست من الأوابد، وإنها إذا أحست بتغير الزمان أزمعت على الرجوع بلادها وأوطانها، وذكر إنها حارسا ثم تنهض معا، وتطير مع الريح التي تهب، فإذا طارت ترفعت في الهواء جدا كي لا يعرض لها شيء من الجوارح وإن عاينت غيما أو خافت مطرا أو سقطت لطلب ما لا بد له منه من طعم أو هجم عليها الليل أمسكت عن الصياح، وضمت إليها أجنحتها، فإذا أرادت النوم أدخل كل واحد منها رأسه تحت جناحه لأنها ترى أن الجناح أحمل لما يرد عليها من المكروه في رأسه، وينام قائما على إحدى رجليه لأنه يظن إن مكن رجليه نام إذا كان يجب أن يكون نومه غزارا وأما قائدها وسائقها وحارسها فلا ينام إلا وهو مكشوف الرأس فإن نام نومه يكون أقل من العشاش، والغرانيق تقاتل بعضها بعضا، وربما صيدت بسبب ذلك لأنها تشتغل بالقتال عن حفظ أنفسها وفراخها إذا قويت تتعاهد الآباء والأمهات بالطعم، ويقال إن ريشها في شيبتها رماديا، فإذا كبرت اسود وليس ذلك في سائر الطير قالوا: والريش يتحول بياضه إلى السواد ولا يتحول سواده إلى البياض بخلاف الشعر
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع