من «شرح نقائض جرير والفرزدق» لأبي عبيدة (ت ٢٠٩هـ)
حديث الشقيقةِ
قال أبو عبيدة: الشقيقة كل جمد بين جبلي رمل. والجمد غلظ وصلابة، وهو أيضا يسمى نقا الحسن.
والحسن اسم رمل بعينه. قال أبو عبيدة: غزا بسطام بن قيس بن مسعود بن قيس بن خالد بن عبد الله
ذي الجدين ضبة، ومعه أخوه السليل بن قيس، ومعه دليل من بني أسد يسمى نقيداً، فلما كان بسطام
في بعض الطريق، رأى كأن آتيا أتاه فقال له: الدلو تأتي الغرب المزلة. فلما أصبح بسطام قصها
على نقيد الأسدي فتطير منها نقيد، وقال له: أفلا قلت: ثم تعود بادنا مبتلة؟ فتفرط عنك النحوس.
ووجل منها نقيد. وحدث الأصمعي بمثل حديث أبي عبيدة في رؤيا بسطام، وذهب البيتان مثلا.
قال أبو عبيدة: وذهب بسطام على وجهه فلما دنا من نقا يقال له الحسن، في بلاد بني ضبة صعده
ليربأ، فإذا هو بنعم قد ملأ الأرض، فيه ألف بعير لمالك بن المنتفق الضبي من بني ثعلبة بن بكر بن
سعد بن ضبة، قد فقأ عين فحلها - وكذلك كانوا يفعلون في الجاهلية إذا بلغت إبل أحدهم ألف بعير
فقأ عين فحلها ليردوا عنها العين - وإبل من تبعه كأنها الرطب، ومالك بن المنتفق فيها على فرس له
جواد، فلما أشرف بسطام النقا، تخوف أن يروه فينذروا به، فاضطجع بطنه لظهره، وتدهدى حتى
أسهل بمستوى من الأرض، وقال: يا بني شيبان لم أر كاليوم في الغرة وكثرة النعم، فلما نظر نقيد
الأسدي إلى لحية بسطام معفرة بالتراب حين أسهل، تطير له من الأولى إلى الأخرى وأخذ زلزه،
فتهيأ لفراقه والانصراف عنه، وقال: ارجع يا أبا الصهباء،
فإني أتخوف عليك أن تقتل، فعصاه وركب نقيد الطريق ففارقه.
وركب بسطام وأصحابه فأغاروا على الإبل فاطردوها، وفيها فحل لمالك
يقال له شاغر وكان أعمى، وركب مالك بن المنتفق فرسه ونحا نحو قومه بني ضبة، حتى إذا أشرف
على تعشار نادى: يا صباحاه، ولحق مالك راجعاً حتى تداركت الفوارس القوم، وهم يطردون النعم،
فجعل فحله شاغر يشذ من النعم، فلكما شذ شاغر أو ناقة من الإبل لم يلحق طعنوه ليلحق، ومالك يرى
ما يصنعون، فقال مالك: لبسطام لا تعقرها لا أبالك، فإما لنا وإما لك، وهذه الخيل قد لحقت فأبى
بسطام، وكان في أُخريات الناس على فرس له يقال له الزعفران. وقال مالك لأصحابه: ارموا مزاد
القوم فجعلوا يرمونها فيشقونها، وقال مالك: رويدا يلحق الداريون، فلحقت بنو ثعلبة، وفي أوائلهم
عاصم بن خليفة الصباحي وكان رجلاً به طرقة - أي ضعف عقل - وكان يقع حديدة له قبل ذلك في
أيام صفره قبل وقت الغزو - وقال بعضهم: كان يعقب قناة له فيقال له ما تصنع بها يا عاصم،
فيقول: أقتل بها بسطاما.
- وقال بعضهم أقتل بها سيد بكر - فيهزؤون منه. فلما جاء الصريخ إلى بني ضبة، أسرج أبوه
فرسه، ثم جعل يشد أزرار الدرع عليه، فبادره ابنه عاصم فركب فرس أبيه، فناداه أبوه مراراً فجعل
لا يلتفت إليه ولا يجيبه، فأوصاه بما يصنع وكيف يحذر، فلحق وقد سبقه الفرسان، وقد شد حديدة
على عارضة هودج - وقال بعضهم ركبها في قناة - فقال عاصم لرجل من فرسان بني ضبة أيهم
الرئيس بأبي أنت؟ قال حاميتهم صاحب الفرس الأدهم، وبسطام يحميهم، فقام عاصم فعلا عليه
بالرمح يعارضه حتى إذا كان حياله رماه بالفرس، وجمع يديه في رمحه فلم يخطئ حاق صماليخ
أذنه،
حتى خرج السنان من الناحية الأخرى، وخر بسطام على الآلاءة، ميتا، فلما رأت ذلك بنو
شيبان خلوا سبيل النعم، وولوا الأدبار، فمن قتيل وأسير، وأسر بنو ثعلبة بجاد بن قيس بن مسعود
في سبعين من بني شيبان. فقال ابن عنمة الضبي، وهو يومئذ مجاور في بني شيبان وخاف أن يقتل:
لأُم الأرضِ ويلٌ ما أجنَّتْبحيثُ أضرَّ بالحسنِ السبيلُ
يقسَّمُ مالهُ فينا وندعُوأبَا الصَّهباءِ إذ جنحَ الأصيلُ
أجِدَّكِ لن تريهِ ولن نرَاهُتخُبُّ به عذافرةٌ ذَمولُ
حقيبةُ رحلِها بدنٌ وسرجٌتُعارضُها مربيةٌ دؤُولُ
إلى ميعادِ أرعنَ مُكفهرُتُضمَّرُ في جوانبهِ الخُيولُ
لك المُرباعُ منها والصَّفاياوحُكمُكَ والنشيطةُ والفُضُولُ
لقد ضمنتْ بنو زيدِ بن عمروولا يُوفى بِبسطامٍ قتيلُ
وخرَّ على الألاءةِ لم يُوسَّدكأنَّ جبينه سيفٌ صقيلُ
فإن تجزَعْ عليه بنو أبيهِفقد فُجِعوا وفاتهُم جليلُ
بِمِطعامٍ إذا الأشوالُ راحتْإلى الحُجراتِ ليس لها فصيلُ
وقال شمعلة بن الأخضر بن هبيرة بن المنذر بن ضرار:
ويومَ شقائقِ الحسنينِ لاقَتْبنو شَيبانَ آجالاً قِصاراً
شَككنا بالرِّماحِ وهُنَّ زُورٌصِماخيْ كبشهم حتى استدارا
وأوجزناهُ أسمرَ ذا كُعُوبٍيُشبهُ طولُهُ مسداً مُغارا
وقال محرز بن المكعبر الضبي - ويقال إنها لسنان بن ماجد من تيم الرباب - يفخر بفعال بني
ضبة:
أطلقتُ من شيبانَ سبعينَ عانِياًفآبُوا جميعاً كُلُّهم ليس يشكُرُ
إذا كنتَ في أفناءِ شيبانَ مُنعماًفجزُّ اللِّحى إنَّ النَّواصِيَ تُكفَرُ
فَعلَّ تميماً أنْ تُغيرَ عليكُمُبجيشٍ وعلِّي أَن أُغيرَ فأقدِرُ
فلا شُكركُمْ أَبغي إذا كنتُ مُنعماًولا ودَّكُم في آخرَ الدَّهرِ أُضمِرُ
وقال ابن علاقة أخو بني الحارث بن همام بن مرة بن ذهل بن شيبان، يعير آل ذي الجدين، تركهم
قيس بن مسعود بن قيس بن خالد رهينة في يد كسرى حتى مات، وأنهم إنما رهنوه بأكلة تمر،
وبتزويجهم امرأته في حياته، وبقتل عاصم بن خليفة الضبي بسطاما، وأنهم لم يثأروا به فقال:
أقيسَ بنَ مسعودٍ رهنتُم بأكلةٍمن التمرِ لم تُشبعْ بُطونَ الجراضِمِ
وأَنتم نكحتُم عرسَهُ في حياتِهِفكانَتْ عليكمْ بعدُ ضربةَ لازِمِ
فَخرتُمْ ببسطامٍ ولم تثأرُوا بهِأحارِ بنَ همَّامٍ حلائِلَ عاصِمِ
فعيرهم أنهم لم يُدركوا بدم بسطام، وجعلهم حلائل لعاصم بن خليفة الضبي. وقال الفرزدق يفخر
بفعال بني ضبة قصيدة غير هذه:
خالي الذي تركَ النَّجيعَ برُمحِهِيومَ النَّقا شرِقاً على بِسطامِ
رجع إلى القصيدة:
وسامٍ عاقِدٍ خرزاتِ مُلْكيَقودُ الخيلَ تنبذُ بالمِهارِ
عاقد خرزات ملك أي ملك عليه تاج، وكانت الملوك تعقد في تيجانها من الخرز عدد سني مملكتها
فكلما زادت سنة زادوا خرزة.
أناخَ بِهمْ مُغاضبةً فلاقَىشعوبَ الموتِ أو حلقَ الإسارِ
شعوب الموت يعني المنية وحلق الأسار يعني القيود. ويروى حمام الموت. وحياض الموت.
وفضَّلَ آل ضبَّة كُلَّ يومٍوقائِعُ بالمجُرَّدةِ العواري
المجردة السيوف تجرد من أغمادها فتعرى.
وتقديمٌ إذا اعتركَ المنايابجُرْدِ الخيلِ في اللُّججِ الغمارِ
الجرد جمع أجرد وهو القصير الشعر.
وتقتيلُ الملوكِ وإنَّ منهُمْفوارِسَ يومِ طخفةَ والنِّسارِ
أراد بطخفة والنسار يوم ضرية، فلم يمكنه في الشعر فجعله يوم طخفة، والنسار لقربهما من ضرية.
وإنَّهُمُ هُمُ الحامون لمَّاتواكلَ منْ يذودُ عنِ الذِّمارِ
تواكل ضعف واتكل على غيره. والذمار ما يجب على الرجل أن يحميه ويحوطه من وراء ظهره.
ومنهمْ كانتَ الرُّؤساءُ قدماًوهُمْ قتلُوا العدُوَّ بكُلِّ دارِ
فَما أمْسى لِضبةَ مِنْ عدُوِّيَنامُ ولا يُنيمُ منَ الحِذارِ
النص من طبعة المجمع الثقافي بأبو ظبي (١٩٩٨م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع