تجاوز إلى المحتوى

من «مباهج الفكر ومناهج العبر» لجمال الدين الوطواط (ت ٧١٨هـ)

القول في طبائع العصفور

وهو ضروب منها ما هو مطرب بصوته معجب بصورته وحسنه، وسيأتي ذكرها فيما بعد إن شاء الله تعالى، فأما العصفور البيوتي، فإن أصحاب الكلام في طبائع الحيوان يقولون أن في طباعه اختلاف لما فيه طباع سباع الطير وبهائمه فالذي فيه من طباع السباع أنه يلقم فراخه، ولا يزقها، ويصيد أجناسا كبيرة من الحيوان ذي الجناح كالنمل إذا طار فراخه والجراد، ويأكل اللحم، والذي فيه من طبائع بهائم الطير أنه ليس بذي مخلب ولا منسر، وهو إذا سقط على عودة قدم أصابعه الثلاث، وأخر الدابرة، وسباع الطير تقدم إصبعين وتؤخر إصبعين، وتأكل الحب والبقول، ويتميز الذكر فيها على الأنثى بلحية سوداء كما للرجال، والتيس، والديك، وليس في الأرض طائر ولا سبع ولا بهيمة أحنى على ولده وأشد به شغفا، وعليه إشفاقا من العصافير فإنها إذا أصيبت أولادها أو خافت عليها العطب فليس في شيء من أنواع من الحيوان المساعدة مثل الذي في العصافير، لأن العصفور يرى الحية قد أقبلت نحو عشه لتأكل بيضه أو فراخه، فإنها مولعة بذلك فيصيح فلا يسمع عصفور إلا أقبل إليه يصنع مثل صنعه بتخوف وقلق ولوعة واستغاثة، فربما أفلت الفرخ فصار إلى الأرض وذهبت الحية فيجتمعن عليه إذا قد نبت ريشه نبات، ولا يزلن يهيجنه للطيران بأن يطرن حوله لعلمها بأن ذلك يحدث بالفرخ قوة على الطيران، فإذا نفض طرن حوله ودونه حتى يحتملنه بذلك العمل والعصفور لا يعرف المشي، فإذا نفض يرفع رجليه فيثب فيضعهما معا ليس معه إلا النقزان وهو كثير السفاد، وإنما سفد في الساعة الواحدة نحوا من خمسين مرة، ولذلك قصر فإنه لا يعمر أكثر من سنة، وعلامة ذلك أن الأطراف السود لا يظهر فيها إلا في أوان الربيع، وهذا يدل على أنه لا يبقى من الذكور من شدة الوطء وصلابة الوقع على السطح مثل ما للعصفور، ولفرخ العصفور تدرب على الطيران حتى أنه من الغابة البعيدة يدعى فيجيب، قال الجاحظ، وبلغني أنه رجع من فرسخ، ومن ضروب العصافير عصفور الشوك الذي يأوي إليه هذا العصفور، وربما نهق الحمار فيسقط فراخه، وبيضه من جوف وكره، فلذلك العصفور إذا رأى الحمار، قرب من فوق رأسه وعلى عنقه وإذا بطيرانه وصياحه ونقره في جراحه، ويقال إن سبب عداوته له أن معاش هذا العصفور من برز الشوك، وفيه بيضة، والحمار يرعى الشوك إذا كان رطبا.

من ضروب العصافير القبرة وهي غبراء كبيرة المنقار وعلى رأسها قبرة وهذا الضرب خب قاسي القلب، وفي طبعه أنه لا يهوله صوت صائح به، وربما رمي بالحجر فاستخف بالرامي ولطا إلى الأرض حتى يتجاوزه الحجر، وبهذا السبب لا يزال مقتولا أو مأخوذا لأن الرامي يحمله الحنق عليه فلا يزال يرميه حتى يصبه، وهو يصنع وكره على الجادة حبا للإنس، ومن ضروب العصافير: حسون ويسميه أم الحسن، والمصريون السقاية، وهو ذو ألوان حسنة التأليف والتركيب، وذلك أن سائر جسمه متصل الأصباغ بالحمرة والصفرة والبياض والسواد والزرقة والخضرة، وربما علم استقاء الماء من إناء إلى إناء بآلة لطيفة يطيق حملها دبرت له.

الوصف والتشبيه

قال أبو هلال العسكري يصف هذا العصفور

ومفتنة الألوان بيض وجوههاونمر تراقيها وصفر جنوبها
للشاعر أبو هلال العسكري، اقرأ القصيدة
كأن دراريعا عليها قصيرة مرقعة أعطافها وجيوبها
للشاعر أبو هلال العسكري، اقرأ القصيدة
تعدل أوزان الأغاني كأنماتعدل أوزان الأغاني غريبها
للشاعر أبو هلال العسكري، اقرأ القصيدة
تسام استقاء في الشتاء إذا عراوتعطل أيام المصيف ذنوبها

ومن ضروب العصافير البلبل وهو العندليب) والعندليب ويجمع على فواعل (ويسميه أهل المدينة النغر ويعد من العصافير الدحل وهو طوير اغيبر الرأس لطيف القدر مأواه الشجر ويعد منها البلبل قال الجاحظ: البلبل موصوف بحسن الصوت والحنجرة ومن شأنه إذا كان غير حاذق ولا ماهر أن يطارحه إنسان بشكل صوته فيجيبه، ويتدرب فيتعلم ويجود صوته ويحسن.

النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الباب السابع في ذكر بغاث خشاش الطير وطبائعها

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.