تجاوز إلى المحتوى

من «مباهج الفكر ومناهج العبر» لجمال الدين الوطواط (ت ٧١٨هـ)

القول في طبائع دود القز

وإنما ذكرته مع ذي الجناح لأن ماله إليه كما سنذكر، وذلك أنه يكون أولا بزرا في قدر حب التين، وهو البيض الذي يتكون فيه وخروجه منه عند استقبال فصل الربيع، وهيئته عند الخروج أصغر من الذر وفي لونه، وهو يخرج في الأماكن الدافئة من غير حضن، إذا كان مصرورا مجعولا في حق، وما تأخر خروجه تضعه النساء تحت ثديهن في صرره، فإذا خرج أطعم ورق التوت، ولا يزال يكبر ويعظم إلى أن يكون في قدر الإصبع، وينتقل من السواد إلى البياض أولا فأول، وذلك في مدة ستين يوما على الأكثر ثم يأخذ في النسيج على نفسه بما يخرجه من فيه إلى أن ينفد ما في جوفه منه، ويكمل عليه ما يبنيه، فتكون كهيئة الجوزة ويبقى فيه محبوسا قريبا من عشرة أيام ثم ينقب عن نفسه تلك الجوزة، ويخرج منها فراشا أبيضا ذا جناحين لا يسكنان من الاضطراب الحركة، وعند خروجه يهيج إلى السفاد فيلصق الذكر ذنبه بذنب الأنثى، ويلتحمان مدة زمانية ثم يفترقان، وتنثر الأنثى البزر الذي قدمناه ذكره على الخرق البيض، تفرش قصدا إلى أن ينفد ما فيها منه ثم يموتان، هذا إذا أريد منهما البزر، وإذا أريد الحرير تركت في الشمس بعد فراغه من النسج لعشرة أيام، يوما أو بعض يوم فيموت، وما أحسن ما أشار إليه الشاعر بما يؤول إليه حال هذا الحيوان وضربه مثلا للحرص على جمع المال:

يعني البخيل بجمع المال مدتهوللحوادث والأيام ما يدع
كدودة القز ما تبنيه يهلكهاوغير بالذي يبنيه ينتفع

وهو كثير العوارض لرقة بشرته بينما صحيحا بادي الصلاح مسرورا به إذ دخل عليه عارض، لا يدري فيصغر ويذبل ويموت، وكثيرا ما يلحقه ذلك عندما يريد أن ينسج، وبعد ما تعب على معاناته، ويقال أن السبب إطعامه ورق التوت الحامض، وفيه من أسرار الطبيعة في حال تربيته أنه يهلك من صوت الرعد، وضرب الطشت والهاون، ومن شم الخل، والدخان، ومس الحائض والجنب ويخشى عليه من الفأر والعصفور والنحل والوزع، والحر الكثير يهلكه، وكذلك البرد الشديد، ومن عجيب شأنه أنه لما كان ورق التوت فوقه كان أول ما يورق من الأشجار، ويوافق ذلك خروج الدود من بيضه فهو يبتدئ مع ورق التوت وينهي عندما ينتهي في الرطوبة، وبينهما مناسبة عجيبة إذ يصير من هذا الورق المحتقر حرير جليل ذو جوهر شريف.

النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الباب الثامن في طبائع الطير الليلي والهمج

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.