من «شرح نقائض جرير والفرزدق» لأبي عبيدة (ت ٢٠٩هـ)
وهذا حديث يوم الكلاب
قال أبو عبيدة: وكان من حديث يوم الكلاب الأول، فيما حدث خراش وابن الكلبي هشام بن محمد،
ان الحارث الملك بن عمرو المقصور بن حجر آكل المرار الكندي، كان فرق بينه في قبائل العرب.
قال فصار شراحيل بن الحارث في بكر بن وائل، وحنظلة مالك، وبني ابن زيد بن تميم، وبني أسيد،
وطوائف من بني عمرو بن تميم، والرباب. قال وصار سلمة بن الحارث في بني تغلب، والنمر بن
قاسط، وسعد بن زيد مناة ابن تميم. قال وكانت طوائف من بني دارم بن مالك ابن حنظلة من ولد
أسيدة بنت عمرو بن عامر بن امرئ القيس بن فتية بن النمر بن وبرة بن تغلب بن حلوان بن
عمران بن الحاف بن قضاعة، مع اخوتهم التغلبيين لأمهم في بني تغلب - وبني أسيدة بنت عمرو
بن دارم بن مالك بن حنظلة، وربيعة بن مالك بن حنظلة، واخوتهم لأمهم بنو جشم بن بكر بن حبيب
بن عمرو بن غنم بن تغلب، وهم زهير ومالك وسعد ومعاوية والحارث وعمرو وعامر بنو جشم بن
مالك - ومع سلمة الصنائع، وهم الذين يقال لهم بنو رقية، رجال كانوا يكرهون مع الملوك من شذاذ
الناس، أي ممن شذ منهم، أي طرداء الأحياء. قال فلما هلك أبوهم الحارث بن عمرو، تشتت أمرهم
وتفرقت كلمتهم. قال ومشت الرجال بينهم، فكانت المغاورة بين الأحياء التي معهم، يغير بعضهم على
بعض، وتفاقم أمرهم حتى جمع كل واحد منهما لصاحبه الجموع، وزحف بعضهم بالجيوش. قال
فسارت بكر بن وائل ومن معهم من قبائل حنظلة،
وبني أسيد بن عمرو بن تميم، وطوائف من بني عمرو بن تميم والرباب، فنزلت الكلاب.
وهو ماء بين البصرة والكوفة وذلك على بضع عشرة ليلة
من اليمامة - على سبع ليال أو نحوها - وأقبل سلمة في بني تغلب والنمر وأحلافها، وفي بني سعد
بن زيد مناة بن تميم، ومن كان معم من قبائل حنظلة، وفي الصنائع. قال وهم أتباع الملوك -
يريدون الكلاب - قال وكان نصحاء شرحبيل وسلمة قد نهوهما عن التفاسد والتحاسد وحذرهما
الحرب وعثراتها وسوء مغبتها. قال فلم يقبلا ذلك وأبيا إلا التتابع واللجاجة. فقال سلمة في ذلك.
إنى عليَّ استب لومكماولم تلوما عمرا ولا عصما
كلا يمين الآله يجمعناشيء وأخوالنا بني جشما
حتى تزور الضباع ملحمةكانها من ثمود أو إرما
قال وكان أول من ورد الكلاب من جموع، سلمة بن الحارث الملك سفيان بن مجاشع، جد الفرزدق
- وهو همام بن غالب بن غالب بن صعصعة بن ناجية بن عقال بن محمد بن سفيان بن مجاشع بن
دارم - قال وكان نازلاً في بني تغلب مع إخوته لأمه. قال: فقتلت بكر بن وائل ستة بنين له فيهم
مرة بن سفيان - قتله سالم بن كعب بن عمرو بن أبي ربيعة بن ذهل بن شيبان - وقرط بن سفيان
ونبيه بن قرط بن سفيان. فقال سفيان حين قتل ابنه مرة:
الشيخ شيخ ثكلانوالجوف جوف حران
والورد ورد عجلانأنعى اليك مرة بن سفيان
قال وفي ذلك اليوم قال الفرزدق:
فوارس منهم عُدُسُ بنْ زيدوسفيانُ الذي وَردَ الكُلابا
ويروى شيوخ. قال وأول من ورد الماء من بني تغلب رجلان، رجل من بني عبيد بن جشم على
فرس يقال له الخروب وبه كان يعرف، وهو نعمان بن قريع بن حارثة بن معاوية بن عبيد بن جشم.
قال ثم ورد سلمة ببني تغلب وسعد وجماعة الناس. قال وعلى بني تغلب السفاح، وهو سلمة بن خالد
بن زهير بن كعب بن أسامة بن مالك بن بكر بن حبيب وهو يقول:
إن الكلاب ماؤنا فخلوهوساجرا والله لن تحلوه
قال فاقتتل القوم قتالاً شديداً وثبت بعضهم لبعض. قال حتى إذا كان آخر النهار من ذلك اليوم خذلت
بنو حنظلة وعمرو بن تميم والرباب بكر بن وائل. قال وانصرفت بنو سعد وألفافها عن بني تغلب.
وصبرابنا وائل بكر وتغلب، ليس معهم غيرهم حتى غشيهم الليل. ونادى منادي شرحبيل: من أتاني
برأس سلمة، فله مائة من الابل. ونادى منادي سلمة: من أتاني برأس شرحبيل، فله مائة من الابل.
قال وكان شرحبيل نازلا من بني حنظلة وعمرو بن تميم والرباب، ففروا عنه. قال وعرف أبو
حنش، وهو عصم بن النعمان بن مالك بن عتاب بن سعد ابن زهير بن جشم بن بكر، مكان شرحبيل
فقصد نحوه، قال فلما انتهى اليه رآه جالسا وطوائف من الناس يقتتلون حوله، فطعنه بالرمح ثم نزل
إليه فاحتز رأسه، وأتى به سلمة، والناس حوله فطرح الرأس بين يديه. فانحازت بكر بن وائل لما
قتل صاحبهم من غير هزيمة تذكر. قال وقال أناس آخرون: إن بني حنظلة وعمرو بن تميم والرباب
لما انهزمت، خرج معهم شرحبيل،
ولحقه ذو السنينة، وذلك أنه كانت له سن زائدة، واسمه حبيب بن
بعج بن عتبه بن سعد بن زهير بن جشم - في نسخة ابن سعدان واسمه حبيب أيضا - قال فالتفت
إليه شرحبيل، فضرب ذا السنينة على ركبته فأطن رجله وكان ذو السنينة أخا أبي حنش لأمه، أمهما
سلمى بنت عدي بن ربيعة أخي كليب ومهلهل - فقال ذو السنينة: يا أبا حنش قتلني الرجل - فقال
أبو حنش: قتلني الله إن لم أقتله. قال ومات ذو السنينة. فحمل أبو حنش على شرحبيل فأدركه،
فالتفت إليه شرحبيل فقال: يا أبا حنش اللبن اللبن. قال قد هرقت لنا لبنا كثيرا. فقال: يا أبا حنش
أملك بسوقه. قال إنه كان ملكي يعني أخاه قال فطعنه أبو حنش فأصاب رادفة سرجه، فورعت عنه
ثم أهوى له فألقاه عن الفرس، ثم نزل إليه فاحتز رأسه، وبعث به إلى سلمة مع ابن عم له، يقال له
أبو أجأ بن كعب بن مالك بن عتاب. فأتى به سلمة فطرحه بين يديه. فقال سلمة لو كنت ألقيته إلقاء
رفيقا، قال ما صنع به وهو حي شر من هذا، قال وعرف القوم الندامة في وجهه والجزع على أخيه.
وهرب أبو حنش فتنحى عنه. فقال معدي كرب أخو شرحبيل وكان صاحب سلامة معتزلا عن
حربهما. ويقال إن الشعر لسلمة لا لمعدي كرب:
ألا أبلغ أبا حنش رسولافمالك لا تجيء إلى الثواب
تعلم أن خير الناس طراًقتيل بين أحجار الكُلاب
تداعت حوله جُشَمُ بنُ بكروأسلمة جعاسيس الرباب
قتيل ما قتيلك يا ابن سلمىتضربه صديقك أو تحابي
فأجابه أبو حنش فقال:
أحاذر أن أجيئك ثم تحبوحباء أبيك يوم صُنَيبعات
وكانت غدرةٌ شنعاء سارتتقلَّدها أبوك إلى الممات
تتابع سبعة كانوا لأمكأجرام النعام الحائرات
في نسخة ابن سعدان كأحراج النعام. يعني البيض. قوله يوم صنيبعات، أن ابنا للحارث كان
مسترضعا بين حيين من العرب، تميم وبكر فمات. يقال لدغته حية. فأخذ خمسين رجلا من بكر
فقتلهم بذلك. قال وكان معدي كرب بن عكب بن عكب بن كنانة بن تيم بن أسامة بن مالك بن بكر بن
حبيب، من سادات بني تغلب وأشرافهم، وله يقول الشاعر:
إن سرك العز التليد في العربفالحق بأولاد عكب بن عكب
قال وكان أخذ درع شرحبيل منه فطلبها منه أبو حنش ورهطه، فأبى أن يدفعها إليهم. فأغار رهط
أبي حنش، فأخذوا إبلاً لرجل من بني تيم ابن أسامة بن مالك، رهط معدي كرب بن عكب بن عكب.
فقال الذي أخذت إبله:
ألا أبلغ بني تيم رسولافإني قد كبرت وطال عمري
وإن الدهم قد علمت معدمحبسة لدى عصم بن عمرو
وطار بها بنو حسان عنيبأفراس لهم حو وشقر
وأرماح لهم سمر طوالكأن كعوبهن حباب قطر
قال وبلغ الخبر علفاء معدي كرب أخا شرحبيل، فقال يرثي أخاه ويذكر مصابه:
إن جنبي عن الفراش لنابكتجافي الأسرَّ فوق الظراب
قوله الأسر ن قال الأسر من السرر، وهو داء يأخذ البعير في كركرته فتسيل ماء، فإذا برك في
موضع غليظ تجافى لشدة الوجع.
من حديث نما إليَّ فما ترفأ عيني وما أسيغ شرابي
مرة كالذعاف أكتمها الناس على حرِّملة كالشهاب
من شرحبيل إذ تعاوره الأرماح من بعد لذة وشباب
يا ابن أمي ولو شهدتك إذ تدعو تميما وأنت غير مجاب
لتشدَّدت من ورائك حتىتبلغَ الرحبَ أو تبز ثيابي
أحسنت وائل وعادتها الإحسان بالحنو يوم ضرب الرقاب
يوم فرت بنو تميم وولتخيلهم يتقين بالأذناب
ويحكم يا بني أسيّد إنيويحكم ربكم ورب الرباب
أين معطيكم الجزيل وجابيكمعلى الفقر بالمئين الكباب
والثمانين قد تخيرها الراعي ككرم الزبيب ذي الأعناب
فارس يضرب الكتيبة بالسيف على نحره كنضح الملاب
وقال السفاح في ذلك:
هلاّ سألت وريب الدهر ذو غيرأن كيف صقعتنا ذهل بن شيبانا
أما بنو الحصن إذ شالت نعامتهمفيخرج المرء من ثوبيه عريانا
أما الرباب فولونا ظهورهموأجزرونا أبا سلمى وسفيانا
قوله وأجزرونا أبا سلمى، يقول صيرونا جزرا للأعداء. وأبو سلمى
من بني رياح أحد بني هرمي بن رياح. وسفيان بن حارثة بن سليط ابن يربوع.
وفي نسخة ابن سعدان، جارية بن سليط. وقال السفاح في ذلك أيضاً:
وردنا الكلاب على قومنابأحسن ورد لهيجا شعارا
وقد جمعوا جمعهم كلهوجمع الرباب لنا مستعارا
وقال أبو اللحام التغلبي، وأسمه سريع بن عمرو. وعمرو هو اللحام ابن الحارث بن مالك بن ثعلبة
بن بكر بن حبيب.
ربعنا بالكلاب وما ربعتموأنهبنا الهجائن بالصعيد
سقينا الابل غبّا بعد عشروغبا بالمزاد من الجلود
وجرد كالقداح مسوماتشوازب محلسات باللبود
بكل فتى أطار الغزو عنهبشاشة كل سر بال جديد
وقال جابر بن حني في ذلك أيضاً:
ويوم الكلاب قد أزالت رماحناشرحبيل إذ ألية مقسم
ليستلبن أدراعنا فأزالهأبو حنش عن ظهر شقّاء صلدم
تناوله بالرمح ثم ثنى لهفخر صريعا لليدين وللفم
وكان معادينا تهر كلابهمخافة جمع ذي زهاء عرمرم
قال: فلما قتل شرحبيل قامت بنو سعد بن زيد مناة دون أهله وعياله، فمنعوهم وحالوا بين الناس
وبينهم، حتى ألحقوهم بقومهم ومأمنهم. قال: وولي لك عوير بن شجنة بن الحارث بن عطارد بن
عوف بن كعب بن سعد بن زيد مناة. قال وحشد له في ذلك رهطه ونهضوا معه فيه، فأثنى عليه
امرؤ القيس بن حجر بن الحارث بذلك في أشعاره وامتدحهم، وذكر ما كان من كريم وفائهم وفعالهم،
ووصف ما كان من صبر قبائل بكر بن وائل، وما كان من محاماتهم. وخص بني قران، وهو عبد
الله بن عبد العزى بن سحيم بن مرة بن الدول - والديل أيضا يقالان - أبي حنيفة ومحرق بن سعد
بن مالك ابن ضبيعة بن قيس بن ثعلبة، وبني مرثد وهو مرثد بن سعد بن مالك. قال وهجا بني
حنظلة وذكر ما كان من خذلانهم وفرارهم وإسلامهم شرحبيل وانهزامهم، وفصل قبائل حنظلة قبيلة
قبيلة فعم البراجم وغيرهم، من بني دارم بن مالك بن حنظلة، وهم زيد ابن نهشل، وقطن بن نهشل
وأمهما ماوية المنقرية امرأة من الأراقم من بني تغلب، الذين قال امرؤ القيس:
بلغ ولا تترك بني ابنةِ مِنقرٍوفقرِّهُمُ إني أُفقِّرُ جابرا
قوله فقرهم، يقول فصلهم فقرة فقرة أي قبيلة قبيلة. يعني بني عوف رهط عوير بن شجنة، وهو
عوف بن كعب بن سعد. وقال امرؤ القيس:
إن بني عوف ابتنَوْا حسباضيَّعه الدُّخُلُلون إذ غدروا
أدوا إلى جارهم ذمامهمولم يضيعوا بالغيب من نصروا
ويروى خفارته. ويروى ولم يضع بالمغيب.
لم يفعلوا فعلَ حنظل بهمبئس لعمري بالغيب ما ائتمروا
قوله حنظل يعني بني حنظلة - ويروى:
لم يفعلوا فعل آل حنظلةإنهم جَيْر بئسما ائتمروا
لا حميريٌّ وَفَى ولا عُدَسٌولا استُ عيرٍ يحكها الثغر
قوله لا حميري، يريد حميري بن رياح بن يربوع. وعدس بن زيد بن عبد الله بن دارم.
لكن عُوَيرٌ وَفى بذمتهلا عَورٌ ضره ولا قصر
كالبدر طلق حلو شمائلهلا البخل أزرى به ولا الحصر
من معشر ليس في نصابهمعيب ولا في عيدانهم خور
بيض مطاعيم في المحول إذا أستروح ريح الدخان والقتر
وقال امرؤ القيس أيضاً:
أحنظل لو حاميتم وكرمتملأثنيت خيرا صالحاً ولأرضاني
وقال أيضا:
ألا قبح الله البراجم كلهاوقبح يربوعا وجدع دارما
قال أبو عبيدة، وكان الكلاب يوما من أيام العرب المشهورة
المذكورة، فقال فيه شعراء الإسلام وافتخروا بفضلهم فيه، وعير بعضهم بعضا،
فقال الأخطل في ذلك مما يدل على تصديقه:
أبني كليب إن عمي اللذاقتلا الملوك وفككا الأغلالا
وأخوهما السفاح ظمّأ خيلهحتى وردن جبى الكلاب نهالا
وقال الأخطل أيضا. قال وكان أتى العراق في حمالة تحملها، فسأل مالك بن مسمع، وهو أبو غسان.
فقال له مالك عندي إلا التراب، ألست القائل:
إذا ما قلت قد صالحتَ بكراأبي الأضغانُ والنسبُ البعيدُ
قال بلى، أنا صاحب ذلك وصاحب ما استأنف. قال وقد كان الأخطل قال قبل ذلك بزمان:
هما أخوان عيشهما جميعرداء الملك بينهما جديد
فأجابه جرير بن خرقاء أخو بني عجل فقال:
أطال الله رغمك يا ابن دوسفقبل اليوم أحزنك الحديد
تعيرنا الدماء بوارداتوأنت بمأزق منا شريد
معناه أنت شريد بمأزق منا:
ويوم الحنو قد علمت معدحصدناكم كما حصدت ثمود
فإن تذكر ليالي وارداتفإن الدهر مؤتنف جديد
أتغضب أن تعزّ الناس بكروبيت العزّ في بكر تليد
فأجابه الأخطل فقال:
ألا تنهى بنو عجل جريراًكما لا تنتهي عنا هلال
وما تغني عن الذهلين إلاكما يغني عن الغيم الخيال
وقال الأخطل أيضا:
غدا ابنا وائل ليعاتبانيوبينهما أجل من العتاب
أمور لا يُنام على قذاهاتُغِص ذوي الحفيظة بالشراب
ترقوا في النخيل وأنسئونادماء سراتكم يوم الكلاب
فبئس الظاعنون غداة شالتعلى القُعُدات استاه الرباب
نكر بنات حلاب عليهمونزجرهن بين هَلٍ وهاب
رجع إلى شعر الفرزدق:
يَقُودُ الخيلَ تركبُ مِنْ وَجاهانَواصِيها وتغتصِبُ النِّهابا
تفرَّعَ في ذُرى عوْفِ بِنْ كعْبٍوتأبَى دارِمٌ لي أَنْ أُعابا
قوله تفزع في ذرى عوف بن كعب، فإن أم سفيان بن مجاشع شراف بنت بهدلة بن عوف بن كعب
بن سعد.
وضَمرَةُ والمُجبِّرُ كانَ مِنهُموذُو القَوْسِ الَّذي رَكزَ الحِرابا
قوله وضمرة يعني ضمرة بن ضمرة بن جابر بن قطن بن نهشل. والمجبر هو سلمى بن جندل بن
نهشل بن دارم. وذلك أنه كانت أصابت قومه سنة فجبرهم. وقوله وذو القوس يعني حاجب بن زرارة
ابن عدس بن زيد بن عبد الله بن دارم. وذلك أنه كان رهن قوسه كسرى عن العرب، فوفى له بما
ضمن له. قال أبو عثمان عن أبي عبيدة: وكان من حديث قوس حاجب بن زرارة ورهنه إياه، أن
رسول الله ﷺ دعا على مضر فقال: "اللهم اشدد وطأتك على مضر، وابعث عليهم
سنين كسني يوسف". قال فتوالت عليهم الجدوبة والقحط سبع سنين حتى هلكوا. قال وأنزل الله تعالى
﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاء بِدُخَانٍ مُّبِينٍ﴾ قال أبو عبيدة حدثنا ابن عون: ان الدخان قد مضى في تحقيق
الحديث. قال فلما رأى حاجب الجهد والجدب على قومه، جمع بني زرارة فقال: إني قد أزمعت على
أن آتي الملك فأطلب إليه أن يأذن لقومنا، فيكونوا تحت هذا البحر حتى يحيوا. قال والبحر الريف.
فتلكأ بعضهم عليه، وقال بعضهم رشدت فافعل. غير أنا نخاف عليك بكر بن وائل، لما كان بيننا
وبينهم ولابد لك من ورود مياههم. فقال ما منهم وجه من الناس ولا شريف إلا ولي عنده يد خضراء،
إلا ابن الطويلة التيمي، وأنا أرجو أن أداريه، ثم ارتحل فجعل لا يأتي على ماء لبكر إلا أكرمه
سيدهم، ونحر له وقراه، حتى نزل قصوان وعليه ابن الطويلة التيمي - قال واسم ابن الطويلة سويد
بن زهير بن حريث بن ربيعة ابن بكر بن أبي سود بن مالك بن حنظلة. ويقال ان أمه طهوية ولدت
طهية بنت عبشمس بن سعد أبا سود، وعوذاً ابني مالك بن حنظلة، وأخوهما خشيش بن مالك، وليس
من امهما. في نسخة ابن سعدان حشيش بالحاء غير المعجمة - فلما أضاء الصبح وناديهم قريب من
منزل حاجب الذي حل فيه، دعا حاجب بنطع، ثم أمر فصب عليه التمر، ثم نادي حاجب حيّ على
الغداء. قال فنظر ابن الطويلة فإذا هو بحاجب، فقال لأهل المجلس أجيبوه فانه سيد قومه، فأتوه
فأكلوا، واهدى اليه ابن الطويلة جزوراً وشياها، فنحر وأكل وأطعم. قال فلما أراد حاجب أن يرتحل،
قال له ابن الطويلة إني معك حتى تبلغ مأمنك، فإني لا أدري ما يعرض لك أمامك. قال حاجب ليس
أمامي أحد أخافه علي. قال وارتحل حاجب. فزعم ناس من غير بني تميم أنه أتى إياس بن قبيصة
الطائي، عامل كسرى على الحيرة والعرب الذين يلونهم. قال فكتب له إلى كسرى. قال وزعمت بنو
تميم أنه أتى كسرى. وزعم أبو عبيدة أنه أتى القائد الذي كان على الأساورة، الذين يكونون على حد
العجم. قال فلما شكى إليه الجهد في أنفسهم وأموالهم، وطلب أن يأذن له فيكونوا في حد بلاده حتى
يعيشوا ويحيوا. فقال له إنكم معشر العرب غدر حرصاء على الفساد، فإن أذنت لهم أفسدوا البلاد
وأغاروا على الرعية وآذوهم. قال له حاجب فإني ضامن للملك أن لا يفعلوا. قال ومن لي بأن تفي
بما تقول. قال أرهنك قوسي بالوفاء لك بما ضمنت لك. قال فلما جاء بقوسه حاجب، ضحك القوم
الذين كانوا حول الملك لما رأوا قوسه، وقالوا بهذه العصا تفي للملك بما ضمنت له؟ قال فقال الملك
لمن حوله ما كان ليسلمها لشيء أبدا. قال وأمرهم فقبضوها، وأذن لهم في أن يدخلوا الريف. قال
فأتت مضر رسول الله ﷺ، فقالوا هلك قومك وأكلتهم الضبع، فادع الله لنا ان يرفع
عنا القحط وان يسقينا فانا نسلم. قال فدعا لهم رسول الله ﷺ فأحيوا. قال وقد مات
حاجب، وخرج أصحابه إلى بلادهم. قال فارتحل عطارد بن حاجب إلى كسرى ليطلب قوس أبيه.
قال ولما دخل على كسرى وكلمه في القوس. قال له كسرى ما أنت بالذي وضعتها عندي قال أجل أيها
الملك، ما أنا بالذي وضعتها. قال فما فعل الذي وضعتها؟ قال هلك وهو والدي، وقد وفى لك أيها
الملك بما ضمن لك عن قومه، ووفى هو بما قال للملك. قال كسرى ردوا عليه قوسه. قال وكساه
حلة. فلما وفد عطارد بن حاجب إلى النبي ﷺ، وهو رئيس وفد بني تميم فأسلم،
أهدى الحلة إلى النبي ﷺ. قال فلم يقبلها النبي ﷺ. فباعها عطارد
من الزبير بن باطا اليهودي بأربعة آلاف درهم.
رجع إلى شعر الفرزدق:
يَرُدُّونَ الحُلُومَ إلى جبالٍوإنْ شاغبتهُمْ وجدُوا شِغابا
أُولاكَ وعيْرِ أُمُكَ لَوْ تَراهُمُبِعينَك ما استطعت لَهُمْ خِطابا
ويروى لو تراهم وجدك ما استطعت لهم خطابا.
رأيتَ مهابةُ وأسودَ غابٍوتاجَ المُلْكِ يلتهبُ التِهابا
قوله وتاج الملك، يعني تاج حاجب الذي كان توجه به كسرى. قال وقال ابن الاعرابي أراد بقوله
وتاج الملك، يريد كسوة كسرى لعطارد بن حاجب بن زرارة، حين أخذ من كسرى القوس بعد موت
أبيه. والغاب موضع الأسد.
بَنُو شَمْسِ النَّهارِ وكُلُّ بَدْرٍإذا انْجابَتْ دُجُنَّتُهُ انْجِيابا
الرواية بني. ويروى وكل نجم. أي رأيت مهابة ورأيت بني شمس. ويروى بني شمس النهار، على
المدح كما قال: نحن بني ضبة أصحاب الجمل. فنصب على المدح. والدجنة الظلمة. وانجيابها
انكشافها.
فَكيْفَ تُكلِّمُ الظَّربَى عليْهافِراءُ اللُّؤْمِ أَرْباباً غضابا
ويروى عليهم فراء اللؤم. واحد الظربى الظربان وهو دويبة مثل
السنور منتنة الريح.
لَنا قَمرُ السَّماءِ عَلى الثُّريَّاونَحْنُ الأكثرُونَ حَصَىً وغابا
ولسْتُ بِنائِلٍ قمرَ الثُّرَيَاوَلا جَبَلى الَّذي فَرعَ الهِضابا
قال فرع علا وأشرف. والهضاب الجبال الواحدة هضبة.
أَتطلُبُ يا حمارَ بَنِي كُليبِبِعانَتِكَ اللَّهامِيمَ الرِّغابا
اللهاميم السادة العظام الأفعال، وكل واسع الجوف ضخم فهو لهميم. والرغاب الواسعة. إناء رغيب
أي واسع.
وتَعْدِلُ دارماً بِبنيِ كُليبٍوتَعدِلُ بِالمُفقئةِ السِّبابا
قال وروى ابن الأعرابي بالمفقئة الشعابا. قال أبو عبيدة المفقئة أشعاره. وهو قول الفرزدق غلبتك
بالمفقى: والمعنى وقوله: "ولست وإن فقأت عينيك واجدا" قال والمعنى قوله "لأنت المعنى يا جرير
المكلف". يقول فأنا أفقيء عينيك بأشعاري وأنت تسبني. قال ابن الأعرابي قوله بالمفقئة الشعابا، يريد
بالمفقئة التي تجيء وتسيل تتعمد كل شيء. قال والشعبة هو المسيل الصغير في تفسير ابن
الأعرابي. قال أحمد بن عبيد المفقئة الأودية التي تتحرف في الأرض. ويروى بالمنفقة.
فقُبِّحَ شرُّحيَّيْنَا قَدِيماًوأصْغَرُهُ إذا اغترفُوا ذِنابا
ذناب جمع ذنوب وهي الدلو المملوءة ماء.
وَلَمْ تَرِثِ الفَوارِسَ مِنْ عُبيدٍوَلا شَيئاً وَرِثتَ ولا شِهابا
قوله من عبيد، يعني عبيد بن ثعلبة بن يربوع، وشبث بن ربعي بن
الحصين بن عثيم بن ربيعة بن زيد بن رياح بن يربوع. وشهاب بن عبد قيس بن الكباس بن جعفر بن ثعلبة بن يربوع.
وَطاحَ ابنُ المراغَةِ حِينَ مدَّتْأعِنَّتِنا إلى الحَسبِ النِّسابا
ويروى إلى الحسب السبايا يعني المفاخرة حين تسابوا.
وأسلمهُمْ وَكانَ كَأُمُ حِلْسٍأَقَرتْ بعدَ نَزْوتِها فَغابا
ويروى كأم جحش. قوله أم حلس يعني الاتان وهي تكنى أم حلس. قال وكذلك تقوله العرب معروف
عندها ذلك. وهو لقب للاتان لأنها تركب بحلس لا بلبد ولا بسرج. قال أبو عبد الله ويقال لها أم
الهنبر.
ولمَّا مُدَّ بيْنَ بَنِي كُليبٍوَبَيني غايَةٌ كَرِهُوا النِّصابا
أي المناصبة. قال أبو عبد الله وغاية دارم.
رأَوْا أَنّا أَحَقُّ بآلِ سَعدٍوأَنَّ لَنا الحناظِلَ والرِّبابا
وأَنَّ لَنا بَنِي عَمْروٍ عَليْهِمْلَنا عَددٌ مِنَ الأثريْنِ ثابا
قوله من الأثرين قال الأثرون الأكثرون. ثاب أي رجع قال الحطيئة:
ولكني أخذت بحبل قومأعانهم على الحسب الثراء
ذُبابٌ طارَ في لَهواثِ لَيْثكَذاك اللِّيثُ يلتهِم الذُّبابا
هَزبرٌ يرفتُ القصراتِ رَفْتاًأبَى لِعُداتهِ إلاَّ اغْتصابا
الهزبر الأسد. وقوله يرفت أي يكسر. قال والرفات ما تكسر من الشيء.
مِنَ الَّلائِي إذا أُرْهبْنَ زَجْراًدَنَوْنَ وزادهُنَّ لَهُ اقْتِرابا
ويروى أرهقن. يقول لا يهولهن الزجر والوعيد.
أَتَعْدِلُ حَوْمَتِي بِبَني كُليبٍإذا بَحْرى رأَيْتَ لَهُ اضْطِرابا
ويروى إذا اضطربت غواربها. حومتي كثرة عددي. وحومة الماء مجتمعة وكثرته.
تَرُومُ لتَرْكَبَ الصُّعَداءَ مِنْهُولَوْ لُقْمانُ ساوَرَها لَهابا
أراد لقمان بن عاد الأكبر.
أتَتْ مِنْ فَوْقِهِ الغَمراتِ مِنْهُبِمَوْجٍ كادَ يجتفلُ السَّحابا
يقول لو وقع لقمان في هذه اللجة، ارتفعت الغمرات فوقه من كثرة الماء. ويروى أتت من فوقه
الصعداء قدما بموج. يقول لو وقع لقمان في اللجة، ارتفعت نفسه منه صعداء جزعا منها في موج كاد
يبلغ السحاب فيجتفله.
تَقاصَرتِ الجِبالُ لَهُ وطمَّتْبِهِ حَوْماتُ آخَرَ قَدْ انابا
بِأَيَّةِ زَنمتيكَ تَنالُ قَوْميإذا بَحْري رأيتَ لَهُ عُبابا
الزنمتان اللتان تراهما متعلقتين في حلق العناق تنوسان. عباب موج وكثرة ماء وامتلاء. قال
وزنمتاه ثعلبة ورياح ابنا يربوع، شبههما بزنمتي العنز وهو المتعلق منها.
تَرَى أمْواجَهُ كَجِبالِ لُبنَىوطوْدِ الخَيفِ إذْملأ الجَنابا
قال ابن الأعرابي: وطود الحيق أدركت الجنابا. قال والحيق الجبل، وهو جبل قاف الحائق بالدنيا،
يريد المحيط بالدنيا. يقال من ذلك حاق فلان بالمكان إذا أحاط به.
إذا جاشَتْ ذُراهُ بِجُتحِ لَيْلٍحَسِبْت عَليْهِ حَرَّاتٍ وَلابا
قال واللابة والحرة واحد. ويروى إذا جشأت مهموزا يعني ارتفاع أمواجه. وهو من قولك جشأت
نفسي وذلك إذا غلبه القيء فعلا في صدره وارتفع، فكأنه مأخوذ من ذلك. قال والجشء هو الارتفاع
يريد بذلك ارتفاع الأمواج.
مُحِيطاً بالجبال لَهُ ظِلالٌمَعْ الجربْاءِ قَدْ بَلَغَ الطِّبابا
ويروى محيط بالرفع. قال والجرباء يريد السماء. والطباب المجرة التي تكون في السماء، شبهها
بطباب المزادة، وإنما يريد أن أحدا لا يبلغ مجدنا وارتفاعنا.
فَانَّك مِنْ هجاءِ بَنِي نُمَيْرٍكأهُلِ النَّارِ إذْ وجَدوَّا العَذابا
رَجَوْا منْ حرِّها أَنْ يسترِيحُواوقَدْ كانَ الصَّديدُ لهُمْ شَرابا
فإن تَكُ عامرٍ أثرتْ وطابَتْفَما أثْرَى أَبُوكَ وَما أطابا
ولَمْ تَرِثِ الفَوارِسَ مِنْ نُميْرٍوَلا كَعْباً وَرِثتَ ولا كِلابا
ولكِنْ قَدْ ورِثْتَ بَنى كُليبٍحَظائرَها الخَبِيثَةَ والزِّرابا
ومَنْ يخترْ هَوازِنَ ثُمَّ يخترَنُميراً يختَرِ الحسَبَ اللُّبابا
ويروى: ومن يختر هوازن ثم يأخذ .. نميرا من هوازن أو كلابا.
اللباب الخالص، قال أبو عبيدة قال يونس رجل لباب ومصاص وخيار، ويقال للاثنين والجميع على
هذا اللفظ لا يثنى ولا يجمع.
وَيُمسِكُ مِنْ ذُراها بِالنَّواصِيوخيْرِ فَوارِسٍ عُلِموُا نِصابا
ويروى فقد وأبيك أمسك بالنواصي.
هُمُ ضَربُوا الصَّنائِعَ واسْتَباحُوابِمَذْحِجِ يَوْمَ ذي كَلعٍ ضِرابا
ويروى مذحج بخفض الميم وبنصبها، وهي أرض بين نجران وبين أرض عامر قال وهذا.
النص من طبعة المجمع الثقافي بأبو ظبي (١٩٩٨م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع