من «شرح القصائد السبع الطوال الجاهليات» لأبي بكر ابن الأنباري (ت ٣٢٨هـ)
قصيدة زهير بن أبي سلمى
﷽
قال أبو بكر محمد بن القاسم الأنباري النحوي: قال يعقوب بن إسحاق السكيت:
كان من حديث زهير بن أبي سلمى وأهل بيته أنهم كانوا من مزينة، وكان بنو عبد الله غطفان
جيرانهم وقد ولدتهم بنو مرة، وكان من أمر أبي سلمى - واسمه ربيعه بن رياح، وخاله أسعد بن
الغدير بن سهم بن مرة بن عوف بن سعد بن ذبيان بن بغيض - وإن أسعد خرج هو وابنه كعب بن
أسعد في ناس من بني مرة يغير على طيئ، ومعه أبو سلمى، فأصابوا نعما وأموالا فرجعوا حتى
انتهوا إلى أرضهم، فقال ربيعة بن رياح وهو أبو سلمى، لخاله أسعد بن الغدير وابنه كعب: أفردا لي
سهمي. فأبيا عليه ومنعاه حقه، فكف عنهما حتى إذا كان من الليل أتى أمه فقال: والذي يحلف به
لتقومن إلى بعير من هذه الإبل فلتقعدن عليه أو لأضربن بسيفي ما تحت قرطك! فقامت أمه إلى بعير
منها فاعتنقت سنامه، فقال أبو سلمى يرتجز:
ويلٌ لأجمال العجوز منِّيإذا دنَوتُ ودنونَ مني
كأَنَّني سَمَعْمعٌ من جِنِّ
السمعمع: الخفيف.
فخرج بها وبالإبل حتى انتهى بها إلى مزينة، فلذلك حيث يقول:
لتَغْدواً إبل مجنَّبةمن عند أسعدَ وابنه كعب
الآكلين صَريح قومهماأكل الحُبارَى بُرعُمَ الرُّطْبِ
البرعم: وعاء الزهر، يقال برعم وبراعيم.
فلبث فيهم حينا، ثم إنه أقبل بمزينة مغيرا على بني ذبيان، حتى إذا مزينة أسهلت وخلفت بلادها،
ونظروا إلى أرض غطفان، تطايروا راجعين وتركوه وحده، فذلك حيث يقول:
من يشتري فرساً كخير غزوُهاوأبت عشيرةُ ربِّها أن تُسِهلا
وأقبل حين رأى ذلك من مزينة حتى دخل في أخواله بني مرة، فلم يزل في بني عبد الله بن غطفان
إلى اليوم.
وكان ورد بن حابس قتل هرم بن ضمضم المزني الذي يقول فيه عنترة:
ولقد خشيتُ بأن أموتَ ولم تكنْللحرب دائرةٌ على ابَنْي ضمضمِ
قتله في حرب عبس وذبيان قبل الصلح، ثم اصطلح ولم يدخل حصين بن ضمضم أخوه في الصلح،
فحلف ألا يغسل رأسه حتى يقتل ورد بن حابس أو رجلا من بني عبس ثم من بني غالب، ولم يطلع
على ذلك أحدا، وقد حمل الحمالة الحارث أبو عوف بن أبي حارثة، وهرم بن سنان بن أبي حارثة.
فأقبل رجل من بني عبس ثم أحد بني مخزوم حتى نزل بحصين بن ضمضم، فقال: ممن أنت أيها
الرجل؟ قال: عبسي. قال: من أي عبس؟ فلم يزل ينتسب حتى انتسب إلى غالب، فقتله حصين،
وبلغ ذلك الحارث بن عوف، وهرم بن سنان، فاشتد ذلك عليهما، وبلغ بني عبس فركبوا نحو
الحارث، فلما بلغ الحارث ركوب بني عبس وما قد اشتد عليهم من قتل صاحبهم، - وإنما أرادت بنو
عبس أن يقتلوا الحارث - بعث إليهم بمائة من الإبل معها ابنه وقال للرسول: قل لهم: آللبن أحب
إليكم أم أنفسكم؟ فأقبل الرسول حتى قال لهم ما قال، فقال ربيع بن زياد: أن أخاكم قد أرسل إليكم
الإبل أحب إليكم أم ابنه تقتلونه؟ فقالوا: بل نأخذ الإبل ونصالح قومنا فيتم الصلح، فذلك قول زهير
حيث يمتدح الحارث بن عوف وهرم بن سنان.
قال زهير بن أبي سلمى، وهو ربيعة، بن رياح بن قرة بن الحارث بن مازن بن ثعلبة بن برد بن
لاطم بن عثمان بن مزينة بن أد بن طابخة بن الياس بن مضر. وآل أبي سلمى حلفاء في بني عبد
الله بن غطفان بن سعد بن قيس بن عيلان بن مضر:
أَمِنْ أُمِّ أَوفَى دِمنةٌ لم تَكلمِبحَوْمَانة الدَّرَّاجِ فالمتثَلِّمِ
قال الأصمعي: قوله (أمن أم أوفى)، معناه أمن دمن أم أوفى دمنة لم تكلم، أي أمن منازل أم أوفى.
وهذا على التفجع، كما قال الهذلي:
أمنك برقٌ أبيت اللَّيلَ أرقبهكأنَّه في عِراص الدار مصباحُ
ومعنى لم تكلم: لم يتكلم أهلها. و (الدمنة): آثار الناس وما سودوا بالرماد وغير ذلك. وإذا اسود
المكان قيل: قد دمن هذا المكان. والد من: البعر والسرجين. أنشدنا أبو العباس:
وقد ينبت المرعى على دِمَن الثرىويبقى حزازات النفوس كما هيّا
والد منة في غير هذا الحقد، وجمعها دمن. قال الشاعر:
ومن دِمَن داويتها فشفيتهابسَلمك لولا أنت طال حروبُها
والحومانة جمعها حوامين: أماكن غلاظ منقادة. وقال أبو العباس: يروى (الدُّراج) بضم الدال. وقال
يعقوب: قال الأصمعي: الدَّراج بفتح الدال. وقال: حومانة الدراج والمتثلم: موضعان بالعالية منقادان.
قال الشاعر:
زقَا ثم قَوقَا بعد ما لعبت بهحوامينُ أمثالُ الذّئاب السوافدِ
والدمنة رفع بالصفة، ولم تكلم صلة الدمنة، والباء حال للدمنة، وكسرت الميم لأن الجزم إذا حرك
حرك إلى الخفض، واحتيج إلى كسرها إصلاحا للقافية، وجعلت الياء صلة لكسرة الميم.
دِيارٌ لها بالرَّقْمَتَيْن كأَنَّهامَراجعُ وَشْمٍ في نَواشِرِ مِعصَمِ
قال الأصمعي: الرقمتان إحداهما قرب المدينة والأخرى قرب البصرة، وإنما صارت هاهنا حيث
انتجعت. وقال يعقوب: قوله بالرقمتين معناه بينهما. وقال الكلابي: الرقمتان بين جرثم وبين مطلع
الشمس بأرض بني أسد، وهما أبرقان مختلطان بالحجارة والرمل. والرقمتان أيضا: حذاء ساق
الغرو، وساق الغرو: جبل في أرض بني أسد. والرقمتان أيضا بشط فلج أرض بني حنظلة. وقوله
(مراجع وشم)، أي معاطف، أي رجع الوشم وأعيد. وكلما رجعت شيئا فقد رددته. يقال فلان يرجع
صوته بالقرآن وغيره. فشبه وشوم الديار، أي الآثار التي فيها بمراجع الوشم. والوشم: أن يثقب
ظاهر الذراع بإبرة أو غيرها ثم يحشى بالكحل والنؤور ليخضر. وقال أبو جعفر: واحد المراجع
رجع، وهو على غير القياس. وقال يعقوب: النواشر عصب الذراع من ظاهرها وباطنها، واحدتها
ناشرة. وقال أبو جعفر: النواشر عروق ظاهر الذراع خاصة.
والهاء والألف اسم كأن، و (المعصم): موضع السوار وهو أسفل من الرسغ، والرسغ: موصل
الذراع بالكف. والديار يرتفع بإضمار هي، واللام صلة الديار، والمراجع خبر كأن، وفي صلة الوشم.
ويروى: (ودار لها بالرقمتين).
بِهَا العِينُ والآرَامُ يَمْشِينَ خِلفةًوأَطلاؤُها يَنْهضْنَ من كلِّ مَجْثَمِ
العين: البقر، واحدها أعين وعيناء، وإنما سميت عيناء لسعة عينها. والآرام: ظباء بيض خوالص
البياض، واحدها ريم وريمة، ومساكنها الرمل. وقال يعقوب: العفر ظباء تعلو بياضها حمرة، قصار
الأعناق والقوائم، ومساكنها القفاف والجلد، وهي معزى الظباء، ومراعيها العضاه، لأنها أخف الظباء
لحوما. قال: والأدم ظباء بيض البطون سمر الظهور طوال الأعناق والقوائم، ومساكنها الجبال، وهي
إبل الظباء، وهي أغلظ الظباء ممضغة لحم، وهي مشرفة القطوات مجدولة المتون. قال يعقوب:
وقال الأصمعي: وليس يطمع الفهد في العفر لسرعتها. وقال أبو جعفر: العفر تكون في بلاد هذيل
وقيس وأسد في جبالهم. وأما الأدم عند بني تميم فمساكنها الرمال، وهي البيض الخالصة البياض.
وأنشد لذي الرمة:
ذكرتُكَ أن مَرَّت بنا أمُّ شادنٍأمامَ المطايا تشرئبُّ وتَسنَحُ
من المؤْلفاتِ الرَّمل أدماءُ حُرّةٌشُعاعُ الضُّحى في متْنها يتوضَّحُ
وقال أبو جعفر: وإبل الظباء هي في الظباء كالإبل، أي هي أنبلها وأطولها أعناقا. وقال يعقوب في
قوله (خلفة): معناه إذا مضى فوج جاء آخر، وأصله إذا ذهب شيء خلف مكانه شيء آخر. وإنما
أراد أن الدار أقفرت حتى صار فيها ضروب من الوحش.
قال ابن الأنباري: الدليل على صحة هذا عندي قول الله ﷿: (وهو الذي جَعَل اللَّيِلَ والنَّهار
خِلْفةً)، معناه أن أحدهما يخلف الآخر، من فاتته صلاة بالليل صلاها بالنهار. قال الشاعر:
تَربَّبَها التَّرعيب والمَحضُ خِلفةًومسكٌ وكافور ولُبنَى تَأكَّلُ
الترعيب: السنام. والمحض: اللبن. أراد: إذا مضى الترعيب خلفه اللبن. وحكى يعقوب عن بعض
أهل اللغة إنه قال: خلفة معناه مختلفة، يريد أنها تردد في كل وجه. وقال أبو جعفر: معناه في أمن
وخصب. وقوله (وأطلاؤها ينهضن)، معناه أنهن ينمن أولادهن إذا أرضعنهن ثم يرعين، فإذا ظنن
أن أولادهن قد أنفدن ما في أجوافهن من اللبن صوتن بأولادهن فنهضن للأصوات ليشربن. فقال: هذا
مثل بيت ذي الرمة:
كأنَّها أمُّ ساجي الطرف أخدَرهامستودَعٌ خَمرَ الوعساء مَرخُوم
لا ينعَش الطَّرفَ إلاّ ما تخوَّنَهداع يناديهِ باسم الماءِ مبغومُ
و (الطلا): ولد البقرة والظبي والشاة، ويقال له طلا من ساعة يولد إلى نصف شهر. وقد يستعار
الطلا لأولاد الناس. و (المجثم) للغزال والأرنب والطائر: موضعه الذي يجثم فيه. يقال جثم يجثِم
ويجثُم. قال أبو عبيدة: الجثوم للطائر والإنسان بمنزلة البروك للإبل. قال الله ﷿: (فأصبحوا
في دارهم جاثمين). وأنشد أبو عبيدة:
صاحب طَلْح أو عِضاه أو سَلَمْإذا الجبانُ بين عِدْليْه جَثَمْ
ويروى (مجثم) بكسر الثاء. فمن فتح الثاء قال المجثم اسم من جثم يجثم، كما يقال المدخل من دخل
يدخل. ومن قال مجثِم بكسر الثاء قال: هو الاسم من جثَم يجثِم.
وقَفْتُ بها منْ بعد عِشرين حِجَّةفَلأْياً عَرَفْتُ الدّارَ بعد توَهمِ
معناه عهدي بها منذ عشرين حجة، عرفتها بعد أن توهمت فلم أعرف. و (لأيا): بعد إبطاء وجهد
عرفتها. قال يعقوب: يقال التأت عليه الحاجة، إذا أبطأت، تلتئي التياء. ويقال التوت عليّ، إذا
عسرت. وأمر ألوى، إذا كان عسرا. قال: ويقال فعله لأيا بعد لأي، أي بعد إبطاء وشدة. وقال أبو
جعفر: يقال التأت، إذا عسرت؛ والتوت: طالت؛ ومنه لي الغريم، وهو مطله ودفعه. وأنشد:
تُسيئين لَيّاني وأنت مليةوأحسِنُ يا ذات الوِشاح التقاضيا
وقال يعقوب: الحَج والحِج لغتان. قال: والحِجة مكسورة لا تفتح. وسمعت أبا العباس يقول: الحِج
الاسم والحَج المصدر. قال: وربما قال الفراء: هما لغتان.
ونصب لأيا على المصدر بعرفت، وبعد صلة عرفت، والحجة نصب على التفسير عن العدد.
وأخبرنا أبو العباس عن سلمة عن الفراء قال: يقال حججت حجة وحجتين. قال: ولم أر العرب
تقول حَجة، وهو قياس إذا أردت مرة واحدة.
أَثَافِيَّ سُفْعاً في مُعرَّسِ مِرجَلٍونُؤْياً كجذْمِ الحَوْض لم يتثَلَّمِ
يقال أثافي وأثاف بالتثقيل والتخفيف، واحدتها أثقية مشددة. وقال هشام: إذا كانت الواحدة مشددة ففي
الجمع التثقيل والتخفيف، كقولك أمنية وأماني وأمان،
وأوقية وأواقي وأواق، وأثفية وأثافي وأثاف، وأوارى وأوار في جمع آرى. قال النابغة:
إلاّ أوارىَّ لأياً ما أبيّنهاوالنؤىَ كالحوض بالمظلومة الجَلَدِ
ويروى: (إلا أوارى) خفيف. قال الله ﷿: (لا يَعلمون الكتابَ إلاّ أمانيَّ). وقرأ أبو جعفر
وشيبة بتخفيف (الأماني). وكذلك الأضاحيّ والأضاحي بالتشديد والتخفيف في جمع الأضحية.
والأثافيّ والأثافي: الأحجار التي ينصب عليها القدر. وقال يعقوب: واحدتها أثفية وإثفية. قال هشام:
يقال سُرية وسِرية، وأضحية وإضحية، وذُرية وذِرية، وأوقية ولا يجوز كسر أولها، لأنهم لو فعلوا
ذلك لوجب أن تصير الواو ياء لانكسار ما قبلها فيزول الحرف عن مجراه. قال الشاعر:
فلمَّا أن بغَوا وطغَوا علينارميَناهم بثالثة الأثافي
أراد: رميناهم بجيش كالجبل في شدته. وذلك أن القدر ينصب لها حجران ويجعل أصل الجبل
الحجر الثالث. فأراد بثالثة الأثافي الجبل. قال يعقوب: يقال قد أثفت القدر، وثفيتها، وأثفيتها، وقد
أثفت لها. قال خداش بن زهير:
وذلك أمرٌ لا تثَفَّي له قِدِري
وقال الفرزدق:
وقدِرٍ فثأنا غَليْهَا بعد ما غلَتْوأخرى حشَشْنا بالعَوالي تؤثَّفُ
وأنشد أبو عبيدة:
وماثلاتٍ ككما يؤثْفَيْنْ
والسفعة: سواد إلى حمرة. ومعرس المرجل: موضعه على الأثافي. قال الأصمعي:
والمرجل: كل قدر يطبخ فيها من حجارة أو حديد أو خزف أو نحاس. وأصل التعريس نزول القوم ليستريحوا؛
وأكثره من آخر الليل، وقد يكون من أوله؛ هذا قول يعقوب. وقال أبو جعفر: النزول من أول الليل
التهويم، وفي آخره التعريس، وفي القائلة التغوير. وقال يعقوب: النؤى حاجز يرفع حول البيت من
تراب من خارج لئلا يدخل الماء البيت، وجمعه أنآء ونئي، ويقال: انتأيت نؤياً، ونأيت نؤيا. وحكى
ابن الأعرابي وغيره في النؤى نأى ونى. وجذم البيت: أصله. وقوله (لم يتثلم) يعنى النؤى قد ذهب
أعلاه ولم يتثلم ما بقى منه. ويروى (كحوض الجر). والجر: سفح الجبل. وإذا احتفر الحوض بذلك
الموضع ولم يعمق بقى دهرا طويلا لا يتغير، لصلابة موضعه وإنه ليس من الأماكن التي تحتفر فيها
الحياض. وقال أبو جعفر: الجر أسفل الجبل؛ وإنما سمى جرا لأن الحجارة تدهدأ من الجبل فتقع في
الجر فيمسكها. والجد: البئر الجيدة الموضع من الكلأ.
والأثافي موضعها نصب بعرفت، والسفع نعتها، والأثافي لا تجرى ولا يلحقها التنوين، والنؤى نسق
على الأثافي، والكاف نعت النؤى.
فلمَّا عَرَفْتُ الدَّارَ قُلتُ لرَبْعهاأَلاَ انعَمْ صَباحاً أَيُّها الرَّبعُ واسلَمِ
(الربع): المنزل. يقال: هذا ربع بنى فلان، أي منزلهم. ويقال في الجمع القليل أربع، وفي الجمع
الكثير ربوع ورباع. قال المجنون:
وخيَماتُك اللاتي بمنعرَج اللوىبَلِينَ بِلىً لم تبْلهَنَّ ربوعُ
(ألا أنعم صباحاً) معناه لقيت يا ربع نعيما في صباحك. والدعاء في الظاهر للربع، وفي المعنى لمن
كان يسكن الربع، ممن يألفه ويحبه. وقال يعقوب: ألا انعم
صباحاً وعم صباحاً، وانعم ظلاما وعم ظلاما: تحية لهم.
وروى الأصمعي: (ألا عم صباحا). وقال: معناه انعم. وقال: هكذا تنشده عامة
العرب، وتقدير الفعل الماضي منه وعم يعم، ولا ينطق به. وقال الفراء: قد يتكلمون بالأفعال
المستقبلة ولا يتكلمون بالماضي منها. فمن ذلك قولهم: عم صباحا ولا يقولون وعم. ويقولون: ذر ذا
ودعه، ولا يقولون وذرته ولا ودعته. ويتكلمون بالفعل الماضي ولا يتكلمون بالمستقبل. فمن ذلك
عسيت أن أفعل ذاك، ولا يقولون أعسى في المستقبل، ولا عاس في دائم. وكذلك يقولون: لست أقوم،
ولا يتكلمون منه بمستقبل ولا دائم. وقال أبو عبيدة: ويروى: (ألا انعم صباحا) والعرب تقول: نعم
ينعَم ينعِم، وحسب يحسَب يحسِب، ويئس ييأس وييئس، ويبس ييبَس ييبِس؛ فكسر المستقبل في
هؤلاء الأحرف على غير القياس؛ لأن بناء فعل أن يكون مستقبله يفعل بالفتح، إلا هؤلاء الأحرف
وقولهم ولى يلي، وهذه حروف شاذة لا يقاس عليها.
وألا افتتاح للكلام، وانعم مجزوم على الأمر، وصباحا منصوب على الوقت. ومن رواه (ألا عم
صباحا)، قال: علامة الجزم سكون الميم. والواو التي في وعم في التقدير سقطت من الأمر بناء على
سقوطها من المستقبل، إذ كان تقدير عم في الأمر تقدير زن من الوزن، وعدْ من الوعد.
تَبَصَّرْ خليلِي هَلْ تَرَى من ظعائنٍتَحَمَّلنَ بالعَلياءِ منْ فوقِ جُرثُمِ
قال أبو جعفر: قوله (تبصر خليلي) معناه إنه هو شغل بالبكاء فقال لخليله: تبصر أنت، لأني أنا
مشغول بالبكاء عن النظر. قال: وكذلك قول امرئ القيس:
أعنِّي على برقٍ أُريكَ وميضَهكلمعِ اليدين في حَبِيّ مكلَّلِ
وقال يعقوب: الظعائن: النساء في الهوادج، واحدتها ظعينة. ويقال للمرأة وهي في بيتها ظعينة.
والظعون: البعير الذي تركبه المرأة. ويقال: هذا بعير تظعنه المرأة، أي تركبه. والظِّعان: النسعة
التي يشد بها الهودج. و (العلياء): ما ارتفع من الأرض. وقال الأصمعي: جرثم: ماءة من مياه بني
أسد. وقال يعقوب: قال بعض الأعراب: جرثم بين القينان وبين ترمس، والترمس: ماء لبني أسد.
وأجرى الظعائن لضرورة الشعر. قال الفراء والكسائي: الشعراء تجرى في أشعارها كل ما لا
يجري، ألا أفعل منك فإنهم لا يجرونه في وجوه من الوجه، لأن من تقوم مقام الاضافة، فلا يجمع بين
إضافة وتنوين. وتحملن صلة الظعائن.
جَعَلنَ القَنانَ عَن يمينٍ وحَزْنَهوكَم بالقنَان من مُحلٍّ ومُحْرِمِ
وروى الأصمعي: (ومن بالقنان). وقال: القنان: جبل بني أسد: و (الحزن) والحزم سواء، وهو
الموضع الغليظ. قال يعقوب: وقال غير الأصمعي: من الأعراب من يقول الحزم أرفع من الحزن،
وربما كان الحزم سهلا. والحزن: ما غلظ من الأرض اتطاء وارتفع. يقال: قد أحزنا، إذا صرنا إلى
الحزونة، وهو مكان حزن وأماكن حزون. وقال أبو جعفر: الحزم ما ارتفع من الأرض من الأرض
وامتد ولم يبلغ أن يكون جبلا وفيه لين؛ وأما الحزن فإنه أصلب من الحزم وكله حجارة صلبة،
ويكون متطامنا ويكون مرتفعا. وقوله (ومن بالقنان) قال يعقوب: ومن بالقنان من محل، أي ليس في
حرمة تمنعه من عهد ولا ميثاق. قال: (ومحرم) أي من له عهد أو ذمة أو جوار هو له حرمة من أن
يغار عليه؛ فهذا محرم. ومن ثم قيل مسلم محرم، أي من لم يحل من نفسه شيئا يوقع به له. ومنه قول
الراعي:
قتلوا ابنَ عفَّانَ الخليفةَ مُحْرِماًودعَا فلم أر مثلَه مخذولا
أي كانت له حرمة من أن يقتل. وقال الأصمعي: أنشدني خلف الأحمر:
قتلوا كسرَى بليلٍ مُحرِماًفتولَّى لم يُشَيَّعْ بكفَنْ
معناه لم يمتع. ويقال: شتمته مسلما محرما؟! ويقال حل من إحرامه يحل حلا، بغير ألف؛ وقد أحرم.
ويقال أحل القوم، إذا خرجوا من أشهر الحرم إلى أشهر الحل. وقد تطيب عند حله وعند حرمه. وقال
أبو زيد وأبو عبيدة: يقال حل من إحرامه وأحل. وقال أبو جعفر: قوله (وكم بالقنان) معناه كم به من
عدو وصديق لنا. والمعنى إنه طلب الظعن فمر بالقنان، فيقول: حملت نفسي في طلب هذه الظعن
على شدة وممر بموضع فيه أعدائي، لو ظفروا بي لهلكت.
والقنان منصوب بجعلن والحزن نسق عليه، وكم في موضع رفع، وكذلك (من) على رواية الذين
رووا (ومن بالقنان)، ويجوز أن يكون في موضع نصب بالنسق على القنان.
وعالَيْنَ أَنماطاً عِتاقاً وكِلّةًوِرَادَ الحواشي لونها لونُ عَنْدمِ
وروى الأصمعي:
عَلَون بإنطاكيَّة فوق عِقْمةٍوِرادٍ حَواشيها مشاكِهةَ الدَّمِ
وقال أبو جعفر: وقوله: (عالين أنماطا) معناه رفعن الأنماط والكلل عن الإبل التي ركبها الظعن،
وسويت لهن الأنماط، وسترن بالكلل. وقال يعقوب: وقوله: (وعالين أنماطا عناقا) معناه طرحن
المتاع أنماطا. و (وراد) معناه لونها إلى الحمرة، أراد إنه أخلص الحاشية بلون واحد، لم يعملها بغير
الحمرة. وقال: الأنطاكية أنماط توضع على الخدور، نسبها إلى إنطاكية. وقال: كل شيء جاء من
الشام فهو عندهم
أنطاكي. و (عقمة): جمع: عقم، مثل شيخ وشيخة. والعقم: أن يظهر خيوط أحد
النيرين فيعمل العامل به، فإذا أراد أن يشي بغير ذلك اللون لواه فأغمضه وأظهر ما يريد عمله.
وأصل الاعتقام اللي. والمشاكهة والمشابهة والمشاكلة سواء. و (العندم): البقم. وقال أبو جعفر:
الأنماط تفرش لهن في خدورهن. وقال في قوله (وراد الحواشي): أراد أنها وراد كلها. وقال: الأنماط
كلها حمر. وأنشد للنابغة:
يصونون أجساداً قديماً نعيمُهابخالصة الأردان خُضر المناكبِ
قال: أخبرني ابن الأعرابي إنه أراد خضرا كلها. وقال أبو جعفر: العندم: ثمر نبت لا ساق له، ينبت
في أصل الطلح كهيئة اللبلاب، له ثمرة حمراء تشبه أطراف الأنامل المخضوبة.
والوراد منصوب على النعت للكلة. فان قال قائل: الكلة واحدة فكيف جاز أن تنعت بوراد وهو
جميع؟ قيل له: وراد على لفظ واحد، وهو على مثال كتاب وحمار، فكان بمنزلة قولك مررت برجل
كرام الآباء ومررت بامرأة كرام الآباء. وأنشد الكسائي والفراء:
يا ليلةً خُرسَ الدَّجاج طويلةًببغدانَ ما كادت عن الصُّبح تنجلي
جعل خرسا وهو جمع نعتا لليلة؛ لأن خرسا في تقطيع قفل وبرد وما أشبه ذلك.
ظهَرنَ من السُّوبانِ ثُمَّ جزَعْنَهُعلى كُلِّ قَيْنيٍّ ومُفْأَمِ
قال يعقوب: (ظهرن من السوبان) معناه خرجن منه. وقوله: (ثم جزعنه) معناه عرض لهن مرة
أخرى فقطعنه لأنه يتثنى. وقال: السوبان: واد. وقال: روى الأصمعي: (قشيب مفأم). وقال أبو
جعفر: ظهرن منه معناه طلعن منه ثم جزنه. وأنكر أن يكون جزعنه عرض لهن مرة أخرى. وقال:
جزعنه: خلفنه ومررن ولم يعرض لهن بعد ذلك. وقال يعقوب: قوله: قيني أراد غبيطاً، وهة قتب
طويل يكون تحت الهودج. وقيني نسب إلى بلقين. وقشيب: جديد. يقال ثياب قشب. وقال أبو عمرو:
(ومفأم) يعنى جملا ضخما. وقال الأصمعي: مفأّم بالتشديد: قد وسع زيد فيه بنيقتان من جانبيه ليتسع.
يقال فئَّم دلوك؛ فتزيد فيه بنيقة. والبنيقة: وصلة بمنزلة بنيقة القميص. وقال أبو جعفر: القيني
الرحل. والغبيط يكون تحت الرحل، والقتب يكون تحت المتاع. القتب للإبل التي تحمل المتاع.
والغبيط للرحال. وقوله (قشيب) معناه جديد. يصف نعمتهن وأنهن ملوك. وقال: الفئيمة والبنيقة
والدخرصة واحد. قال: وإنما جعله مفأماً لضخم النساء وأن لهن أجساما.
وعالين، وظهرن، ووركن، نسق على جعلن، وفيه ضمير الظعائن. والمفأم نسق على قيني. ومن
رواه مفأم جعله نعتا للقشيب.
ووَرَّكْنَ في السُّوبانِ يَعْلُونَ مَتْنَهُعليهنَّ دلُّ النَّاعم المتَنَعِّمِ
قال يعقوب: وركن معناه ملن فيه. يقال: أسلك طريق كل وكذا. فإذا
عرض لك طريق عن يمينك وشمالك فورك فيه، أي مل فيه.
ويقال: قد وركت موضع كذا وكذا، إذا خلفته وراء أوراكها.
و (المتن): ما غلظ من الأرض وارتفع. وقوله: (عليهن)، معناه على الظعائن. قال أبو جعفر: ووركن:
عدلن أوراك إبلهن ونزلن لما علون متنه وحزنه لترفقهم بهن، وهو قوله (عليهن دل الناعم المتنعم).
ويعلون، فيه ضمير الظعائن وتقديره الحال، فهو في موضع نصب في التأويل، والتقدير: ووركن
في السوبان عاليات متنه، أي في هذه الحال. ويعلون على مثال يدعون ويغزون، وتكون للمذكر
والمؤنث بلفظ واحد؛ فالواو مع المذكر مزيدة للتذكير والجمع، والواو مع المؤنث أصلية هي لام
الفعل، والنون علامة التأنيث والجمع.
كأَنَّ فُتَاتَ العِهْن في كل موقفٍوقَفْن به حبُّ الفَنَا لم يُحطَّمِ
ويروى: (في كل منزل نزلن به). قال أبو جعفر: أراد كثرة العهن. أي أنهن قد زين إبلهن به، فمن
كثرته ينقطع ويتناثر إذا ازدحمن. وقال يعقوب: ويروى: (كأن حتات العهن) وهو ما انحت.
و (العهن): الصوف المصبوغ. فشبه ما تفتت من العهن الذي علق على الهودج إذا نزلن منه منزلا
بحب الفنا. و (الفنا): شجر ثمره حب أحمر وفيه نقطة سوداء. وقال الفراء: هو عنب الثعلب. وقوله
(لم يحطم)، أراد أن حب الفنا صحيح، لأنه إذا كسر ظهر له لون غير الحمرة. قال الأصمعي:
العهن: الصوف صبغ أو لم يصبغ، وهو هاهنا المصبوغ؛ لأنه شبه بحب الفنا.
والفتات اسم كأن، والحب الخبر. والفنا على وجهين: الفناء: نفاد الشيء؛ والفنا: عنب الثعلب،
مقصور.
بَكرْنَ بُكوراً واستَحَرْنَ بسُحْرةٍفهُنَّ ووادي الرَّسِّ كاليد في الفمِ
يقال بكرت في الحاجة، وأبكرت، وبكرت خفيف. قال عمر بن أبي ربيعة:
أمِن آل نعم أنت غادٍ فمُبْكرُغداةَ غدٍ أورائحٌ فمهجِّرُ
ويقال أيضا: ابتكرت في الحاجة أبتكر ابتكارا. ويقال: خرجنا بسحرة، أي في السحر. و (الرس):
ماء ونخل لبني أسد، والرسيس حذاءه. وروى الأصمعي: (كاليد للفموقال أبو جعفر: كاليد للفم،
أي دخلن فيه كما تدخل اليد في الفم، ولم يرد القصد. وقال يعقوب بن السكيت؛ وقوله كاليد للفم،
معناه يقصدن لهذا الوادي فلا يجزنه كما لا تجوز اليد إذا قصدت للفم ولا تخطئه.
ويقال هذا فم ورأيت فما وأخرجته من فمه، فتضم الفاء في موضع الرفع وتفتح في موضع النصب
وتكسر في موضع الخفض، فيكون معربا من جهتين. ويقال هذا فم ورأيت فما وأخرجته من فمه،
فتعربه من جهة واحدة. ومنهم يضم الفاء في كل حال فيقول: هذا فم ورأيت فما وأخرجته من فمه،
فيكون معربا من جهة واحدة. وروى أبو عبيدة عن يونس أن من العرب من يقول: هذا فم ورأيت فما
وأخرجه من فمه، فيلزم الفاء الكسر في الرفع والنصب والخفض، وهو على هذا الوجه معرب من
جهة واحدة.
فلَمَّا وَرَدن الماءَ زَرْقاً جِمامُهوَضَعنَ عصى الحاضرِ المتخيِّمِ
يقال: ماء أزرق، إذا كان صافيا. وهذا مثل قول هميان:
فصبّحت جابيةً صُهارِجاكأنه جلدُ السماء خارجا
أي لصفائه وزرقته. و (الجمام) قال الأصمعي: يقال للماء إذا خرج من عيونه فارتفع في البئر: قد
جم يجم جموما؛ ويسمى الماء نفسه جما. ويقال: استق لي من جم بئرك. ويقال: بئر جموم، أي
سريعة رجوع الماء. وقوله (زرقا) معناه لم يورد قبلهن فيكدر، فهو صاف. وقوله (وضعن عصى
الحاضر المتخيم) معناه أقمن كما يطرح الذي لا يريد السفر عصاه ويقيم. ويقال للرجل إذا أقام: ألقى
عصا التسيار. و (المتخيم) يريد الذي يتخذ خيمة، وهي أعواد تنصب وتجعل لها عوارض فتظلل
بالثمام، ويكون في جوانبها خصاص منها الريح في القيظ. فهي أبرد من الأخبية. وأنشد للأبيرد
الرياحي:
فألقتْ عصا التَّسْيار عنها وخيَّمتْبأجْباءِ عذبِ الماءِ بيضٍ محافرهُ
قوله بيض محافره: معناه حفر في أرض حمراء ولم يحفر في سوداء ولا دمن. والأجباء: جمع جبا،
وهو ما حول البئر والحوض؛ وجمعه أجباء بالمد، وخيمت: اتخذت خيمة وأقامت. وقال أبو جعفر
أحمد بن عبيد: بيض محافره معناه إنه أنبط في أرض بيضاء، فهو أغزر لمائه. وقال: إنما تظلل
الخيمة بالثمام لأنه
أبرد ظلا من غيره. وقال أبو جعفر في بيت زهير:
وضَعْن عصىَّ الحاضرِ المتخيِّم
وصف أنهن في أمن ومتعة، فإذا نزلْن نزلن آمنات كنزول من هو في أهله ووطنه.
وزرقاً منصوب على الحال من الماء، والجمام رفع بمعنى زرق، والجمام: جمع جمة. ولما وقت فيه
طرف من الجزاء، وهو من صلة وضعن.
وفيهنَّ مَلْهىً للطِيفِ ومنْظرٌأَنيقٌ النَّاظرِ المتوسِّمِ
اللطيف، يعنى نفسه يتلطف في الوصول إليهن. ومنظر أنيق: لم ينظر إليهن من بعيد. وقال
يعقوب: اللطيف الذي يتطلف في طلب اللهو. و (الأنيق): المعجب. يقال آنقني الشيء يونقني إيناقا.
ويقال: لهوت بالشيء ألهو به لهوا وملهى. ولهيت عن الشيء فأنا ألهى عنه لهيا، إذا تركته.
و (المتوسم): المتثبت. وقال الكلابي: المتوسم: الذي ينظر. والوسامة: الحسن. قال الله ﷿: (إنَّ
في ذلك لآيات للمتوسمِّين)، أي للناظرين المتبصرين. وأنشد أبو عبيدة:
تجردَ في السِّربال أبيضُ حازمٌمُبيينٌ لعَين الناظرِ المتوسِّمِ
والملهى مرفوع بفي، والمنظر نسق عليه، والأنيق نعته، واللام صلة أنيق.
سَعى ساعِيَا غَيظِ بن مُرَّة بعدماتبزَّلَ ما بَينَ العشيرةِ بالدَّمِ
قال الأصمعي: سعى ساعيا، معناه عملا عملا حسنا. (تبزَّل): كان بينهم صلح فشقق بالدم. تبزل.
تشقق وتفطر، فسعى ساعيا غيظ بن مرة فأصلحاه.
ومنه قيل المبزل والبزال. ومنه بزول البعير بنابه؛ لأنه يتفطر موضعه. ومنه قيل البزلاء للرأي
الجيد؛ لأنها قد انتجعت وبزلت. ويقال: إنه لذو بزلاء. قال الراعي:
من أمرِ ذي بَدَواتٍ ما تزالُ لهبزْلاءُ يعيا بها الجَثَّامةَ اللُّبَدُ
قال يعقوب: قال أبو عبيدة: غيظ بن مرة بن عوف بن سعد بن ذبيان بن بغيض. قال: وعنى
بالساعيين خارجة بن سنان بن أبي حارثة بن مرة بن نشبة بن غيظ بن مرة، والآخر الحارث بن
عوف بن أبي حارثة.
فأَقسَمْتُ بالبَيتِ الذي طافَ حَوْلَهرجالٌ بَنَوْهُ من قُريش وجُرْهُمِ
قال أبو عبيدة: كانت الكعبة رفعت حين غرق قوم نوح ﵇، فأراد الله ﵎ تكرمة
قريش، فأمر الله ﷿ أبويهم إبراهيم وابنه إسماعيل، عليهما الصلاة والسلام، أن يعيدا بناء
الكعبة شرفها الله تعالى على أسها الأول، فأرادا بناءها لما أراد الله ﷿ من تكرمة قريش، فأنزل
الله تعالى في القرآن: (وإذْ يَرْفع إبراهيم القواعدَ من البيت وإسماعيل ربَّنا تقبَّلْ منَّا) ... الآية. ألا
ترى أنهما أول من رفع البيت بعدما كان رُفع، فلم يكن وهو مرفوع له ولاة منذ زمن نوح عليه
الصلاة والسلام، ثم أمر إبراهيم أن ينزل ابنه إسماعيل ﵉ بالبيت، لما أراد الله جل وعلا
من كرامة قريش، فكان إبراهيم وابنه إسماعيل ﵉ يليان البيت بعد عهد نوح ﵇،
ومكة يومئذ بلاقع، ومن حول مكة
يومئذ جرهم، فنكح إسماعيل ﵇ امرأة منهم. وقال في ذلك
عمرو بن الحارث بن مضاض الجرهمي بعد ذلك:
وصاهَرَنا مَن أكرمُ النَّاسِ والداًفأبناؤه منَّا ونحن الأصاهرُ
قال أبو عبيدة: وحدثنا مسمع بن عبد الملك، عن محمد بن علي بن الحسين، عن آبائه، عن النبي
صلى الله عليه وعلى آله وسلم إنه قال: (كان أول من فتق لسانه بالعربية المبينة إسماعيل عليه
الصلاة والسلام وهو ابن أربع عشرة سنة)، فقال له يونس: صدقت يا أبا سيار، هكذا حدثني به أبو
جزء. فإسماعيل أول من تكلم بالعربية المبينة، ثم صارت إلى قريش خاصة. وتصديق ذلك في
القرآن: (وما أرسلْنا من رسولٍ إلاّ بلسانِ قومهِ ليبيَّن لهم)، إلا أن العربية المبينة لهم بلسان قريش
قوم النبي ﷺ.
فولى البيت بعد إبراهيم ابنه إسماعيل، وبعد إسماعيل نبت بن إسماعيل، وأمه جرهمية.
ثم مات نبت بن إسماعيل ولم يكثر ولد إسماعيل ﵇، فغلب جرهم على ولاية البيت. وقال
عمرو بن الحارث الجرهمي:
وكنَّا وُلاةَ البيت من بعد نابتٍنطوفُ بذاك البيتِ والخيرُ ظاهرُ
فكان أول من ولى البيت مضاض بن عمرو بن غالب الجرهمي، ثم وليه بعده كابر عن كابر، حتى
بغت جرهم بمكة - عظمها الله تعالى - واستحلوا حرمتها، وأكلوا مال الكعبة الذي يهدى لها، وظلموا
من دخل مكة، ثم لم يتناهوا، حتى جعل الرجل منهم إذا لم يجد مكانا يزني فيه دخل الكعبة فزنى.
فزعموا أن إسافا بغى بنائلة في جوف الكعبة فمسخا حجرين.
وكانت مكة في الجاهلية لا ظلم ولا بغي فيها، ولا يستحل حرمتها ملك إلا هلك مكانه، فكانت تسكى
(الناسة) وتسمى (بكة)، تبك أعناق البغايا إذا بغوا فيها. ويقال: إنما سميت مكة لازدحام الناس بها.
وقال يعقوب: سميت الناسة لأن أهلها كأنهم ينسون من العطش. قال:
وبلد يُمْسِي قَطاهُ نُسَّسَا
قال أبو عبيدة: فلما لم تتناه جرهم عن بغيها وتفرق أولاد عمرو بن عامر من اليمن، فانخزع بنو
حارثة بن عمرو بن عامر فأوطنوا تهامة، فسميت خزاعة (فخزاعة: كعب، ومليح، وسعد، وعوف،
وعدي - بنو عمرو بن ربيعة بن حارثة بن عمرو بن عامر - وأسلم، وملكان بن أفصي بن حارثة
بن عمرو بن عامر) بعث الله ﷿ على جرهم الرعاف والنمل فأفناهم. فاجتمعت خزاعة ليجلوا
من بقي، ورئيس خزاعة عمرو بن عامر؛ وأمه فهيرة بنت عمرو بن الحارث بن مضاض الجرهمى،
وليس هو ابن مضلاض الأكبر. فاقتتلوا، فلما أحس عمرو بن الحارث بن مضاض بالهزيمة خرج
بغزالي الكعبة وحجر الركن، يلتمس التوبة وهو يقول:
لا هُمّ أن جرهماً عبادُكاالنَّاس طِرفٌ وهمُ تلادُكا
وهمْ قديماً عَمَروا بلادَكا
فلم تقبل توبته. فألقى غزالي الكعبة وحجر الركن في زمزم ثم دفنها، وخرج من بقى من جرهم إلى
إضم من أرض جهينة، فجاءهم سيل أتى فذهب بهم، فقال أمية بن أبي الصلت:
وجُرهم دمَّنوا تِهامة في الدَّهرِ فسالت بجمعهم إضَمُ
وولى عمرو بن ربيعة بن حارثة بن عمرو بن عامر. وقال بنو قصي: بل وليه عمرو بن الحارث
بن عمرو، أحد بني غبشان بن سليم، من بني ملكان بن أفصي، ولى البيت، وهو الذي يقول:
ونحن وَلينا البيتَ من بعد جُرهملنمنعَه من كلِّ باغٍ وملحدِ
وقال:
وادٍ حرامٌ طيرُهُ ووحشُهنحن ولِينا فلا نغُشُّه
وزاد غير أبي عبيدة:
وابن مُضاض قائمٌ يمُشُّهيأخذ ما يُهدّى له يفُشُّه
وقال عمرو بن الحارث الجرهمي:
كأنْ لم يكن بين الحَجون إلى الصَّفاأنيسٌ ولم يسمُرْ بمكَّة سامرُ
ولم يتربع واسكاً فجنوبَهإلى المنحنى من ذي الأراكة حاضرُ
بلى نحنُ كنَّا أهلهَا فأبادَناصروفُ اللَّيالي والجدودُ العواثرُ
وقال أيضا:
يأيها الناس سِيروا أن قَصْرَكمُأنْ تُصبحوا ذاتَ يومٍ لا تسيرونا
كنَّا. أناساً كما كنتمْ فغيَّرنادهرٌ فأنتم كما كُنَّا تكونونا
حُثُّوا المطيَّ وأرخوا من أزمتَّهاقبلَ الممات وقَضُّوا ما تقضُّونا
يقول: بادروا فخذوا بحظكم من الدنيا وما تقدمون لأنفسكم، فإنكم تموتون كما متنا. أي اعملوا
لآخرتكم وأحكموا أمر دنياكم.
فوليت خزاعة البيت. إلا إنه كان في قبائل مضر ثلاث خلال:
الإجازة للناس بالحج من عرفة. وكان ذلك إلى الغوث بن مر بن أد بن طابخة، ثم كانت في ولده
وكان يقال لهم صوفة، فكانت إذا حانت الإجازة قالت العرب: أجيزي صوفة! ففخر بذلك أوس بن
مغراء السعدي فقال:
قلا يَريمون في التعريف موقفَهمحتَّى يقال أجيزوا آلَ صُوفانا
قال: يقال لكل من ولى من أهل البيت شيئا، أو أقام بشيء من خدمته أو بشيء من أمر المناسك:
صوفة وصوفان؛ لانهم بمنزلة الصوف، فيهم من كل لون: قصير وطويل، وأسود وأبيض؛ ليسوا من
قبيلة واحدة؛ لأنه يذهب قوم ويجيء قوم.
والثانية: الإفاضة من جمع غداة النحر إلى منى. فكان ذلك إلى بني زيد بن عدوان بن عمرو بن
قيس بن عيلان، فكان آخر من ولى ذلك منهم أبو سيارة عميلة بن الأعزل بن خالد بن سعد بن
الحارث، فكان إذا أراد أن يفيض بالناس غداة جمع قال: (يا صاحب الحمار الأسود، علام تحسد،
فهلا صاحب الأمون الجلعد، اللهم اكف أبا سيارة الحسد!). ثم يفيض بالناس فكان يقال: (هو أصح
من حمار أبي سيارة!). وكان يقال إنه دفع بالناس عليه أربعين سنة لا يعتل. قال أبو عبيدة: فقال
قائل:
نحن دفَعْنا عن أبي سيَّارَهحتَّى أفاضَ مُجْرياً حمارَه
والثالثة: النسيء لشهور الحرام، فكان ذلك إلى القلمس، وهو حذيفة بن عبد بن فقيم بن عدي بن
مالك بن كنانة، ثم في بنيه، حتى صار ذلك إلى آخرهم وقام عليه الإسلام، أبي ثمامة، وهو جنادة بن
عوف بن أمية، أحد بني حذيفة بن عبد. فكانوا يحلون من الحرم ما شاءوا، ويحرمون من الحلال ما
شاءوا ثم إذا أراد الناس الصدر قام الذي يلي ذلك فقال: (اللهم إني لا أحاب ولا أعاب، ولا مرد لما
قضيت. اللهم أني قد أحللت دماء المحلين من طي وخثعم إحلال دم ظبي، فاقتلوهم حيث ثقفتموهم.
اللهم أني أحللت أحد الصفرين: الصفر الأول، ونسأت الآخر للعام المقبل).
وإنما أحل دماء خثعم وطي لأنهم كانوا لا يحرمون الأشهر الحرم. وإنما قالوا أحد الصفرين لأنهم
جعلوا المحرم الصفر الأول ليقولوا إنه حلال إذا أحلوا، لأنهم
استشنعوا إحلال المحرم. فلما قلم الإسلام قام وقد عادت الحرم إلى أصلها،
فأحكمها الله تعالى وأبطل النسيء، قال الله ﷿ فيه تلك
الآيات. ففخر بذلك عمرو بن قيس، جذل الطعان، فقال:
ألسنا الناسئينَ على مَعَدّشُهورَ الحِلِّ نجعلُها حراما
فلما أمرت معد - أي كثرت - تفرقت. فقال مهلهل:
غنيَتْ دارنا تِهامةُ في الدَّهرِ وفيها بنو مَعِدٍّ حُلولا
وأما قريش فلم يفارقوا مكة منذ خلقوا، ولم يدعوا ميراثهم عن إسماعيل ﵊. فلما
كثروا وقلت المياه عليهم تفرقوا في الشعاب والجباجب من الحرم ولم يخرجوا منه والجبجب
والأخاشب: جبال مكة. يقال: (ما بين أخشبيها وبين جبجبيها أحمق من فلان!).
فتزوج كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب، فاطمة بنت سعد بن سيل، وهم من الجدرة، وهم
حي من جعثنة من أزد شنوءة، حلفاء في بني كنانة. فولدت لكلاب زيدا وزهرة، فهلك كلاب وزيد
صغير وقد شب زهرة، فقدم ربيعة بن حرام، من عذرة بن سعد هذيم بن زيد مكة، فتزوج فاطمة
فحملها وابنها زيدا وهو صغير، فأتى بهما بلاده. فولدت فاطمة رزاحا. وشب ابن كلاب في حجر
ربيعة، فسمى زيد قصيا لبعد داره عن دار قومه؛ ولم يبرح زهرة مكة.
ثم أن قُصياً قال له رجل من بني عذرة: الحق بقومك فإنك لست منا. فقال: ممن أنا؟ قال: اسأل
أمك. فسألها فقالت: أنت أكرم منه نفسا ووالداً ونسبا، أنت ابن كلاب بن مرة القرشي، وقومك آل الله
في حرمه وعند بيته. فجهزته، وقال: لا تعجل حتى تخرج حجاج قضاعة فتخرج معهم، فإني أخاف
عليك. فلما شخص الحاج شخص قصي معهم حتى قدن على أخيه زهرة وقومه، فلم يلبث أن ساد،
فكانت خزاعة بمكة أكثر من قريش. فاستنجد قصي أخاه لأمه رزاحا وله ثلاثة أخوة من أبيه من
امرأة أخرى: حن، ومحمود، وجلهمة، بنو ربيعة بن حرام. فأقبل بمن أجابه من أحياء قضاعة، ومع
قصي قومه، فنفوا خراعة عن البيت.
وزعم قوم من خزاعة أن قصياً تزوج حبي بنت حليل بن حبشية بن سلول ابن كعب بن عمرو بن
ربيعة بن حارثة بن عمرو بن عامر، فولدت له عبد الدار، وعبد العزى، وعبد مناف، وعبداً، بني
قصي.
وكان حليل آخر من ولى البيت من خزاعة، فلما ثقل جعل ولاية البيت إلى ابته حبي، فقالت: قد
علمت أني لا أقدر على فتح الباب وإغلاقه. قال: إني أجعل الفتح والإغلاق إلى رجل يقوم لك به.
فجعله إلى أبي غبشان، وهو سليم ابن عمرو بن بوى بن ملكان بن أفصي بن حارثة بن عمرو بن
عامر، فاشترى قصي منه ولاية البيت بزق خمر وقعود، فلما رأت ذلك خزاعة كثُروا على قصي،
فاستنصر أخاه فقدم بمن معه من قضاعة، فقاتل خزاعة حتى نفوا خزاعة.
قال أبو عبيدة: فأما الخلفي - وهو رجل من بني خلف - فزعم أن
خزاعة أخذتها العدسة حتى كادت تفنيهم، فلما رأت ذلك جلت عن مكة،
فمنهم من وهب مسكنه، ومنهم من باع؛ ومنهم من أسكن.
قال أبو عبيدة: وهذا باطل، ليس كما قال الخلفي.
فولي البيت قصي، وأمر مكة والحكم بها، وجمع قبائل قريش فأنزلهم أبطح مكة، وكان بعضهم في
الشعاب في رءوس جبال مكة، فقسم منازلهم بينهم فسمى مجمعا. وفيه يقول مطرود أو غيره لبنيه:
وزيدٌ أبوهمْ كان يُدعَى مجمِّعابه جَمَع اللهُ القبائلَ من فهرِ
وملكه قومه عليهم، فكان قصي أول من أصاب الملك من ولد كعب بن لؤي. فلما قسم أبطح مكة
أرباعاً بين قريش هابوا أن يقطعوا شجر الحرم ليبنوا منازلهم، فقطعها قصي بيده، ثم استمروا على
ذلك من سنة قصي.
يَمِيناً لَنِعْمَ السَّيِّدَانِ وُجِدْتُمَاعَلَى كُلّ حَالٍ مِنْ سَحِيلٍ ومُبْرَمِ
معناه: لنعم السيدان وجدتما حين تفاجآن لأمر قد أبرمتماه. وأمر لم تبرماه ولم تحكماه، على كل حال
من شدة الأمر وسهولته. وأصل السحيل والمبرم أن المبرم يفتل خيطين حتى يصيرا خيطا واحدا.
والسحيل خيط واحد لا يضم إليه آخر. وقال أبو جعفر: قوله (من سحيل ومبرم) معناه من أمر شديد
أو لين، محكم أو غير محكم. وأنشد يعقوب:
باتَ يُصادي أمرَه أمُبْرمُهأعْصَمُه أم السَّحيل أعصَمُه
ويمينا نصب بأقسمت، وموضع نعم نصب بوجدتما، والسيدان رفع بنعم.
تَدَاركتُما عَبساً وذُبيانَ بعد ماتَفَانَوْا وبَقَّوْا بينَهمْ عِطَر منَشِمِ
في أخرى: (ودقوا)، وكذا الخزاعي: (ودقوا). قال أبو جعفر: يصف قوما تحالفوا ثم أخذوا العطر
بأيديهم ليتحرموا به، ثم خرجوا إلى الحرب فقتلوا جميعا فتشأمت العرب بها، واسمها منشسم. وقال
الأصمعي في عطرها على أن يقاتلوا حتى يموتوا. يقول: فصار هؤلاء بمنزلة أولئك في شدة الأمر.
قال: وقال أبو عمرو بن العلاء: عطر منشم إنما هو من التنشيم في الشر، ومنه قولهم: (لما نشم
الناش في عثمان رضي الله سبحانه عنه). ومنه قول علقمة:
خَضَر المزاد ولحمٌ فيه تنشيمُ
أي قد ابتدأ في الإرواح.
وقال أبو عبيدة: منشم اسم وضع لشدة الحرب، وليس ثم امرأة، كقولهم: (جاءوا على بكرة أبيهم)،
وليس ثم بكرة.
وقال أبو عمرو الشيباني: منشم امرأة من خزاعة كانت تبيع عطرا بمكة، فإذا حاربوا اشتروا منها
النص من طبعة دار المعارف بالقاهرة، سلسلة ذخائر العرب، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع