تجاوز إلى المحتوى

من «شرح نقائض جرير والفرزدق» لأبي عبيدة (ت ٢٠٩هـ)

يومَ الأيادِ

مُجاشِعٌوذَا نجبٍ يومَ الأسِنَّةِ ترعفُ

ويروى يوم العبيط. قال وكان من حديث الاياد، حدثنا أبو عثمان قال، قال أبو عبيدة:

يوم الاياد

هو يوم العُظالى، ويوم الإفاقة، ويوم أعشاش، ويوم مليحة، وإنما سمى يوم العظالى، لأنه تعاظل

على الرئاسة بسطام، وهانئ بن قبيصة، ومفروق بن عمرو، والحوفزان يوم العظالى. قال وكانت

بكر تحت يد كسرى وفارس. قال فكانوا يقوونهم ويجهزونهم، فأقبلوا من عند عامل عين التمر في

ثلاثمائة متقابلين - يعني متساندين - يتوقعون انحدار بني يربوع في الحزن، وكانوا يتشتون جفافا،

فإذا كان انقطاع الشتاء انحدروا إلى الحزن. قال فاحتمل بنو عتيبة وبنو عبيد وبنو زبيد من بني

سليط أول الحي، حتى أسهلوا ببطن نجفة مليحة. قال فطالعت بنو زبيد في الحزن حتى حلوا الحديقة

بالأفاقة. وحلت بنو عتيبة وبنو عبيد روضة الثمد، قال ويقبل الجيش حتى ينزلوا الهضبة، هضبة

الخصي، ثم بعثوا ربيئتهم، فأشرف الخصي وهو في قلة الحزن، فرأى السواد في الحديقة، وتمر إبل

فيها غلام شاب من بني عبيد بالجيش - قال هبيرة يقال له قرط بن أضبط - فعرفه بسطام، وكان

عرف عامة غلمان بني ثعلبة حين أسر - وقال سليط لا، بل هو المطوح بن قرواش - فقال له

بسطام إيه يا مطوح، أخبرني خبر حيك، أين هم من السواد الذي بالحديقة؟ قال هم بنو زبيد. قال

أفيهم أسيد بن حناءة؟ قال نعم. قال كم هم من بيت؟ قال خمسون بيتا. قال

فأين بنو عتيبة وأين بنو أزنم؟ قال نزلوا روضة الثمد. قال فأين سائر الناس؟ قال محتجزون بجفاف - وجفاف موضع

معروف - قال فمن هناك من بني عاصم، أين الأحيمر؟ قال فيهم. قال أيم معدان وقعنب ابنا عصمة.

قال هما فيهم. قال فأين وديعة بن الأوس الأزنمي؟ قال فيهم. قال فمن فيهم من بني الحارث بن

عاصم؟ قال حصين بن عبد الله وعفاق بن عبد الله. فقال بسطام أتطيعونني، أرى لكم أن تميلوا على

هذا الحي الحريد - يعني المتنحي - من بني زبيد، فتصبحوا غدا غانمين بالفيفاء سالمين. فقالوا وما

تغني بنو زبيد عنا لا يردون رحلتنا. قال إن السلامة إحدى الغنيمتين. قالوا إن عتيبة قد مات. وقال

مفروق قد انتفخ سحرك يا أبا الصهباء. وقال هانئ أجبناً. فقال لهم إن أسيدا لم يكن يظله بيت شاتيا

ولا قائظا، يبيت القفر متوسدا طول الشقراء، لم تبت عنه نفسا - أي لم تكن متباعدة عنه منذ كان -

فإذا أحس بكم تسفد الشقراء - يعني علاها - قال وهو مأخوذ من أن يسفد الذكر الأنثى إذا علاها. -

والشقراء اسم فرسه - فركض حتى يشرف مليحة، فينادي يال يربوع، فيركب فيتلقاكم طعن ينسيكم

الغنيمة، ولم يصر أحد مصرع صاحبه، وقد جبّنتموني فأنا تابعكم. ثم قال لهم وستعلمون ما أنتم

لاقون غدا. قالوا نقبل فنتلقط بني زبيد، ثم بني عبيد، وبني عتيبة كما تتلقط الكمأة، ونبعث فارسين

فيكونان بطريق أسيد، فيحولان بينه وبين يربوع. فبعثوا بفارسين فوقفا في ليلة أضحيان - يعني

مقمرة - حيث أمرا - يقال إضحيان وأضحيان بكسر الألف وضمها. قال أبو عبد الله الضم شاذ -

قال فلما أحست الشقراء بوئيد الخيل - أي بوقع حوافرها - وقد أغاروا ثم أقبلوا. بحثت بيدها فحال

أسيد في متنها - يقال حال في متن فرسه. قال أبو النجم:

فحال والسربال في أحشائه -

قال فابتدروه الفارسان فطعنه أحدهما فألقى نفسه في شق فأخطأه ثم كر راجعاً فقال تالله نتكاذب الليلة

فمن أنتم قالوا بسطام ومفروق وهانئ، فقال أسيد يا سوء صباحاه ثم ولي حتى أشرف مليحة ثم نادى

يا سوء صباحاه يا آل يربوع فقال وديعة بن أوس فكاني أنظر إلى ضوء الفجر بين منسج الشقراء

واسته - قال وكان قلعا - فلم يتودع من أهل مليحة أحد قال فلم يرتفع الضحى حتى تلاحقوا بغبيط

الفردوس فقال أسيد: لبث قليلا تلحق الحلائب.

فقال بسطام:

صباح سوء لكم النواعب

قال وبعدت على معدان وأخيه قعنب ابني عصمة، والأحيمر، ونهيك ابن عبد الله، وعفاق بن أبي

مليل، ووديعة بن أوس، ودراج بن النحار، وعمارة والحليس ابني عتيبة، خيولهم فركبوا آخر الناس،

فلم يأخذوا مأخذ مالك بن نويرة، وصرد بن جمرة، وقعنب بن سمير، وجزء بن سعد على الإفاقة،

فلما طلعوا على الثنية، رأوا أم درداء السليطية عريانة تعدو، قال فألقى قعنب بن عصمة، عصابة

كانت فوق بيضته عليها، وهو على فرسه البيضاء، وقالوا ارفعوا خيولكم. فالتقى الذين أخذوا بطن

الافاقة والحديقة، والذين جاءوا من الثنية، فالتفتوا فعرف بسطام الأحيمر، فقال أحيمر هو؟ قال نعم.

قال لقد عهدتك بطلا محدودا، وإني لأنفسك على الموت، فأعط بيدك لا تقتل، فقال أبعد بحير ومالك

ابن حطان تؤبسني - قال هو تؤشبني - على الحياة أي تحرضني. في نسخة ابن سعدان أبعد بجير.

قال أحمد بن عبيد، ثم رماه بفرسه

الشقراء. قال وزعمت بنو ثعلبة أن الأحيمر لم يطعن برمح قط إلا

انكسر. قال فكان يقال له مكسر الرماح. فلما أهوى ليطعنه ولى بسطام فانهزم. ولقى فُقحل الشيباني

عمارة بن عتيبة فقتله. ويحمله قعنب على فقحل فقتله. وقتل الدعاء عفاق بن أبي مليل - وقال آخر

بل قتله الضريس بن مسلمة، أخو بني أبي ربيعة - ولم يقتل من بني يربوع يومئذ غيرهما فيما

زعم. وأسر بشر بن حثمة السليطي الدعاء. وعميرة ابن طارق خال الدعاء. فلم يقتله بشر لذلك وأخذ

فداءه ثم خلاه. وأسر وديعة بن أوس بن مرثد هاني بن قبيصة، ففاداه فقال في ذلك جرير:

رجعن بهانئ وأصبن بشراوبسطاما تعض به القيود

ويروى يعض به الحديد. قال أبو عبيدة، وزعم سليط أن قعنب بن عصمة قتل مفروقا فدفن بثينة من

أرضنا يقال لها إلى اليوم ثنية مفروق.

وأسر لأم بن سلمة رجلا من بني شيبان، يقال له ابن المقعاس، قتل يوم حومل عصمة بن النحار،

فادعى بشر بن حثمة السليطي فيه، فاشترى بنو أزنم نصيبه بتسع من الإبل. وقالوا للأم بعنا نصيبك

منه، فانه ثأرنا. قال أبيعكموه بمائة من الإبل. فقالوا لا نبالي ألا تبيعناه، نقطع نصيبنا منه فنذهب به

إلى أهلنا، وتذهب أنت بنصيبك إلى أهلك. قال كذبتم والله لا تقتلون أسيري. فلما رأى الشر باعهم

نصيبه بتسعة ابعرة، كما باعهم صاحبه فقتلوه بعصمة بن النحار. وقتل حصين بن عبد الله الثعلبي

زهير بن الحزور الشيباني. قال أبو عثمان قال الأصمعي: وزعم جهم أن أحيمر أسر عميرة بن الحزور

الشيباني، فدفعه إلى أبي مليل فقتله. وقتلوا أيضا الهيش بن المقعاس. وقتلوا عمير بن

الوداك. وقتلوا أخا فقحل بن مسعدة. وقتلوا كرشاء. وأسر ابنا العوام يزيد وشنيف. وقال آخرون بل

ظن أبوهما أنهما قد قتلا وأسرا، ثم أتياه بعد. وأما بسطام فألح عليه فرسان من بني يربوع. قال وكان

دارعا وكان على ذات النسوع فرسه، فكانت إذا أجدت لم يتعلق بها شيء من خيلهم. فإذا أوعثت

كادوا يلحقونها، فلما رأى ذلك بسطام نثل درعه، فوضعها بين يديه على قربوس السرج، وكره أن

يرمى بها، وخاف أن يلحق في الوعث، فلم يزل ذلك ديدنه وديدن القوم، حتى حميت الشمس عليهم

فخاف اللحاق فمر بوجار ضبع، فرمى بالدرع فيه، فمد بعضها بعضا حتى غابت في الوجار - قال

والوجار جحر من جحرة الضبع - قال فلما خفت عنها، امغطت ففاتت الطلب، فكان آخر من أتى

قومه بعد ما ظنوا أنه قد قتل. قال أبو جعفر: قوله امغطت امتدت وأسرعت لا تلوي على شيء. فقال

متمم بن نويرة في أسيد بن حناءة:

لعمري لنعم الحي أسمعَ غدوةًأسيدٌ وقد جد الصراخ المصدق
للشاعر مُتَمِّم بن نويرة اليربوعي، اقرأ القصيدة
فأسمع فتيانا كجنة عبقرلهم رَيِّق عند الطعان ومصدق
للشاعر مُتَمِّم بن نويرة اليربوعي، اقرأ القصيدة
أخذن به جنبي أفاق وبطنهافما رجعوا حتى أرقوا وأعتقوا
رأوا غارة تحوي السوام كأنهاجرادٌ ضُحِيّا سارح متورق
للشاعر مُتَمِّم بن نويرة اليربوعي، اقرأ القصيدة

وقال العوام الشيباني في بسطام وأصحابه:

إن يك في يوم الغبيط ملامةفيوم العظالى كان أخزى وألوما
أناخوا يريدون الصباح فصبحواوكانوا على الغازين دعوة اشأما
فررتم ولم تُلووا على مجحريكملو الحارث الحراب يدعى لأقدما
وما يجمع الغزو السريع نفيرهوأن يحرموا يوم اللقاء القنا الدما
ولو أن بسطاما أطيع بأمرهلأدى إلى الأحياء بالحنو مغنما
ولكن مفروق القفا وابن خالهألاما فليما يوم ذاك وشوِّما
ففر أبو الصهباء إذ حمس الوغىوألقى بابدان السلاح وسلما
وأيقن أن الخيل إن تلتبس بهيقظ عانيا أو يملأ البيت مأتما
ولو أنها عصفورة لحسبتهامسومة تدعو عبيدا وأزنما
للشاعر البعيث المجاشعي، اقرأ القصيدة
أبى لك قيد بالغبيط لقاءهمويوم العظالى إذ نجوت مكلما
فأفلت بسطام جريضا بنفسهوغادرن في كرشاء لَدنا مقوَّما
وقاظ أسيرا هانئ وكأنمامفارق مفروق تغشَّين عندمَا

وقال العوام يلوم أصحاب بسطام، حين آبوا ولم يؤب معهم، وفي ابنيه يزيد وشنيف:

لو كنت في الجيش إذمال الغبيط بهمما أبت قبل أبي زيق ولم يؤب

أبو زيق بسطام وزيق ابنه:

أعزز علي ولم أشهد فأمنعهمَدعى يزيد شنيفاً ثم لن يجب
ما يبتغي لرداف بعدُ سلهبةًقرواء مرخية التقريب والخبب

وقال أيضا:

قبح الإله عصابة من وائليوم الإفاقة أسلموا بسطاما
ورأى أبو الصهباء دون سوامهمعركا يسلي نفسه وزحاما
كنتم أسودا في الرخا فوجدتُميوم الإفاقة بالغبيط نعاما

ويروى في الرخاء وفي الوغا أيضاً. قال فلما ألح عوام في ذلك، أخذ بسطام إبله، فقالت أمه

أرى كل ذي شِعْرٍ أصاب بشعرهسوى أن عوَّاما بما قال عيَّلا
فلا تنطقن شعرا يكون حوارهكما شعر عوام أعام وأرجلا

ويروى جوازه، وقال قطبة بن سيار بن منذر بن ثعلبة بن حصبة ابن أزنم في هذا اليوم:

ألم تر جثمان الحمار بلاءَناغداة العُظالى والوجوه بواسر
غداة دعا الداعي أسيد صباحهوللقوم في صم العوالي جوائر
فطرنا إلى الوجوه جياد كأنهاجراد تبارى وجهة الريح باكر
ونجت أبا الصهباء كبداء نهدةغدائتذ وأنساته المقادر
إذا شام فيها رجله جنات لهكما جنات في الجو فتخاء كاسر
يجيش بطوفان من الشد جريهاكماسح شؤبوب من الوبل ماطر
يقول له الدعاء راخ عنانهاأتتك حياض الموت أمك غابر

قال أبو عبد الله، يقال جنئ يجنأ في الخلقة، وجنأ عليه أي عطف

عليه، قال أبو عبد الله ويروى

عابر بالعين غير معجمة وبالغين معجمة. فبالغين معجمة الباقية، وبالعين مهملة من العبرة قال أحمد

ابن عبيد، قال ابن عباس ﵄ وغيره من أهل العلم، الغابر الباقي، ليس بينهم في ذلك

اختلاف، تفسير الغابر الباقي لقوله "يستأصلون غابرهم" قدمناه وهو مؤخر. قال أبو عبيدة: هو بسطام

ابن قيس بن مسعود بن قيس بن خالد بن عبد الله بن عمرو بن الحارث ابن همام بن مرة بن ذهل

بن شيبان. وهو بيت ربيعة. وهانئ بن قبيصة بن هانئ ابن مسعود بن عامر بن عمرو بن أبي

ربيعة بن ذهل بن شيبان. ومفروق بن عمرو بن قيس بن عامر بن عمرو بن أبي ربيعة بن ذهل

ابن شيبان. وهمام البيت الثاني. وقيس خال مفروق وبسطام خال هانئ.

النص من طبعة المجمع الثقافي بأبو ظبي (١٩٩٨م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «شرح نقائض جرير والفرزدق»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.