تجاوز إلى المحتوى

من «نصرة الثائر على المثل السائر» لصلاح الدين الصفدي (ت ٧٦٤هـ)

عفوك اللهم

الحمد لله الذي فطر عقول البشر متغايرة، وجعل النفوس برأيها عل نقطة الرضى دائرة، وزين لها أعمالها حتى توهمت أنها في الأمثال السائرة.

أحمده على نعمه التي أوضحت ما أبهم وألبس، وأبدت نار الهدى التي لم تكن بسوى أنامل الذوق تقبس، وراضت جواد الانتقاد الذي إذا أم غاية لم يثن عنانه ولم يحبس. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة يسجع بها حمام اللسان من اليقين على أراكه، وتنجي قائلها من الوقوع في حبائل الشرك وأشراكه، وتكون له ذخيرة إذا عدم سكونه بعد حراكه. وأشهد أن محمدا سيدنا وعبده الذي عصمه الله من الخطأ في القول والعمل، وحرس به سرح الفصاحة ولولاه لاختلط المرعى بالهمل، وآتاه من جوامع الكلم ما لم تطمح إليه عين أمنية ولم تطمع فيه يد أمل، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه الذين هابتهم الأساود وخافتهم الأسود، وتجانست أفعالهم فما منهم إلا من يجول ويجود، ويسوس ويسود، وتبرأت شيمهم من النقائص فلم يكن فيهم مختال ولا متكبر ولا حسود، صلاة تتبسم عن ثغرها شفة الفجر في لعس الظلام، ويتلثم بنورها وجه البدر في عرس التمام.

وبعد: فإن كتاب المثل السائر للصاحب ضياء الدين بن أثير الجزيرة، عامله الله بلطفه، وسامحه بما هزت به نسمات الخيلاء من غصن عطفه، من الكتب التي خفقت له في الاشتهار عذبات أوراقه، وسعى القلم في خدمته على رأسه إذا سعى الخادم على ساقه. واشتهر بين أهل الإنشاء اشتهار الليل بالكتمان والنهار بالإفشاء، لا بل اشتهار بني عذرة في الحب بتحرق الأحشاء، وأولع به أهل الأدب في الآفاق ولع الكريم بالإنفاق، لا بل ولع الرقباء بالعشاق.

إلا أن واضعه ﵀، وان جمع فيه العلم والعمل، وسجع فيه بين الثقيل والرمل، وتوهم أن بدر فضله قد تم وكمل، وتخيل أن جيد الإنشاء بعده قد عطل، وفنه قد خمل، قد أذهب حسناته النادرة، بتوالي سيئاته البادرة، وأضاع تلك الزهرات الفذة، في قفار الدعاوى التي لا يجد فيها السالك لذة، وطال على الناس بعد هلاله سواد ليله، ورفضوا مواقع طله لغثاء سيله. ونعم فإنه:

ما الجزع أهلٌ أن تردّد نظرةٌفيه وتثنى نحوه الأعناق

لأنه أفنى ذلك البسط في الإعجاب بنفسه والإطراء، وأطال في الغض من أبناء جنسه والازدراء، وظن أن الله قد حرم الفصاحة على من يأتي من بعده، وأن الذين من قبله إما شيخ قد خرف في هرمه، وإما طفل يعبث في مهده. وجر رداء الكبر والخيلاء مخيطا بإبر الحمد، وبالغ في ذلك مبالغة أبي زبيد الطائي في وصف الأسد. ووصف نفسه ولا وصف امرىء القيس لأفراسه، ومدحها ولا مدح أبي نواس سلافة كاسه، وكرر ذلك فغثى النفوس بذلك الغث، وزاد حتى رثى القلق ثوب الصبر لمارث.

قال رسول الله ﷺ: احذروا ثلاثا: الحرص فإنه أخرج آدم من الجنة، والكبر فإنه حط إبليس عن مرتبته، والحسد فإنه دعا ابن آدم إلى قتل أخيه.

وقال ﷺ: إن الحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب ويقال: إنه أول ذنب عصي الله به في السماء والأرض. وقال النبي ﷺ حاكيا عن الله ﷿: الكبرياء ردائي فمن نازعنيه أدختله النار. وقال جعفر بن محمد: علم الله أن الذنب للمؤمن خير من العجب، ولولا ذلك ما ابتلي مؤمن بذنب.

وقال بعض الحكماء: البلية التي لا يؤجر المرء عليها العجب، والنعمة التي لا يحسد عليها التواضع.

ومما قيل: لا شيء أكتم للمحاسن من التيه والعجب.

هذا إلى ما في الكتاب من فلتات عديدة، واختيارات غير موفقة ولا سديدة، ونصر باطل، وتحلية عاطل، وترجيح ما ضعف ووهى، وتوهين ما تحرر وانتهى.

مساوٍ لو قسمن على الغوانيلما أمهرن إلا بالطّلاق
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «دع ابن الأعمش المسكين يبكي»

وكنت أقف على أطلالها عند المراجعة ناديا، وأعثر في أذيالها حين المطالعة غالبا، وأتأوه لانفراد تلك اللآلىء في سلوك السبج، وأستطيل سواد لياليه والصبح من محاسنه ما أسفر ولا انبلج.

وبلغني ما وضعه عز الدين بن أبي الحديد ﵀ على الكتاب من المؤاخذة، وأنه استصرخت به تلك الظلامات عائذة. فلما وقفت على الفلك الدائر وجدته قد أغفل كثيراً، وأخذ قليلا وترك أثيرا. فأحببت بعد ذلك أن ألتقط ما غادره، وأتتبع شاذه ونادره.

وعليّ أن أقضي صلاتي بعدمافاتت إذا لم أقضها في وقتها
للشاعر أبو العلاء المعري، من قصيدة «يا راعي الود الذي أفعاله»

على أنني بعد ابن أبي الحديد كمن جاء بعد اجتحاف سيل، وأصبح بعد قاطف النهار حاطب ليل. فإن هذا الرجل له تصانيف تدل على تمكنه واطلاعه، وسداد مراميه عند مد باعه، وريه من الفنون وقيامه بها واضطلاعه. منها تعليقان على المحصل والمحصول للإمام فخر الدين وتعليقة ثالثة على الأربعين لفخر الدين، ونظم فصيح ثعلب نظما جيدا في يوم وليلة، وهذا الفلك الدائر علقه في ثلاثة عشر يوما مع أشغال ديوانه.

وكتب إليه أخوه موفق الدين ابن أبي الحديد لما وضع الفلك الدائر:

المثل السائر يا سيديصنفت فيه الفلك الدائرا
للشاعر موفق الدين بن أبي الحديد، اقرأ القصيدة
لكنّ هذا فلكٌ دائرٌأصبحت فيه المثل السائرا
للشاعر موفق الدين بن أبي الحديد، اقرأ القصيدة

ووضع على نهج البلاغة شرحا في ستة عشر مجلدا، وناهيك بمن يتصدى لنهج البلاغة ويشرحه، ويأتي على ما يتعلق به من كل علم: أصولا وفقها وعربية وتاريخا وأسماء رجال وغير ذلك. ومن وقف على هذا الشرح، علم أنه قل من يدخل معه ذلك الصرح، أو يسام معه في مثل هذا السرح، وحسبك بمن وأخذ الإمام فخر الدين وأورد عليه. ووجدت له أبياتا أولها:

وحقك لو أدخلتني النار قلت لللذين بها قد كنت ممن يحبه
للشاعر ابن أبي الحديد، اقرأ القصيدة
وأفنيت عمري في دقيق علومهوما بغيتي إلاّ رضاه وقربه
هبوني مسيئا أوتغ الحلم جهلهوأوبقه دون البرية ذنبه
للشاعر ابن أبي الحديد، اقرأ القصيدة
أما يقتضي شرع التكرم عفوهأيحسن أن ينسى هواه وحبه
للشاعر ابن أبي الحديد، اقرأ القصيدة
أما ردّ زيغ ابن الخطيب وشكهوتمويهه في الدّين إذ جلّ خطبه
للشاعر ابن أبي الحديد، اقرأ القصيدة
أما كان ينوي الحق فيما يقولهألم تنصر التوحيد والعدل كتبه
للشاعر ابن أبي الحديد، اقرأ القصيدة

فقلت أنا رادا عليه في وزنه ورويه:

علمنا بهذا القول أنك آخذبقول اعتزالٍ جل في الدين خطبه
فتزعم أن الله في الحشر ما يرىوذاك اعتقاد سوف يرديك غبّه
وتنفي صفات الله وهي قديمةٌوقد أثبتتها عن إلهك كتبه
وتعتقد القرآن خلقا ومحدثاوذلك داء عزّ في الناس طبه
وتثبت للعبد الضعيف مشيئةًيكون بها ما لم يقدره ربه
وأشياء من هذي الفضائح جمةًفأيكما داعي الضلال وحزبه؟
ومن ذا الذي أضحى قريبا من الهدىوحامى عن الدين الحنيفي ذبّه
وما ضر فخر الدين قولٌ نظمتهوفيه شناع مفرط إذ تسبه
وقد كان ذا نورٍ يقود إلى الهدىإذا طلعت في حندس الشك شهبه
ولو كنت تعطي حق نفسك قدرهلأخمدت جمرا بالمحال تشبّه
وما أنت من أقرانه يوم معركولا لك يوما بالامام تشبّه

ونقلت من خط الحافظ اليغموري قال: أنشدني الإمام ركن الدين أبو القاسم لنفسه في عز الدين بن أبي الحديد وقد صنف الفلك الدائر على المثل السائر:

لقد أتى باردا ثقيلاولم يرث ذاك من بعيد
فهو كما قد علمت شيءأشهر ما كان في الحديد

وصنف كتابا يرد فيه على ابن أبي الحديد وسماه: نشر المثل السائر وطي الفلك الدائر قلت: هذا ركن الدين أبو القاسم، هو محمود بن الحسين ابن الإمام أرشد الدين الأصبهاني الأصل السنجاري المولد. كان حنفيا يعرف المذهب والأصولين والخلاف والأدب، قرأ على السيف الآمدي وعلى ضياء الدين ابن الأثير، وبطل خرقة الفقهاء وتزيي بزي الأجناد، وتوفي بدمشق في سادس شهر رمضان سنة خمسين وستمائة، ودفن بسفح قاسيون. ومولده في سنة اثنتين وتسعين وخمسمائة. وقال في انتقاله إلى الجندية أبياتا منها:

فانظر أخا العقل إلى حرفةٍمنها هربنا للوغى الجحفل
لو لم تكن أنحس ما في الورىلم ترض عنها بالردى الاعجل

وكنت أنا في وقت قد كتبت على المحصل للإمام فخر الدين الرازي أبياتا يحسن هنا ذكرها وهي:

علم الأصول بفخر الدين منتصرٌبه نصول بإعجاب وإعجاز
أضحت به السنة الغراء واضحةًقد استقامت لمختار ومجتاز
له مباحث كم قد أحرقت شبهابشهبها فمن الزاري على الرازي!

وأنشدني من لفظه شيخنا الإمام الحافظ أثير الدين أبو حيان محمد بن يوسف بالديار المصرية سنة ثمان وعشرين وسبعمائة قال: أنشدنا شيخنا النسابة حافظ المشرق والمغرب شرف الدين أبو محمد عبد المؤمن بن خلف بن أبي الحسن الدمياطي يوم الاربعاء الخامس عشر من جمادى الآخرة سنة ثمانين وستمائة بالقاهرة بقراءتي عليه قال: أنشدنا الشيخ العالم الصاحب عز الدين أبو حامد عبد الحميد بن هبة الله بن محمد بن محمد بن حسين بن أبي الحديد المعتزلي ببغداد، ومولده بالمدائن مستهل ذي الحجة سنة ست وثمانين وخمسمائة لنفسه:

لولا ثلاثٌ لم أخف صرعتيليست كما قال فتى العبد
للشاعر محمد الشوكاني، من قصيدة «إذا كنت في دنياك والدين تابعا»
أن أنصر التوحيد والعدل فيكل مكان باذلا جهدي
للشاعر محمد الشوكاني، من قصيدة «إذا كنت في دنياك والدين تابعا»
وأن أناجي الله مستمتعابخلوةٍ أحلى من الشّهد
للشاعر محمد الشوكاني، من قصيدة «إذا كنت في دنياك والدين تابعا»
وأن أتيه الدهر كبرا علىكل لئيمٍ أصعر الخد
للشاعر محمد الشوكاني، من قصيدة «إذا كنت في دنياك والدين تابعا»
لذاك أهوى لا فتاةٍ ولاخمرٍ ولا ذي ميعة نهد

قول ابن أبي الحديد هنا: لولا ثلاث.. البيت، إشارة إلى قول طرفة بن العبد:

فلولا ثلاثٌ هنّ من لذّة الفتىوجدك لم أحفل متى قام عوّدي
فمنهن سبقي العاذلات بشربةكميت متى ما تعل بالماء تزيد
للشاعر طرفة بن العبد، من قصيدة «لخولة أطلال ببرقة ثهمد»
وكري، إذا نادى المضاف، مجنباكسيد الغضا، نبهته، المتورد
وتقصير يوم الدجن والدجن معجبببهكنة تحت الخباء المعمّد
للشاعر طرفة بن العبد، من قصيدة «لِخَولة َ أطْلالٌ بِبُرقَة ِ ثَهمَدِ، ( معلقة )»

ومن شعر ابن أبي الحديد قصيدة بائية من جملة مدائحه في علي بن أبي طالب ﵁:

ألا إن نهج المجد أبيض محلوبعلى أنه جم المسالك مرهوب
هو العسل الماذيّ يشتاره امرؤبغاه وأطراف الرماح اليعاسيب
للشاعر ابن أبي الحديد، اقرأ القصيدة
ذق الموت إن شئت العلا واطعم الردىفنيل الأماني بالمنيّة مكسوب
خض الحتف تأمن خطة الخسف إنمايبوح ضرام الخطب والخطب مشبوب
للشاعر ابن أبي الحديد، اقرأ القصيدة
ألم تخبر الأخبار عن فتح خيبرففيها لذي اللب الملب أعاجيب
وفوز عليٍ بالعلا فوزها بهفكلٌ إلى كلٍ مضافٌ ومنسوب
حصونٌ حصان الفرج حيث تبرجتوما كل ممتط الجزارة مركوب
للشاعر ابن أبي الحديد، اقرأ القصيدة
تناط عليها للنجوم قلائدوتسفل عنها للغمام أهاضيب

منها:

وأرعن موار العنان يمورهافلم يغن عنها جرّ مجرٍ وتلبيب
فللخطب عنها والصروف صوارفٌكما كان عنها للنوائب تنكيب
للشاعر ابن أبي الحديد، اقرأ القصيدة

منها

نهار سيوفٍ في دجى ليل عثيرٍفأبيض وضاحٌ وأسود غربيب
للشاعر ابن أبي الحديد، اقرأ القصيدة
ينوح عليها نوح قارون يوشعٌويذري عليها دمع يوسف يعقوب
بها من زماجير الرجال صواعقومن صوب آذيّ الدماء شآبيب
للشاعر ابن أبي الحديد، اقرأ القصيدة

منها

يمج منونا سيفه وسنانهويلهب نارا غمده والأنابيب
للشاعر ابن أبي الحديد، اقرأ القصيدة

ومن مدائحه في علي بن أبي طالب ﵁، قصيدة أولها:

عن ريقها يتحدّث المسواكأرجا فهل شجر الأراك أراك
ولطرفها خنث الجبان فإن رنتباللحظ فهي الضيغم الفتاك
للشاعر ابن أبي الحديد، اقرأ القصيدة
شرك القلوب ولم أخل من قبلهاأن القلوب تصيدها الأشراك
للشاعر ابن أبي الحديد، اقرأ القصيدة

منها

يا وجهها المصقول ماء شبابهما الحتف لولا طرفك الفتاك
أم هل أتاك حديث وقفتها ضحىوقلوبنا بشبا الفراق تشاك
لا شيء أقطع من نوى الأحباب أوسيف الوصيّ كلاهما سفاك
للشاعر ابن أبي الحديد، اقرأ القصيدة

وهاتان القصيدتان طويلتان، اختصرت منهما ما اختصرت، واقتصرت على ما اقتصرت، طلبا للدلالة على فضله، ومضاء سنانه ونصله. ولكن أدته مواده الغزيرة إلى أن اعتزل وتشيع، وأهمل جانب السنة وضيع. وله نثر أجاد فيه بعض جوده، ولم يكن كنظمه الذي رفع هضبه ووطد طوده. وقد ساق شيئاً منه في الفلك الدائر، ونثر ابن الأثير أقعد منه عند أولى البصائر، ولو حذفه كان خيرا من إثباته، وأمنع له من عجم سهمه وغمز قناته.

فأي قوادم ينهض بها من جاء بعد هذا المتكلم، وأي سيف يفري فريه وهو متثلم، والمعتزلة فرسان المباحث، وممن توفرت لهم الهمم على الجدل وطاوعتها الدواعي والبواعث. ولكن:

قد يدرك المجد الفتى ولباسهخلق وجيب قميصه مرقوع

وقد ترك الأول للآخر أكثر مما جاء به، وتفاوتت الأذهان في انتقاد مها الحسن وكواعبه، وأعقب العقل سحابه لما انجلت بصوب سحائبه.

وما عقمت أم الندى بعد حاتمٍلها كلّ يوم في البرية مولود

وقد جمعت ما عثرت عليه من هفوات ابن الأثير في هذه الأوراق، وضربت عليها هذا الفسطاط ومددت هذه الأرواق، وسردتها على الترتيب، وسقتها على ذلك التبويب. وسميت ذلك نصرة الثائر على المثل السائر واخترت هذه التسمية له شارة وإشارة، لأن الثائر لغة هو الذي لا يبقي على شيء حتى يدرك ثاره. وإذا ناقشته في بحث أورده، ونافسته في صالح أفسده، لا أكاد أخلي ذلك الموطن من محاسن أرباب هذا الفن الذين عابهم، وتردد إلى مواقف ذمهم وانتابهم. خصوصا القاضي الفاضل رحمه الله تعالى. فإنه قد عارضه في بعض ما أنشاه، وعاب عليه ما دبجه ووشاه.

وقال السها للشمس أنت خفيةٌوقال الدّجى يا صبح لونك حائل

والسيف مشهور بغير حمائل، والصبح مشهود بغير دلائل. وأين مقاصد الفاضل وبعد مرماه، واختلاسه المعاني بلطف مغزاه وخفي مسراه. هيهات، فإن بينهما من الفرق، ما بين ذل القدم وعز الفرق. ولطف ذلك لا يخفى على ذوق الكاتب الماهر، وحسن معانيه في الباطن أضعاف كلامه في الظاهر.

ولله در ابن سناء الملك إذ يقول على أن غالب ديوانه فيه:

شهد الكاملون بالفضل للفاضل أو كاد يشهد المولود
للشاعر ابن سناء الملك، من قصيدة «عادني من هوى الأحبة عيد»
وعد الدهر أن يجود على الخلق ولكن بمثله لا يجود
للشاعر ابن سناء الملك، من قصيدة «عادني من هوى الأحبة عيد»

وابن قلاقس إذ يقول أيضاً فيه من جملة أبيات:

وأسكرنا بيانا دام حتىعجبنا كيف حذّرنا المداما
للشاعر ابن قلاقس، من قصيدة «طرحنا فوق غاربها الزمانا»
معان يقعد الفصحاء عنهاوتسمعها خواطرهم قياما
يتيماتٌ تصدّق في علاهمقالة من دعاه أبا اليتامى
للشاعر ابن قلاقس، من قصيدة «طرحنا فوق غاربها الزمانا»

وأما ابن الساعاتي فأكثر فيه المدح. من ذلك:

ما من يقيس إليه خلقا مثلهإلا كمن قاس الوهاد إلى الذّرى
للشاعر ابن الساعاتي، من قصيدة «ما من يقيس اليه خلقا مثله»
فإذا تقدم في العلاء مفاخراعرف السماك محله فتأخرا
للشاعر ابن الساعاتي، من قصيدة «يا من تلون عهده وتغيرا»

وقد تصدى الناس لابن الأثير كونه ناقض الفاضل، ورمي من ألسنتهم وأقلامهم بمشق سيوف المناظر، ورشق سهام المناضل.

فلا تجزعن من سنّة أنت سرتهافأول راضي سنّةٍ من يسيرها
للشاعر أبو ذؤيب الهذلي، من قصيدة «وما حمل البختي عام غياره»

وليس هذا موطن الثناء على القاضي الفاضل، وسوف تقف عليه، وتدلك نفحات طيبه إذا انتهيت إليه.

ومن هنا أجرد عن ساعد المؤاخذة، وأبرى السهام التي أظنها في الغرض نافذة. وعلى الله قصد السبيل، هو حسبي ونعم الوكيل.

النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «نصرة الثائر على المثل السائر»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.