من «شرح نقائض جرير والفرزدق» لأبي عبيدة (ت ٢٠٩هـ)
يومُ فَيفِ الرِّيحِ
وكان لبني نمير فيه بلاء حسن. قال وكان من قصته، أن بني عامر كانت تطلب بأوتار كثيرة بني
الحارث بن كعب. قال فجمع لهم الحصين بن يزيد بن شداد بن قنان الحارثي ذو الغصة، وكان يغزو
بمن تبعه من قبائل مذحج. قال فأقبل في بني الحارث، وجعفى، وزبيد، وقبائل سعد العشيرة، ومراد
وصداء، ونهد، فاستعانوا بخثعم، فخرج شهران وناهش، وأكلب عليهم أنس بن مدرك الخثعمي، ثم
أقبلوا يريدون بني عامر وهم منتجعون مكانا يقال له فيف الريح، ومع مذحج النساء والذراري حتى
لا يفروا، إما ظفروا وإما ماتوا
جميعا، فاجتمعت بنو عامر كلها إلى عامر بن الطفيل. فقال لهم عامرابن الطفيل حين بلغه مجيء القوم،
أغيروا بنا عليهم فإني أرجو أن نأخذ غنائمهم ونسبي نساءهم،
ولا تدعوهم يدخلون عليكم داركم. قال فتابعوه على ذلك. وقد جعلت مذحج ولفها رقباء - قال ولف
القوم، من كان فيهم من غيرهم الحلفاء وغيرهم - قال فلما دنت بنو عامر من القوم صاح رقباؤهم
أتاكم الجيش، قال فلم يكن بأسرع من أن جاءتهم مسالحهم تركض إليهم، فخرجوا إليهم. فقال أنس بن
مدرك لقومه انصرفوا بنا ودعوا هؤلاء، فانهم إنما يطلب بعضهم بعضا. ولا أظن عامرا تريدنا. فقال
لهم الحصين افعلوا ما شئتم، فانا والله ما نراد دونكم، وما نحن بشر بلاء عند القوم منكم. فانصرفوا
إن شئتم فإنا نرجو أن لا نعجز عن بني عامر، فرب يوم لنا ولهم قد غابت سعوده وظهرت نحوسه.
فقالت خثعم لأنس إنا كنا وبنو الحارث على مياه واحدة، في مراع واحدة، وهم لنا سلم وهذا عدو لنا
ولهم، فنريد أن نتصرف عنهم، فوالله لئن سلموا وغنموا لنندمن أن لا نكون معهم، ولئن ظفر بهم
لتقولن العرب خذلتم جيرانكم. فأجمعوا على أن يقاتلوا معهم. قال وجعل حصين يومئذ لخثعم ثلث
المرباع ومناهم الزيادة. وقد كان عامر بن الطفيل بعث إلى بني هلال بن عامر، فاشترى منهم
أربعين رمحا بأربعين بكرة، فقسمها في أفناء بني عامر. قال فالتقى القوم فاقتتلوا قتالا شديداً ثلاثة
أيام، يغادونهم القتال بفيف الريح. فالتقى الصميل بن الأعور بن عمرو بن معاوية بن كلاب، وعمرو
بن صبح بن عبد الله بن العمير بن سلامة بن دوي بن مالك بن نهد. قال فطعنه عمرو بن صبح. قال
فذهب الصميل بطعنته معانقا فرسه حتى ألقاه فرسه إلى جانب الوادي، فاعتنق صخرة وهو
يجود بنفسه. قال فمر به رجل من خثعم فأخذ درعه وفرسه وأجهز عليه. وشهدت بنو نمير يومئذ مع عامر
فسموا حريجة الطعان - أي اجتمعوا بقنيهم فصاروا بمنزلة الحرجة. قال وذلك أن بني عامر جالوا
جولة إلى موضع يقال له العرقوب. قال فالتفت عامر فسأل عن بني نمير فوجدهم قد تخلفوا في قتال
القوم. قال فرجع عامر يصيح يا صباحاه يا نميراه ولا نمير لي بعد اليوم، حتى أقحم فرسه وسط
القوم. قال فذكروا أن عامرا يومئذ طعن بين ثغرة نحره إلى سرته عشرين طعنه. وبرز يومئذ حسيل
بن عمرو بن معاوية، وهو الضباب ابن كلاب. فبرز له صخر بن أعيا بن عبد يغوث بن زمان بن
سعد بن حرام بن رفاعة بن مالك بن نهد. فقال له عامر بن الطفيل، ويلك يا حسيل لا تبرز له. فإن
صخرا صخرة. وإن أعيى يعيي عليك كأنه تطير من اسمه قال فغلبه حسيل فبارزه فقتله صخر.
وقتل كعب الفوارس بن معاوية بن عبادة بن البكاء. قتله خليف بن عبد العزى بن عائد الهندي. قال
فمر بعد ذلك خليف بن عبد العزى بن عائذ على بني جعدة فعرفوا بزة كعب وفرسه، قال فشد عليه
مالك بن عبد الله بن جعدة فقتله. وأخذ الفرس والبزة فردهما على بني البكاء. قال وقتلت بنو عامر
يومئذ من بني نهد، عتبة بن سلمى من عبد نهم بن مرة بن الحارث. وكان مسهر بن يزيد بن عبد
يغوث بن صلاءة الحارثي، فارسا شريفا. قال وكان قد جنى جناية في قومه، قال فلحق ببني عامر
فحالفهم فشهد معهم فيف الريح. قال وكان عامر يتعهد الناس فيقول، يا فلان ما رأيتك فعلت شيئا.
فيقول الرجل الذي قد أبلى انظر إلى سيفي وما فيه وإلى رمحي وسناني. قال: إن مسهراً أقبل في
تلك الهيئة فقال يا أبا علي انظر ما صنعت بالقوم انظر إلى رمحي. حتى إذا أقبل عليه عامر، وجاءه
بالرمح في وجنته ففلق وجنته، وانشقت عين
عامر ففقأها. وخلى مسهر الرمح في عينه وضرب فرسه فلحق بقومه،
وإنما دعاه إلى ما صنع بعامر، لأنه رآه يصنع بقومه الأفاعيل. فقال هذا مبير
قومي. قال وأسرت بنو عامر سيد مراد جريحا. قال فلما تماثل من جراحته أطلقوه. قال أبو عبيدة
وكان ممن أبلى يومئذ من بني جعفر، عامر بن الطفيل، وأربد بت قيس بن جزء بن خالد بن جعفر،
وعبد عمرو بن شريح بن الأحوص. فقال في ذلك أبو دؤاد الرؤاسي:
ونحن أهل بضيع يوم واجهناجيش الحصين طلاع الخائف الكزم
بضيع جبل معروف. والكزم يعني الضيق.
ساقوا شعوبا وعنسا في ديارهمورجل خثعم من سهل ومن علم
ولت رجال بني شهران تتبعهاخضراء يرمونها بالنبل عن شهم
والزاعبية تكفيهم وقد جعلتفيهم نوافذ لا يرقعن بالدسم
ظلت يحابر تدعى وسط أرحلناوالمستميتون من حاءو من حكم
حتى تولوا وقد كانت غنيمتهمطعنا وضربا عريضا غير مقتسم
وقال عامر بن الطفيل:
أتونا بشهران العريضة كلهاوأكلبُها ميلادِ بكر بن وائل
فبتنا ومن ينزل به مثل ضيفنايبت عن قرى أضيافه غير غافل
أعاذل لو كان البداد لقوتلواولكن أتانا كل جن وخابل
وخثعم حي يعدلون بمذحجوهل نحن إلا مثل إحدى القبائل
قال وأسرع القتل في الفريقين جميعا فاقترفوا، ولم يستقل بعضهم من بعض غنيمة. قال وكان
الصبر والشرف فيها لبني عامر.
رجع إلى شعر الفرزدق:
وإِنكَ قِدْ تركتَ بَني كُليبٍلكُلِّ مُناضِلٍ غرضاً مُصابا
كُليبٌ دِمنةٌ خبُثتْ وقلَّتْأبَى الآبِي لَها إلاَّ سِبابا
وتحسبُ مِنْ ملائِمها كُليبٌعَليْها النَّاسَ كُلَّهمُ غِضابا
فأَغْلَقَ مِنْ وَراء بَنِي كُليبٍعطيَّةُ مِنْ مخازِي اللُّؤُمِ بابا
بثَدْي اللُّؤم أُرْضِعَ للمخازِيوأورثَكَ الملائِمَ حِينَ شابا
ويروى بهم اللؤم أرضع للمخازي.
وهَلْ شَيءٌ يكونُ أذلُّ بيتاًمِنَ اليربُوع يحتفرُ التُّرابا
لقَدْ تَرَكَ الهذيلُ لكُمْ قدِيماًمخازيَ لا يبتَنِ عَلَى إرابا
ويروى لا يبدن. ويروى لن يبدن. قوله لقد أرك الهذيل لكم قديما.
قال يعني يوم إراب، وهو يوم أغار الهذيل بن هبيرة التغلبي على بني رياح بن يربوع.
قال سعدان وكان من حديث إراب، حدثنا سعدان قال حدثنا أبو عبيدة قال: غزا الهذيل بن هبيرة
الأكبر التغلبي أبو حسان، فأغار على بني يربوع بأراب، فقتل منهم قتلا ذريعا وأصاب نعما كثيرا
وسبي سبيا كثيرا، فيهم زينب بنت حميري بن الحارث بن همام بن رياح بن
يربوع. قال وهي يومئذ عقيلة نساء بني يربوع. قال أبو عبيدة فحدثني أبو خيرة أفار بن لقيط العدوي، قال وكان الهذيل
يسمى مجدعا، وكان بنو تميم يفزعون به أولادهم وولدانهم. قال وأسر قعنبا وسبى بنت جزء بن سعد
الرياحي، ففداها أبوها جزء وتمنع بمفاداة زينت. فركب عتيبة بن الحارث بن شهاب فيها وفي
أسراهم حتى فكهم، ثم بلغه أنهم يمرون نعمته - أي يجحدونها - قال أبو عبيدة فأنشدني ابن سليط
لعتيبة في ذلك:
أبلغ أبا قران حيث لقيتهوبلغ خداما إن نأى وتجنبا
فلا تكفراني لا أبا لأبيكمافإن لكم عندي من الكفر مذهبا
لعمري لقد نالت رياحا سماحتيوأدركت إذ راث الترحل زينبا
جلبنا الجياد من وبال فأدركتأخاكم بنا في القد والمرء قعنبا
قال أبو قران، نعيم بن قعنب. وهو زوج زينب بنت حميري. ولدت له قران بن نعيم، وخداماً أخا
نعيم بن قعنب بن أرنب. وهي بنت حرملة بن هرمي وهي أم قعنب.
فما ردنا حتى حللنا وثاقهحديدا وقدا فوق ساقيه مجلبا
فقلنا له افسح بعض خطوك طالماجلست وقد رمت الخطا يا ابن أرنبا
وما كانت العسراء ترجو إيابهولا أمه من طول ما قد تعتبا
قوله تعتبا، يعني كما يعتب البعير، وذلك إذا مشى على ثلاث. قال والعسراء امرأة قعنب، وهي بنت
جزء بن سعد الرياحي. قال ثم قال أيضا مرة أخرى: تعتب البعير وذلك إذا عرج يعرج في مشيه
عروجا وعرجا وعرجانا.
ويقال قد عرج البعير فهو يعرج، وذلك إذا صار أعرج. قال وأما اليربوعي فقال: أغار الهذيل بن
هبيرة على بني يربوع، ثم بني رياح وهم خلوف. وذلك أنهم كانوا غزوا ورئيسهم جزء بن سعد
الرياحي على بكر بن وائل، فملئوا أيديهم من الأموال والسبي ثم انصرفوا، فانتهوا إلى بعض مياه
بني تميم. قال فأتاهم الهذيل فمنعوه الماء. فقال يا بني يربوع، والله لا تمنعوني قعبا من الماء إلا
بعثت إليكم برأس رجل منكم، قال فما زال بهم الأمر حتى صالحهم الهذيل على أن يطلقوا أسارى
بكر بن وائل، ويردوا سبيهم. وعلى أن يرد الهذيل سبي بني رياح، ويطلق أسراهم، فأطلق جزء بن
سعد أسارى بكر بن وائل، وأطلق سبيهم. قال وفعل الهذيل مثل ذلك ببني رياح. وكان عتيبة بن
الحارث أشار على جزء بقتال بني تغلب. فقال لا أقاتل قوما معهم بنتي زينب في السبي. قال فلما
سار الهذيل طلبه غتيبة بن الحارث بن شهاب في بني يربوع، فقاتله فهزم جيشه، وأسر التغلبي الذي
كان أصاب ابنة جزء. فقال والله لتأتيني بزينب أو لينكحنك حباشة - يعني غلاما كان لعتيبة أسود -
فبعث التغلبي إلى الهذيل، فردها واستنقذ عتيبة قعنب بن عتاب الرياحي من بني تغلب. قال وكان قد
أسروه. فقال عتيبة يفخر على نعيم بن قعنب - وهو أبو قران - وخدام:
أبلغ أبا قران إما لقيتهوبلغ خداما ان دنا أو تجنبا
لعمري لقد نالت رياحا سماحتيوأدركت اذ راث الترحل زينبا
رجع إلى شعر الفرزدق:
سَما بِرجَالِ تغلِبَ مِنْ بَعيدٍيقُودُونَ المسوَّمةَ العِرَابا
المسومة المعلمة. سما علا من مكان بعيد.
نزائِعَ بينَ حُلاَّبٍ وقيدٍتُجاذِبهُمْ أعَّنتَها جذابا
قوله تجاذبهم، أي تجاذبهم خيلهم الأعنة من المرح والنشاط. قال أبو عبيدة النزيع من الخيل والناس
الذي أمه غريبة. قال وإذا كانت الأم غريبة لم تضو ولدها وأجادت به، يعني جاء ولدها جيادا في
حسن خلقهم وتمام أجسامهم.
قال وحلاب وقيد فحلان لبني تغلب من المجيدة التي ذكروا نجلها. وقال الأخطل لبكر بن وائل في
تصداق ذلك وتبيانه:
نكر بنات حلاب عليهمونزجرهن بين هل وهاب
وقال أبو عبيدة يقال أن نسل خيل بني تغلب من حلاب وقيد. ويقال إن خيلهم من أجاود خيل العرب
معروف لهم ذلك.
وكَانَ إذا أَناخَ بدار قَومٍأبو حسَّانَ أورثَها خَرابا
فَلمْ يبرحْ بِها حتَّى احتواهُمْوحلَّ لهُ الشَّرابُ بِها وطَابا
ويروى فلما جزن عانة مردفات. وروى أبو عمرو، فلما جئن عانة مردفات وحل. عانة قرية على
شاطئ الفرات. قال وإنما قال وحل له الشراب بها وطابا. لأنه كان حلف أن لا يأكل ولا يشرب حتى
يدرك بطائلته وينال ترته. فبر قسمه بما أدرك منهم.
عَواني في بَني جُشَمَ بِن بَكرٍفَقَسَّمَهُنَّ إذ بلغَ الأيابا
قوله عواني يريد النساء اللاتي سبين. قال والعاني من الرجال الأسير المكبل بالحديد.
وقالَ لكلِّ عُضرُوطٍ تَبَوّأ رَديفَةَرَحلِكَ الوَقبَ الرِّحابا
قال العضروط من الرحال التابع. والعضاريط من الرجال التُبّاع. قوله تبوأ أي اتخذها أهلا لك أي
امرأة تأوي اليها. قال والوقبى من النساء الواسعة الفرج يعيرهم بذلك.
نِساءكُنّ يومَ إرابَ خَلَّتْبُعولَتَهُنَّ تَبُتِدِرُ الشِّعابا
ويروى أعراء سغابا. قال والشعب فرجة من الجبل يتسع أولها ويضيق آخرها. يعني يتخذونها
ملاجئ يلجأون اليها.
خُواقُ حِياضِهِنّ يسيلُ سَيلاًعلى الأعقابِ تحسِبُهُ خِضابا
خواق ما يخق يصوت. والحياض دم الحيض.
مَدَدنَ إليهم بِثُديِّ آمٍوأيدٍ قد وَرِثنَ بِها حِلابا
آم جمع آمة. ويروى اجتلابا.
يُناطِحنَ الأواخِرَ مُردفاتٍوتسمعُ مِن أسافِلها ضغابا
قال الأواخر يريد أواخر الرحال. وآخرة الرحل التي يستند إليها الراكب. وقوله ضغابا الضغاب
والضغيب صوت الأرنب. قال والمعنى في ذلك: يريد هؤلاء النسوة السبايا اللاتي سبين هذه حالهن.
لَبئسَ اللاحِقونَ غَداةَ تُدعىنساءُ الحَيِّ تَرتدِفُ الرِّكابا
وأنتم تنظرونَ إلى المُطاياتَشِلُّ بِهنْ أعراءً سِغابا
الشل: الطرد. يشل شلا. سغاب جياع.
فلو كانت رِماحُكُم طُوالالِغرتُم حِينَ ألقينَ الثِّيابا
يئِسنَ مِنَ اللَّحاقِ بِهِنَّ منْكُمْوقَدْ قَطعُوا بِهن لوىً حِدابا
وروى أبو عبيدة وقد قطعوا بهن معا جذابا. أي مجاذبة.
فَكمْ مِنْ خائفٍ لِي لَمْ أضرهُوآخرَ قَدْ قَذفتُ لهُ شِهابا
ويروى وآخر قد قذفت له ذنابا. ويروى نفحت. قال والذناب أنصبة كل ذنوب نصيب. وهو من
قول الله ﷿ ﴿فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذَنُوباً مِّثْلَ ذَنُوبِ أَصْحَابِهِمْ﴾ أي نصيبا.
وغُرَّ قَدْ نسقْتُ مُشهراتٍطوالِعَ لا تُطيقُ لَها جَوابا
قوله وغر، يريد ورب غر. قد نسقت قد هيأت من القصائد مشهورات بكل بلد. يتلو بعضها بعضا.
ويروى وغر قد وسقت مشهرات. وإنما قال وغر يريد به كالفرس الأغر الذي يعرف من بين الخيل
بغرته. قال ويروى وغراً فنصب. يريد نسقت غرا فنصب بالفعل الواقع وهو نسقت، فكأنه أراد غرا
نسقت. وطوالع قال يردن كل بلد فتطلع هذه القصائد على أهله.
بلغنَ الشَّمسَ حيْث تكُونُ شرْقاًومسقطَ قرنِها مِنْ حيثُ غَابا
بكُلِّ ثنيَّةٍ وبكُلِّ ثغرٍغواربُهنَ تنسبُ انتسابا
قوله تنتسب انتسابا يقول هن معرفة مشهورة.
وَخالي بالنَّقا تركَ ابنَ ليلَىأبا الصَّهباءِ مُحتضِراً لِهابا
قال وخاله عاصم بن خليفة الضبي، من بني ثعلب بن سعد بن
ضبة، قتل بسطام بن قيس بن مسعود يوم النقا.
وهو أبو الصهباء وأمه ليلى بنت الأحوص الكلبي، واللهب جماعة اللهاب. وهو شق في الجبل.
كفاهُ التَّبلَ تبلَ بَني تَميمٍوأجزرهُ الثَّعالِبَ والذِّئابا
ويروى كفاه الغزو غزو بني تميم. ويروى كفاه الليل ليل بني تميم. التبل الحقد والعداوة، يقول كفاه
تبل بني تميم عنده، أي عند بسطام وأراحهم منه. قال وكانت نساء بني تميم تشد نطقها بالليل مخافة
غارته. وقوله وأجزره يريد جعله جزرا للسباع تأكله.
وقال جرير للفرزدق وعبيد بن غاضرة بن سمرة بن عمرو بن قرط العنبري:
غَداً باجتماعِ الحيِّ تُقضى لُبانةًوأقسمُ لا تُقضى لُبانتنَا غَدا
قوله لا تقضى لبانتنا غدا يعني مخافة الرقباء كما قال الأعشى:
ودَّع هريرة إن الركب مرتحلبقُوٍّ شَماليلُ النَّوى أَنْ تبدَّدا
قوله شماليل النوى المتفرقة منه مثل شماليل النخلة. قال وهو شماريخ العذق - يقال عِذق وعَذق
وفتح العين أفصح. والعذق النخلة والعذق الكباسة.
وأصبحَت الأجزاعُ ممَّنْ يَحُلُّهاقِفاراً فمَا شاءَ الحمامُ تَغَرَّدا
يقول فما شاء الحمام الذي يقه بها أي بالدار بعد القوم. تغرد: صاح. يقول قد خلت الدار من أهلها كما قيل:
خلا لك الجو فبيضي واصفريونقري ما شئت أن تنقري
هو مثله يقول قد خلت الديار.
أجالتْ عليهنَّ الرَّوامسُ بعدَنادِقاقَ الحصَى مِنْ كُلَّ سَهْلٍ وأجلدا
لقَدْ قادِني مِنْ حُبَّ ماويَّةَ الهوىومَا كَانَ يلقانِي الجنيبةَ أقْودا
ويروى وما كنت تلقاني الجنيبة أقودا، الجنيبة التي تجنب معه. أقود منقاد مطيع.
وأحسْدُ زُوَّارَ الأوانسِ كُلَّهموقدْ كنتُ فيهنَّ الغيُور المُحسدا
أُعِدُّ لبيُّوتِ الأمورِ إذا سرتْجُماليَّةٌ حُرْفاً وميساً مُفردا
بيوت الهموم ما بات منها معه. والميس خشب تعمل منه الرحال. والجمالية ناقة تشبه الجمل في
قوتها.
لهَا مِخزمٌ يُطوى عَلى صُعدائِهاكَطيِّ الدَّهاقِين البِنَاء المشيَّدا
قوله لها محزم يقول لها وسط قوي. وقوله على صعدائها يعني على ما علا من حلقها. قال ويقال
على زفرتها وتنفسها الصعداء. والمشيد المجصص والشيد الجص.
وقدْ أخلفتْ عهدَ السِّقاب بجاذبطوتْهُ حبالُ الرحل حتَّى تجدَدا
قوله وقد أخلفت يقول لم تحمل. قال والسقاب يعني الحيران الذكور، قال والإناث هي الحول وقوله
يجاذب يعني بضرع ليس فيه لبن، يقال من ذلك قد تجدد الضرع وذلك إذا ذهب لبنه وذلك أقوى
للناقة وأشد لها.
وزافتْ كما زافَ القرِيعُ مُخاطِراًولُفَّ القَرَى والحالِبانِ فألبَدا
قوله وزافت، يعني تبخترت الناقة في مشيتها كالمتبختر، ورفعت رأسها. قال والقريع فحل الشول
الذي يضرب في الإبل. وقوله مخاطرا يريد هذا الفحل مساميا لفحل آخر فهو يخطر بذنبه للايعاد
والغضب. وقوله ولف القرى، يعني دق وضمر والقرى الظهر، قال والحالبان عرقان يكتنفان السرة.
وقوله فألبدا، يقول صار على عجزه مثل اللبود من أثر سلحه وبوله، وذلك مما يصيبه إذا أكل الربيع
وخطرانه بذنبه.
وتُصبحُ يومَ الخمسِ وهيَ شملَّةٌمرُوحاً تغَالى الصحصحانَ العمرَّدا
أقولُ لهُ يا عبد قيسٍ صبابةًبأيَّ ترى مُستوقدَ النَّارِ أوقدا
فقالَ أرَى ناراً يُشَبُّ وقُودُهابحيثُ استفاضَ الجزعُ شيحاً وغرقَدا
قوله يشب وقودها، يعني تلهبها وتحرقها. وقوله استفاض يعني اتسع وكثر كما كثر شجر هذا
الجزع. وهو حافة الوادي والنهر، كما تقول شط النهر وجزع النهر سواء بمعنى واحد. قال والغرقد
شجر تدوم خضرته الشتاء والصيف. ويروى بحيث استفاض القنع.
أُحِبُّ ثرَى نجدٍ وبالغورِ حاجةٌفغارَ الهوىَ يا عبدَ قيسٍ وأنجَدا
وإني لَمِن قومٍ تكونُ خُيولُهمْبثُغرٍ وتلقاهُمْ مقانبَ قُوَّدا
ويروى تحل بيوتهم. المقتب ما بين الخمسين إلى المائة. وقوله قودا يعني قادة. والثغر كل موضع
يخاف منه العدو.
يحُشُّون نِيرانَ الحرُوبِ بِعارِضِعلتهُ نُجومُ البِيضِ حتَّى توقَّدا
الحش إدخال الحطب تحت القدر، شبه إيقاد الحرب بذلك. وعارض سحاب قد أخذ الأفق شبه القوم
في الحرب به.
وكُنَّا إذا سِرْنا لحيٍّ بأرضِهمْتركناهُمُ قتلَى وفلاًّ مُشرَّدا
ومُكتبلاً في القدِّ ليسَ بنازعِلهُ منْ مراسِ القدِّ رِجلاً ولا يدا
قوله مكتبلا يعني مقيدا بالكبل. قال ومراس القد معالجته إياه ليفكه.
وإنِّي لتبتز الرئيس فوارِسيإذا كُلُّ عجعاجٍ منَ الخُورِ عرَّدا
قوله عرد يعني جبن وهاب. يقول قد عرد الرجل في الحرب، وذلك إذا جبن أن يتقدم وهاب القتال.
وقوله تبتز يعني تستلب بزته، وهو ما عليه من الحديد وغيره، ومنه قولهم: من عز بز. يقول من
غلب سلب بزة صاحبه. قال وعجعاج ضعيف يعج ويضج يصيح، ليس عنده إلا الجلبة والصياح لا
غير. قال والخور الضعاف من الرجال، ويقال إن كثرة الكلام في الحرب من الفشل والجبن.
رددْنا بِخبراءِ العُنابِ نِساءكُمْوقدْ قُلنَ عِتقُ اليومِ أو رقُّنا غَدا
قال سعدان، وقال أبو عبيدة: أغار بحير بن عبد الله القشيري على رباع من بني يربوع - من بني
عمرو بن تميم بني العنبر - وأكثرهم بأقرية العناب، وهو قريب من المروت. قال فأتى الصريخ بني يربوع
فردوا لهم منه. أقرية مسايل تصب في الروض واحدها قرى. قال يوم العناب هو يوم
المروت، قتل فيه بحير بن عبد الله بن سلمة بن قشير، قتله قعنب بن عتاب بن الحارث بن عمرو
بن همام بن رياح. وفيه يقول جرير:
ونحن تداركنا بحيرا وقد حوىنهاب العنابين الخميس ليربعا
قال ومن روى ونحن تداركنا البحيرين إذ حوى، أراد بحيرا وأخاه فراسا، وقد مر حديثه فيما أمليناه
في موضعه. وقد حوى يريد وقد جمع الغنيمة.
فأصبحنَ يزجُرنَ الأيامنَ أسعُداوقدْ كُنَّ لا يزجرنَ بالأمسِ أسعُدا
فَما عِبتَ مِنْ نارِ أضاءَ وقُودُهافِراساً وبسطامَ بن قيس مُقيَّدا
يريد فراس بن عبد الله بن سلمة بن قشير، وكان أسيرا مع بسطام ابن قيس.
وأوقدتَ بالسِّيدانَ ناراً ذليلَةًوعرفْتَ مِنْ سواءاتِ جعثنَ مشهدا
قال أبو عبيدة السيدان موضع، كان له فيه بئر عند كاظمة به قبائل شتى من قيس وتميم، ولها
رجوان، رجا ضأن، ورجا ابل، فكان مجر جعثن ببطن السيدان، وكان تثفيل الفرزدق نفسه ظمياء
المنقرية عند الرجا.
أضاءَ وقُودُ النَّارِ منهِا بصيرةًوعبرةَ أعْمَى همُّهُ قدْ تردَّدا
قوله بصيرة يعني طريقة من الدم، وقوله أعمى يعني غالب بن صعصعة أبا الفرزدق.
كأنَّ الَّتي يدعُونَ جعثنَ ورَّكتَعلى فالجٍ مِنْ بُختِ كرْمان أحردَا
أصابُوا قُفيريًّا بِكُمْ ذَا قرابةٍإذا اختلفتْ فيهِ الدِّلاتانِ أزبَدا
ويروى أضاءت. قفيري من ولد قفيرة. والدلاتان يعني الخصيتين.
هُمْ رَجعُوها بعدَ ما طَالت السُّرىعوانَا وردُّوا حُمرةَ الكيِن أسودا
الكين لحم الفرج من داخله. ولحمه من خارجه يقال له الزرنب.
وأورثَني الفرعانِ سعدٌ ومالكٌسناءٌ وعِزًّا في الحياةِ مُخلَّدا
مَتى أُدع بينَ ابني مُغدَّاةَ تلقنِيإلى لَوْذِ عزٍّ طامِحِ الرأْسِ أصْيَدا
قال وابنا مغداة، يريد مالكا وسعدا ابني زيد مناة بن تميم، وأمهما المغداة بنت ثعلبة بن دودان بن أسد
بن خزيمة.
أَحُلُّ إذا شئتُ الأيادَ وحزنهُوإنْ شِئتُ أجزاعَ العقيقِ فجلعدا
الاياد من حزن بني يربوع. والجزع منثى الوادي.
فَلو كانَ رأىٌ في عديِّ بِنْ جُندبٍرأوا ظُلمنا لابنيْ سُميرةَ أنكدا
يعني عدي بن جندب بن العنبر بن عمرو بن تميم بن مر.
أيشهدُ مثغُورٌ علينا وقدْ رأىسُميرةَ مِنَّا في ثَناياهُ مشهَدا
قوله مثغور، يعني عبيد بن غاضرة بن سمرة بن عمرو بن قرط العنبري، قال وكان عثمان بن
عفان، ﵁، استعمل سمرة بن
عمرو على هوافي النعم - قال والهوافي الضوال يريد ما
ضل منها - قال فبلغ سمرة أن ناقة ضالة في إبل سحيم بن وثيل. قال فأتى الإبل وسحيم غائب
عنها، وفيها غلمة له، قال وأمه ليلى بنت شداد من بني حميري بن رياح ن فقال لها سمرة مري
غلمانك فليعرضوا علي الإبل. فأبت عليه. قال فوقع بينه وبينها كلام، فأهوى اليها كأنه يريدها
بضرب. فقالت فمي فمي، قال وكانت ثنيتاها وقعتا قبل ذلك بحين. قال فلما انصرف سحيم من غيبته
إلى أمه، خبرته الخبر، فسكن من سمرة حتى لقي عبيد بن غاضرة بن سمرة، فأخذه سحيم فدق
ثنيتيه، فاستعدى عليه عثمان بن عفان، ﵁، فانطلق به إلى المدينة وحبست إبل سحيم
حتى ضاعت ضرا وجوعا. فشكي إلى عثمان، ﵁، ذلك. فقال له أبعدك الله عدوت على
ابن عمك فكسرت ثنيتيه. قال سحيم إنه كسر ثنيتي أمي. قال عثمان أفلا استعديت عليه. ثم ان بني
العنبر قالوا يا بني يربوع دو فم صاحبتكم، وندى فم صاحبنا، ففعل القوم ذلك واصطلحوا، ففي ذلك
يقول سحين بن وثيل:
ولن أقر على خسف ومنقصةوقد تلفع أصداغي من القدم
قد أترك القرن محطوما نواجذهإذا نسائي علا أفواهها بدم
النواجذ أقصى الأضراس، ومنه قولهم قد عض على ناجذه، فلذلك سمى عبيد بن غاضرة مثغورا
لأنه كسر ثغره.
مَتَى ألقَ مثغُوراً عَلى سُوءِ ثغرهِأضعْ فوقَ ما أبقَى مِنَ الثَّغْرِ مبرَدا
منعناكُمُ حتَّى ابتنيتُمْ بُيُوتكُمْوأصدرَ راعيكُمْ بِفلجٍ وأوردَا
بشُعثٍ على شُعثٍ مغاوِيرَ بالضُّحىإذا ثَوَّبَ الدَّاعِي لروعٍ وندَّدا
ثوب ردد صوته مرة بعد مرة. وندد مثله.
كَرادِيسَ أوراداً بكُلِّ مُناجِدٍتعوَّدَ ضربَ البيضِ فِيما تعوَّدا
ويروى أوراد. قوله كراديس، يقول هم فرق جماعة بعد جماعة. والكردوس ما بين الأربعين إلى
الخمسين من الخيل. وكل مجتمع من الخيل فهو كردوس. وإذا عظم فهو كتيبة. وقوله بك مناجد، أي
ذي نجدة، يقول بكل فارس ذي نجدة في القتال يريد له إقدام وجرأة.
إذا كفَّ عنهُ مِنْ يديْ حُطميَّةٍوأبدَى ذِراعي شيظمٍ قدْ تخدَّدا
قوله حطمية يعني درعا ثقيلة. وشيظم طويل خفيف من الرجال له رواء حسن. وقوله قد تخدد قد
تفرق لحمه وذلك لاضطراب جسمه. قال وانما تخدد لطول علاجه وممارسته الحروب. حطمية
منسوبة إلى حطمة بن محارب. يقول ذهب رهلة عنه كقول العجاج: وضمرت من كان حرا فضمر.
عَلى سابحٍ نهدٍ يُشبَّهُ بالضُّحىإذا عادَ فيهِ الرَّكضُ سيداً عمرَّدا
السابح من الخيل الجواد السريع البعيد الشحوة، وهي فتح يديه. والنهد المشرف. والعمرد والنشيط
من كل شيء. والطويل الخفيف.
أرَى الطَّيرَ بالحجَّاجِ تجرِى أيامِناًلكُمْ يا أميرَ المؤمنينَ وأسعُدا
رجعتَ لبيتِ الله عهدَ نبيِّهوأصلحْت ما كانَ الخُبيبانِ أفسَدا
فَما مُخدرٌ وردٌ بخفَّانَ زأرهُإلى القرنِ زجرَ الزاجرينَ تورَّدا
بِأمضَى مِنَ الحجَّاجِ في الحرْب مُقدماًإذا بعضُهُمْ هابَ الخياضَ فعرَّدا
قوله الخياض يعني المخاوضة. وعرد جبن وهاب.
تصدَّى صنادِيدُ العِراقِ لوجههِوتُضحِي لهُ غُرُّ الدهاقينِ سُجَّدا
وللقَين والخنزيرِ منِّي بديهةٌوإنْ عاودُوني كنتُ للعودِ أحمدا
قال وكان سبب هجاء جرير لمثغور، فيما حدثنا به أبو عبيدة، عن المنتجع بن نبهان العدوي: أن
لقمان الخزاعي قدم على صدقات الرباب فكانت وجوه مصاد تحضر، وفيهم عمر بن لجأ بن جرير
أحد بني مصاد فأنشده:
تاوبني ذكر لزولة كالخبلوما حيث تلقى بالكثيب ولا السهل
تحل وركن من ظمية دونهاوجو قسي مما يحل به أهلي
تريدين أن أرضى وأنت بخيلةومن ذا الذي يرضي الاخلاء بالبخل
حتى فرغ منها، فقال له لقمان ما زلنا نسمع بالشام أنها كلمة جرير. فقال عمر إني لأكذب شيخ في
الأرض إن ادعيت شعر جرير. قال ثم أنشده على رءوس الناس جميعا والرباب حضور. قال فأبلغ
لقمان جرير قول عمر، قال وزعم أنك سرقتها منه. فقال له جرير وأنا أحتاج أن أسرق قول عمر
وهو الذي يقول وقد وصف إبله فجعلها كالجبال، وجعل فحلها كالظرب فقال:
كالظَّرِب الأسود من ورائهاجرَّ العجوزِ الثِّنيَ من خفائها
والله ما شهره من نمط واحد، وانه لمختلف الفنون. قال فأبلغ لقمان عمر قول جرير وما عاب عليه
من قوله. فقال عمر يعيب علي قولي: جر العجوز الثني من خفائها. وإنما أردت لينه ولم أرد أثره.
فقد قال أقبح من ذلك وهو قوله:
وأوثق عند المردفات عشيةلحاقا إذا ما جرد السيف لامع
فلحقهن بعد ما نكحن وأحبلن. قال فأبلغ لقمان جريرا قوله، وما عاب عليه من شعر، فأحفظه - أي
أغضبه - حتى هجاه. قال أبو جعفر محمد بن حبيب، قال عمارة قال جرير، والله لقد عاب علي
عمر بن لجأ بيتا أحب إلي من حرزة - يعني ابنه - فقال جرير:
يا تيم تيم عدي لا أبا لكملا يقذفنكم في سوءة عمر
أحين صرت سماما يا بني لجأوخاطرت بي عن أحسابها مضر
خل الطريق لمن يبني المنار بهوابرز ببرزة حيث اضطرك القدر
فأجابه عمر بن لجأ فقال:
لقد كذبت وشر القوم أكذبهما خاطرت بك عن أحسابها مضر
بل أنت نزوة خوار على أمةمن يسبق الحلبات اللؤم والخور
قال فهذا بدء ما كان جرى بينهما. قال والتحم التهاجي بينهما. قال وأما أبو اليقظان سحيم، وهو
لقب، وهو عامر بن حفص، فزعم أن جريرا قال إن هذا ليس بعيب، فبيني وبينك رجل عالم بما
اختلفنا فيه. قال فجعلا بينهما عبد الله بن غاضرة بن سمرة بن عمرو العنبري، وكان حاضرا ذلك
اليوم يسمع كلاهما. قال فسألاه أن ينظر في شعرهما فتابع ابن لجأ وعاب على جرير ما قال.
فقال جرير:
أيشهد مثغور علينا وقد رأىسميرة منا في ثناياه مشهدا
وقال عمر بن لجأ يقضي للفرزدق على جرير، ولبني دارم على بني يربوع، ويفضل الفرزدق على
جرير:
لما رأيت ابن ليلى عند غايتهفي كفه قصبات السبق والخطر
هبتَ الفرزدقَ واستعفيتني جزعاللموت تعمد والموت الذي تذر
إن قال يوما جرير إن لي نفرامن صالحي الناس فاسأله من النفر
أمعرِضٌ أم مُعبد أم بنو الخطفىتلك الأخابث ما طابوا ولا كثروا
وقال أيضا يفضل دارما عليهم:
أيكون دِمنُ قرارةٍ موطوءةٍنبتت بخبثٍ مثلَ آل محمد
ويروى نبت كنبت آل محمد.
أيهات حلت في السماء بيوتهموأقام بيتك بالحضيض الأقعد
أو سرت بالخطفى لتدرك دارماأيهات جار بك الطريق المهتدي
وقال عمر أيضا:
ما كان ذنبي في الفرزدق أن هجافهجوته فتخير الأمثالا
فغدوتما وكلاكما متبرعندب الموالي إذ أراد نضالا
فدعا الفرزدق حاجبا وعُطارداوالأقرعين وحابسا وعقالا
ودعوت قنة والمعيد وقرهداوالمعرضين وخيطفا وثمالا
سبق الفرزدقبالمكارم والعلاوابن المراغة ينعت الاطلالا
قال ومعيد، يعني جد جرير أبا أمه. والمعرضان يريد معرضا وأخاه. قال وهما من أخوال جرير من
الحارثة - قال أبو عبد الله لا أعرفه إلا من بني الحرام - والخيطفي جده وهو حذيفة بن بدر بن
سلمة. وكان معرض يحمق، قال وكان مما ذكر من حماقته، أن اخوته غزوا في الجاهلية وخلفوه عند
أهلهم، وقالوا له تكون عند نسائنا أن يسبين. قال فلما ذهب اخوته، أتى النساء وأولادهن، فأتى بهن
ركية واسعة يقال لها الجوفاء، بشبكة من شباك بني كليب فألقاهم فيها أجمعين. قال وكان فم الركية
ضيقا وأسفلها واسعا. قال ثم أخذ صفيحة واسعة فأطبقها عليهم. ثم اتبع اخوته فلما لحق بهم، قالوا له
لم تركت نساءنا أولادهن. قال قد جلجلتهن في الجوفاء جلجالة. قال فرجعوا فأخرجوهم وقد مات
بعضهم. وكاد بعضهم يموت من الجوع والغم. قال وكان من حماقته أيضا أنه كان في قطعة لقاح
لأهله. قال فجعلت تنزع إلى الرمل وما أنبتت الرمال من الضعة. وهي النصي، والصليان،
والفرنوة، والحلمة، والحماط، وهو الحماض، وما أنبت الرمل من سائر نباته، وهم بالشباك. قال وهذه
كلها مما ترعاه الإبل، وتسمن عليه. قال فلما أصبح واصطبح من لقاحه وأراد أن ينام، خشي أن
تذهب الإبل. قال فأخذ حبالا له فربط بها أولادها في أعناقها إلى خشب الطلح. قال وكان شديدا قوي
الأصل ثابتا في الأرض. ثم نام فلم يستيقظ حتى كان عشية. قال فتخنقت الفصال وموتت. قال فأتى
أهله يمشي
وترك الإبل تدور بأولادها. قال فكان ذلك أيضا مما شهره بالموق. قال وخطب أيضا إلى
ابن عم له غلام اختاله. قال فأبى الغلام أن يملكه إياها. قال فأتاه في غنم له يرعاها فشدخه بصخرة،
قال ثم أتى به قارة بالشباك يقال لها الجبوة، قال فجعله في إرمي في رأسها - والارمى جماعة إرم
وعي الأعلام. ومن قال إرم قال آرام ومن قال إرمي قال إرميات - قال فأطبق عليه بالحجارة، قال
فجعل الحي يتبعون الفتى ولا يدرون أين هو ولا يخافونه عليه. فبينما هو كذلك إذ رأى رجلا من
قبل تلك القارة، فقال له يا فلان لعلك رأيت الدم بين الحجرين؟ فقال أي دم؟ فقال لا شيء. فعرفوا أنه
قد قتل الفتى. وخرجوا يتبعونه من حيث جاء الرجل فوجدوه مشدوخا قتيلا. فشدت عليه أم الغلام
بالسيف وهو موثق فضربته على عنقه فنبا عنه السيف وهو بيدها. فقال بعض بني كلاب:
وما جبنت ليلى ولكن سيفهانبا نبوة عن معرض وهو باتر
قال فصار مثلا في العرب بالحماقة والرعونة وذكرته في أشعارها. قال وهي أم التي كان يخطب
فقتل به فقطع الله عقبه ونسله، فهذا ما كان من حديثه وحمقه. وقال عمر بن لجأ أيضا:
أترجو أن تنال بني عقالرجاء منك تطلبه بعيد
فانك قد قرعت صفاة قومتفلل عن مناكبها الحديد
رأيتك يا فرزدق عدت لماأتاك الوقع وانقشع الوعيد
فأجابه الفرزدق فقال:
رأى عبدُ قيسٍ خفقةً شوَّرتْ بِهايَدا قابسٍ ألْوَى بِها ثُمَّ أخْمَدا
قوله عبد قيس، يريد عدي بن جندب بن العنبر. وقوله شورت بها، يعني رفعتها يريد النار. وقال
قابس أي مقتبس نورا، وألوى: أشار. ويروى أهوى بها حين أهمدا. قال ومعنى أهمد وأخمد واحد
وهو إطفاؤها.
أَعِدْ نظراً يا عبدَ قيسٍ فرُبَّماأضاءتْ لَكَ النَّارُ الحِمارِ المُقيَّدا
قال يعني حمارا من حمير بني كليب. قال وذلك أنهم أصحاب حمير يهجوهم بذلك ويؤنبه ويضع
من قدره نسبه إلى رعية الحمير.
حمارُ كُليبيين لمْ يشهِدُوا بِهِرِهاناً ولمْ يُلفوْا على الخَيلِ روَّدا
أي لم يركبوا الخيل فيما يرتاد من الكلأ والنجعة.
عَسَى أنْ يُعيدَ المُوقِدُ النَّارَ فالتَمسْبعينيكَ نارَ المُصطلى حيثُ أوقَدا
فما جهِدُوا يومَ النِّسارِ ولمْ تعُدْنِساؤُهُمُ منهُمْ كميُّا مُوسَّدا
حِماراً بمَرُّوتِ السِّخامة قاربَتْكُليبيَّةُ قينيهِ حتَّى تردَّدا
كُليبيَّةً لمْ يجعلِ اللهُ وجهَهاكريماً ولمْ تزجُرْ لَها الطَّيرُ أسعَدَا
إذا عدلَتْ نِحيينِ فوقَ عجانهاوحثَّت برجليْها الحِمارَ فقرْمَدا
روى عمارة، إذا عدلت نحيين منها بوطبها، قوله اذا عدلت نحيين، يقول اذا ركبت الحمار وصيرت
الزقين، وهما النحيان على الحمار وحثت يقول حركت الحمار ليسرع المشي. والقرمدة المشي القليل
المتقارب على تؤدة.
فَويلٌ لَها مِنْ مُبتغِي الزَّادِ عنِدْهاوإنْ شاءَ أرخَتْ حولهُ الرَجلَ واليَدا
يقول هي بخيلة بالزاد جواد بالفاحشة. ويروى فويل بها للمبتغي الزاد. ويروى فويل لأم المبتغي
الزاد عندها. وإن شاء أرخت عنده الرجل.
فكيفَ وقَدْ فقَّأتُ عينيكَ تبتغِيعِناداً لِنابيْ حيةٍ قَدْ تربَّدا
مِنَ الصُّمِّ تكفِي مرَّةً مِنْ لُعابهِوَمَا عاد إلاَّ كانَ في العودِ أَحمدَا
تَرَى ما يمسُّ الأرضَ مِنهُ إذا سَرَىصُدوعاً تفأى بِالدَّكادِكِ صُلَّدا
ويروى تفئين الدكادك عندا. ويروى تفاءى، تفأى تفلق وتشقق. وصلدا: قد يبست وصلبت.
لَئنْ عِبتَ نارَ ابنِ المراغَة إنَّهالألأمُ نارٍ مُصطلينَ ومَوْقِدا
إذا أَثقبُوها بالكِدادَةِ لمْ تُضئرَئيساً ولا عِند المُنحنينَ مَرفَدا
ولكِنَّ ظَربى عِندَها يصطلُونَهايصُفُّونَ للزَّرْبِ الصَّفِيحَ المُسنَدَّا
ويروى ولكن ظرابى. قال وموضع الظرابى نصب يعني تضيء ظرابى. والزرب حظيرة للغنم
تحبس فيها. قال والجمع منه أزراب. قال والصفيح صخور رقاق عراض. والمسند المبني. يقول
سوند بعضه إلى بعض.
قنافِذُ درَّامُونَ خلفَ جِحاشهِمْلِما كانَ إيَّاهمْ عطيَّةُ عوَّدا
ودارجون أي مشاؤون. قوله درامون يقول يمشون مشيا في سرعة وتقارب خطو.
إذا عسكرتْ أُمُّ الكُليبيِّ حولَهُوطِيفاً لِظُنبُوبٍ النِّعامةِ أَسودا
عمدتَ إلى بدرِ السِّماءِ ودُونهُنَفائفُ تثني الطَّرْفَ أَنْ يتصعَّدا
هجوتَ عُبيداً أَنْ قَضى وهُو صادِقٌوقبلَكَ ما غارَ القضاءُ وأنجدا
يعني عبيدا الراعي. أن قضى أنس أشعر منك.
وقبلَكَ ما أَحمتْ عدِيٌّ دِيارَهاوأَصْدَرَ راعِيهمِ بِفَلجٍ وأوردا
هُمُ منعُوا يومَ الصُّليعاء سربَهُمْبطعنٍ ترى فِيهِ النَّوافِذَ عُندا
وهُمْ منعُوا منكُمْ إرابَ ظُلامةٍفَلَمْ تبسُطُوا فيها لساناً ولا يَدا
ومِنْ قبْلها عُذْتُم بأسِيافِ مازنٍغَداةَ كسوا شَيبانَ عضْباً مُهَنَّدا
قال أبو عثمان، قال أبو عبيدة: حدثنا عامر بن عبد الملك، قال لما بلغ الأخطل تهاجي جرير
والفرزدق، قال لابنه مالك انحدر إلى العراق حتى تسمع منها فتأتيني بخبرهما، قال فانحدر مالك
حتى لقيهما، ثم استمع منهما، ثم لقى أباه، فقال وجدت جرير يغرف من بحر، ووجدت الفرزدق
ينحت من صخر. فقال الأخطل الذي يغرف من بحر أشعرهما. قال: ثم قال الأخطل يفضل جريرا
على الفرزدق:
إني قضيت قضاء غير ذي جنفلما سمعت ولما جاءني الخبر
أن الفرزدق قد شالت نعامتهوعضه حية من قومه ذكر
قال أبو عبيدة، ثم إن بشر بن مروان ولي الكوفة، فقدم عليه الأخطل، فبعث اليه محمد بن عمير بن
عطارد بن حاجب بن زرارة بألف درهم، وبغلة، وكسوة، وبخمر، وقال له: لا تعن على شاعرنا
واهج هذا الكلب، الذي يهجو بني دارم، فانك قد كنت قضيت له على صاحبنا، فقل له أبياتا، فاقض
لصاحبنا عليه. فقال في ذلك الأخطل:
اخسأ كليب اليك إن مجاشعاوأبا الفوارس نهشلا أخوان
وإذا وضعت أباك في ميزانهمرجحوا وشال أبوك في الميزان
ولقد تجاريتم إلى أحسابكموبعثتم حكماً من السلطان
فإذا كليب ليس تعدل دارماحتى توازي حزرما بأبان
أجرير إنك والذي تسمو لهكعسيفة فخرت بحدج حصان
وكسفيهة يعني هاهنا امرأة. حصان يريد عروسا حصنت بزوج - قال ومثله قول دختنوس بنت
لقيط:
فخر البغى بحدج ربتها إذا ما الناس شلوا
تاج الملوك وصهرهم في دارمأيام يربوع مع الرعيان
فإذا وردت الماء كان لدارمصفواته وسهوله الأعطان
قال أبو عبيدة فبلغ ذلك جريرا، فقال يرد حكمه، ويهجو محمد بن عمير بن عطارد، ويهجو بني
تغلب في كلمة له طويلة، والكلمة هذه القصيدة.
ولقد علمنا ما أبوك بدارمفالحق بأصلك من بني دهمان
ويروى ما أبوك بحاجب. قال وبنو دهمان من بني نصر بن معاوية. قال وكان رسول الله صلى الله
عليه وسلم استعمل عطارد بن حاجب على بعض ما استعمله عليه. قال وأغار عليه مالك بن عوف
النصري، صاحب يوم حنين، فسبى نساء وأخذ مالا، فرمى جرير عمير بن عطارد أبا محمد ابن
عمير أن أمه سبيت يومئذ، فحملت بعمير فجعله من بني دهمان، من بني نصر بن معاوية.
هلا طعنت الخيل يوم لقيتهاطعن الفوارس من بني عقفان
عقفان بن الحارث بن ييد، وهو الحرام بن يربوع. سمي يزيد الحرام بأمه الحرام بنت العنبر بن
عمرو بن تميم.
ألقوا السلاح إليّ آل عطاردوتعاظموا ضرطا على الدكان
يا ذا العباية إن بشرا قد قضىألا تجور حكومة النشوان
فدع الحكومة لستم من أهلهاإن الحكومة في بني شيبان
قال أبو عبيدة، سمعت أبا العباس ينشد هذا البيت بعقب فدع الحكومة:
قتلوا كليبكم بلقحة جارهميا خزر تغلب لستم بهجان
كذب الأخيطل إن قومي فيهمتاج الملوك وراية النعمان
فاقبض يديك فإنني في مشرفصعب الذرى متمتع الأركان
قال فرد عليه الفرزدق كلمته التي قال:
إن الأراقم أن ينال قديمَهاكلبٌ عَوَى متهتِّمُ الأسنان
ما ضر تغلبَ وائلٍ أهجوتَهاأم بُلت حيث تناطَحَ البحران
قال أبو عبيدة: فلما هجا جرير الأخطل ندم الأخطل وقال، ما أدجلني بين رجلين من بني تميم. قال
فسقط المتعرضون بين جرير والفرزدق، وتكاوح الشر بين الأخطل وجرير والفرزدق - تكاوح أي
استقبل بعضهم بعضا - قال أبو عبيدة ولما بلغ الأخطل قول جرير: فاقبض يديك فإنني في مشرف.
قال الأخطل قبض يدي رماه الله بداء.
وقال الأخطل يقضي عليه في كلمة له:
إن العَرارةَ والنُّبوح لدارموالمستخفُّ أخوهم الأثقالا
العرارة الرئاسة. والنبوح الجماعات.
المانِعوك الماء حتى يشربواعفواته ويقسموه سجالا
وبنو المراغةِ حابِسوا أعيارهمقذف الغريبَةِ ما يذقن بِلالا
ومانعوا. ويروى وابن المراغة حابس أعياره.
فانعق بضأنك يا جرير فانمامنَّتْكَ نفسك في الخلاء ضلالا
منتك نفسك أن تكون كدارمأو أن تُوازن حاجباً وعقالا
وإذا وضعت أباك في ميزانِهمقفزت حديدته إليكَ فشالا
وقال الأخطل أيضاً:
فاعدل لسانك عن زُرارةَ إنهمكلأٌ لما منعوا عليك وخيم
قال أبو عبيدة، وسئل الأخطل عنهم بالكوفة، أيهم أشعر. فقال أما جرير فأغزرنا وأنسبنا، أما
الفرزدق فقال فأفقرنا، وأما أنا فأوصف للخمر وأمدح للملوك.
قال أبو عبيدة فلما بلغ الأخطل قول جرير:
لاقيتَ مطلع الجراء بنابهِروق شبيبته وعمرك فإني
قال الأخطل صدق إنه لشاب ولقد وليت، ولقد أديل نابغة بني جعدة مني حيث عيرته بالكبر. قال
وذلك قوله:
لقد جارى أبو ليلى بِقُحمٍومنتكث على التقريب واني
إذا ألقى الخبار كبا لفيهيخر على الجحافل والجِرانِ
قال أبو عبيدة حدثني أدهم العبدي، وهو ختن لابن الكلبي، وكان عالما بأيام الناس ذا سن وتجربة،
عن رجل أراه من بني سعد. قال كنت مع نوح بن جرير في أصل سدر - أو قال شجرة - فقلت
قبحك الله وقبح أباك، فانه أفنى عمره في مدح عبد ثقيف الحجاج، وأما أنت فانك مدحت قثم بن
النص من طبعة المجمع الثقافي بأبو ظبي (١٩٩٨م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع