تجاوز إلى المحتوى

من «شرح نقائض جرير والفرزدق» لأبي عبيدة (ت ٢٠٩هـ)

حديث البراجم

وأما حديث البراجم، فإن ضابئ بن الحارث بن أرطاة بن شهاب

بن شراحيل بن عبيد بن خاذل بن قيس بن حنظلة، وهو ابن الحذاقية،

وكان رجلاً يقتنص الوحش، واستعار من بني عبد الله بن هوذة

بن جرول بن نهشل بن دارم كلباً لهما يقال له قُرحان، فكان يصيد به الظباء والبقر والضباع، فلما

بلغهم ذلك حسدوه، فركبوا يطلبون كلبهم، فقال لامرأته اخلطي لهم في قدرك من لحوم البقر والظباء

والضباع، فإن عافوا بعضاً وأكلوا بعضاً تركوا كلبك لك، وإن لم يعرفوا بعضه من بعض فلا كلب

لك، فلما أطعمهم أكلوه كله ولم يعرفوا بعضه من بعض، ثم أخذوا كلبهم. فقال ضابئ بن الحارث في

ذلك:

تجشَّمَ دوني وفْدُ قُرحانَ شُقَّةٍتظلُّ بها الوجناءُ وهي حسيرُ

ويروى الأدماء.

فأردفتُهُم كلباً فراحُوا كأنَّماحَبَاهم ببيْتِ المرزُبانِ أَمير
فيا راكباً إمَّا عرضتَ فبلِّغنْثُمامةَ عنِّي والأمورُ تَدور
للشاعر ضابئ البرجمي، اقرأ القصيدة
فإنَّكَ لا مُستضعفٌ عن عنائِهِولكنْ كريمُ المُستطاعِ فَخُور
فأُمَّكُمُ لا تُسلمُوها لِكلبكُمفإن عُقوقَ الوالِداتٍ كبير
وإنَّكَ كلبٌ قد ضريتَ بما تَرىسميعٌ بما فوق الفِراشِ بَصير
إذا عثَّنتْ من آخرِ الليلِ دُخنةًببيتُ له فوق الفِراشِ هَرِير

العثان الدخان. فاستعدى عليه بنو عبد الله بن هوذة، عثمان بن عفان ﵁، فأرسل إليه،

فأقدمه، وأنشدوه الشعر الذي قال في أُمهم، فقال عثمان: ما أعلم في العرب رجلاً أفحش ولا ألأم منك،

وإني لأظن رسول الله ﷺ لو كان حيا لنُزل فيك قرآن. فقال ضابئ:

منْ يَكُ أَمسَى بالمدينةِ رَحْلُهُفإني وقيَّاراً بها لغَريبُ
للشاعر ضابئ البرجمي، اقرأ القصيدة

قيار بعيره وفرسه أو رفيقه.

وما عاجلاتُ الطيرِ يُدنينَ مِلْ فَتَىرَشَاداً ولا عَنْ ريثهنَّ يخيبُ

ويروى تدني من الفتى:

ورُبَّ أُمورٍ لا تضيرُكَ ضيرةًوللقلبِ من مخشاتِهنَّ وجِيبُ
للشاعر ضابئ البرجمي، اقرأ القصيدة
ولا خيرَ فيمنْ لا يوطِّنُ نفسهُعلى نائِباتِ الدَّهرِ حينَ تنُوبُ
للشاعر ابو العتاهية، من قصيدة «ولا خير فيمن لا يوطن نفسه»
وفي الشَّكِّ تفريطٌ وفي العَزْمِ قُوَّةٌويخطِئُ بالحدْسِ الفتى ويُصيبُ
ولستَ بمُستبقٍ صديقاً ولا أَخاًإذا لم تعدِّ الشَّيءَ وهو يَريبَ
للشاعر ضابئ البرجمي، اقرأ القصيدة

ورواية إذا لم تعد بالصفح، ويروى بالفضل حين يريب. فقضى عثمان ﵁ لبني هوذة

على ضابئ، بجز شعره

وخُمس إبله. وانحدروا من المدينة إلى لصاف، فحبسوه عند أُمهم الرباب

بنت قرط إحدى نساء بني جرول بن نهشل فقال ضابيء:

مَنْ مُبلغُ الفتيانِ عَنِّي رِسَالةًبأَنِّي أَسيرٌ رَبَّتي أُمُّ غَالِبِ

ويروى في يدي أم غالب، فقالت أمهم: والذي أنا أمة له ليطلقن، فأطلق وأخذ ضابئ بعد ذلك ثمامة

بن عبد الله بن هوذة بإثبيت فضربه وشجه، فاستعدوا عليه عثمان ﵁، فأرسل عثمان،

فشُخص به إلى المدينة، فسأل بني عبد الله البينة على ما ادَّعوا من ضرب ضابئ أخاهم، فلم تكن لهم

بينة، فحبس عثمان ضابئاً في السجن، فعرض ذات يوم أهل السجن، فخرج ضابئ وقد شد سكَّيناً

على ساقه يريد أن يفتك بعثمان ففطن له، وأُخِّر فضُرب بالسياط، وأُمر به فحُبس، فقال ضابئ في

حبسه، وفيما همَّ به من قتل عثمان ﵁:

من قافِلٌ أدَّى الإلهُ ركابهُيُبلِّغُ عنِّي الشِّعرَ إذ ماتَ قائِلُهْ
فلا يَقبلَنْ بعدي امرُؤٌ ضيمَ خُطَّةٍحِذارِ لِقاءِ الموتِ فالموتُ نَائِلُهُ
ولا تُتبعنِّي إن هلكتُ ملامةًفليس بعارٍ قتلُ منْ لا أُقاتلُه
فإني وإيَّاكم وشَوقاً إليكُمُكَقابضِ ماءٍ لم تسقهُ أَناملُه
هممتُ ولم أفعلْ وكِدتُ وليتَنيتُركتُ على عثمانَ تَبْكي حلائلُه
للشاعر ضابئ البرجمي، اقرأ القصيدة
وقائلةٍ إنْ ماتَ في السِّجْنِ ضَابئٌلنعمَ الفَتَى نخْلُو به ونُداخِلُهُ
وقائلةٍ لا يبعدنْ ذلك الفتىإذا احمرَّ منْ بردِ الشِّتاءِ أصائِلُهُ
وقائلةٍ لا يُبعدُ الله ضابئاإذا الكبشُ لم يوجد له من يُنازلُه
للشاعر ضابئ البرجمي، اقرأ القصيدة
وقائلةٍ لا يبعدنْ ذلك الفتىإذا العزبُ التَّرعيُّ شَصَّ شوائِلُه

الترعي البصيرُ بالرعي، الشصوص التي لا لبن لها.

وقائلةٍ لا يُبْعِدُ الله ضابئاًإذا الخَصْمُ لم يُوجدْ له مَنْ يحاوِلُه
وبِئسَ ابنُ عمِّ المرءِ يومَ دعوتَهُفِراسٌ تَنُوَّسُ عفلُهُ وبآدِلُه

العفل العجان، والبآدل لحم الصدر.

وقائلةٍ لا يُبْعِدُ الله ضابئاًإذا الرِّفدُ لم يملأ ولم يألُ حاملُه
وقائلةٍ لا يبعدنْ ذلك الفتىولا تبعَدَنْ آسانُهُ وشمائِلُه

ويروى أخلاقه، آسانه طرائقه واحدها أسن، فلم يزل ضابئ محبوساً حتى أصابته الدبيلة، فأنتن

ومات في سجن عثمان ﵁. رجع إلى شعر جرير:

قُتِلَ الزُّبيرُ وأنتَ عاقِدُ حُبوةٍتبَّاً لحُبوتِكَ التَّي لَمْ تُحللِ
للشاعر جرير، من قصيدة «لمن الديار كأنها لم تحلل»

ويروى قبحاً لحبوتك، قال: ادعى جرير أن الزبير كان جارا للنعر بن زمام المجاشعي ولم يكن

أجاره.

وافاكَ غدرُكَ بالزُّبيرْ على مِنىًومَجرُّ جعثنكُمْ بِذاتِ الحرمَلِ

يريد منى التي عند مكة، جعثن بنت غالب، وكان غالب جاور طلبة ابن قيس بن عاصم بالسيدان،

فكانت ظمياء بنت طلبة تحدث إلى جعثن، فاشتهى الفرزدق حديثها، وشُغلت أخته ليلة، فأخذ الفرزدق

الجلجل الذي كانت جعثن تصفق به لظمياء لتجيء وغفل نفسه لها ثم حرك الجلجل، فجاءت ظمياء

للعادة، فارتابت بالفرزدق، وهتفت وعادت إلى رحلها، فلما سُمع بأمرها، تجمع فتيان من مقاعس،

أحدهم عمران بن مرة، ومقاعس بن صريم، وربيع، وعبيد، بنو الحارث بن عمرو بن كعب بن سعد

بن زيد، فاستخرجوا جعثن من خبائها، ثم

سحبوها ليُسمعوا بها، فعيَّره بعد جرير، ولم يكن أكثر من ذلك،

وكل ما ادعى جرير غير هذا فهو باطل، ويقال إن جعثن كانت امرأة عفيفة مسلمة صالحة.

باتَ الفرزدقُ يستجيرُ لنفسهِوعجانُ جعثنَ كالطَّريقِ المُعملِ
أينَ الَّذينَ عددتَ أنْ لا يُدرِكوابمجرِّ جعثنَ يابْنَ ذاتِ الدُّمَّلِ

ويروى أن يتداركوا، يقول: بها حكة في فرجها فهي تحك يعني البظر.

أسلمتَ جعثِنَ إذْ يُجَرُّ برجلِهاوالمنقرَيُّ يدُوسُها بالمنِشلِ

المنقري عمران بن مرة، والمنشل ذكره، والمنشل حديدة يُنشل بها اللحم من القدر فشبه الذكر به.

تهوَى أسْتُها وتقولُ يالَ مُجاشِعٍومشقُّ نُقبيتِها كَعينِ الأقبلِ

الأقبل الذي انقلبت حدقتاه على أنفه، والأخزر الذي انقلبت حدقتاه إلى أذنيه، والأحول الذي ارتفعت

عيناه إلى حاجبيه.

لا تذكُروا حُلَلَ الملُوكِ فإِنَّكُمْبعدَ الزُّبيرِ كحائضٍ لَمْ تغُسَلِ
للشاعر جرير، من قصيدة «لمن الديار كأنها لم تحلل»
أَبُنيَّ شِعْرَةَ لَنْ تَسُدَّ طَريقنابالأعميين ولا قُفيرة فأزحَلِ

قال أبو عبيدة: يقال للرجل إذا احتقر وعيب ابن شعرة، ويروى بالأخشبين.

الأعميان قال: كان غالب أعور وأخوه أعمى، والأخشبان رزام وكعب

وربيعة بنو مالك بن حنظلة وهم الخشبات.

ما كانَ يُنكَرُ في نَديِّ مُجاشِعٍأَكْلُ الخزِيرِ ولا ارْتِضاعُ الفيشلِ

قال أبو عبيدة. عطش نحيح بن مجاشع في فلاة، ومعه ثعالة مولى له، إما حليف وإما عسيف، فاشتد

عطشهما، فلما أدركهما الموت أقبل نحيح فوضع فاه على جردان ثعالة فمصه فشرب بوله، فلم ينفعه

ومات، وفعل مثل ذلك ثعالة فلم ينفعه أيضاً فماتا ففي ذلك يقول جرير:

رَضِعتُم ثُمَّ سالَ على لحَاكُمثُعالَةَ حيثُ لم تجدوا شَرَاباً
للشاعر جرير، من قصيدة «أقلي اللوم عاذل والعتابا»
ولقَدْ تَبيَّنَ في وُجوه مُجاشعلُؤْمٌ يثورُ ضَبَابُهُ لا يَنجَلي
للشاعر جرير، من قصيدة «لمن الديار كأنها لم تحلل»
ولقدْ تركْتُ مُجاشِعاً وكأنَّهُمْفقعٌ بِمَدْرَجَةَ الخَميسِ الجَحْفَل
للشاعر جرير، من قصيدة «لمن الديار كأنها لم تحلل»

فقع كمأة بيضاء كبار، يضرب بما المثل في الذل، يقال: أذل من فقع بقاع، لأنه يوطأ وتأكله الطير

وغيره. والخميس الجيش وجحفل كثير الجلبة.

إنِّي إلى جبليْ تَمِيمٍ معقليومحلُّ بَيْتي في اليَفاعِ الأطْوَلِ
للشاعر جرير، من قصيدة «لمن الديار كأنها لم تحلل»

معقلي ملجئي وحرزي.

أَحلامُنَا تَزنُ الجِبالُ رَزانةًويَفوقُ جاهِلُنا فَعالَ الجُهَّلِ
للشاعر جرير، من قصيدة «لمن الديار كأنها لم تحلل»
فَأرْجِعْ إلى حكميْ قُرَيْشِ إنَّهُمْأهْلُ النُّبُوةِ والكتابِ المُنزلِ
للشاعر جرير، من قصيدة «لمن الديار كأنها لم تحلل»

يعني هاشما وأُمية، ويروى الخلافة، ويقال حكما قريش عبد مناف وهاشم.

فاسألْ إذا خرجِ الخِدامُ وأُحْمِشَتْحربٌ تضَرَّمُ كالحَرِيق المُشْعَلِ
للشاعر جرير، من قصيدة «لمن الديار كأنها لم تحلل»

ويروى واسأل، والخدام الخلاخيل يعني في الغارة.

والخيلُ تنحطُ بالكُماة وقدْ رأوالمعَ الرَّبيئة في النِّيافِ العيْطَلِ
للشاعر جرير، من قصيدة «لمن الديار كأنها لم تحلل»

تنحط تزفر، والنياف العيطل الطويلة المشرفة.

أبنُو طُهيَّةَ يعدلونَ فَوارسيوبَنَو خَضافِ وذاك ما لَمْ يُعدَلِ
للشاعر جرير، من قصيدة «لمن الديار كأنها لم تحلل»
وإذا غضِبْتُ رمى ورائِي بالحَصَىأبناءُ جندلَتِي كَخَيرِ الجندَلِ
للشاعر جرير، من قصيدة «لمن الديار كأنها لم تحلل»

جندلة بنت تيم الأدرم بن غالب بن فهر بن مالك، وهي أم يربوع ومازن.

عمرٌو وسعدٌ يا فرزدقُ فيهمُزُهْرُ النُّجومِ وباذخاتُ الأجبلِ
للشاعر جرير، من قصيدة «لمن الديار كأنها لم تحلل»

عمرو يعني تميم بن مر، وسعد بن زيد مناة، كانا حليفين، زهر بيض كالنجوم، باذهات عاليات،

وجاء في الحديث "إنَّ يومَ الجمعةِ يومٌ أزهر وليلتها غراء"

كانَ الفرزدقُ إذْ يعوذُ بِخالهِمثلَ الذليلِ يعوذُ تحتَ القرمَلِ
للشاعر جرير، من قصيدة «لمن الديار كأنها لم تحلل»

القرملُ شجر ضعيف لا شوك له، ومثل للعرب: ذليل عاذ بقرملة، وأيضاً في مثل: كقرملة الضب

الذي يتذلل، ويروى عبد صريخته أمه، ويروى أمة، ويروى حين عاذ بخاله.

وافخرِ بضبَّةَ إنَّ أُمكَ منهُمُليسَ ابنُ ضبَّةَ بالمُعمِّ المُخولِ
للشاعر جرير، من قصيدة «لمن الديار كأنها لم تحلل»
وقضتْ لنَا مُضَرٌ عليكَ بِفَضلِناوقَضتْ ربيعةُ بالقَضاء الفَيصلِ
للشاعر جرير، من قصيدة «لمن الديار كأنها لم تحلل»
إنَّ الذَّي سمكَ السَّماءَ بَنى لَنَاعِزَّاً عَلاكَ فَما لَهُ مِنْ مَنْقَلِ
للشاعر جرير، من قصيدة «لمن الديار كأنها لم تحلل»
أَبِلْغْ بَني وقبَانَ أَنَّ حُلومَهُمْخَفَّتْ فَلا يزنُونَ حبةَ خردَل
للشاعر جرير، من قصيدة «لمن الديار كأنها لم تحلل»

وقبان نبز لبني مجاشع.

أزْرى بحِلْمكُمُ الفِياشُ فأنتُمُمثْلُ الفَراشِ غَشِينَ نارَ المُصطَلي
للشاعر جرير، من قصيدة «لمن الديار كأنها لم تحلل»
لَوْ نِكْتَ أُمكَ بعدَ أكلِ خزيرِهالتعُدَّ مِثلَ فَوارِسي لَمْ تفعلِ
في مُزْبِدٍ غمقٍ كأنَّ مشقهُخلُّ المجازةِ أوْ طريقُ العُنْصُلِ

غمق كثير الندى، له غور يريد الفرج، والخل طريق في الرمل

تَصفُ السُّيوفَ وغيرُكُمْ يعصَى بهايا بْنَ القُيونِ وذاكَ فِعْلُ الصَّيْقَلِ
للشاعر جرير، من قصيدة «لمن الديار كأنها لم تحلل»

يعصى بها أي يتخذها شبيهاً بالعصا.

وبرحاحانَ تخضخضتْ أصلاؤُكمْوفزعتُمُ فزعَ البِطانِ العُزَّلِ

قال أبو الوثيق أحد بني سلمى بن مالك بن جعفر بن كلاب بن ربيعة، لما التحفت بنو دارم على

الحارث بن ظالم قاتل خالد بن جعفر ابن كلاب، وأبوا أن يسلموه أو يخرجوه من عندهم،، غزاهم

ربيعة الأحوص بن جعفر بن كلاب بأفناء عامر، طالباً بدم أخيه خالد بن

جعفر، عند الحارث بن ظالم، فالتقوا برحرحان، وفيهم يومئذ الحارث بن ظالم، فقاتل في القوم، فلم يُذكر منه بلاء يومئذ،

فتفرقت بنو دارم، وهرب معبد بن زراررة، فقال رجل من غني لعامر والطفيل ابني مالك بن جعفر

بن كلاب: هذا رجل معلم بسب أحمر - وأصل السب الخمار وهو العمامة هاهنا - يستدمي - أي به

جرح - يُطاطئ رأسه فدمه يسيل، رأيته يسند في الهضبة. وكان معبد طُعن طعنة في كدرة الخيل -

أي دُفعتها - فصرع، فلما أجلت عنه الخيل سند في هضبة من رحرحان - ورحرحان جبل. فقال

عامر والطفيل للغنوي: اسند فاحدره فسند الغنوي فحدره عليهما. فإذا معبد بن زرارة، فأثابا الغنوي

عشرين بكرة ثوابا له من معبد، فكان أسيرهما. وأما درواس بن هني - ويقال هيي بياءين وكسر

الهاء - أحد بني زُرارة، فزعم أن معبداً كان برحرحان معتنزا - ومعناه متنحيا عن قومه - في

عُشراوات له، فأخبر الأحوص بمكانه، فاغتره فوقد لقيط بن زرارة عليهم في فداء أخيه، فقال: لكم

عندي مائتا بعير فقالوا: إنك يا أبا نهشل سيد الناس، وأخوك معبد سيد مُضر، فلا نقبل منك فداءه

إلادية ملك، فأبى أن يزيدهم، وقال: إن أبانا كان أوصانا أن لا نزيد لأسير منا على مائتي بعير فيحب

الناس أخذنا، فقال معبد: والله لقد كنت أبغض اخوتي إلي وفادة عليَّ، لا تدعني ويلك يا لقيط فو الله

إن غُيِّب نعمي من المنمح والفقر لأكثر من ألف بعير، فافدني بألف بعير من مالي، فقال لقيط: ما أنا

بمنط عنك شيئاً يكون على أهل بيتك سُنة سُبكاً - أي لازمة - ويدرب له الناس بنا يُدرب يعتاد،

فقال معبدُ ويلك يا لقيط لا تدعني فلا تراني بعد اليوم أبداً،

فأبى لقيط ومنى معبداً أن يستنقذه ويغزوهم.

وأما أبو ثعلبة العدوي - ويقال أبو نعامة العدوي - فقال: قال معبد لأخيه لقيط: لا تردني

إلى مكاني الذي كنت فيه، فو الله لئن رددتني لأموتن. فقال له لقيط: صبراً أبا القعقاع، إن أبانا كان

أوصانا أن لا نزيد بفداء أحد منا على فداء أحد من قومنا. وأما درواس فقال: قال لقيط وأين وصاة

أبينا ألا تؤكلوا العرب أنفسكم، ولا تزيدوا بفدائكم على فداء رجل من قومكم، فيدرب بكم ذؤبان

العرب؟ أنفسكم، ورحل لقيط عن القوم، فسقوا معبداً الماء وضاروه حتى هلك هزلا. وأما أبو الوثيق

فقال: لما أبى ولقيط أن يفادي معبداً بألف بعير، ورجع عنهم، ظنوا أنه سيغزوهم، فقالوا: ضعوا

معبداً في حصن هوزان، فحملوه حتى وضعوه بالطائف، قال: فجعلوا إذا سقوه قراه لم يشرب، وضم

بين فقميه، وقال: أأقبل قراكم وأنا في القد أسيركم؟ فلما رأوا ذلك عمدوا إلى شظاظ، فأولجوه في فيه

فشحوا به فاه، ثم أوجروه اللبن رغبة في فدائه، وكراهية أن يهلك، فلم يزل حتى هلك في القد.

فلما هجا عديا لقيط وتيما، قال عوف بن عطية التيمي يعيره أسر بني عامر معبداً وفراره عنه:

هلاَّ فوارِسَ رحرحانَ هجوْتُّمُعُشراً تَناوَحُ في سرارَةِ وادِ
للشاعر عوف بن عطية بن الخرع، اقرأ القصيدة
لا تأكُلُ الإبلُ الفراثُ نباتهُما إنْ يقومُ عمادُهُ بعمادِ

أي هو أضعف العماد. ويروى أولا يقوم، ويروى إذ لا يقوم.

هلاَّ كرَرْتَ على ابنِ أُمِّكَ معبَدٍوالعامريُّ يقوده بِصِفادِ
للشاعر عوف بن عطية بن الخرع، اقرأ القصيدة
وذكرتَ من لبَنِ المُحلقِ شربةًوالخيلُ تعدو بالصَّعيدِ بِدَادِ
للشاعر النابغة الجعدي، من قصيدة «وذكرت من لبن المحلق شربة»

ويروى وشربت، والمحلق سمة إبل زرارة، قال أبو عبيدة: وبقية هذه القصيدة مصنوعة. قوله هلا

كررت على ابن أمك وليس أمهما واحدة، ولكن لهما أُمهات تجمعهما فوق ذلك، والمحلق سمة إبل بني

زرارة.

وقال لبيد بن ربيعة يذكر يوم رحرحان في كلمة له:

منها خُوَيٌّ والذُّهابُ وقبلهُيومٌ بُبرقةِ رحرحان كريمُ

الذهاب غائط من أرض بني الحارث بن كعب أغار عليهم فيه عامر بن الطفيل، وعلى أحلافهم من

أهل اليمن. غائط مهبط من الأرض، ومنه سُمي الغائط.

بكتائبٍ رُجُحٍ تعوَّد كبشُهانطحَ الكباشِ كأَنَّهُنُ مُجُومُ

ويروى روح:

نَمضي بها حتى نُصيبَ عدوَّناويُرَدُّ منها غانمٌ وكليمُ

وقال أبو الوثيق: قال عامر بن الطفيل يذكر ميتة معبد - قال أبو عبيدة:

فقلت له: أو أدرك عامر يومئذ؟ فقال: لا، إنما ركضت به أمه يوم جبلة ولكنه فخر بعد ذلك فقال:

قضينَا الجونَ عن عبسٍ وكانتمنيَّةُ معبدٍ فينا هُزالا
للشاعر عامِر بن الطُفَيل، اقرأ القصيدة

وقال جرير لما هاجى الفرزدق ينعى بني دارم يوم رحرحان:

وليلةَ وادي رحرحانَ رفعتُمُفِراراً ولم تلوُوا زفيفَ النَّعائِمِ
للشاعر جرير، من قصيدة «ألا حي ربع المنزل المتقادم»
تركتُم أبَا القعقاعِ في الغُلِّ معبداًوأيَّ أخٍ لم تُسْلِمُوا للأداهمِ!
للشاعر جرير، من قصيدة «ألا حي ربع المنزل المتقادم»

وقال جرير أيضا:

ومعبدكُمْ دَعَا عُدُسَ بنَ زيدٍفأُسلِمَ للكُبُولِ وللهُزَالِ

قال: فلما انقضت وقعة رحرحان، جمع لقيط بن زرارة لبني عامر وألب عليهم. وبين يوم رحرحان

ويوم جبلة سنة كاملة، وكان يوم جبلة، قبل الإسلام بخمس وأربعين سنة في قول المكثر، وذلك عام

ولد النبي ﷺ، وفي قول المقلل أربعين سنة.

خُصِيَ الفرزدقُ والخِصاءُ مذلَّةٌيرجو مُخاطَرَةَ القُرومِ البُزَّلِ
للشاعر جرير، من قصيدة «لمن الديار كأنها لم تحلل»
هاب الخَواتنُ منْ بَناتِ مُجاشعٍمثلَ المحاجنِ أوْ قُرونَ الأيلِ
للشاعر جرير، من قصيدة «لمن الديار كأنها لم تحلل»
وكأنَّ تحتَ ثِيابِ خُورِ نسائِهمْبطَّا يُصوتُ في صَراةِ الجدولِ

الخور المناتين، وكل ماء مجتمع صراة.

قعدتْ قفيرةُ بالفرزدقِ بعدَماجهدَ الفرزدقُ جهدهُ لا يأتلي
للشاعر جرير، من قصيدة «لمن الديار كأنها لم تحلل»
ألهى أباكَ عن المكارِمِ والعُلاليُّ الكتائفِ وارتفاعُ المرجَلِ

الكتائف الضبات الواحدة كتيفة، والمرجل القدر، وكل قدر عند العرب مرجل.

ولدتْ قُفيرةُ قدْ علمتُم خبثةًبعدَ المشيبِ وبظرُها كالمنجلِ
بزرُودَ أرقصتِ القعودُ فِراشهارعثاتِ عُنبلُها الغدفْلِ الأرعَلِ

الغدفل المسترخي، والأرعل مثله، ويروى الأرغل، والأغرل.

أشْركتِ إذْ حُمِلَ الفرزدقُ خبثةًحوضَ الحمارِ بليلةٍ منْ نبتلِ

ويروى أشركت إذ حملت لأمك خبثة. قوله أشركت يخاطب أم الفرزدق فيقول: أشركت في حمل

الفرزدق. وحوض الحمار يعني غالباً أبا الفرزدق. بليلة من نبتل فجئت به منهما جميعاً مشتركين

فيه.

أبلغُ هديتيَ الفرزدقَ إنَّهُثِقلٌ يُزادُ على حسيرٍ مُثقلِ
للشاعر جرير، من قصيدة «لمن الديار كأنها لم تحلل»
إنَّا نُقيمُ صَغا الرُؤُوس ونختليرأسَ المُتوجِ بالحُسامِ المقصلِ
للشاعر جرير، من قصيدة «لمن الديار كأنها لم تحلل»

وقال الفرزدق:

أقُولُ لصاحبيَّ من التَّعزيوقَدْ نكَّبنَ أكثبةَ العقارِ
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «أقول لصاحبي من التعزي»

نكبن عدلن وتركنها ناحية، أكثبة جمع كثيب، والعقار أرض لباهلة، ويقال اسم رمل، ويقال أرض

لبني عامر، ويقال لها عقار الملح، وهو بين اليمامة وعقيق بني كعب.

أعيناني عَلى زَفراتِ قَلْبٍيحِنُّ برامتينِ إلى النَّوارِ
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «أقول لصاحبي من التعزي»
إذا ذُكرتْ نَوارُ لهُ استهلتْمدامعُ مُسبلِ العبراتِ جارِ
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «أقول لصاحبي من التعزي»

استهلت قطرت قطراً له صوت من شدة وقعه، ومنه قولهم: إذا استهل الصبي ورث، يقول: إذا سقط

من بطن أمه حياً فصاح وُرث وإلا لم يُورث.

فَلَمْ أر مثْلَ ما قطعتْ إلينامنَ الظُّلمِ الحَنادِسِ والصَّحارِي
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «أقول لصاحبي من التعزي»

الحنادس ليال شديدة الظلمة، يقال: ليلة حندس وليال حنادس.

تخوضُ فرُوجهُ حتَّى أتيناعَلَى بُعدِ المُناخِ مِنَ المَزارِ

فروجه طرقه، يريد طرق ما قطعت إلينا، والهاء لما قطعت الينا.

وكيفَ وِصالُ مُنقطعٍ طَرِيدٍيغورُ معَ النُّجُومِ إلى المغارِ
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «أقول لصاحبي من التعزي»

قوله يغور مع النجوم أي وجهته إلى الشام ناحية المغرب.

كسعْتُ ابنَ المراغة حينَ ولَّىإلى شرِّ القبائِل والدِّيارِ
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «أقول لصاحبي من التعزي»

الكسع أن يضرب الرجل مؤخر الرجل بصدر قدمه محقرة له.

إلى أَهلِ المضايقِ مِنْ كُليبٍكِلابٍ تحتَ أخبيةٍ صِغارِ
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «أقول لصاحبي من التعزي»
ألا قبَحَ الإلهُ بَنِي كُليبٍذَوي الحُمُراتِ والعمدِ القصارِ
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «أقول لصاحبي من التعزي»
نساءٌ بالمضايقِ ما يُوارِيمخازيهُنَّ مُنتقبُ الخِمارِ
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «أقول لصاحبي من التعزي»

أي أن المرأة يواريها خمارها، وهؤلاء لا يواريهن الخمار لفجورهن هذا قول أبي سعيد، وقال

غيره: يعني أنهن يبرقن للرجال، وقال بعضهم يعني أنهن مقاريف فإذا انتقبن بدا سواد محاجرهن.

وما أبكارهُنَّ بثيِّباتٍولدنَ من البُعولِ ولا عذاري

يقول: لم يلدن من الأزواج، ولكن من غيرهم، ولسن بعذارى، يقول: ولدن من الطريق.

ولوْ تُرمى بلُؤْمِ بني كٌليبٍنُجومُ اللَّيلِ ما وضحتْ لِساري
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «أقول لصاحبي من التعزي»
ولوْ لَبسَ النَّهارَ بنُو كُليبٍلدنَّس لُؤْمُهُم وضحَ النَّهارِ
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «أقول لصاحبي من التعزي»
ومَا يغدُو عزيزُ بنَي كُليبٍليطلُبَ حاجَةً إلاَّ بِجارِ
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «أقول لصاحبي من التعزي»
بنوُ السِّيدِ الأشائِمُ للأعادِينَموْني للعُلى وبنُو ضِرارِ
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «أقول لصاحبي من التعزي»

السيد بن مالك بن عمرو بن بكر من بني ضبة، وضرار هو رديم بن مالك بن زيد بن كعب بن

بجالة بن ذهل بن مالك بن بكر بن سعد بن ضبة.

وعائِدَةُ الَّتي كانَتْ تميمٌيُقدُمها لمحميةِ الذِّمارِ
وأصحابُ الشَّقيقةِ يومَ لاقَوْابَني شيبانَ بالأسلِ الحِرارِ
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «وعائذة التي كانت تميم»

أصحاب الشقيقة بنو ثعلبة بن سعد بن ضبة، يعني قتل عاصم بن خليفة الضبي بسطام بن قيس

الشيباني، والأسل الرماح. وقوله الحرار هي العطاش، يقول: هي عطاش لم ترو من الدم بعدُ.

النص من طبعة المجمع الثقافي بأبو ظبي (١٩٩٨م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «شرح نقائض جرير والفرزدق»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.