من «شرح نقائض جرير والفرزدق» لأبي عبيدة (ت ٢٠٩هـ)
يومُ فَيفِ الرِّيحِ (٣)
غرفية مزادة لم تدبغ بالقرظ. أعصمت شدت بعصام وهو ما يربط به من خيط أو سير.
بَنِي جعفرٍ هل تذكرونَ وأنتُمتُساقونَ إذ يَعلُو القليلَ كثيرِهُا
وإذ لا طعامٌ غيرَ ما أطعمتكُمُبُطونَ جَوارِي جعفرٍ وظَهورُها
يقول إنما طعامكم من كسب نسائكم أي ما يكسبن عليكم.
وقد عَلِمتَ مَيسونُ أنّ رِماحَكُمتَهابُ أبا بَكرٍ جهاراً صُدورُها
ميسون أم حناءة أخي أبي بكر بن كلاب.
عَشيّةَ أعطيتم سَوادَةَ جَحوَشاًولمّا يُفَرَّقُ بالعَوالي نَصيرُها
أقامتْ على الأجبابِ حاضِرَةً بِهاضَبِيِنَةُ لم تُهتَكْ لِظَعنٍ كُسورُها
قوله ضبينه هم حي من غنى لهم عدد وقوة. وأنشد: وبنو ضبينة حاضرو الأجباب.
تُريح المَخازي جعفرٌ كُلّ ليلةٍعليها وتغدو حينَ يغدو بُكُورُها
وما ماتَ زوجُ الجعفريةِ ما غَداعليها ابنُها عندَ احتلامٍ يَزورُها
أي يقوم ابنها مقام زوجها ويروى بعد احتلام.
وقد عَلِمَتْ أجسادُها أنّ جعفراًمَجُوسِيَّةٌ أجسادُها وأيُورُها
ويروى أحراحها وأيورها، يريد الرجال والنساء.
وما مَنعتْ فَرجاً لها جعفريةٌوما أحسنتْ عنها البنين حُجورُها
ويروى وما منعت زوجا لها جعفرية ولا أحصنت.
فإن تُكَ قيسٌ قد قَدَّمتكَ لِنَصرِهَافقد خَزِيَتْ قيسٌ وذَلَّ نصيرُها
فأجابه جرير يمدح بني جعفر بن كلاب:
أزرْتَ دِيارَ الحَيِّ أم لا تزُورُهاوأنّى مِنَ الحَيِّ الجِمادُ فَدُورُها
الجماد واحدها جمد، وهو الغلظ في الرمل. والدور دارات في الرمل الواحدة دارة.
وما تنفعُ الدارُ المُحيلَةُ ذا الهَوىإذا استَنَّ أعرافا على الدارِ مُورُها
العرف أعلا الرياح. أي أعلا ما يرتفع من الغبار. وقوله إذا استن يعني جرى. وقوله أعرافا
والأعراف يريد أوائل الرياح الواحد عرف. قال والمور من التراب يريد ما رفعت الريح من
التراب. قال أبو عبد الله ذيول الريح أسافلها، وأعرافها أعاليها.
كأنَ دِيارَ الحَيِّ مِنْ قَدَمِ البِلَىقَراطيسُ رُهبانٍ أحالَتْ سُطورُها
ويروى أباتت. قوله أحالت سطورها، يعني أتى على هذه
السطور وهي آثار الديار ومعالمها حول.
ويقال أحالت تغيرت، كما يقال حال الرجل عن العهد إذا تغير، وحالت إذا تغيرت عن حالها التي
كانت عليه من الاستواء. أحال أتى عليه حول. وحال تغير.
كما ضَربتْ في مِعصَمٍ حارثيةٌيمانيةٌ بِالوشمْ باقٍ نؤورُها
ويروى كما ضربت في معصمي حارثية يمانية. النؤور دخان الشحم، يقول آثار الديار كالوشم في
معصم المرأة من عمل حارثية، يعني من بني الحارث بن كعب، ولهم لباقة في العمل ولطافة.
تفُوتُ الرُّماةَ الوحشِ وهيَ غرِيرةٌوتَخشى نوارُ مالاَ يضيرُها
لَئنْ زَلَّ يوماً بالفرزدقِ حلمُهُوكانَ لِقيسٍ حاسداً لا يَضيرُها
مِنَ الحَين سُقَتَ الخُورَ خُورَ مُجاشِعٍإلى حَربِ قيسٍ وهيَ حامٍ سعيرُها
كأنكَ يا ابنَ القَينِ واهِبُ سَيفهلأعدائِهِ والحربُ تغلى قُدورُها
فلا تأمَننَّ الحيَّ قيساً فانّهُمبَنو مُحصَناتٍ لم تُدنّسْ جُحورُها
ميامينُ خطَّارونَ يحمُونَ نسوةًمناجِيبَ تغْلو في قُريشٍ مُهورُها
ميامين يقول يتيمن بهم ويتبرك بهم.
أَلا إنَّما قيسٌ نُجومٌ مُضيئةٌيشُقُّ دُجَى الظَّلماءِ باللَّيلِ نُورُها
تعُدُّ لقيسٍ منْ قديمٍ فعالهُمْبُيوتٌ أَواسِيها طِوالٌ وسُورُها
قوله أواسيها قال الأواسي الاساطين، واحدها آسى مشدد، وأنشد للاحوص في ذلك:
إن تريني أقصرت عن تبع الغي ولاحت شيبا مفارق راسي
فبما قد سموتُ مستبطنَ السيف هدوءا في مشرف ذي أواسي
واحد أواسي آسية وهي الأساطين - ولم يرد الأساطين - يريد الأساس هاهنا يعني سورا، ليس
للأساطين هاهنا معنى.
فَوارِسُ قيسٍ يمنعُونَ حِماهُمُوفيهِمْ جبالُ العَز صعبٌ وعُورُها
قوله وعورها، واحدها وعر ساكنة العين. قال وهو الغلظ من الأرض والخشونة، يقال من ذلك
طريق وعر، وذلك إذا كان خشنا كثير الحصى، قال أبو عبد الله حكي بن الأعرابي وعَر المكان
ووعُر.
وقيسٌ هُمُ قيسُ الأعنَّةِ والقَناوقيسٌ حماةُ الخيلِ تدمى نُحورُها
سُليمٌ وذُبيانٌ وعبسٌ وعامِرٌحُصُونٌ إلى عِزٍّ طوالٌ عُمورُها
ألمْ ترَ قيساً لا يُرامُ لَها حِمىًويقضِي بِسُلطانٍ عليكَ أميرُها
ملوكٌ وأخوالُ المُلوكِ وفيهمُغُيوثُ الحَيا يُحيى البِلادَ مطيرُها
يعني الحجاج بن يوسف كان يتولى العراق، والمهاجر بن عبد الله الكلابي، كان يتولى اليمامة
والبحرين لهشام بن عبد الملك وكان جميلا.
فإن جبالَ العزِّ من آل خندفٍلقيسٍ فقدْ عزَّتْ وعزَّ نصيرُها
ألمْ ترَ قيساً حِينَ خارَتْ مُجاشِعٌتجير ولا تلقَى قبيلاً يُجيرُها
ويروى وما إن تبتغي من يجيرها.
بَنِي دارِمٍ مَنْ رَدَّ خيلاً مُغيرةًغَداة الصَّفا لم ينجُ إلاَّ عشورُها
قال أبو عبد الله، تقول العرب ما بلغ معشار ذلك، يراد به العشر ويراد به أيضا القليل.
وردتُمْ عَلَى قيسٍ بخُورِ مُجاشعٍفبُؤتُمْ عَلَى ساقٍ بطئٍ جُبورُها
كأنَّهمُ بالشَّعبِ مالتْ عليهِمُنِضادٌ فأجيالُ السُّتُورِ فغيرُها
لقدْ نظرتْ جدعَ الفرزدقِ جعفرٌإذا حُزَّ أنفُ القينْ حلَّتْ نُذورُها
ذَوُو الحجَراتِ الشُّمُّ مِنْ آل جعفرٍيُسلَّمُ جانِيها ويُعطِى فقيرُها
حياتُهُمْ عِزٌّ وتُبنى لجعفرٍإذا ذَكرتْ مجدَ الحياةِ قُبورُها
ويروى إذا ذكرت بعد البلاء قبورها.
أتنسوْنَ يومَيْ رحرحانَ وأُمُّكُمْجنيبةُ أفراسٍ يخُبُّ بعيرُها
ويروى وأمكم سبية. ويشل يطرد وهو أجود.
وتذكُرُ ما بينَ الضِّبابِ وجعفرٍوتنسونَ قتلَى لم تُقتَّلُ ثُؤُورُها
لقد أكرهتْ زُرقَ الأسنَّة فيكُمُضُحَى سمهريات قليلٌ فُطورُها
فقلَّ غناءً عنكَ في حربِ جعفرٍتغنيِّكَ زرَّاعاتُها وقُصورُها
قال أبو عبد الله، كان الحكم في زراعاتها وقصورها النصب، ولكنه حكى قول الفرزدق.
إذا لَمْ يكُنْ إلاّ قُيونُ مُجاشِعٍحُماةً عَن الأحسابِ ضاعَتْ ثُغورُها
ألمْ ترَ أن الله أخزَى مُجاشِعاًإذا ذُكرتْ بعدَ البلاءِ أمُورُها
بأنَّهُمُ لا محرمٌ يتقَّوُنهُوأنْ لا يفِي يوماً لِجارٍ مُجيرُها
لقدْ بُينتْ يوماً بُيوتُ مُجاشِعِعلى الخُبثِ حتَى قدْ أُصلَّتْ قُعورُها
أصلت أي أنتنت من النئي.
فكمْ فِيهمُ مِنْ سوءةٍ ذاتِ أفرُخٍتُعدُّ وأخرى قدْ أُتمتْ شُهورُها
إذا طُرِقتْ ينخوبةٌ مِنْ مُجاشِعٍأتى دُونَ رأسِ السَّابِياءِ خَزيرُها
المرأة ينخوبة، وقوله ينخوبة يعني السبة. وقوله إذا طرقت، يعني طرقت بالولد. قال والتطريق أن
يخرج الولد ميسر الولادة مستقيما. والمعضل التي يعترض ولدها في الرحم. وقال الكميت في مثل
ذلك:
وإذا الأمور أهم غب نتاجهايسرت كل معضل ومطرق
بَنُو نخباتٍ لا يفُونَ بِذِمةٍولا جارَةٌ فيهُمْ تُهابُ ستُورُها
ولا تتَّقي غِبَّ الحديثِ مُجاشعٌإذا هِيَ جاعَتْ أوْ أُمدتْ أيورُها
وخبَّث حوضَ الخُورِخُورِ مُجاشعٍرواحُ المخازِى نحوَها وبكُورُها
أفخراً إذا رابتْ وطابُ مُجاشعٍوجاءتْ بتمرٍ مَنْ حوارِينَ عيرُها
بَنو عُشرٍ لا نبعَ فيهِ وخروعٍوزنداهُمُ أثلٌ تناوَحَ خُورُها
قوله تناوح يعني تقابل.، قال والأثل إذا أصابته الريح سمعت له صوتا شديداً فلذلك اختاره على
غيره.
ويكفِى خزيرُ المُرحلينَ مُجاشِعاًإذا ما السَّرايا حُثَّ ركضاً مُغيرُها
لقدْ عَلِمَ الأقوامُ أنَّ مُجاشِعاًإذا عُرفتْ بالخزي قلَّ نكيرُها
ولا يعصِمُ الجِيرانَ عقدُ مُجاشعٍإذا الحربُ لمْ يرجِعِ بصُلحٍ سفيرُها
قال السفير المصلح بين القوم، يقول لم يقدر السفير أن يصلح بينهم لأن الحرب قد اشتدت وذهب
الصلح بينهم. قال أبو عبد الله إنما سمي السفير سفيرا، لأنه يسفر ما في أنفس القوم بينهم. وسفرت المكان
كنسته. والمكنسة يقال لها المسفرة.
أفيِ كُلِّ يومٍ تستجيرُ مُجاشِعٌتفرَّقَ نبْلُ العبدِ أودَى جفيرُها
قال الجفير الكنانة التي يجعل فيها النبل، مثل الجعبة التي يجعل فيها النشاب. أودى جفيرها هلك.
يقال أودى القوم وباد القوم إذا ذهبوا وهي بمعنى واحد.
تفلَّقَ عَنْ أَنِفْ الفرزدقِ عارِدٌلَهُ فضلاتٌ لَمْ يجدْ منْ يقُورُها
عارد غليظ يعني بظرا. وقوله يقورها يعني من يختنها. وقال له فضلات يريد البظر له فضلات.
يقول لم ينقض ختانها يعيرها بذلك ويهجوها.
وأبرأتُ مِنْ أُمَّ الفرزدقِ ناخِساًوقردُ أسْتِها بعدَ المنامِ تثيرها
قال الناخس يعني الجرب في أصل الذنب. وقوله وقرد أستها يريد قردان أستها. يقول من قذرها
ووسخها القراد متعلق بها.
وفقَّا عينيْ غالِبٍ عندَ كيرهِنَوازِي شَرارِ القينِ حينَ يُطيرُها
قوله نوازي وهو ما نزا فشد على الكير من الشرار.
وداويتُ مِنْ عرِّ الفرزدقِ نقبةًبنفطٍ فأمستْ لا يُخافُ نُشورُها
النقبة لا تكون إلا على المشفر والأنف. قال والعر مفتوح العين الجرب. والنقبة بقعة من الجرب في
الجلد. والنشور يعني انتشار الجرب في الجسد كله، فضربه مثلا للجرب. يقول كويته فقطعت عنه
الجرب، وقطعت عني كلامه أن يهجوني.
وأنهلتُهُ بالسَّمِّ ثُمَّ عللتُهُبكأسَ مِنَ الذَّيفانِ مُرَّ عصيرُها
وآبَ إلى الأقيانِ آلأمُ وافِدِإذا حُلَّ عَنْ ظهرِ النَّجيبةِ كُورُها
أيوماً لماخُورِ الفرزدقِ خِزيَةًويوماً زَواني بابلٍ وخُمورُها
إذا ما شربتُ البابليَّةَ لَمْ تُبَلْحياءً ولا يُسقَى عَفيفاً عَصِيرُها
تشبَّهُ مِنْ عاداتِ أُمِّكَ سيرةًبحبليك والمرقاةُ صعبُ حدورُها
وما زلتَ يا عُقدانُ باني سوءةٍتُناجِي بِها نفساً لئيماً ضميرهُا
رأيتكَ لَمْ تعقِدَ حِفاظاً ولاَ حجَىولكنْ مَواخيراً تُؤدَّى أجُورُها
أثرْتُ عليكَ المخزياتِ ولمْ يكُنْليعدَم جاني سوءَةٍ منْ يثيرها
وتمدحُ سعداً لا عليتَ ومنقرٌلَدَى حرملِ السِّيدانِ يحبُو عقيرُها
ودرَّتَ عَلَى العُروق ولمْ يكُنْليسقِي أفواهَ العُروقِ درُورُها
دعتْ أمُّكَ العمياءُ ليلةَ منقرٍثُبوراً لقدْ ذلَّتْ وطالَ ثُبورُها
أشاعَتْ بنجدٍ للفرزدقِ خزيةٌوغارتْ جِبالُ الغورِ فيمنْ يغُورُها
لعمركَ ما تُنْسَى فتاةُ مُجاشِعٍولا ذِمَّةٌ غَرَّ الزُّبيرَ غرورُها
يُلجِّجُ أصحابُ السَّفين بغدرِكُمْوخُوضٌ على مرَّانَ تجْري ضُفورها
الضفور النسوع التي تضفر أي تنسج من أدم.
تراغيتُمْ يومَ الزُّبيرِ كأنَّكُمْضِباعٌ أُصِلَّتْ في مغَارِ جعُورُها
ولَوْ كُنْتَ مِنَّا ما تقسَّمَ جاركُمْسِباعٌ وطيرٌ لَمْ تجدْ مَنْ يُطيرُها
ولوْ نحنُ عاقدْنا الزُّبيرَ لقيتهُمكانَ أنُوقِ ما تُنالُ وُكورُها
تُدافِعُ قِدماً عَنْ تميمٍ فوارِسِيإذا الحربُ أبدَى حدَّ نابٍ هريرُها
فَمنْ مُبلغٌ عنِّي تَميماً رِسالةًعلانيةً والنَّفسُ نُصحٌ ضَميرُها
عطفتُ عليكُمْ وُدّ قيسٍ فَلَمْ يكُنْلهُمْ بدلاً أقيانُ ليلَى وكيرُها
قال اليربوعي: قال إبراهيم بن محمد بن سعد بن أبي وقاص، قدم الفرزدق المدينة في إمرة أبان بن
عثمان بن عفان، ﵁، قال فإني والفرزدق وكثير عزة، لجلوس في المسجد تتناشد
الأشعار، إذ طلع علينا غلام شخت - أي دقيق - آدم في ثوبين ممصرين. يعني مصبوغين بحمرة
غير شديدة. ثم قصد نحونا حتى انتهى إلينا فلم يسلم. وقال أيكم الفرزدق؟ قال إبراهيم بن محمد،
فقلت له مخافة أن يكون من قريش، أهكذا تقول لسيد العرب وشاعرها؟ قال لو كان كذلك لم أقل له
هذا. فقال له الفرزدق من أنت يا غلام لا أم لك؟ قال رجل من الأنصار، ثم من بنى النجار، ثم أنا
ابن أبي بكر بن حزم، بلغني أنك تقول إنك أشعر العرب، قال وتزعمه مضر، وقد قال حسان بن
ثابت شعرا، فأردت أن أعرضه عليك، وأؤجلك فيه سنة، فإن قلت مثله فأنت أشعر العرب، وإلا
فأنت كذاب منتحل. ثم أنشد:
لنا الجفنات الغرُّ يلمعن بالضحىوأسيافُنا يقطرن من نجدة دما
متى ما تزنَّا من معد بعصبةوغسانَ نمنع حوضنا أن يهدما
أبى فعلنا المعروف أن ننطلق الخناوقائلنا بالعرف إلا تكلما
ولدنا بني العنقاء وابني محرقفأكرم بنا خالا وأكرم بنا ابنما
قال فأنشده القصيدة إلى آخرها، وقال إني قد أجلتك فيه سنة. ثم انصرف. وقام الفرزدق مغضبا،
يسحب رداءه ما يدري أين طرفه،
حتى خرج من المسجد. وأقبل على كُثيِّر، فقال قاتل الله
الانصاري، ما أفصح لهجته، وأوضح حجته. وأجود شعره. فلم نزل في حديث الفرزدق والأنصاري
بقية يومنا، حتى إذا كان من الغد، خرجت من منزلي إلى مجلسي الذي كنت فيه بالأمس، وأتاني
كُثيِّر فجلس معي. فأنا لنتذاكر الفرزدق، ونقول ليت شعري ما فعل؟ إذ طلع علينا في حلة أفواف
مخططة، له غديرتان، حتى جلس في مجلسه بالأمس، ثم قال ما فعل الأنصاري، فنلنا منه وشتمناه
ووقعنا فيه. نريد بذلك أن نطيب نفس الفرزدق. قال قاتله الله، ما رميت بمثله، ولا سمعت بمثل
شعره. ثم قال لهما الفرزدق أني فارقتكما بالأمس، فأتيت منزلي، فأقبلت أصعد وأصوب في كل فن
من الشعر، فكأني مفحم لم أقل شعرا قط، حتى إذا نادى المنادي بالفجر، رحلت ناقتي، ثم أخذت
بزمامها فقدت بها حتى أتيت ذُبابا - وهو جبل بالمدينة - ثم ناديت بأعلى صوتي: أجيبوا أخاكم أبا
لبيني!. فجاش صدري كما يجيش المرجل، فعقلت ناقتي، وتوسدت ذراعها، فما قمت حتى قلت مائة
وثلاثة عشر بيتا. فبينما هو ينشدنا، إذ طلع الأنصاري حتى انتهى إلينا فسلم. ثم قال أما إني لم آتك
لأعجلك عن الوقت الذي وقته لك، ولكني أحببت ألا أراك إلا سألتك ما صنعت. فقال أجلس ثم
أنشده:
عزفت بأعشاش وما كنت تعزفوأنكرت من حدراء ما كنت تعرف
قال فلما فرغ الفرزدق من إنشاده، قام الأنصاري كئيبا. فلما توارى، طلع أبو الأنصاري، وهو أبو
بكر بن حزم، في مشيخة من الأنصار فسلموا علينا، وقالوا يا أبا فراس، إنك قد عرفت حالنا ومكاننا
من رسول الله، ﷺ، ووصيته بنا، وقد بلغنا أن سفيها من سفهائنا تعرض لك،
فنسألك بالله وبحق المصطفى محمد، ﷺ، لما حفظت
وصية رسول الله ﷺ، ووهبتنا له ولم تفضحنا. قال اليربوعي، قال إبراهيم بن محمد بن سعد،
فأقبلت أكلمه أنا وكُثير، فلما أكثرنا عليه قال، اذهبوا فقد وهبتكم لهذا القرشي، يعني إبراهيم بن محمد بن سعد.
فقال الفرزدق
عزفتَ بأعشاشٍ ومَا كِدتَ تعزِفُوأنكرتَ منْ حدْراء ما كُنتَ تعرِفُ
يقول عزفت نفسك عما كنت فيه من باطلك.
ولجَّ بِكَ الهِجرانُ حتَّى كأنَّماتَرَى الموتَ في البيتِ الَّذي كُنتَ تالَف
تيلف وهي لغة تميم.
لجاجةَ صُرمٍ ليسَ بالوصلِ إنَّماأخو الوصلِ منْ يدنُو ومنْ يتلطَف
إذا انتبهَتْ حدْراء مِنْ نومةِ الضُّحَىدعتْ وعليْها دِرْعُ خزٍّ ومطرفٌ
بأخضرَ مِنْ نُعمانَ ثُمَّ جلتْ بِهِعِذابَ الثَّنايا طيِّباً حينَ يُرشَفُ
ويروى طيب المترشف، يريد طيبا مترشفة. بأخضر يعني مسواكا. ونعمان ناحية عرفات فيه أراك
كثير، فيقال له نعمان الأراك. يرشف يقبل ويمص.
ومُستنفزاتٍ للقلُوبِ كأنَّهامَها حولَ منتُوجاتِهِ يتصرَّفُ
ومستنفزات أي محركات للقلوب كما ينفز السهم إذا حرك،
ومستنفزات للقلوب، يعني يستنفزن القلوب أي يدعونها فتجيب. وقوله مهى،
المها البقر الوحشية، شبه النساء بهن. وقوله يتصرف يعني يذهب ويجيء.
يُشبَّهنَ مِنْ فَرط الحياءِ كأنَّهامِراضُ سُلالٍ أو هوالِكُ نُزَّفُ
ويروى تراهن من فرط الحياء. نزف قد ذهب الدم منهن.
إذا هُنَّ ساقَطنَ الحديثَ كأنّهُجَنَى النَّخْلِ أو أبكارُ كرمٍ يُقطَّفُ
موانِعُ للأسرارِ إلاَّ لأهلهاويخلفْنَ ما ظنَّ الغُيورُ المشفشفُ
قال الأسرار واحدها سر، وهو النكاح من قوله تعالى ﴿وَلَكِن لاَّ تُوَاعِدُوهُنَّ سِرّاً﴾ يعني نكاحا والله
أعلم. والمشفشف الذي كأن به رعدة واختلاطا، وذلك من شدة الغيرة والإشفاق على حرمه، قال أبو
عثمان، وقال الأصمعي هو الذي تشف فؤاده الغيرة، وهو السيئ الظن وذلك من إشفاقه على أهله.
قال وإنما أراد المشفف فكرر الشين. كما قالوا دمع مكفكف، وقد تجفجف الشيء من الجفوف، وأصله
تجفف. وهذه ثلاثة أحرف من جنس واحد يكره جمعها، ففرقوا بينهما بحرف من الكلمة وهو فاء
الفعل.
يُحدثْنَ بعدَ اليأسِ مِنْ غيرِ ريبةٍأحادِيثَ تشفَى المُدنفينَ وتشغفُ
ويروى ويبذلن بعد اليأس. قوله تشغف يقول تذهب المرأة
بالقلوب، وتغلب على العقل، وهو من قوله تعالى ﴿قَدْ شَغَفَهَا حُبّاً﴾ جميعا يقرأ بهما، وهما في المعنى سواء بالعين والغين،
وهو ذهاب القلب وميله إلى من يحبه ويهواه.
إذا القُنبُضاتُ السُّودُ طوَّفنَ بالضُّحىرقدنَ عليهِنَّ الحِجالُ المُسَجَّفُ
قال الحجال المسجف، فذكر كأنه نعت. والقنبضات من النساء القصار القليلات الأجسام.
وإنْ نبَّهتهُّنَ الولائِدُ بعدَماتصعد يومُ الصَّيفِ أَوْ كاد ينصُفُ
دعونَ بِقضبانِ الأراكِ التَّي جَنَىلهَا الركبُ مِنْ نُعمانَ أيَّامَ عرفَّوا
فمِحنَ بِهِ عذباً رُضاباً غُروبُهُرِقاقٌ وأعْلَى حيثُ رُكِّبنَ أعجفُ
ويروى عذب الرضاب. وقوله فمحن يريد سقين به. قال والرضاب يعني تقطع الريق. وقوله
أعجف يريد اللثة. يقول هذه المرأة قليلة لحم اللثة، وهو ما تنعت به المرأة أن تكون كذلك، وغروبه
تقطع أسنانه وذلك للحداثة.
لبِسْنَ الفرندِ الخُسروانَّي دُونهُمشاعرَ منْ خزِّ العراقِ المُفوَّفُ
ويروى تحته مشاعر، يرددونه من خز العراق، فقدم الهاء قبل مذكورها، مثل قول الشاعر. جزى
ربه عني عدي بن حاتم. وهي مسألة في النحو تلقى على الأدباء، وليس يقوله كثير من النحويين.
ويقولون ليس الشعر حجة في النحو، لأن الشاعر يضبط فيلجئه الاضطرار إلى أن يقول ذلك، يريد
المفوف من خز العراق. مشاعر نصب على الحال. قال والمفوف يريد على صنعة الوشي يعمل
باليمن.
فكيفَ بمحبوسٍ دَعاني ودُونهُدُروبٌ وأبوابٌ وقصرٌ مُشرفٌ
وصُهبٌ لحاهُمْ راكِزونَ رِماحَهِمْلهُمْ درقٌ تحتَ العَواليِ مُصَفَّفُ
قوله لهم درق، يريد جمع الدرقة وهي التي يستتر بها، كما يستتر بالترس في القتال، يقول هم
أصحاب عدة يمنعونني منها.
وضارِيَةٌ ما مَرَّ اقتسمنهُعليهنَّ خوَّاضٌ إلى الطِّنئِ مِخشفُ
قوله وضارية، يعني كلابا ضارية تمنعها من الصهب. وقوله مخشف يقول هو سريع مروره. وقوله
اقتسمنه يعني بالنهس والخدش. وقوله خواض يقول هو جريء. قال الطنئ الريبة والتهمة. قال أبو
عبد الله، يقال للحية نهشت بالشين، وللسبع والكلاب نهست بالسين غير معجمة، ومن ذلك قيل نهس
للنصارى.
يُبلَّغُنا عنْها بغَيْر كلامِهاالينا مِنَ القصرِ البنَانُ المطرَّفُ
يعني كلابا حول دراها. المطرف المخضوب الأطراف يريد تطاريفها تجزينا من كلامها.
دعوتُ الَّذي سوَّى السَّمواتِ أيدُهُولله أدنى مِنْ وريدِي وألطف
قوله أيده، يعني قوته وهو من قوله تعالى ﴿وَالسَّمَاء بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ﴾ أي بقوة، ومنه قولهم للرجل إنه لأيد
من الرجال، وذلك إذا كان
شديداً قوياً.
ليشغَلَ عنِّي بعلَها بزمانَةٍتُدلَّهُهُ عنِّي وعنْها فنُسعفُ
قوله تدلهه، يقول يتحير فيبقى دهشا قد تغير عقله، فلا يتفقدها حتى نصل إلى ما نريده.
بِما في فُؤَداينا مِنَ الهمِّ والهَوَىفيبرأُ مٌنهاضُ الفُؤادِ المُسقَّفُ
ويروى من الشوق والهوى ويجبر. قوله المسقف هو الذي عليه خشب الجبائر. والجبائر هي
السقائف تشد على الكسر.
فأرسلَ في عينيهِ ماءٌ عَلاهُماوقدْ علمُوا أنِّي أطبُّ وأعرِفُ
من روي أطب وأعرف، أراد أطب الناس وأعرفهم بالطب. وأعرف من العرافة، أي أكون عرافا.
وقوله علاهما يريد علا الناظرين الماء فغمرهما. وقوله اعرف يقول أنا عراف، وهو الذي يعرف
الشيء قبل وقوعه.
فداويتُهُ عامينِ وهيَ قريبةٌأراها وتدْنُولي مِراراً فارشُفُ
سُلافَةَ جفنٍ خالطتْها ترِيكةٌعلى شفتيها والذَّكيُّ المُسوَّفُ
قوله سلافة جفن، قال السلافة أول ما يسيل من العصير، وهو أجوده. وجفن يريد الكرم، وأهل الشام
إنما يسمون ما غادر السيل فتركه باقيا في الصفا تريكة. قال والذكي يريد به المسك. والمسوف
المشمم، ماء السيل عندهم الجفار، والتريكة ما غادر السيل.
فيا ليتنا كُنَّا بعيرينِ لا نرِدْعَلى منهلٍ إلاَّ نُشَلُّ ونقذَفُ
ويروى لا نرى لدى حاضر إلا نشل. قال المنهل ماء في آبار. قال أبو عثمان، قال أبو عمرو،
المنهل ما كان من ماء إلى ماء منهل. ونشل أي نطرد ونقذف بالحجارة. يقول لا ندنو من أحد إلا
فعل بنا ذلك. وهو من قولهم شلوا القوم أي ارموهم بالحجارة.
كِلانا بِهِ عزٌ يخافُ قِرافُهُعلى النَّاسِ مطليُّ المساعِرِ أخشفُ
العر بفتح العين الجرب. والعر بضم العين قريح ليس بالجرب. وقوله يخاف يعني يتقى لئلا يعرها
بجربه. قال والمساعر أصول الفخذين والابطين، وهي أيضا تسمى المغابن. والمساعر أيضا مساعر
الابل وأرفاغها، لأنها أول ما يستعر فيها الجرب. وقوله أخشف يعني يابس الجلد من الجرب. وقرافة
يعني مقارفته وهو مخالطته، ومنه قولهم قد اقترف فلان ذنبا أي خالطه وفعله.
بأرضٍ خلاءٍ وحدَنا وثِيابُنامنَ الرَّبط والدِّيباجِ درعٌ وملحفُ
الريط ثياب تعمل جيدة حسنة. قوله درع وملحف، يقول درع لها تلبسه، وملحف له يعني نفسه.
وَلا زادَ إلاَّ فضلَتان سُلافَةٌوأبيضُ مِنْ ماءِ الغمامةِ قرقفُ
ويروى وأدكن من ماء. وهو أحسن لان ماء السماء فيه كدرة. يقول ليس معنا من الزاد إلا فضلة
من سلافة وهي الخمر. وقوله وابيض من ماء الغمامة هي السحابة. وقوله قرقف والقرقف يعني
السلافة، وهي الخمرة. قال الأصمعي وإنما سميت الخمر قرقفا، لأن من شربها
قرقفته فأدارته وأسكرته فهو مدوخ من السكر. والقرقفة الرعدة، قرقف لأنه يرعد عنها صاحبها من إدمانه إياها.
وأشْلاءُ لحمٍ مِنْ حُبارَى يصِيدُهاإذا نحنُ شِئْنا صاحِبٌ مُتألفُ
متألف يعني صقرا أو بازيا حسن التأني لصيدها. وأنشد في الشلو للحارث بن حلزة:
وفديناهم بسبعة أملاك ندامى أشلاؤهم أغلاء
قوله متألف، يريد ربيناه وتألفناه وعلمناه الصيد ودربناه عليه. ومنه قوله تعالى ﴿تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ
اللهُ﴾ والفرزدق أراد بمتألف صاحبه أو بازيه. وأشلاء لحم هي بقايا واحدها شلو.
لنَا ما تَمنينا مِنَ العَيش ما دَعاهَدِيلاَ حَماماتٌ بِنُعمانَ هُتَّفُ
يقول نحن فيما تمنينا من لذيذ العيش وسلوته. ثم قال ما دعا هديلا، يقول العيش لنا دائم ما دام هديل
الحمام بنعمان. وهتف كما يهتف الرجل بصاحبه ويصيح به. وقوله هديل يعني صوتا وهديرا.
وهتف صوائح. قال أبو عبيدة الهديل الفرخ.
إليكَ أميرَ المُؤمنينَ رمَتْ بِنَاهُمُومُ المُنَى والهوجلُ المتعسف
قال الهوجل البطن من الأرض الواسع. والمتعسف يعني الطريق المسلوك بلا علم ولا دليل، فالذي
يسير في هذه الأرض كأنه إنما يسير
بالتعسف وهو الظلم ومنه قولهم تعسف فلان الناس، وذلك إذا
ظلمهم وجار عليهم. فهو مشتق من ذلك يقول: فالذي يسلك هذه الأرض هو متعسف لها لا يدري أين
يتوجه. أي أتيناك مؤملين لخيرك على هذه الحال، وأفضالك على هذا الجهد والمشقة، يقول فسلكنا
الأرض بلا علم نراه ولا دليل بالبرية.
وعضُّ زمانٍ يا ابنَ مروانَ لمْ يدعْمِنَ المالِ إلاَّ مُسحتاً أو مُجرَّفُ
قال سعدان، أخبرنا أبو عبيدة قال: سمعت راوية الفرزدق يروى هذا البيت، لم يدع من المال إلا
مسحت أو مجرف بالرفع. يقول لم يدع من الدعة أي لم يتدع. قال والمسحت الذي لا يدع شيئا إلا
أخذه. قال والمجرف الذي أخذ ما دون الجميع. قال ومن قال إلا مسحتا أو مجرف أراد وهو مجرف.
قال أبو عبيدة قوله لم يدع أي لم يثبت ويستقر من الدعة، إلا مسحت من المال ومجرف. قال فارتفع
مسحت ومجرف بفعلهما. قال وأنشدنا لسويد بن أبي كاهل: أرق العين خيال لم يدع. يقول لم يستقر
وهو من الدعة. قال أبو عبد الله، سمعت أحمد بن يحيى يتكلم في هذا البيت فقال: نصب مسحتا
بوقوع الفعل عليه، وقد وليه الفعل، ولم يل الفعل مجرف فاستؤنف به فرفع.
ومُنجردُ السُّهبانِ أيسرُ ما بِهِسَليبُ صُهار أوْ قُصاعٌ مؤلَّفُ
قال هو بيت مجهول، أنشدنيه المازني، وانشدنيه الأعاريب الذين حملهم بغا إلى الري.
ومائرَةِ الأعضادِ صُهبٍ كأنَّماعليْها مِنَ الأينِ الجِسادُ المُدوَّفُ
قوله ومائرة الأعضاد، هي التي تمور بيديها دون رجليها، فتحركها
تحريكا لينا. قال وذلك مما يستحب في الابل، وذلك من سعة آباطها ولين عريكتها. وإنما يريد أن هذه الإبل تمور.
يقول تذهب أعضادها وتجيء، وذلك من سعة آباطها. قال والأين الإعياء والفتور، والجساد العرق، وهو ما اصفر
يضرب إلى الحمرة. قال والمدوف يعني المدوف، يقول إذا دأبت في سيرها عرقت، فصار العرق
على جلودها أحمر.
بدأنَا بِها مِنْ سِيفِ رملِ كُهيلةٍوفِيها نشاطٌ مِنْ مراحٍ وعجرفُ
ويروى نهضن بنا. ويروى ذرعن بنا. ويروى وفيها بقايا من مراح. قوله وعجرف يعني عجرفية
في مشيها تخليط، وذلك من المرح. ومنه قولهم للرجل الذي يخلط في أمره إن فيه عجرفية. يقول
بدأنا بها من موضعنا وهي نشيطة مرحة، فما بلغت إليك حتى تقارب خطوها وبلدت وضعفت، وذلك
من بعد المكان. وكان ذلك عندنا هينا يسيرا في جنب ما أملناه من سيبك. والمناسم: أظفار الإبل،
الواحد منسم، وما تحته الأظل.
فَما برحتْ حتَّى تقارَبَ خطوُهاوبادَتْ ذُراها والمناسِمُ رُعَّفُ
وروى أبو عمرو، حتى تواكل نهزها. يعني هز رءوسها في السير نشاطا. قال المناسم مثل
الاظلاف. ورعف دامية من الحفا. يقول قد كلت وضعفت وتقارب خطوها، من شدة تعبها، وبعد
مداها، وما ينكبها من الحجارة. وذراها أعالي اسنمتها.
وحتَّى قتلنَا الجهلَ عنْها وغُودِرَتْإذا ما أُنيخَتْ والمدامِعُ ذُرَّفُ
ويروى وغورت. قوله قتلنا الجهل عنها، يقول قتلنا جهلها وهو
مرحها ونشاطها بالكلال. والتغوير نصف النهار. والتعريس آخر الليل.
قال والمدامع ذرف، قال وذلك من الجهد تسيل دموعها.
وحَتَى مَشَى الحادِي البطِيء يُسَوقُهالَها بَخَصٌ دامٍ ودأيٌ مجلَّفُ
ويروى حداءها. قال والبخص لحم الخف الذي تطأ عليه. وقوله ودأي يعني فقار الظهر. قال وكل
فقارة دأية. وقوله مجلف يعني مقشورا بالدير. يقول قد كلت وضعفت حتى يسوقها الحادي البطيء،
يقول تقارب خطوها وساقها الحادي من كلالها.
وحتَّ ى بعثناها وما في يدٍ لَهاإذا حَلَّ عنْها رُمَّةً وهيَ رُسَّفُ
قوله وهي رسف، يعني كما يرسف المقيد في قيده من الجهد والإعياء، كأنها ترسف في قيد.
كذا ما نزلنا قاتَلتْ عنْ ظُهورِناحراجِيجُ أمثالُ الأهلَّةِ شُسَّفُ
قوله حراجيج هي الطول من الابل. قوله شسف، قال هي اليابسة من الجهد والكلال. يقول تقاتل
الغربان عن ظهورها. قال وذلك أنها إذا عريت ظهر دبرها، فتقع الغربان عليها لتأكل دبرها، فالإبل
تقاتل الغربان يريد تدفعها عن دبرها، فهي تدفعها بأفواهها لتطير عنها فذلك قتالها.
إذا ما أريناها الأُزمَّةَ أقبلتْإلينا بحُرَّاتِ الوُجُوهِ تصدَّفُ
قوله تصدف يريد تلاحظها وهي في جانب معرضة.
ذرعنَ بِنا ما بينَ يبريَن عرضَهُإلى الشَّامِ تلْقاها رِعانٌ وصفصفُ
قوله ذرعن بنا يريد في المشي. يقال من ذلك مر فلان يذرع الطريق،
وذلك إذا سار فيه منكمشا.
قال والرعن أنف الجبل والجمع رعان، قال وهي أنوف الجبال. والصفصف المستوى من الأرض.
قال أبو عبيدة الرعن حرفه.
فأفنى مِراحَ الدَّاعرِيَّةِ خوضُهابِنا اللَّيلَ إذ نامَ الدَّثُورُ المُلفَّفُ
قال الداعرية، إبل منسوبة إلى فحل يقال له داعر، معروف بالنجابة والكرم. قال والدثور الرجل
المثقل البدن والفؤاد وهو الكسلان.
إذا أغبرَّ آفاقُ السماءِ وكشَّفَتْكُسُورُ بُيوتِ الحيِّ حمراءُ حرجفُ
ويروى وهتكت ستور بيوت. وروى أبو عمرو إذا أحمر آفاق السماء وكشفت. ويروى نكباء. قوله
إذا أغبر آفاق السماء، يعني من المحل وقلة المطر. قال وآفاق السماء جوانبها. قال والكسور واحدها
كسر وهو ما وقع على الأرض من البيت. وبيوت الأعراب إنما هي من الاكسية يتخذونها كالبيوت
يكونون فيها. قال الحرجف الريح الشديدة الهبوب.
وهتَّكتِ الأطنابَ كُلُّ عظيمةٍلهَا تامكٌ مِنْ صادقِ النَّيِّ أعرفُ
ويروى من عاتق الني. ويروى كل ذفرة. قوله لها تامك يعني سناما عظيما. وأعرف طويل العرف.
وذفرة يعني عظيمة الذفرى. إذا أصابها البرد دخلت في الخباء فقطعت الأطناب. قال وإنما تفعل ذلك
من شدة البرد.
وجاءَ قريعُ الشَّولِ قبلَ إفالِهايزِفٌ وراحتْ خلفهُ وهيَ زُفَّفُ
ويروى زفيفا وجاءت خلفه. قال الشول الإبل التي قد نقصت ألبانها
وشولت فارتفعت ألبانها. وذلك
كما يشول الميزان شولانا، الواحدة شائلة، فإذا شالت بذنبها للحمل فهي شائل وهن شول. قال وإفالها
صغارها. والقريع الفحل. قال وقوله يزف يعدو. قال والمعنى في ذلك، يقول فراحت إفالها جزعا من
البرد، يقال زفت تزف زفيفا، يريد أن القريع يفر من شدة البرد.
وباشَرَ راعِيها الصَّلَى بلبانِهِوكفَّيه حرَّ النَّارِ ما يتحرَّفُ
الصلى يريد صلى النار، كما يقال اصطلينا إذا اتسخنا. قال إذا فتحت أول الصلى فهو مقصور، وإذا
كسرت أوله فهو ممدود. قال أبو عثمان، قال أبو عبيدة: اللبان موضع اللبب من الفرس. وقوله ما
يتحرف يريد ما ينحرف عن النار، وذلك من شدة البرد لا يفارق النار.
وأوقدتِ الشِّعرَى مَعَ الليلِ نارَهاوأمست مُحولاً جِلدُها يتَوسَّفُ
جلدها يعني جلد الأرض يتقشر من الجدب وقلة الانداء. وقوله وأوقدت الشعري مع الليل نارها، قال
وذلك لأن الشعرى تطلع في أول الشتاء أول الليل. ونارها يريد شدة ضوئها، يريد وأمست السماء
جلدها. يتوسف يعني يتقشر وإنما يعني قلة السحاب. يريد أن السماء مثل الجلد لها. قال وأنشدنا
للحطيئة:
مساعير حرب لا تخم لحامهمإذا أمست الشعري العبور استقلت
وأصبحَ موضُوعُ الصَّقيعِ كأنَّهُعلى سرواتِ النِّيبِ قُطنٌ مندَّفُ
وروى أبو سعيد بيوت الصقيع. ويروى مبيض الصقيع. وقوله
على سروات النيب، يريد على مسان الإبل وهي النيب، قال وسرواتها اسنمتها.
يقول وقع الثلج على اسنمتها كأنه قطن مندف.
وموضوعه ما تساقط منه. والصقيع الجليد.
وقاتلَ كلبُ الحيِّ عنْ نارِ أهلهليربضَ فِيها والصِّلا متكنَّفُ
وجدتَ الثَّرى فينا إذا يبِسَ الثَّرىومنْ هُوَ يرجُو فضلهُ المُتضيفُ
وروى أبو عمر وجدت القرى. قال والثرى يريد الندى، وهذا مثل. يقول يجد عندنا من نزل بنا
خصبا في هذا الوقت، من شدة البرد، وهو أشد الأوقات للضيافة، لذهاب الألبان وذهاب العشب،
فالناس مجهودون. يقول فنحن في هذا الوقت غياث لمن نزل بنا.
ترَى جارَنا فِينا يُجيرُ وإنْ جَنَىفَلا هُوَ مِمَّا يُنطِفُ الجارَ ينطُفُ
يقول جارنا يجير لعزنا ومنعتنا. يقول ومع هذا فهو سليم أن يصيبه إلا خير. قال والنطف الدبرة
تدخل في جوفه. قال أبو عمرو الشيباني: النطف أن تصل الدبرة إلى جوف البعير، فيقال قد نطف
البعير. قال وإنما يعني هاهنا الهلاك والأمر الشديد، يقع فيه جارهم. يقول ينطف الجار أي يهلكه.
يقول فهو آمن من أن يبدأه سوء.
ويمنعُ مولانَا وإنْ كانَ نائِياًبِنا جارَهُ ممَّا يخافُ ويأنفُ
يقول يمنع مولانا وهو ابن عمنا، ويكون مولانا الذي نعتقه، فهو يمنع من يجيء إليه وصار في
ناحيته، بمنعتنا وإن نأى عنا، أي بعد، من قوله تعالى ﴿وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ﴾ أي يبعدون عنه -
يقول فهو يمنع جاره من الضيم مما يخاف من العار، وأن يسب به عقبه من بعده ويأنف من ذلك.
وقَدْ علمَ الجِيرانُ أنَّ قُدُورناضَوامِنُ للأرزاقِ والريحُ زفزفُ
نُعجِّلُ للضَّيفانِ في المحلِ بالقرَىقدُوراً بمعبُوطٍ تُمدُّ وتُغرفُ
قوله المحل، هي السنة الجدبة التي لا مطر فيها. وقوله بمعبوط، يقول ننحر للاضياف من إبلنا
الصحيحات، التي لا عيب بها من مرض ولا غيره. وقوله تمد هذه القدور كلما نفد ما فيها ملئت.
وهو من قول الله تعالى ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِن شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَّا
نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ﴾ يقول فكلما فني ما في قدورنا ممدناها وغرفنا لضيفنا.
تُفرَّغُ في شِيزي كأنَّ جِفانَهاحِياضُ جِبىَ مِنْها مِلاءٌ ونُصَّفُ
ويروى حياض الجبى. الشيزي من خشب الشيز. قوله حياض جبى قد جبى فيها الماء فهي ملأى
أبدا.
تَرَى حولهنَّ المُعتفينَ كأنهُمْعَلَى صنمٍ في الجاهليَّةِ عُكَّفُ
قُعُوداً وخلفَ القاعِدينَ سُطورُهمْجُنُوحٌ وأيديِهْمِ جُمُوسٌ ونُطَّفُ
ويروى جنوحاً وفوق الجانحين شطورهم قيام. شطورهم نصفهم.
قوله سطورهم، يقول خلف السطر سطر مثله، جموس يعني جمس عليها من سمنه. وقوله ونطف
يقول يسيل منها الودك، ينطُف نطفاً ونطفاناً. ويروى شطورهم أي مثلهم. يقول من الناس من أكل
فقد جمس الودك على يده، ومن كان يأكل فهو يقطر من يده.
وَما حُلَّ منْ جهْلِ حُبَى حُلَمائِناوَلا قائِلٌ بالعُرفِ فِينا يُعنَّفُ
ومَا قامَ منَّا قائِمٌ في نَديِّنافينطقَ إلاَّ بالتيِ هِيَ أعرفُ
وإنِّى لَمِنْ قومٍ بِهِمْ تُتَّقى العِدَىورأبُ الثَّأي والجانبُ المُتخوفُ
وأضيافِ ليلٍ قدْ نقلنا قِراهُمُإليهِمْ فأتلفنا المَنايا وأتلفُوا
قوله قد نقلنا قراهم، قراهم هاهنا القتل. يقول: إنا أوقعنا بهم وقتلناهم، وذلك قول عمرو بن كلثوم:
قريناكم فعجلنا قراكمقبيل الصبح مرداةً طحونا
المنايا هاهنا الرجال الأشداء. وقوله فأتلفنا المنايا وأتلفوا، يقول صادفنا المنايا متلفة وصادفوها
كذلك، كما تقول أتينا فلانا فأبخلناه، وكذلك فأحمدناه، وذلك إذا صادفناه بخيلا وحميدا.
قريناهُمُ المأثورةَ البِيضَ قبلَهايُثجُّ العُروُقَ الأزنيُّ المُثقَّفُ
قوله يثج أي يسيل. والازأني الرماح، نسب إلى سيف بن ذي يزن. قال والمثقف المقوم بالثقاف،
وهو خشبة تسوى بها الرماح، حتى يستوي عوجها ويستقيم. قال أبو عبد الله الأيزني. قال والمأثورة
يريد السيوف التي صقلت، حتى ظهر أثرها أي فرندها وحسنها الذي تراه في السيف، كأنه أرجل
نمل، كذلك فسره الأصمعي وأبو عبيدة.
قال أبو عثمان: سألت الأصمعي عن ذلك وأبا عبيدة مرة أخرى فقال لي هو كما أعلمناك.
ومسرُوحةً مِثلَ الجرادِ يسُوقُهامُمرٌّ قُواهُ والسَّراءُ المُعطَّفُ
يعني النبل، شبهها بالجراد. ممر يعني وتر القوس. قواه طاقاته، كل طاقة قوة، والسراء شجر تتخذ
منه القسي.
فأصبحَ في حيثُ التقينَا شريدُهُمْطِليقٌ ومكتُوفُ اليدينْ ومزعفُ
قوله ومزعف، قال هو أن ينزع للموت مما به من الجراحات، ويكيد بنفسه.
وكُنَّا إذا ما استكرَهَ الضَّيفُ بالقرَىأتتْهُ العوالي وهيَ بالسَّمِّ ترعفُ
يقول إذا أراد أن نقريه كرها، لقيناه بالرماح تقطر دما. والسَّم والسُّم واحد.
ولا نستجُّم الخيلَ حتَّى نُعيدهاغوانِمَ مِنْ أعدائِنا وهيَ زُحَّفُ
يقول لا نتركها جامة إذا رجعت من غزو، حتى نعيدها لغزو آخر. ويروى فيعرفها أعداؤنا. وهي
عطف رواجع قد عطفت عليهم وكرت.
كذلكَ كانتْ خيلُنا مرَّةً تُرَىسماناً وأحياناً تُقادُ فتعجفُ
عليهنَّ منَّا الناقِضونَ ذُحولهُمْفهُنَّ بأعباءِ المنيَّةِ كُتَّفُ
أعباء المنية أحمال المنية، يعني فرسان الخيل. كتف تكتف المشي، إذا مشت رفعت كتفا ووضعت
كتفا.
مداليقُ حتَّى تأتِيَ الصَّارخَ الَّذيدَعَا وهوَ بالثَّغرِ الَّذِي هُو أخوفُ
قوله مداليق، يقول تسرع إلى الغارات وطلب الذحول، وهو مثل
قولك قد اندلق السيف من غمده،
وذلك إذا خرج خروجا سريعا. قال والصارخ المستغيث. يقول فنحن إذا سمعنا الصوت أسرعنا إليه
مجيبين، لا يثنينا عن ذلك شيء. قال والسيف الدلوق السلس الدخول والخروج من الغمد، يقول فهذه
الخيل سراع إلى المستغيث على كل حال.
وكُنَّا إذا نامتْ كُليبٌ عنِ القرَىإلى الضَّيفِ نمشِي بالعَبيطِ ونلحَفُ
قوله بالعبيط اللحم الطري. قوله ونلحف يريد نلبسه اللحف فندفئه من البرد. قال وإنما هذا مثل
ضربه. يقول نحن نكفيه كل ما نابه، حتى يذهب من عندنا الضيف وهو لنا حامد.
وقِدرٍ فثأنا غليْها بعدَ ما غلتْوأُخرَى حششْنَا بالعَواليِ تؤثَّفُ
قوله وقدر فثأنا غليها، يقول سكنا غليها. قال والمعنى في ذلك، رب حرب قاتلنا فيها حتى ظفرنا
بعدونا فسكنت وانقضت. ثم قال: وأخرى حششنا، قال الحش إدخال الحطي تحت القدر، فضربه مثلا
للحرب وإنما يريد أنا نستقبل حربا أخرى. وقوله تؤثف يقول تجعل لها أثافي. قال وإنما هذا كله مثل
ضربه للحرب.
وكُلُّ قِرَى الأضيافِ نقرِى مِنَ القَناومُعتبطٍ فِيهِ السنَّامُ المُسَدَّفُ
ويروى ومعتبطا. قال المسدف المقطع سدائف أي شققا. قال والسديف قطعة من سنام.
ولوْ تشربُ الكلبَة المراضُ دِماءناشَفتها وذُو الدَّاءِ الذي هو أدنف
قوله الكلبى هم الذين بهم الكلب، وهو عض الكلب. الكلب يقال إذا شرب الذي يعضه دم ملك برئ.
يقول نحن ملوك. في دمائنا شفاء للكلبى وذلك كما قال البعيث:
من الدارميين الذين دماؤهمشفاء من الداء المجنَّة والخبل
مِنَ الفائقِ المحبُوسِ عنهُ لسانُهُيفوقُ وفيهِ الميِّتُ المُتكنَّفُ
ويروى من الفائق المحجوب. الفائق المحبوس الذي عند الموت يأخذه الفواق.
وجدنا أعزَّ النَّاسِ أكثرهُمْ حصَىًوأكرمهُمْ مَنْ بالمكارِمِ يُعرَفُ
وكلتاهُما فِينا إلى حيثُ تلتقِيعصائِبُ لاقَى بينهُنَّ المُعرّفُ
ويروى فينا لنا. ويروى حين تلتقي. يقول هاتان الخصلتان فينا: كثرة العدد وبذل المعروف. وقد
شرطهما في البيت الأول. لاقى بينهن جمع بينهن يعرفون ذاك لنا.
منازِيل عنْ ظهرِ القليلِ كثيرُناإذا ما دَعا في المجلسِ المُتردَّفُ
ويروى ذو الثورة المتردف. يقول نحن كثير ننزل عن منزلة القليل، لانا لسنا بقليل. فنحن نغيث
من استغاث بنا أغثناه بكثرة. قال الأصمعي قوله منازيل عن ظهر القليل كثيرنا، يقول لنا نزل وإن
كان قليلاً فهو خير من كثير غيرنا. قال أبو عبيدة: يقول نحن وإن كنا كثيراً، لنا عز ومنعة ننزل
لذي القلة عن حقه، يحفظنا إياه، إن قل وذل، لا تمنعنا كثرتنا وعزنا من إنصافه والرفق به كراهة
البغي، إذ كنا كذلك. قال أبو عبد الله كان أبو العباس يقول مثل ذلك. هذا يعني قول أبي عبيدة. قال
والمتردف الذي يردفه من الشر شيء بعد شيء. يقال ردفه خير، وردفه شر.
قلفْنَا الحصَى عَنهُ الَّذي فوقَ ظهرِهِبأحلامِ جُهَّالٍ إذا ما تغضَّفُوا
قلفنا القاف مقدمة، قوله قلفنا يريد ألقينا. وقوله بأحلام جهال يريد بحلم حلماء وبهم جهل عليهم.
وقوله تغضفوا يقول ما لوا عليه بالتعطف والنظر.
عَلى سورةٍ حتَّى كأنَّ عزيزَهاتَرامَى بِهِ مِنْ بين نيقينِ نفنفُ
ويروى على ثورة. قال نيقان جبلان. قال الأصمعي النفنف ما بين أعلى الجبلين إلى أسفلهما.
ويروى ما بين نيقين.
وجهلٍ بحلمٍ قدْ دَفعنا جُنونهُومَا كانَ لَوْلا حِلمُنا يتزحلَفُ
قوله يتزحلف يعني يتنحى ويتباعد. قال أبو عبد الله يقال تزحلف وتزلحف.
رجحْنا بِهمْ حتَّى استثابُوا حُلُومهُمبِنا بعدَ ما كادَ القنا يتقصَّفُ
ويروى بعد ما كان. يقول كانت حلومهم عازبة عليهم فاستثابوها، يعني ردوها فثابت إليهم يعني
رجعت إليهم.
ومدَّتْ بأيديها النِّساءُ ولَمْ يكُنْلذي حسبٍ عنْ قومِهِ مُتخلِّفُ
يقول مدت بأيديها النساء إلى الرجال، ليستغثن بهم ويناشدنهم ألا يهربوا ويدعوهن. يقول ولا يحسن
بالرجل الحسيب، أن يتخلف عن نصر أهله، وذلك إذا بلغ الأمر أشده واستغاث بالرجال النساء.
كفيناهُمُ ما نابهُمْ بحُلُومِناوأموالِنا والقومُ بالنَّبلِ دُلَّفُ
قوله دلف جمع دالف، قال الدالف الرجل يمشي مشيا فيه إبطاء، يقال من ذلك قد دلف القوم بعضهم
إلى بعض، وذلك إذا مشوا مشياً على تؤدة وتمكن ورفق.
وقدْ أرشدُوا الأوتارَ أفُواقَ نبلِهِمْوأنْيابُ نوكاهُمْ مِنَ الحردِ تصرِفُ
ويروى وقد سدد الأوتار أفواق، قوله قد أرشدوا الأوتار، يقول شدوا الأوتار. والأفواق على الأوتار.
قال وفوق السهم ما بين شرخيه، وهو موضع الوتر إذا فوقه. قال والحرد الغيظ وشدة الغضب. وقوله
تصرف يقول تحرق كما يصرف البعير، وذلك إذا حرك نابيه فسمعت لهما صوتا.
فَما أحدُ في النَّاسِ يعدلُ درأنابعزٍّ ولا عزٌّ لهُ حينَ نجنفُ
ويروى يعدل درأنا بدرء ولا عز له. درؤنا دفعنا ومنه ﴿فَادْرَؤُوا عَنْ أَنفُسِكُمُ الْمَوْتَ﴾
تثاقلُ أركانٌ عليهِ ثقيلةٌكأركانِ سلمَى أو أعزُّ وأكثفُ
ويروى تثقل. قوله أكثف يعني أغلظ وأشد وأكثر جمعاً. أركان جوانب. سلمى أحد جبلي طييء.
سيعلمُ منْ سَلمى تميماً إذا هوتْقوائمُهُ في البحرِ منْ يتخلَّفُ
فَسعدٌ جِبالُ العِزِّ والبحرُ مالكٌفلاَ حضَنٌ يُبلى ولا البحرُ يُنزفُ
لَنَا العِزَّةُ الغلباءُ والعددُ الَّذيعليهِ إذا عُدَّ الحَصَى يتحلف
ويروى لنا العزة القعساء، يريد الممنعة، والغلباء الغليظة العنق وهذا مثل وقوله يتحلف يريد من
الحلف واليمين. يقول يحلف على أنه ليس لأحد مثل عددنا وعزنا، أي يتحالف الناس علينا
ويجتمعون.
ولا عِزَّ إلاَّ عزُّنا قاهرٌ لَهُويسئلُنا النِّصفَ الذَّليلُ فيُنصفُ
ومِنَّ الَّذي لا ينطِقُ النَّاسُ عندهُولكِنْ هُوَ المُستأذنُ المُتنصَفُ
قوله المتنصف يعني المخدوم - قال والمنصف الخادم - يعني بذلك أمير المؤمنين. يقول هو منا
فلنا عزه وسلطانه دون الناس، فلا يقدر أحد أن يفاخرنا.
تراهُمُ قُعُوداً حولهُ وعيونهممُكسَّرةٌ أبصارُها مَا تصرَّفُ
قوله ما تصرف، يقول ما تنظر يمنة ولا يسرة من مهابته وجلالته، فذلك الفخر لنا دون غيرنا.
وبيتانِ: بيتُ الله نحنُ وُلاتُهُوبيتٌ بأعلا إيلياءَ مُشرَّفُ
قوله بأعلا إيلياء، يريد بيت المقدس وهو مشرف معظم. يقول فلنا الكعبة وبيت المقدس.
لَنا حيثُ آفاقُ البريَّةِ تلتقيعميدُ الحَصَى والقسوريُّ المُخندفُ
ويروى عديد الحصى. وقوله عميد الحصى يريد بالحصى العدد الكثير. والقسورى: الكبير الرئيس.
قال والمخندف يقول ينتمي في نسبه إلى خندف. قال وعميد القوم سيدهم.
إذا هبطَ النَّاسُ المُحصَّبَ مِنْ مِنىًعشيَّةَ يومِ النَّحرِ مِنْ حيثُ عرَّفُوا
ترَى النَّاسَ ما سِرنَا يسيرُونَ خلفنَاوإنْ نحنُ أومأنَا إلى الناسِ وقَّفُوا
أُلوفُ أُلوُفٍ مِنْ دُروعٍ ومنْ قَناًوخيلٌ كريعانِ الجرادِ وحرشفُ
ريعان كل شيء أوله ومقدمه خيل يريد الفرسان، والحرشف الرجالة.
وإن نكثُوا يوماً ضربْنا رِقابهُمْعَلى الدِّينِ حتَّى يُقبِلَ المُتألَّفُ
ويروى وإن فتنوا يوما ضربنا رءوسهم. ويروى حتى يرجع.
فإنَّكَ إنْ تسعَى لِتُدرِكَ دارِماًلأَنتَ المُعنَّى يا جرِيرُ المُكلَّفُ
أتطلُبُ مِنْ عِندَ النُّجومِ وفوقَهابربقٍ وعيرٍ ظهرُهُ متقرفُ
ويروى عند المساء مكانه. ويروى يتقرف. الربق حبل تشد به الجداء. والعنوق متقرف من آثار
الدبر.
وشيخين قَدْ ناكا ثَمانِينَ حِجَّةًأتانِيهما هَذا كبيرٌ وأعجفُ
ويروى قد كاما. ويروى هذا ملح ومجرف. شيخين يعني عطية والخطفي.
أبَى لجريرٍ رهطُ سُوءٍ أذلَّةٌوعرضٌ لئيمٌ للمخازِي مُوقَّفُ
وأُمٌّ أقرَّتْ مِنْ عطيَّةَ رحْمُهابأخبَث ما كانتْ لهُ الرحمُ تنشفُ
إذا سلخَتْ عنْها أُمامةُ درعَهاوأعجبَها رابٍ إلى البطنِ مُهدِفُ
قال أمامة امرأة جرير. وقوله مهدف أي مستند. قال والهدف السند من الأرض مثل الحائط، يواري
ما وراءه. وجاء في الحديث، أحب شيء كان إلى رسول الله، ﷺ، أن يتغوط فيه
هدف أو حائش نخل.
قصيرٌ كأنَّ التُّركَ منهُ جباهُهاحنُوقٌ لأعناقِ الجرادينِ أكشفُ
ويروى كأن الترك فيه وجوههم. قصير يعني فرج المرأة أكشف لا شعر فيه، كجبهة الترك.
الجرادين جمع جردان وهو الاير.
تقُولَ وصكَّتْ حُرَّ خدَّي مغيظةٍعلى البعلِ غيري ما تزالُ تلهَّفُ
ويروى حري. ويروى على الزوج. ويروى عبري.
أمَا مِنْ كُليبي إذا لمْ تكُنْ لهُأتانانِ يستغني ولا يتعففُ
إذا ذهبتَ مِنِّي بزوجي حِمارةٌفليسَ على ريحِ الكُليبيِّ مأسفُ
قال لما بلغ عمارة إلى هاهنا قال يا ابن الفاعلة!
عَلى ريحِ عبدٍ ما أتَى مثلَ ما أتىمُصلِّ ولا مِنْ أهلِ ميسانَ أقلفُ
تقول لا آسف على ريح عبد، لم يأت أحد مثل الذي أتى به، لا مؤمن ولا كافر.
إذا ما احتبتْ لِي دارمٌ عندَ غايةٍجريتُ إليها جريَ منْ يتغطرَفُ
قوله يتغطرف يعني يسود ويطلب السؤود، والغطريف السيد.
كِلانَا لهُ قومٌ هِمُ يُحلبُونهُبأحسابِهِمْ حتَّى يُرى منْ يُخلَّفُ
ويروى من تخلفوا. يحلبونه يعينونه وينصرونه. يقال جاءهم مدد من الرجال، وجاءهم حلب من
الرجال أي من يعينهم. ومن ثم يقال قد أحلب عليه جموعا بعد جموع، يريد من يعين عليه.
إلى أمدٍ حتَّى يُزايلَ بينهُمْويُوجِعَ مِنَّا النَّخسُ منْ هُوَ مُقرفُ
ويروى يزيل وبيننا. ويروى ويوجع بالنخس الذي هو أقرف. قوله أقرف يريد الهجين المقرف ليس
بعربي، وهو الذي أحد أبويه برذون كما قالت هند:
فإن نتجت مهرا كريما فبالحرىوإن يك إقراف فمن قبل الفحل
عطفتُ عليكَ الحربَ إنِّ إذا ونَىأخُو الحربِ كرَّارُ على القرنِ معطفُ
تُبكي على سعدٍ وسعدٌ مُقيمةٌبيبرينِ منهُمْ مَنْ يزيدُ ويُضعفُ
ويروى قد كادت على الناس تضعف.
عَلى مَنْ وراءَ الرَّدمِ لَوْ دُكَّ عنهُمْلماجُوا كَما ماجَ الجرادُ وطوَّفُوا
ويروى وسعد كأهل الردم لوفض عنهم. ويروى لو دك دكة. قوله لو دك عنهم، يعني لو دق الردم
الذي بيننا وبينهم، يريد السد الذي سده ذو القرنين. يقول ماجوا في الأرض أي ملؤوها. وقوله
وطوفوا يقول خرجوا مثل الطوفان فملؤوها كما ملأ الطوفان الأرض.
فهُمْ يعدلُونَ الأرضَ لوْلاهُمْ استوتْعلى النَّاسِ أوْ كادتْ تسيرُ فتُنسفُ
ولوْ أنَّ سعدا أقبلتْ مِنْ بلادِهالجاءتْ بيبرينَ اللَّيالي تزحَّفُ
هذا مقلوب، أراد لجاءت يبرين بالليالي، أي بجيش مثل الليالي تزجف. وقوله فتنسف يريد فتقلع
شبههم بالجبال.
يقول لجاءت يبرين بعدد من سعد، مثل عدد رمل يبرين. وقوله الليالي تزحف يريد جاء السيل
والليل في كثرتهم وجمعهم، كالليل يملأ كل شيء سواده، يقول فكذلك تملأ كل شيء عددا.
فأجابه جرير فقال
ألا أيُّها القلبُ الطَّروبُ المُكلَّفُأفِقْ رُبَّما ينأى هُواكَ ويُسعفُ
قوله ينأى أي يبعد ويسعف يقرب. يقال قد أسعفه بحاجته أي قارب أن يقضيها له. ويروى ربما
ينأى هواك وتسعف.
ظلِلْتَ وقدْ خبَّرتَ أنْ لستَ جازِعاًلربعٍ بِسلمانينِ عينُكَ تذرِفُ
وتزعُمُ أنَّ البينَ لا يشعفُ الفَتىبلىَ مِثلُ بيني يوم لُبنانَ يشعفُ
قوله يشعف يعني يغلب على الغلب، وهو من قوله تعالى ﴿قَدْ شَغَفَهَا حُبّاً﴾ وقد شغفها حبا بالعين
والغين، قد قرأ القراء بهما جميعا ومعناهما واحد، وهو أن يغلب على القلب الحب ولا يعقل غيره.
وطالَ حِذاري غُربةَ البينْ والنوَّىوأحدوثةً مِنْ كاشحٍ يتقوَّفُ
قوله من كاشح يعني عدوا مطالبا، وقوله يتقوف. يقول يعني بأمري ويقفو أثري ويكذب علي.
ولوْ علمتْ علمي أُمامةُ كذَّبتْمقالةَ منْ يَنعى عليَّ ويعنُفُ
ويروى من يبغي عليَّ ويعنف. ينعي علي أو يخبر الناس أخباري وقوله من يبغي علي ويعنف من
يتقول علي ويعنف في القول ويتجنى عليَّ الباطل.
بأهلِي أهلُ الدَّارِ إذْ يسكُنُونهاوجادكِ مِنْ دارٍ ربيعٌ وصيِّفُ
قولج وجادك، يقول مطرت مطر الجود هو كثرته. وقوله ربيع وصيف يريد مطر الربيع، ومطر
الصيف قبل القيظ، وفيه المنفعة. ومطر القيظ لا منفعة له، فلذلك قال ربيع وصيف.
سمعتُ الحمامَ الورقَ في رونقِ الضُّحَىبذي السِّدرِ مِنْ وادِي المراضَين تهتفُ #نظرتُ ورائِي#
نظرةُ قادَها الهَوى=وألحَى المهارَى يومَ عُسفانَ ترجُفُ
ويروى نظرت أمامي نظرة. ترجف أي تضطرب في الأرض.
تَرَى العرمسَ الوجناءَ يدمَى أظلُّهاوتُحذى نِعالاً والمناسِمُ رُعَّفُ
الأظل ما تحت المنسم من الخف، الوجناء العظيمة الوجنات، قال والعرمس من الإبل الصلبة
الشديدة. وقال الأصمعي العرمس الصخرة، وإنما شبهت الناقة بها إذا كانت صلبة قوية على السفر.
مَددْنا لِذاتِ البغِي حتَّى تقطَّعتْأزابيُّها والشَّدقميُّ المُعلَّفُ
قوله أزابيها يعني جنوبها ونشاطها، الواحدة أزبية. يقول سرنا عليها حتى ذهب مرحها ونشاطها
بعدما كانت ذات بغي أي نشاط.
صرحنَ حَصَى المعزاءِ حتَّى عُيونُهامُهجِّجَةٌ أبصارُهُنَّ وذُرَّف
قوله صرحن يعني ضربن بأرجلهن الحصى لصلابة أخفافها، وقوله مهججة يقول عيونها غائرة، أي
داخلة في الرأس، وذلك للجهد والضمر.
كأنَّ دِياراً بينَ أسنُمةِ النَّقاوبينَ هذالِيلِ النَّحيزَةِ مُصحفُ
فلستُ بِناسٍ ما تغنَّتْ حمامةٌوَلا ما ثَوَى بينَ الجناحينِ رفرفُ
ويروى بين الخبيبين. ويروى بين الجنابين رفرف. قال وهو موضع.
دِياراً مِنَ الحَيِّ الَّذِينَ نُحبُّهُمْزَمان القِرَى والصَّارِخُ المُتلهِّفُ
هُمُ الحيُّ يربُوعٌ تعادَى جيادُهُمْعَلى الثَّغْر والكافُونَ ما يُتخَوَّفُ
عليهِم مِنَ الماذيِّ كُلُّ مُفاضَةٍدِلاصٍ لَها ذَيلٌ حصِينٌ ورفرفُ
ولا يستوِي عقرُ الكرُومِ بِصوأرٍوذُو التَّاجِ تحتَ الرايةٍ المُتسيَّفُ
المتسيف الذي معه سيفه، والكزوم الناقة المسنة الضعيفة. والمتسيف الذي يقتل تحت الراية بالسيف.
ومولَى تميمٍ حينَ يأوي اليهِموإنْ كانَ فيهِمْ ثروةُ العزِّ مُنصَفُ
قوله مولي تميم، يريد ابن عمهم. وهو من قوله تعالى ﴿وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِن وَرَائِي﴾ وهم بنو
العم. وقوله منصف غير مظلوم، وهذا مثل قول الفرزدق: منازيل عن ظهر القليل كثيرنا.
بَنِي مالِكٍ جاءَ القُيونُ بمُقرِفٍإلى سابِقٍ يجرى ولاَ يتكلَّف
المقرف الهجين يعني الفرزدق. والسابق يعني نفسه.
ومَا شَهِدَتْ
النص من طبعة المجمع الثقافي بأبو ظبي (١٩٩٨م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع