تجاوز إلى المحتوى

من «شرح نقائض جرير والفرزدق» لأبي عبيدة (ت ٢٠٩هـ)

وهذا يوم الوقيط

قال أبو عبيدة: حدثنا فراس بن خندق قال تجمعت اللهازم - واللهازم قيس، وتيم الله ابن ثعلبة بن

عكابة، وعجل بن لجيم، وعنزة ابن أسد بن ربيعة بن نزار - لتغير على بني تميم وهم غارون.

فرأى ذلك ناشب بشامة العنبري الأعور وهو أسير في بني سعد بن مالك بن ضبيعة بن قيس بن

ثعلبة، فقال لهم ناشب: أعطوني رسولا أرسله إلى أهلي، وأوصيه ببعض حاجتي، وكانوا اشتروه من

بني أبي ربيعة بن ذهل بن شيبان، فقال له بنو سعد: ترسله ونحن حضور، وذلك مخافة أن ينذر

قومه. قال: نعم. فأتوه بغلام مولد، فقال أتيتموني بأحمق، قال الغلام: والله ما أنا بأحمق. فقال

الأعور: إني أراك مجنونا. قال: والله ما بي من جنون. قال: فالنيران أكثر أم الكواكب؟ قال:

الكواكب وكل كثير. فملأ الأعور كفه من الرمل، فقال له: كم في كفي؟ قال: لا أدري، وإنه لكثير ما

أحصيه، فأومأ إلى الشمس بيده وقال له: ما تلك؟ قال: هي الشمس. قال: ما أراك إلا عاقلا ظريفا،

أذهب إلى أهلي فأبلغهم عني التحية والسلام، وقل لهم ليحسنوا إلى أسيرهم ويكرموه، فإني عند قوم

يحسنون إليَّ ويكرمونني - وكان حنظلة بن طفيل المرثدي في أيدي بني العنبر - وقل لهم فليعروا

جملي الأحمر ويركبوا ناقتي العيساء، وليرعوا حاجتي - يعني ينظروا في أبيني مالك، وأخبرهم أن

العوسج قد أورق، وأن النساء قد اشتكت، وليعصوا همام بن بشامة فأنه مشئوم محدود، وليطيعوا

هذيل بن الأخنس، فانه حازم ميمون. فقال له بنو قيس من أبينو مالك؟ قال بنو أخي. فأتاهم الرسول،

فأخبرهم وأبلغهم. فلم تدر عمرو بن تميم ما الذي أرسل به

إليهم الأعور، وقالوا ما نعرف هذا الكلام،

ولقد جن الأعور بعدنا، ما نعرف له ناقة يختصها، ولا جملاً. وإن إبله عنده لبأج واحد فيما نرى.

فقال هذيل بن الأخنس للرسول: اقتص عليَّ أول قصته. فقص عليه أول ما كلمه به الأعور، وما

رجعه إليه حتى أتى على آخره، فقال هذيل: أبلغه التحية إذا أتيته وأخبره أنا سنوصي بما أوصى به.

فشخص الرسول ثم نادى هذيل يا للعنبر قد بيَّن لكم صاحبكم: أمَّا الرمل الذي جعل في يده فإنه

يخبركم أنه قد أتاكم عدد لا يحصى، وأما الشمس التي أومأ إليها فإنه يقول إن ذلك أوضح من

الشمس، وأما جمله الأحمر فالصمان يأمركم ن تعروه يعني ترتحلوا عنه، وأما ناقته العيساء فإنها

الدهناء يأمركم أن تتحرزوا فيها، وأما أبينو مالك فإنه يأمركم أن تنذروهم ما حذركم وأن تمسكوا

بحلف بينكم وبينهم، وأما إيراق العوسج فإن القوم قد اكتسوا سلاحاً، وأما اشتكاء النساء فيخبركم أنهن

قد عملن الشكاء يريد خرزن لهم شكاء وعجلا يغزون بها. قال: فحذرت عمرو بن تميم فركبت

الدهناء وأنذروا بني مالك بن حنظلة بن مالك بن زيد مناة، فقالوا ما ندري ما تقول بنو الجعراء -

قال: والجعراء لقب، قال: والجعراء الضبع يقال جعراء وجعار وجيعر، قال: ما ندري ما تقول بنو

العنبر - ولسنا متحولين لما قال صاحبهم. قال فصبحت اللهازم بن حنظلة ووجدوا عمراً قد أجلت

وارتحلت، وإنما أرادوهم على الوقيط، وعلى الجيش أبجر بن جابر العجلي. قال وزعمت بنو قيس

أن مرثد بن عبد عمرو بن بشر بن مرثد ابن عمرو مساند لابجر. قال: وشهدها ناس من بني تيم

اللات، وشهدها الفزر بن الأسود بن شريك، من بني شيبان، فاقتتلوا فطعن

بشر بن العوراء من بني تيم اللات، ضرار بن القعقاع بن معبد بن زرارة،

وأخذه فلما رأى ضرار الفزر، قال: لست أسيرك.

قال: الفزر بلى فاحتقا فيه، فجزت بنو تيم اللات ناصيته، وخلوا سربه تحت الليل مضادة للفزر،

فأغار الفزر على إبل بشر بن العوراء. وفي ذلك يقول أبو فرقد التيمي:

هم استنقذوا المأموم من رهط طيسلوردوا ضرارا في الغبار المنضح

المنضح المخيط يعني الغبار كانه مخيط يتلو بعضه بعضا. وبارز عمرو بن قيس من بني ربيعة بن

عجل، ثم أحد بني زلة العجلي، عثجل ابن المأموم من بن شيبان بن علقمة بن زرارة، فأسره عمرو

ثم من عليه، ففخر بذلك الفضل بن قدامة أبو النجم العجلي فقال:

وهنَّ يرقَّصن الحصا المُرملابالقاع إذ بارز عمروٌ عثجَلا

وعير جرير بن دارم بأسر ضرار وسبي غمامة بنت الطود فقال:

أغمامَ لو شهدَ الوقيطَ فوارسيما قِيدَ يُعتلُ عثجل وضرارُ
للشاعر جرير، من قصيدة «لولا الحياء لعادني استعبار»

فأسر طيلسة بن زياد أحد بني ربيعة بن عجل حنظلة بن المأموم بن شيبان بن علقمة، فاشتراه

الوراز بن الوراز بمائة بعير، ثم حبسه معه، فلم يوفه، فقدم الكوفة ليفاديه وبها علي بن أبي طالب -

﵁ فأتاه نفر من بني حنظلة الذين كانوا بالكوفة فقالوا أإسار في الإسلام؟ فقال: لا.

وبعث فانتزعه من الوراز. قال: ولم يكن الوراز وفى بني عجل فداء حنظلة. فلما كانت فتنة ابن

الزبير، وثب بنو عجل

فأخذوا من الوراز مائة بعير. قال: وزعم آخرون أن أم الوراز من بني ربيعة

بن عجل، فصالحهم على خمسين بعيراً، وتركوا له خمسين. فقال يزيد بن الجدعاء العجلي في المأموم.

وهم صبحوا أخرى ضرارا ورهطهوهم تركوا المأموم وهو أميمُ

وقال عمرو بن عمارة التيمي في عثجل والمأموم:

وصادف عثجلٌ من ذاك مُرّاًمع المأمومِ إذ جدَّا نِفارا

قال وأسر حنظلة بن عمار، من بني شريب بن ربيعة بن عجل، جويرية بن بدر من بني عبد الله

بن دارم، ثم من بني عبيد بن زرارة. فلم يزل في الوثاق حتى رآهم ذات يوم قد قعدوا شربا، وهو

زوج غمامة بنت الطود. فأنشأ يتغنى رافعاً عقيرته:

قائلةٍ ما غالهُ أن يزورناوقد كنتُ عن تلك الزيارةِ في شغل
وقد أدركتني والحوادثُ جمَّةٌمخالبُ قوم لا ضعافٍ ولا عزلِ
سِراع إلى الجُلَّى بطاءٍ عن الخنَارزانٍ لَدى الناديَّ في غير ما جهل
لعلَّهُمُ أن يمطروني بنعمةٍكما صاب ماءُ المزن في البلد المحل
فقد يُنعشُ الله الفَتى بعد عثرةٍوقد تَبتني الحسنى سراةُ بني عجل

فلما سمعوها أطلقوه. وأسر جابر بن حرقصة أحد بني بجيرة من

بني ربيعة بن عجل نعيم بن القعقاع بن معبد بن زرارة. وأسروا العم ابن ناشب.

وأسروا حاضر بن ضمرة. وأسروا سنان بن عمرو، أحد بني سلامة بن كندة بن معاوية بن عبد الله بن دارم،

وأسر الهيش بن صعصعة من بني الحارث بن همام الخفيف بن المأموم فمن عليه. وهرب عوف بن القعقاع عن أخويه، ففات. وهرب مالك بن قيس وفي ذلك يقول عمير بن عمارة التيمي.

وأفلتنا ابنُ قعقاعٍ عويفٌحثيث الركضِ واحتطُّوا ضِرارا
فإن تكُ يا عويفَ نجوتَ منهافقِدماً كنتَ منتخباً مطارا
وكم غادرنَ منكم من قتيلوآخر قد شددناه إسارا
كذاك الله يجزى من تميمويرزقها المساءَة والعثارا
ونجى مالكا منا ابنَ قيسٍأخو ثقة يؤم به القفارا
وصادف عثجل من ذاك مراًمع المأموم إذ جدّا نفارا
وغادرنا حكيما في مجالصريعاً قد سلبناه الإزرارا
مددنا غارة ما بين فلْجوبين لَصَافِ نوطئها الديارا
فلما شعروا بنا حتى رأوناعلى الرايات ندَّرع الغبارا

وقال يزيد بن الجدعاء في فرار عوف:

وقد قال عوفٌ شمتُ بالأمسِ بارقاًفلله عوفٌ كيف ظلَّ يشيمُ
ونجاه من قتلى الوقيطِ مُقلِّصٌيعضُّ على فاْس اللِّجامِ أزومُ

قال ولحق وراز التيمي حكيماً النهشلي وهو يرتجز:

ماويَّ لن تراعيرحيبةٌ ذراعي=بالكَرِّ والإيزاعِ

فشدَّ عليه وراز فقتله، ولم يقتل من بني نهشل يومئذ غير حكيم،

فقال شاعر بني نهشل:

أَتنَسى نهشلٌ ما عند عجلٍوما عند الوُرازِ من الذحول

قال وزعم الأغر أنه لم يشهد يوم الوقيط من بني نهشل غير حكيم هذا. قال فقاتل فأثخن في القوم

وجعل يقول وهو يقاتل ويرتجز:

كلُّ امرئٍ مصبَّحٌ في أهلهوالموت أدْنَى من شِراكِ نعلِهِ
للشاعر محمد عثمان جلال، اقرأ القصيدة

فقُتل، فرثاه أبو الحارث بن نهيك الأصيلع فقال:

حُكيمٌ فدى لك يومَ الوقيطِ إذ حضرَ الموتُ خالي وعمْ
تعوَّدتَ خيرَ فِعالِ الرِّجالِ فَكَّ العُنَاةِ وقتلَ البُهمْ
وما إن أَتَى من بني دارمٍنعيُّكَ أشمطَ إلا وجَمْ
وفقَّأَ عينيَّ تبكاهماوأورثَ في السمع مني صَممْ
فما شاءَ فليفعلِ المؤْيداتُ والدهرُ بعد فتانا حَكَمْ
فتىً ما أضَلَّتْ به أُمُّهُمن القومِ ليلةَ لا مُدَّعَمْ
يجوبُ الظلامَ ويهدي الخميسَويُصبح كالصَّقْرِ فوقَ العلمْ

وقال أبو الطفيل، عمرو بن خالد بن محمود بن عمرو بن مرثد - ويروى عمير بن خالد بن محمد:

حكَّت تميمٌ برْكَها لمَّا التقتْراياتُنا ككَواسِرِ العِقبانِ
يومَ الوقيطِ بجحفلٍ جَمَّ الوَغَاورماحُها كنوازِع الأشطان

وقال أبو مهوش بن ربيعة بن حوط الفقعسي، يعير بني تميم بيوم

الوقيط:

وما قاتلت يومَ الوقيطينِ نهشلٌولا الأسكَتُ الشُّؤْمَي فُقيمُ بنُ دارمِ

الأسكت حرف الفرج وهو منبت الشعر.

ولا قصبٌ جوف رجالِ مجاشعٍولا قشرَ الأستاهُ غيرُ البراجِمِ

وقال أبو مهوش أيضا:

ذَهبتْ فشيشةُ بالأباعِرِ حولَناسَرقا فصُبَّ على فشيشةَ أبجرُ
عضَّتْ أُسيِّدُ جِذْلَ أيْرِ أبيهميومَ الوقيطِ وخُصيتيه العنبُر

ويروى جذم. قوله فشيشة يريد أنهم ينفشون من الغضب، وأبجر يعني أبجر بن جابر العجلي. قال:

فتدافعت بنو تميم فشيشة، فقال أبو مهوش: ألا أبلغ لديك بني تميم .. فكلهم فشيشة أجمعونا وقال في

ذلك العجاج:

لَوَ انّ سعْداً هي جاشَ بحرُهاوأُلجمت مُهرتُها ومُهْرُها
قُبّاً تَعادَى بتوالٍ ضبرُهايومَ الوقيطِ ما استُحِفَّ نفرَّها
ما استُنكحتْ عوانُها وبِكرُهاأيامَ فرَّتْ مالكٌ وعمرُها
وتركتْ قتلَى أُضيعَ شطرُهالا يُستطاع في ليالٍ قبرُها

قال: واشترك في غمامة بنت الطود بن عبيد بن زرارة، الخطيم بن

هلال واسمه النعمان من بني شريب بن ربيعة بن عجل، وظربان - بالظاء معجمة - ابن زياد - من بني شريب –

وقيس بن الخليد - من بني الأسعد - ورديم ووراز التيمي. قال: فأتوا بها أهلها، فوجدوهم يشاتمون بني عمهم،

ورجل منهم يعيرهم بذلك في رجز له وهو يقول:

سَلُوا الخُطيمَ اليومَ عن غمامَهْخالَمهَا فرضيَتْ خِلامَهْ

وقال أيضاً:

فهلاَّ من رُديْمٍ أو وُرَازٍمنعتُمْ فرجَ حاصِنَةٍ كَعابِ
فأَشهدُ أنه قد حلَّ منهامحلَّ السيفِ من قعرِ القِرابِ

فلما سمعوا ذلك، انسلوا حتى أتوا رحل الحفيف بن المأموم فنزلوا عليه. ويقال الخفيف بن المأموم

بالخاء معجمة. وكان الهيش بن صعصعة الشيباني أسر الحفيف، فمنَّ عليه، فلذلك لاذوا به. ثم قال

بعضهم لبعض انطلقوا أيها القوم فمالكم عند القوم ثواب مع ما سمعتم فرجعوا. ومرَّت اللهازم يومئذ

بعد الوقعة على ثلاثة نفر من بني عدي بن جندب بن العنبر: وزر، وجذمر، وشريك. لم يكونوا

برحوا مع قومهم، فلحقوا بالدهناء معهم، ولم يشهدوا القتال مع بني دارم، فكانوا يرعون نقا. فقاتلوا

من دون إبلهم حتى طردوها فحرزوها وجعل وزر يقاتلهم، ويرميهم ويرتجز، ويقول:

نحن حميْنا يومَ لا يَحمِى بَشرْيومَ الوقيطِ والنِّساءُ تُبتقرْ
قوسٌ تَنقَّاها من النَّبعِ وزرْترنُّ إن تُنازعُ الكفُّ الوترْ
حجريةٌ فيها المنايا تستُعرْتحفزُها الأوتارُ والأيدي الشُّعُرْ

قال أبو عبيدة: وأما

النص من طبعة المجمع الثقافي بأبو ظبي (١٩٩٨م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «شرح نقائض جرير والفرزدق»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.