من «شرح معاني شعر المتنبي: السفر الأول» لابن الإفليلي (ت ٤٤١هـ)
الجزء الثاني (٣)
الشمول: الخمر، سميت بذلك لأنها تشمل القوم بريحها، وترنج الهند: النارنج، وطلع النخيل: أول ما ينعقد فيه من ثمرته، وتنشق عنه أغشيته، فيسمى ذلك العقد حينئذ طلعاً، وتسمى الأغشية المنشقة كافوراً.
فيقول لسيف الدولة: ترنج الهند، وهو النارنج، أو طلع النخيل، شديد بعدهما في مجلسك عن شرب الشمول، وإن كان غيرك يتخذهما لذلك؛ لأن هذه الحال غير مظنونة بك، وإنما استحضارك لهما ولما يشاكلهما من الرياحين استمتاعاً بحسن ذلك، لا مخالفة فيه إلى ما يكره، واستجازة لما لا يحسن.
وَلِكنْ كُلُّ شَيءٍ فيه طِيْبُلَدَيْك مِن الدَّقيقِ إلى الجَليلِ
ثم قال، مؤيداً لما قدمه: ولكن استحضارك للنارنج والطلع، لأنهما طيبان، وكل طيب في حضرتك، وغير معدوم فيما تقع عليه مشاهدتك، مما دق من ذلك إلى ما جل، وما قل من ذلك إلى ما كثر.
وَمَيْدَانُ الفَصَاحَةِ والقَوافيوَمُمْتَحَنُ الفَوارِسِ وَالخُيُول
الميدان: حيث تتسابق الخيول.
ثم قال: وكذلك لديك ميدان السباق في النظم والنثر، والتباري في الفصاحة والشعر، وممتحن الفوارس والخيل بالتسابق والتجاول، والتطارد والتساجل، هذا الذي تعمر به حضرتك، وتنزع إليه همتك.
وكان بالحضرة قوم، زعم بعض الرواة أن ابن خالويه اللغوي كان متملكهم، فزعموا أنهم لم يفهموا مقصد أبي الطيب، وأن تعبيره قصر عن بيان ما أراده، وأنكر عليه ابن خالويه ترنج، وزعم أن المعروف أترنج، فاستشهد أبو الطيب بما رواه يعقوب من أن ترنجا وأترنجاً مقولان، ثم قال:
أَتْيتُ بِمَنْطِقِ العَربِ الأَصيلِوكانَ بقَدْرِ ما عانَيْتُ قِيْلي
الأصل من كل شيء: الثابت، والقول والقيل: بمعنى واحد، وهذا مما جاء منه فعل وفعل بمعنى، وقلبت الواو ياء في قيل؛ للكسرة التي قبلها.
فيقول: أتيت بمنطق العرب الذي لا ينكر صوابه، ولا تدفع صحته،
بل هو الأصيل الثابت، والمشهور البين، وكان قولي بقدر ما عانيت، وعلى حسب ما شاهدت.
فَعَارَضَهُ كَلاَمُ كَانَ مِنْهُبِمَنْزِلةِ النَّساءِ مِنَ البُعُولِ
ثم قال: فعارضه كلام ساقط، وإنكار ضعيف؛ موقع ذلك الضعف من قوته، وذلك السقوط من رفعته، موقع النساء من البعول، والرعية من الملك الجليل.
وَهَذا الدُّرُّ مَأَمونُ التَّشَظّيوأَنْتَ السَّيْفُ مأمونُ الفُلولِ
التشظي: زوال شظايا الشيء؛ وهي شقفه، واحدتها شظية.
فيقول، مشيراً إلى شعره: وهذا الدر الذي لا يخاف تشظيه، ولا يمكن الاعتراض فيه، وأنت تخاطب سيف الدولة؛ السيف الذي يؤمن انفلاله، ولا يخاف نبوه ولا انثناؤه.
وَلَيسَ يَصِحُّ في الأَفْهَامِ شَيْءُإذا احتاجَ النَّهارُ إلى دَليلِ
ثم قال: وليس يصح في الأفهام شيء، إذا لم يصح ما أنظمه، ويفهم ما أورده؛ لأن ذلك كالنهار الذي لا تطلب الأدلة عليه، ولا تمكن أحداً المخالفة فيه.
الفاترة، وألحاظك الفتانة الساحرة، من أبصرها تمكن العشق به، ومن شاهدها تزين الحب له.
وَبَينَ الرَّضا والسُّخطِ والقُربِ والنَّوىمَجَالُ لِدَمْعِ المُقْلَةِ المُتَرَقْرِقِ
النوى: البعد، والدمع المترقرق: الذي يجول في العين ولا ينحدر.
فيقول: وبين ما أرجوه من رضا من أحبه، وأحذره من سخطه، وما أتمناه من اقترابه، وأخافه من بعده، مجال للدموع التي تستكف حذراً للرقيب، وتترقرق في المقل كلفاً بالحبيب.
وَأَحْلَى الهَوَى مَا شَكَّ في الوصل رَبُّهُوَفي الهَجْرِ فَهْوَ الدَّهْرَ يَرْجُو وَيتَّقي
رب الشيء: مالكه والمدبر له.
ثم قال، منبهاً على استبصاره في حبه، واغتباطه بحاله: وأحلى الهوى وأعذبه، وألذه وأطيبه، ما كان صاحبه فيه بين يأس وطمع، ومخافة وأمل، فهو يحذر الهجر ويتقيه، ويؤمل الوصل ويرتجيه.
وَغَضْبَي مِن الإدْلاَلِ سَكْري مِن الصَّبَاشَفَعْتُ إليها مِنْ شَبابيِ بِرَّيقِ
الإدلال والصبا: معروفان، والريق: المعجب، وهو فيعل من راق يروق.
فيقول: ورب غضبي، غضب إدلال وعجب، لا غضب استكراه وسخط، في سكر من حداثة السن، وتناه في الغنج والحسن، شفع لي إليها من شبابي شافع مطلب، وقابلها منه رائق معجب.
وَأَشْنَبَ مَعَسُولِ الثَّنِيَّاتِ وَاضِحٍسَتَرْتُ فَمي عَنْهُ فَقَبَّلَ مَفْرِقي
الأشنب: البراق الثغر، والواضح: الأبيض.
ثم قال: ورب أشنب، عذب مقبله، معسول ثنياته، واضح شخصه، باهر حسنه، سترت فمي عنه ورعاً وعفة، فقبل مفرقي كلفاً وغبطة.
وأَجْيَادِ غِزْلانٍ كَجِيْدِكِ زُرْنَنيفَلَمْ أَتَبَيَّنْ عَاطِلاً مِنْ مُطَوَّقِ
العاطل: الذي لا حلي عليه، والمطوق: الذي يتطوق بالحلي.
ثم قال: ورب أجياد غزلان كجيدك في الحسن والبهجة، والتلع.
ودخل على سيف الدولة في ذي القعدة سنة إحدى وأربعين وثلاثمائة، وقد جلس لرسول ملك الروم، لما ورد يلتمس الفداء، وركب الغلمان بالتجافيف، وأحضروا لبوءة مقتولة، ومعها ثلاثة أشبال بالحياة، وألقوها بين يديه، فقال أبو الطيب:
لَقيتَ العُفَاةَ بآمالِهاوَزُرْتَ العُداةَ بآجالِها
وأَقْبَلْتِ الرُّومُ تَمْشي إِليكَ بَيْنَ اللُّيُوثِ وأَشْبَالِهاَ
إذا رأَتِ الأُسْدَ مَسْبِيَّةًفأَيْنَ تَفِرُّ بأَطْفَالها
العفاة: طلاب المعروف، والليوث: الأسد، وأشبالها: أولادها، واحدها شبل.
فيقول لسيف الدولة: لقيت عفاتك بما أملوه، من جودك، وزرت عداتك بما حذروه من بأسك، فأنصرت في يديك أعمارهم وقربت بزيارتك لهم آجالهم، ثم قال: وأقبلت رسل ملك الروم تمشي إليك بين الأسد المقتولة وبين أشبالها المغنومة، فإذا رأت الأسد لا تمتنع منك، وسبيها عليك لا يتعذر عليك، فأين تفر بأنفسها، وأين تهرب بأطفالها وذريتها.
وقال أيضاً، يذكر الفداء الذي التمسه الرسول، وكتاب ملك الروم الوارد معه، سنة إحدى وأربعين وثلاثمائة.
لِعْينيكِ مَا يَلْقَى الفُؤَادُ وما لَقِيوَللْحُبَّ مَا لَمْ يَبْقَ مِنَّي وَمَا بَقي
يقول لمحبوبته: لعينيك وما تضمنتا من السحر، وأثارتاه من كوامن الحب، ما يلقاه قلبي من الوجد فيما يستأنفه، وما لقيه من قبل ذلك فيما أسلفه، وللحب الذي أسلمتني إليه، واقتصرت بي عليه، ما لم يبقه السقم من جسمي مما أفنيته، وما بقي منه مما أنحلته وأَضنيته.
وما كُنْتُ مِمَّن يَدْخُلُ العِشْقُ قَلْبَهُوَلَكِنْ مَنْ يُبْصرْ جُفُونَكِ يَعْشَقِ
ثم قال: وما كنت من الكلف بالغزل، والإقبال على اللهو واللعب، في حال من يدخل العشق قلبه، ويتملك الحب أمره، ولكن جفونك
والنضرة، زرنني واصلات لي، واعتمدنني معجبات بي، فأعرضت عنهن غير متبين، وغضضت طرفي دونهن غير متتبع، فلم أتبين المطوق الحالي، ولا تحققت المتبذل العاطل.
وَمَا كُلُّ مَنْ يَهْوى يَعِفُّ إِذَا خَلاعَفَافي وَيُرْضِي الحِبَّ والخَيْلُ تَلتَقي
العفاف: الكف عما لا يحل.
فيقول: وما كل من يهوى يعف عفافي في خلوته، ويبلغ مبلغي في طاعة مروءته، ويرضي الحب متبارية، بظهور بأسه وشجاعة نفسه.
سَقَى اللَّهُ أَيَّامَ الصَّبا ما يَسُرُّهاوَيَفعلُ فِعْل البابِليَّ المُعَتَّقُ
البابلي: شراب نسبه إلى بابل، وهو بلد، والمعتق: القديم الاعتصار.
ثم قال، متذكراً لأيام شبيبته، وداعياً بالسقيا لمدة فتوته: سقى الله أيام الصبا ما يسرها به، ولقاها ما يغبطها فيه، ويفعل بها فعل
الشراب المصفق، ويطربها إطراب البابلي المعتق.
إذا ما لبستُ الدَّهْرَ مُسْتَمْتِعاً بِهِتَخرَّقْتُ والَمْلُبوسُ لم يَتَخَرَّق
ثم قال: إذا ما لبست الدهر بطول صحبتي له، واشتملت بكثرة تصرفي فيه، بليت
قبل أن أبلي ما ألبسه، وفنيت قبل أن أفني من أصحبه، وهكذا الدهر يبلي من لبسه، ويخلق من صحبه، وذكر اللبس والتخريق على سبيل الاستعارة، وهي من أبواب البديع.
وَلَمْ أَرَ كالأَلْحَاظِ يَوْمَ رَحِيلهمْبَعَثْنِ بِكُلَّ القَتْلِ مِنْ كُلَّ مُشْفِقِ
يقول: ولم أر كالألحاظ يوم مفارقتي الذين ألفتهم، ولا كفعلها عند رحيل الذين أحببتهم، بعثت لنا القتل مع إشفاق المديرين لها، وهاجت لنا البث مع إخلاص الملاحظين بها، فأوجعت بتفتيرها غير
قاصدة، وقتلت بأسحارها غير عامدة.
أَدَرْنَا عُيُونَاً حَائِرَاتٍ كَأَنَّهامُرَكَّبةُ أَحْدَاقُهَا فَوْقَ زِئْبَقِ
ثم قال: أدرنا عيوناً حائرات بمتابعة لحظها، متعبات بترادف دمعها، كأنما وضعت أحداقها على الزئبق، فهي حائرة لا تسكن، ومتعبة لا تفتر.
عَشِيَّةَ يَعْدُونا عَن النَّظرِ البُكاوَعَنْ لّذَّةِ التَّوْدِيعِ خَوْفُ التَّفَرُّقِ
ثم قال: عشية يعدونا عن النظر إلى من نحبه بكاؤنا لرحلته، ويمنعنا من الالتذاذ بالقرب منه عند توديعه مخافتنا لفرقته.
نُوَدَّعُهُمْ وَالبَيْنُ فِينا كَأَنَّهُقَنَا ابْنِ أَبي الهَيْجاءِ في قَلْبِ فَيْلقِ
القنا: الرماح: واحدتها قناة، وابن أبي الهيجاء: سيف الدولة، والفيلق: الكتيبة الشديدة.
فيقول: نودع من نحبه والبين يفعل بنا فيما يثيره من وجدنا، ويبعثه من حزننا، كفعل رماح سيف الدولة في كتيبة تعترضه، وجماعة تقابله.
قَوَاضٍ مَوَاضٍ نَسْجُ داودَ عِنْدهاإذا وَقَعتْ فيه كَنَسْجِ الخَدَرْنَقِ
القواضي: الصادقة، والمواضي: النافذة، ونسج داود: إشارة إلى
الدروع، والخدرنق: ذكر العناكب.
ثم وصف تلك الرماح، فقال: إنها قاضية على من تقصده، ماضية على من
تعتمده، نسج داود من الدروع، على أنها أحكمها صنعة، وأثبتها قوة، عند تلك الرماح، كنسج العنكبوت في سرعة خرقها لها، ونفاذها فيها.
هَوادٍ لأَمْلاَكِ الجيوشِ كأَنَّهاتَخَيَّرُ أَرْوَاحَ الكُماةَ وتَنْتَقي
الهوادي: المهتدية، والانتقاء: القصد إلى ما لا عيب فيه، والكماة: الشجعان.
ثم قال: هواد لأملاك الجيوش؛ يريد: أنها عالمة بهم، ميسرة لهم، كأنها تتخير أرواح الكماة على قصد، وتنتقي ملوك الجيوش على عمد.
تَفُكُّ عَلَيْهم كُلَّ دِرْعٍ وَجَوْشَنٍوَتَفْرِي إلَيْهِم كُلَّ سُورٍ وَخَنْدَقِ
تفك: تحل، وتفري: تقطع.
فيقول: إن رماح سيف الدولة تفك على أعدائه كل درع وكل جوشن، بشدة طعن فرسانه، وشجاعة أنفس أصحابه، وأنها لا يعتصم
منها بسور مدينة يعترضها، وخندق حصن يعن لها.
يُغِيْرُ بها بَيْنَ اللُّقَانِ وَوَاسِطٍوَيَرْكُزُهَا بَيْنَ الفُراتِ وَجِلَّقِ
اللقان: واد في بلاد الروم، وواسط: مدينة من مدائن العراق، والفرات: واد بين العراق والشام، وجلق: واد في بلاد الروم.
ثم وصف بعد مغار سيف الدولة بها، وما هو عليه من كثرة الأعمال لها، فقال: يغير بها على عصاة العرب وكفار العجم، ويركزها بين الأرضين، ويأمن به بأس الطائفتين.
وَيُرْجِعُها حُمْراً كَأَنَّ صَحِيحهايُبَكَّي دَمَاً مِنْ رَحْمَةِ المُتَدَقَّقِ
المتدقق: المتكسر.
ثم قال: ويرجعها حمراً من دمائهم، معملة في قتلهم، كأن ما صح منها وسلم، يبكي على ما اندق منها وانكسر، وكأنَّ الدمع في ذلك البكاء ما يقطر عن تلك الرماح من الدماء.
فَلاَ تُبْلِغَاهُ ما أَقُولُ فإنَّهُشُجَاعُ مَتَى يُذْكَرْ لَهُ الطَّعْنُ يَشْتقِ
ثم يقول لصاحبيه: فلا تبلغاه ما أقول من وصف أفعاله، وطعان فرسانه، فإنكما تبعثانه على ذلك؛ لأنه شجاع إذا ذكرت له الطعان اشتاق
إليها، وإذا وصفت له الحرب حرص عليها.
ضَرُوبُ بأَطْرَافِ السُّيوفِ بَنَانُهُلَعُوبُ بأَطْرَافِ الكَلاَمِ المُشَقَّقِ
البنان: أطراف الأصابع، والمشقق من الكلام: العويص الغامض.
ثم وصفه بالنفاذ في الحرابة، والعلم بوجوه الخطابة، فقال: إن يده على عادة من إعمال السيوف؛ فبنانه ضروبة بظباتها، ولسانه على عادة من تصريف غوامض الكلام، وهو مدرك لغاياتها.
كَسَائِلِهِ مَنْ يَسْألُ الغيث قَطْرَةًكَعَاذِلِهِ مَنْ قَالَ لِلْفَلَكِ آرْفُقِ
الفلك: مدار النجوم.
ثم قال: كسائله، مع استغنائه عن سؤاله، بما يسبق إليه من نواله، من يسأل الغيث قطرة يسيرة، وهو يمطر عليه سحائب غزيرة، وكعاذله، فيما طبع عليه من بأسه، ويسر له من جوده، من يسألا الفلك الرفق في سيره، والخروج عما طبعه الله عليه في خلقه.
لَقَدْ جُدْتَ حَتَّى جُدْتَ في كُلَّ مِلَّةٍوَحَتَّى أَتَاكَ الحَمْدُ مِنْ كُلَّ مَنْطقِ
ثم يقول لسيف الدولة: لقد جدت حتى فاض جودك في كل أمة، وعممت به أهل كل ملة، وأتاك الحمد من جميع ملوك الفرق على حسب نطقهم، وأهدوا إليك الشكر بمبلغ وسعهم.
رَأَى مَلِكُ الرُّومِ ارْتِيَاحَكَ للنَّدَىفَقَامَ مَقَام المُجْتَدي المُتَمَلَّقِ
الارتياح: الطرب، والمجتدي: السائل، والمتملق: المتصنع بإظهار المحبة.
ثم قال: رأى ملك الروم ارتياحك للبذل، وبدارك إلى الإنعام والفضل، فقام يسلك
مقام المجتدي لك، ويتوددك بالملق فعل المستجير بك.
وَخَلَّى الرَّمَاحَ السَّمْهَريَّةَ صَاغِراًلأَدْرَبَ مِنْهُ بالطَّعَان وأَحْذَقِ
السمهرية: الرماح الصلاب.
فيقول، مخبراً عن ملك الروم: أنه عاد بمسألة سيف الدولة، وخضع لطاعته، وخلى الرماح السمهرية له، عالماً بأنه أَحذق منه بالطعن بها، وأدرب في التصريف لها.
وَكَاتَبَ مِنْ أَرْضٍ بَعْيدٍ مَرَامُهاقَرِيبٍ عَلَى خَيْلٍ حَوَالْيكَ سُبَّقِ
وكاتب من أرض ممتنعة عزيزة، متنائية بعيدة، إلا أن مرامها يقرب على خليك السابقة، واستباحتها لا تمتنع على كتائبك الغالبة.
وَقَدْ سَارَ في مَسْرَاكَ مِنْها رَسُولهُفما سَارَ إلاّ فَوْقَ هَامٍ مُفَلَّقِ
المسرى: الموضع الذي يسار فيه بالليل.
ثم قال: وقد سار رسول ملك الروم، عند قصده لك في مواضع سراك من تلك الأرض، فما سار إلا على هام للروم مفلقة، وأشلاء منهم مقطعة. يشير إلى قرب عهد سيف الدولة بالإيقاع بهم، ومبالغته بالقتل فيهم، وأن ذلك أوجب خضوعهم وذلتهم، واستكانتهم ورغبتهم.
فَلَمَّا دَنَا أَخْفَي عَلَيْهِ مَكَانَهُشُعَاعُ الحَدِيدِ البارِقِ المُتَأَلَّقِ
التألق: اللمعان.
فيقول إن رسول ملك الروم لما دنا من سيف الدولة، قابله من شعاع سلاح المتزينين بحضرته، ولمعان الحديد على المتصرفين في خدمته، ما أغشاه فلم يتبين مكانه، وأدهشه فلم يتحقق موضعه.
وأَقْبلَ يَمْشي في البِساطِ فما دَرَىإلى البَحْر يَمْشي أو إلى البَدْرِ يَرْتَقي
ثم قال: وأقبل يمشي في بساط سيف الدولة، وقد غشيه من هيبته، وملك قلبه من
جلالته، ما لا يعرض مثله إلا لمن قصد مصمماً إلى البحر، أو ارتفع مرتقياً إلى البدر.
وَلَمْ يَثْنِكَ الأَعْدَاءُ عن مُهَجَاتِهمبِمْثلِ خُضُوعٍ في كَلامٍ مُنَمَّقِ
التنميق: التحسين.
ثم قال لسيف الدولة: ولم تثنك الأعداء عن إتلاف مهجاتهم، وتسليط القتل على جماعاتهم، بمثل الخضوع لأمرك، وتنميق الكلام في الاستجارة بفضلك، وهذه حال الروم معك، ومبلغ طاقاتهم في الاستدفاع لك.
وَكُنْتَ إذا كَاتَبْتَهُ قَبْلَ هذهكَتَبْتَ إليهِ في قَذَالِ الدُّمُسْتُقِ
القذال: مؤخر الرأس، والدمستق: صاحب جيوش الروم.
ثم قال لسيف الدولة، زارياً على ملك الروم: وكنت قبل استخذائه لك، واستجارته بك، إذا أردت مكاتبته، كتبت إليه بما تؤثره سيوفك في قذال دمستقه. وكان الدمستق قد جرح في بعض وقائع سيف الدولة على الروم (على الروم)، فأشار أبو الطيب إلى ذلك، ودل به على ضرورة ملك
الروم، إلى ما أظهره من الخضوع.
فإنْ تُعْطِهِ بَعْضَ الأَمَانِ فَسَائِلُوإنْ تُعْطِهِ حَدَّ الحُسَامِ فَأَخِلقِ
ثم قال لسيف الدولة: فإن تعطه بعض ما سأله من الأمان، فإنما تعطيه خاضعاً قد أذعن بطاعتك، وضارعاً قد صرح بمسئلتك، وإن تعطه حد الحسام غير قابل لمسئلته، ولا مسعف لرغبته، فما أخلقك بذلك.
وَهَلْ تَرَك البْيضُ الصَّوَارمُ مِنْهُمُحَبِيْسَاً لفادٍ أو رَقْيقاً لُمِعْتِقِ
يقول لسيف الدولة: وهل تركت سيوفك من الروم حبيساً يفدي من إساره، أو رقيقاً يعتق من رقه، يريد: أن القتل أفنى جملتهم، واستأصل عامتهم، وأن ما رغبوه من السلم لا يتلافون به من أفاته القتل، وأفناه الموت.
لَقَدْ وَرَدُوا وِرْدَ القَطَا شَفَراتهاوَمَرُّوا عَلَيْها رَزْدَقاً بُعْدَ رَزْدَقِ
شفرات السيوف: حروفها، والرزدق: الصف.
ثم قال: لقد وردوا على شفرات السيوف في وقائعك عليهم، كما ترد القطا مواضع شربها، ومجامع وردها، ومروا على السيوف صفاً
بعد صف، وفوجاً بعد فوج، مرور الطير على تلك الموارد، وتكاثرها في تلك المشارب.
بَلَغْتُ بِسَيْفِ الدَّولَة النُّورِ رُتْبَةًأَنَرْتُ بِهَا مَا بَيْنَ غَرْبٍ وَمَشْرِقِ
ثم يقول: بلغت بسيف الدولة الذي هو نور في دهره، وضياء مشرق في عصره، رتبة من المدح، ومنزلة من جليل الوصف، أضاءت في جميع الأرض، وأنرت بها ما بين الشرق والغرب. ويقال: أنار الرجل المكان: إذا أظهر الضياء فيه.
إذَا شَاَء أَنْ يَلْهُو بِلِحْيَةِ أَحْمَقٍأَرَاهُ غُبَاري ثُمَّ قالَ لَهُ الحَقِ
ثم قال، مشيراً إلى سيف الدولة، ومعرضاً بمن حوله من الشعراء: إذا شاء أن يلهو بلحية أحمق يتجاوز قدره، ويفحم عليه شعره، أراه طرفاً مما قيدته في مدحه، وغير كثير مما نظمته في مجده، وكنى عن ذلك بقوله: (أراه غباري) على سبيل الاستعارة، ثم قال له الحق هذه الغاية من الشعر، واسلك هذه الطريقة من النظم، فيبين عند ذلك من عجزه ما يضحكه، ومن تقصيره ما يلهيه ويطربه.
وَمَا كمَدُ الحُسَّادِ شَيْئَاً قَصَدْتُهُوَلِكنَّهُ مَنْ يَزْحَمِ البَحْر يَغْرَقِ
ثم قال: وما الإزراءُ على أهل الحسد منهم قصدت بما أبدعته، ولا التعجيز لهم أردت فيما خلدته، ولكني في ذلك كالبحر الذي يغرق من زاحمة غير قاصد، ويهلك من اعترضه غير عامد.
وَيَمْتِحِنُ الأَميرُ بِرأْيِهِوَيُغْضِي عَلَى بِكُلَّ مُمَخْرِقِ
الرأي: رأي القلب، وما يعتقده الضمير، والممخرق الذي يكذب فيما يظهره.
فيقول: ويمتحن الأمير الناس برأيه فيهم، واختياره لأمورهم، وعلمه الثابت في
أحوالهم، ويغضي للممخرق إغضاء تجاوز وحلم، لا إغضاء غلط وسهو.
وإطْرَاقُ طَرْفَ العَيْنِ لَيْسَ بِنَافعإذَا كَانَ طَرْفُ القلبِ لَيْسَ بِمُطْرقِ
الإطراق: السكون والإمساك عن الكلام، وطرف العين: نظرها.
ثم قال: وغض العين لطرفها، وكفها للحظها، لا ينفع المموه
المغالط، والمقصر الممخرق، إذا كان طرف القلب يلحظه بقيمته، وينظر إليه بحقيقته.
فيأَيُّها المَطْلوبُ جَاوِرْه تَمْتنعْويأَيَّها المحرومُ يَمَّمْهُ تُرْزَقِ
ثم يقول: فيأيها الخائف المطلوب، والمروع المحروب، جاور سيف الدولة تمتنع بعزه، وتأمن من المخاوف بما يمده عليك من ظله، ويأيها المحروم في قصده، والمضيق عليه في رزقه، يممه تسعد بقصده، وتتقدم المكثرين بما يشملك من فضله.
وَيَا أَجْبَنَ الفُرْسانِ صَاحِبُهُ تَجْتَريءْويا أَشْجَعَ الشُّجْعَانِ فَارِقْهُ تَفْرَقِ
ثم قال: ويا أجبن الفرسان وأضعفهم، صاحب هذا الملك تشجع نفسك، ويعظم بأسك، وينهضك سعده، ويظفرك بالأعداء جده، ويا أشجع الشجعان وأباسهم، وأشدهم وأصرمهم، فارقه يلزم الفرق طبعك، وتتداخل المخافة قلبك.
إذا سَعَتِ الأَعْدَاءُ في كَيْدِ مَجْدِهسَعَى مَجْدُهُ في جَدَّه سَعْيَ مُحْنقِ
الجد: البخت، والحنق: الغيظ.
فيقول: إذا اجتهد أعداء سيف الدولة في كيد مجده، واعتراض فضله، اكتنف مجده من سعده، وأحاط به من إقبال جده، ما ينهضه به إنهاض الحنق في إبطال ما راموه، وتكذيب ما ظنوه.
وما يَنْصُرُ الفَضْلُ المُبِينُ عَلَى العِدىإذَا لم يَكُن فَضْلُ السَّعِيد المُوَفَّقِ
ثم قال، مؤكداً لما قدمه: وما ينصر الفضل المبين، والتقدم الظاهر على الحساد والمعترضين، والأعداء المتربصين، إذا لم يقترن بذلك الفضل سعد ينهضه،
ويحيط به توفيق يؤيده.
ودخل عليه، وقد رفع سلاح كان بين يديه، قد عرض عليه، وهو في ذكره ووصفه، فقال له ارتجالاً:
وَصَفْتَ لَنَا وَلَمْ نَرَهُ سِلاَحاًكَأَنَّكَ وَاصِفُ وَقْتَ النَّزَالِ
يقول لسيف الدولة: وصفت لنا سلاحاً غائباً لم نره، ومحجوباً لم نشهده، فكأنك وصفت النزال بوصفه، وأخبرت عنه بذكره؛ لأن مثل ذلك الموصوف لا يعد إلا للنزال، ولا يختبر إلا في القتال.
وأنَّ البَيْضَ صُفَّ على دُرُعٍفَشَوَّقٍ مَنْ رَآه إلى القِتَالِ
ثم قال: وذكرت أن البيض صف على الدروع، فشوق ذلك من سمعه إلى الحرب، وهيجه على الطعن والضرب.
فلو أَطْفَأْتَ نَارَكَ تَا لَدَيْهِقَرَأْتَ الخَطَّ في سُوِدِ اللَّيَالي
قوله: (نارك تا لديه) تا: كلمة يشار بها إلى المؤنث الحاضر كما يشار بذا إلى المذكر، فيقول لسيف الدولة: فلو أطفأت سرجك التي تستضيء بها في ليلك بحضرة هذا السلاح؛ لأغناك عنها لمعانة، ولأضاء لك بريقه، حتى
تقرأ ما يخط في الصحائف في الدياجي المظلمة، والليالي السود الحالكة.
وَلَوْ لَحَظ الدُّمُسْتُقُ حَافَتَيْهِلَقَلَّبِ رَأْيَهُ حالاً لحِالِ
الدمستق: صاحب جيش الروم.
ثم قال: ولو أبصر الدمستق ذلك السلاح، ولاحظ حافيته، وأشرف بمشاهدته عليه، لأفزعه إفزاعاً يقلب الرأي في التخلص منه، ويعمل الحيل في الفرار عنه.
إنِ اسْتَحْسَنْتَ وهو على بِسَاطٍفَأَحْسَنُ ما يَكُونُ على الرَّجَالِ
وقوله: (إن استحسنت وهو على بساط)، أراد: إن استحسنته، فحذف الهاء لقوة دلالة الكلام عليها. والعرب تفعل ذلك، أنشد سيبويه في مثل ذلك:
فأَقْبَلْتُ زَحْفاً على الرُّكْبَتَيْنِفَثَوْبُ نَسِيتُ وَثَوْبُ أَجُرُّ
يريد: نسيته وأجره، وحذف الهاء لدلالة الكلام عليها، فيقول: إن استحسنت هذا
السلاح وهو على بساط، فأحسن ما يكون إذا لبسته الرجال، وأظهر فضله القتال.
وإنَّ بها وإنَّ بِهِ لَنَقْصَاًوأَنْتَ لَهَا النَّهايةُ في الكَمَالِ
ثم قال: وإن بالرجال إذا خلت منك، وبهذا السلاح إذا انفصل عنك، لنقصاً ظاهراً وخللاً بينا، وأنت للرجال والسلاح النهاية التي بها تكمل، والفخر الذي به تتجمل.
وعرضت عليه سيوف فوجد فيها واحداً غير مذهب، فأمر بلإذهابه، فقال له أبو الطيب ارتجالاً:
أَحْسَنُ ما يُخْضَبُ الحديدُ بِهِوَخَاضِبِيهْ النَّجِيعُ والغَضَبُ
النجيع: الدم.
فيقول: أحسن ما يخضب به الحديد، وأحسن خاضبيه النجيع والغضب؛ يريد: أحسن ما يخضب به الحديد النجيع، وأحسن خاضبيه الغضب، فجمع بين الخبرين والمخبر عنهما، ثقة بفهم السامع. والعرب تفعل ذلك، قال الله ﷿: (ومن رحمته جعل لكم الليل والنهار لتسكنوا فيه ولتبتغوا من فضله) يريد: لتسكنوا في الليل ولتبتغوا من فضله في
النهار. وأشار أبو الطيب إلى الحرب؛ لأن فيها يخضب الحديد بالدم، ويكون خاضبه الغضب.
فلا تَشِينَنْهُ بالنُّضَارِ فَمَايَجْتَمِعُ الماءُ فيهِ والذَّهبُ
ثم قال: فلا تشيننه، يريد: الحديد بالذهب، فيطمس بريقه، ويذهب فرنده، وذلك شين فيه، ونقص داخل عليه؛ لأن الإذهاب يستر ماءه، ويذهب بهاءه.
وأنفذ رجل من أهل بغداد إلى سيف الدولة أبياتاً من الرحبة، ذكر أنه رآها في المنام، يشكو فيها الفقر، فأجابه أبو الطيب:
قَدْ سَمِعْنَا مَا قُلْتَ في الأَحْلاَمِوأَنَلْنَاكَ بَدْرَةً في المنَامِ
يقول: قد فهمنا قولك، وسمعنا حلمك، وأنلناك بدرة في النوم، وأجزلنا لك الصلة في الحلم.
وانْتَبَهْنَا كَما انْتَبَهْتَ بِلا شَيءٍفَكَانَ النَّوالُ قَدْرَ الكَلاَمِ
ثم قال: وانتبهنا كانتباهك عن حلم طارق، ووهم عارض، دون شيء تملكه، وأمر تتحققه، فكان نوالنا على نحو مدحك، وجودنا على سبيل قولك. يشير إلى تسفيه رأيه، وتخطئه فعله، إذ لم يجعل مدحه لسيف الدولة فرضاً يقصده، وأمراً واجباً يعتمده.
كُنْتَ فِيماَ كَتَبْتَهُ نَائمَ العَيْنِ فَهَلْ كُنْتَ نَائمَ الأَقلاَمِ
ثم يقول، زاريا عليه: كنت نائماً فيما حلمته، فهل كنت نائماً فيما كتبته. يريد: أن كتابه مستجديا، حقيقة لا حلم، وذكر الحلم فيما قصده، يوهن رغبته، ويقبح مسئلته.
أَيُّها المُشْتَكي إذا رَقَدَ الإعْدَامَ لا رَقْدَةُ مَعَ الإعْدَامِ
ثم قال: أيها المشتكي الإعدام في حلمه، والمتوجع للإقلال في نومه، الإقلال يطرد النوم، والإعدام يبطل الحلم.
افَتحِ الجَفْنَ واتُركِ القولَ في النَّوْم وَمَيَّزْ خِطابَ سَيْفِ الإمامِ
ثم قال: افتح جفنك، وصحح قولك، ولا تخدع بالأحلام نفسك، وميز ما تخاطب به سيف الإمام، وبقية الكرام.
الذي لَيْسَ عَنْهُ مُغَنٍ ولا مِنْهُ بَديلُ، ولا لِما رَامَ حَامي
يقول: إن سيف الدولة الذي لا أحد يغني عنه، لعموم فضله، ولا يكون بدلا منه، لجلالة قدره، ولا يحتمي عنه ما رامه؛ لسعة مقدرته عليه،
ولا يمتنع دونه؛ لنفاذ
أمره فيه.
كُلُّ آخائِهِ كِرَامُ بني الدُّنْيا وَلَكِنَّهُ كَرِيُم الكِرَامِ
الآخاء: جمع أخ.
ثم قال: إن كرام بني الدنيا آخاء له؛ بموافقتهم إياه في رأيه، ومشابهتهم له في فعله، ولكنه المبرز فيهم، والمقدم عليهم؛ لأنه كريم كرامهم، والمحتوي على جميع خصالهم.
وأنفذ سيف الدولة أبياتاً إلى أبي الطيب في رد مقالة العذال، وسأله إجازتها، فقال:
عَذْلُ العَوَاذِلِ حَوْلَ قَلْب التَّائِهِوَهَوى الأَحِبَّةِ مِنْهُ في سَوْدَائِهِ
العذل: اللوم، والتائه: الحائر الذي لا يهتدي لأمره، وسوداء القلب وسويداؤه: قطعة دم تكون في داخله، كأنها قطعة كبد.
فيقول: إن عذل العاذل مقصور على قلبه، ملازم لمعارضته في حبه،
وقلبه مع ذلك معرض عن ذلك العذل، مشتغل عنه بأوكد الشغل، لأن هوى أحبته منه في سويدائه، التي هي أخفى مواضعه، وهو فيه على أثبت بصائره.
يَشْكُو الملامُ إلى اللَّوَائِم حَرَّهُوَيَصدُّ حِيْنَ يَلُمْنَ عَنْ بُرَحَائِهِ
البرحاء: شدة وهج الحر.
ثم قال: إن الملام الذي يعترض به، يشكو إلى اللوائم ما يفجؤه من حر صدره، ويصد عنه لما يتبينه من برحاء قلبه.
وَبِمُهْجَتي يا عَاذِلي المَلِكُ الَّذيأَسْخَطْتُ أَعذَلَ مِنْكَ في إرْضَائِهِ
ثم خرج إلى مدح سيف الدولة، فقال: وأفدي بمهجتي، يا أيها العاذل المكثر، واللائم المسرف، الملك الذي أسخطت في الاعتلاق بحبله، والانقطاع إلى فضله، من الملوك المتشبهين به، والراغبين في مآثره،
من القصد له، من كان أبصر منك بالعذل، وأهدى إلى طرق اللوم.
إنْ كَانَ قَدْ مَلَكَ القُلُوبَ فإنَّهمَلَكَ الزَّمَانَ بأَرْضِهِ وَسَمائِهِ
ثم قال: إن كان ذلك الملك، قد ملك القلوب بإحسانه، واستعبدها بإنعامه، فإنه قد ملك الزمان بأعلاه وأسفله. وكنى بأرضه وسمائه عن ذلك، يريد: أنه قد ملك جملته؛ لأنه رفع من أحمله، وأغنى من أفقره، وعم الناس بإحسانه، وشملهم بإنعامه. وهذا على سبيل التجوز، وما يتزيد الشعراء فيه من القول.
الشَّمْسُ مِنْ حُسَّاده، والنَّصْرُ منقُرَنَائِهِ، والسَّيْفُ من أسْمَائِهِ
ثم يقول: إن الشمس من حساد سيف الدولة، لزيادته عليها في حسنه، والنصر من
قرنائه؛ لأنه بعض ما يؤيده الله به في قصده، والسيف من أسمائه الدالة على رفعته، وشيء من صفاته المعربة عن علو رتبته.
أيْنَ الثَّلاَثةُ مِنْ ثَلاثِ خِلاَلهِمِنْ حُسْنِهِ وإبَائِهِ وَمَضائِهِ؟
الإباء: عزة النفس وشدة الأنفة.
ثم قال: أين هذه الثلاثة مع جلالة أمرها، ورفعة قدرها، من
جلال خلاله الثلاث، التي هي على نحوها لخلاله الفضل؛ لأن الشمس تطلع وتغرب، والنصر يقل ويكثر، والسيف ينبو ويقطع، وحسنه ثابت لا يعدم، وعزه زائد لا ينقص، ومضاؤه نافذ لا يدفع.
وهذه طريقة من المجاز يحسنها للشعراء ما يحاولونه من بلوغ غايات المدح، وما يتعارف من مثلها في اللغة.
مَضَتِ الدُّهُورُ وَمَا أَتَيْنَ بِمِثْلهِوَلَقَدْ أَتَى فَعَجَزْنَ عَنْ نُظَرائِهِ
ثم قال: مضت الدهور السالفة، والمدد الخالية، وما أتين بمثل سيف الدولة في ظهور فضله، وإحرازه غايات الكمال في جملة أمره، ثم أتى الزمان به، فعجزت المدة المشتملة عليه عن أن تأتي له بنظير يشبهه، أو تعترضه بقرين يعدله.
واستزاده سيف الدولة، فقال:
القَلبُ أعلَمُ يا عَذُولُ بِدَائِهِوأَحَقُّ مِنْكَ بِجَفْنِهِ وبِمَائِهِ
يقول: القلب أيها العاذل المسرف، واللائم المكثر، أعلم منك بمقدار دائه، وأقعد بحقيقة أمره، وأولى بالبكاء الذي تنكره عليه، وتعذله فيه؛ لأنه يسكن وجده، ويبرد حره. وجعل ذكر الجفن والماء إشارة إلى البكاء.
فَوَمَنْ أُحِبُّ لأَعْصِيَنَّكَ في الهَوَىقَسَماً به، وبِحُسِنهِ، وَبَهائِهِ
ثم قال، مخاطباً لعاذله: فوحق من أحبه لأعصينك في الهوى، والتمسك به، وفي الحب والإقبال عليه، قسماً بما أعظمه من حقه، وأخضع له من بهائه وحسنه.
أَأُحِبُّهُ وأُحِبُّ فيهِ مَلاَمَةً؟إنَّ الملاَمَةَ فيه مِنْ أَعْدائِهِ
ثم قال، أَأُحبه، وأحب اللوم فيه، وآلفه وآلف العذل عليه؛ إن الملامة من أعدائه المخالفين، وأضداده المعترضين، وإني إذا أصغيت إليها لضعيف الرأي، مضطرب الأمر.
عَجِبَ الوُشَاةُ من اللُّحَاةِ وَقَوْلِهِمْ:دَعْ ما نَراكَ ضَعُفْتَ عَنْ إخْفَائِهِ
اللحاة: جمع لاح، وهو اللائم.
فيقول: إن الوشاة مع شدة قسوتهم، وما هم عليه من قلة رأفتهم، عجبوا من اللحاة وقولهم لمن غلبه الوجد، وملكه الحب، دع ما نراه قد غلبك فما تدفعه، وضعفت عنه فما تستره، وهذا تكليف ما لا يبلغ مثله، ولا يستطاع حمله.
ما الخِلُّ إلاَّ مَنْ أَوَدُّ بِقَلْبِهِوأَرَى بِطَرفٍ لا يَرَى بِسَوَائِهِ
ثم قال: ما النصيح المشفق، والخليل المخلص، إلا من يقل خلافه، ويحسن إنصافه، فقلب خليله كقلبه فيما يوده، وطرفه كطرفه فيما يستحسنه ويحبه، موافقة له على رأيه، ومساعدة له في جملة أمره.
إنَّ المُعِينَ عَلَى الصَّبَابةِ والأَسَىأَوْلَى بِرَحْمَةِ رَبَّها وإِخائِهِ
الأسى: الحزن، وسواء: اسم ممدود بمنزلة غير، معناه معنى سوى المقصورة.
ثم قال: إن المعين على الصبابة بالرثاية لصاحبها، والتحزن لمن
امتحن بها، أولى بالترحم لربها ومؤاخاته، وأحق بمساعدته ومصافاته.
مَهْلاً فإنَّ العَذْلَ من أَسْقَامِهِوَتَرَفُّقَاً فالسَّمْعُ مِنْ أَعْضَائِهِ
ثم يقول، مستدفعاً لعاذله، ومستكفاً للائمه: كهلاً، فإن العذل من أسقام المحب، يوجع قلبه، ويضاعف حزنه، ورفقاً به، فسمعه عضو من أعضائه، يوجعه ما أوجعه، ويؤلمه ما آلمه.
وَهَبِ المَلاَمَةَ في اللَّذَاذة كالكَرَىمَطْرُودَةً بِسُهادِهِ وَبُكَائِهِ
هب: بمعنى ظن واحسب، أنشد الأصمعي:
فَكُن لي مجيراً أبا خالدٍوإلاّ فَهَبْني امرَءاً هالكاً
ثم قال: وهب الملامة مستلذة لا تستكره، ومستحسنة لا تستثقل. واحسبها تبلغ في ذلك مبلغ النوم، وتحل محله، يطردها السهاد الذي طرده، ويبعدها البكاء الذي أبعده.
لا تَعْذِرِ المُشْتَاقَ في أَشْوَاقِهِحَتَّى يَكونَ حَشَاكَ في أَحْشَائِهِ
ثم قال: لا يعذر الخلي العاشق، ولا يساوي المشتاق السالي، حتى تكون أحشاؤه كأحشائه، وأحواله كأحواله، فيقاسي ما قاساه، ويشكيه ما أشكاه.
إنَّ القَتيلَ مُضَرَّجَاً بِدُمُوعِهِمِثْلُ القَتيِلِ مضَرَّجاً بِدِمَائِهِ
التضريح: التلطيخ.
فيقول: إن القتيل الذي يقتله الحب، ويملكه الحزن، ويتضرج بدموعه فيما يستحقه من الترحم، ويستوجبه من التحنن، كالقتيل الذي تقتله السلاح، ويتضرج بالدم، لا فرق بين الأمرين، ولا خلاف بين الحالين.
وَالعِشْقُ كَالمعشُوقِ يَعْذُبُ قُرْبُهُللِمُبْتَلَى وَيَنَالُ مِنْ حَوْبَائِهِ
الحوباء: النفس.
ثم قال، مبيناً لموضع العشق من النفس، واستيلائه على الرأي والعشق كالمعشوق في حرص العاشق عليه، وحنينه إليه، وأنه يعذب قربه للمبتلى به، وهو ينال من نفسه، ويحسن عنده، وهو يبعث على سقمه.
لَوْ قُلْتَ للدَّنِفِ الحَزينِ فَدَيْتُهُمِمَّا بِهِ لأَغْرْتَهُ بِفِدَائِهِ
الدنف: المرض اللازم.
ثم قال، مؤكداً لما قدمه: لو قلت للدنف الذي قد بالغه حزنه، وأنحله سقمه، فديته مما به؛ لأغرته بقولك، وأسخطته بتمنيك، اغتباطاً منه بحاله، واستصواباً لرأيه.
وُقِيَ الأَمِيرُ هَوَى العُيُونِ فإنَّهمَا لاَ يَزُولُ بِبَأْسِهِ وسَخَائِهِ
ثم دعا لسيف الدولة، خروجاً إلى المدح، ومؤكداً لما قدمه من استعظام الحب، فقال: وقي الأمير هوى العيون الفاترة، فإن ذلك ما لا يعصم منه؛ بأسه وشدته، وسخاؤه وكثرته.
يَسْتَأسِرُ البَطَلَ الكَميَّ بنَظْرَةٍوَيَحُولُ بَيْنَ فُؤادِهِ وَعَزائِهِ
البطل: الشجاع، والكمي: الشجاع المتغيب في سلاحه، والعزاء: الصبر.
ثم قال، واصفاً لسلطان هوى العيون: يستأسر البطل الكمي بأول نظرة، ويحول بين قلبه وصبره بأقل لحظة.
إنَّي دَعَوْتُكَ للنَّوائِبِ دَعْوةًلم يُدْعَ سَامِعُها إلى أَكْفَائِهِ
ثم يقول لسيف الدولة: إني دعوتك للنوائب وصروفها، وللحوادث وخطوبها، دعوة لم أدع سامعها إلى كفؤه، ولا استصرخت المخاطب بها على مثله، وإنما دعوت منك، يريد: سيف الدولة، الكبير للصغير، والجليل لليسير.
فأَتَيْتَ مِنْ فَوْقِ الزَّمانِوَتَحْتهِ، مُتَصَلْصِلاً وأَمَامِهِ وَوَرَائِهِ
الصلصلة: امتداد الصوت.
ثم قال، مخاطباً له: فأتيت من فوق الزمان وتحته، ومن أمامه وورائه، يشير بهذا
القول إلى إحاطة مقدرته بالزمن، وقسره له، واقتداره عليه، وأنه لا يخيف من منعه، لا يجير من طلبه.
مَنْ للِسُّيُوفِ بأَنْ يَكونَ سَمِيَّهافي أَصْلِهِ وَفِرْنِدِه وَوَفَائِهِ
فرند: السيف: رونقه.
فيقول: من للسيوف، وهي حدائد لا تعقل، بأن يكون سيف الدولة سميها مع كرم أصله، وبهاء فرنده، وتكامل وفائه، وتقصير السيوف
عنه في جميع ذلك، فمن لها بموافقته في لقبه، مع تواضعها عنه في شرفه.
طُبِعِ الحَديدُ فَكانَ مِنْ أَجْناسهِوَعَليُّ المَطْبُوعُ مِنْ آبائهِ
طبع الحديد: صناعته وتصييره على الهيئة المقصودة فيه.
ثم قال، مؤكداً لما قدمه من تقصير السيوف عنه: طبع الحديد وصنع، وكانت السيوف صنفاً من أصنافه، وجنساً من أجناسه وطبع سيف الدولة من آبائه بالشرف القديم، والنسب الكريم، والنحر الصميم، فمن للسيوف بمشاكلته، وكيف لها بمساواته ومماثلته.
وجاءه رسول سيف الدولة مستعجلاً، ومعه رقعة فيها بيتان في كتمان السر، وهما:
أَمِنَّي تَخَافُ انْتِشَارَ الحَديثِوَحَظَّيَ في سَتْرِهِ أَوْفَرُ؟
وَلَو لَمْ أَصُنْهُ لِبُقْيَا عَليْكَنَظَرتُ لِنَفْسي كما تَنْظُرُ
معناهما: يقول هذا الشاعر لمن خشيه على كشف سره، وإظهار ما كتمه من أمره: أمني تخاف انكشاف سرك، وانتشار حديثك، ووفور الحظ لي في طيه وكتمه، ثم قال: ولو لم أصن سرك إبقاء عليك، أو إنصافاً لك، لصنته نظراً لنفسي، وإبقاء على ما فيه حظي، لأن ما يلحقني من الوصمة بإذاعة السر أشد مما أتوقعه في ذلك من الضر.
وسأله سيف الدولة إجازتهما، فقال:
رِضَاكَ رِضَايَ الَّذي أُوثِرُوَسِرُّكَ سِرّي فَمَا أُظْهِرُ
يقول، لمن يخاطبه: رضاك رضاي الذي أوثره، وأبدر إليه وألزمه، وأحرص عليه، وسرك سري، فكيف أظهره؟! وأمرك أمري، فكيف أضيعه؟ ّ!
كَفَتْكَ المُرُوءةُ ما تَتَّقيوآمَنَكَ الوُدُّ ما تَحْذَرُ
ثم قال: كفتك مروءتي ما تتقيه من تضييعي لحقك، وآمنك ودي ما تحذره من إفشائي لسرك.
وَسِرُّكُمُ في الحَشَا مَيَّتُإذَا أُنْشِرَ السَّرُّ لا يُنْشَرُ
أنشر الشيء: إذا أحيي.
ثم قال: وسركم ميت في الحشا بكتمه، دفين فيه بحفظه، لا يحيا إذا أحييت الأسرار ولا يظهر، ولا يفشو بينها ولا يذكر.
كَأَنَّي عَصَتْ مُقْلَتي فِيكُمُوكَاتَمت القَلْبِ ما تُبْصِرُ
ثم يقول، واصفاً لما هو عليه من كتم السر، وحفظ الغيب: كأني قد عصت مقلتي فيكم القلب، فكاتمته ما تبصر، وساترته ما تشهد، فإذا كان بعضي يكتم عن
بعضي السر، شحاً به ويستره عنه، حفظاً له،
فكيف تظن بي مع غيري ممن يلتمس مني علمه، ويحاول من قبلي إدراكه؟
وإفْشَاءُ مَا أَنَا مُسْتَوْدَعُمن الغَدْرِ، والحُرُّ لاَ يَغْدِرُ
ثم قال: وإفشاء ما أودعه من السر غدر بصاحبه، وظلم لمستودعه، والحر يفي ولا يغدر، وينصف ولا يظلم.
إذا مَا قَدَرْتُ عَلَى نَطْقَةٍفإني عَلَى تَرْكِهاَ أَقْدَرُ
ثم يقول: إذا ما قدرت على النطق فإني أقدر على تركه، وكما أتمكن من إذاعة السر، فكذلك أتمكن من حفظه.
أُصَرَّفُ نَفْسي كما أَشْتَهيوأَمْلِكُها والقَنَا أَحْمَرُ
ثم قال: أصرف نفسي على ما أوثره، ولأحملها على ما أرغبه، وأملكها والقنا أحمر من طعان الفرسان، متخضب من دماء الأقران، ولا أراع في تلك الوقائع، ولا أحول عند تلك الشدائد.
دَوَاليكَ يا سَيْفها دَوْلَةًوأَمْرَكَ يَا خَيْرَ مَنْ يَأْمُرُ
دواليك: اسم يثنى على سبيل المبالغة، معناه: مداولة بعد مداولة.
فيقول لسيف الدولة: أدل الدول ناهضاً بثقلها، منفرداً بتدبير أمرها، ومر أمرك نبدر إليه، ونحتمل عليه، يا خير آمر يأمر، وأفضل ملك يذكر.
أَتاني رسُولكَ مُسْتعجلاًفَلَبَّاهُ شِعْري الذي أَذْخَرُ
ذخرت الشيء: إذا أعددته لمهمك.
ثم قال: أتاني رسولك مستعجلاً في إجازة البيتين اللذين وجهت بهما، فلباه شعري الذي أذخره، وإجابه قولي الذي أتخيره.
وَلَوْ كَانَ يَوْمَ وَغىً قَاتماًلَلَبَّاهُ سَيْفِيَ والأَشْقَرُ
الوغى: الحرب، سميت بذلك لكثرة الأصوات فيها، والقاتم: المظلم لكثرة الرهج،
والقتام: الغبار.
فيقول، وهو يخاطب سيف الدولة: ولو كان إتيان كتابك إلي يوم
وغى قاتماً، للباه سيفي أضرب به، وفرسي أحمل عليه، يشير إلى مسارعته في نصرته، وما هو عليه من مستحكم طاعته.
فَلا غَفَلَ الدَّهْرُ عَنْ أَهْلِهِفإنَّكَ عَيْنُ بِهَا يَنْظُرُ
ثم قال داعياً له: فلا غفل الزمان عن أهله بعدمهم لك، يشير إلى الموت، فإنك عينه التي بها ينظر، وضياؤه الذي به يبصر.
واستبطأ سيف الدولة مدحه، وعاتبه مدة، ثم لقيه في الميدان، فأنكر أبو الطيب تقصيره عما كان عودة من الإقبال إليه، والسلام عليه، فعاد إلى منزله، وكتب إليه بهذه الأبيات من وقته:
أَرَى ذَلَكَ القُرْبَ صَارَ ازْوِرَاراوَصَارَ طَويلُ السَّلامِ اختِصَارا
الازورار: الميل والانحراف.
فيقول لسيف الدولة: أرى ما عهدته من استقرابك لي قد صار بعداً عنك، وطول سلامك وإقبالك علي قد صار اختصاراً منك.
تَرَكْتَني اليومَ في خَجْلَةٍأَمُوتُ مِرَاراً وأَحْيَا مِرَاراً
ثم قال: تركتني اليوم في خجلة بإعراضك، وما حرمته من كريم إقبالك، تارة أموت لإشفاقي من صدك، وتارة أحيا باختلاسي النظر إلى وجهك.
أُسَارِقُكَ اللَّحْظَ مُسْتَحيِياًوأَزْجُرُ في الخَيْلِ مُهْري سِرَارا
ثم يقول: أسارقك اللحظ في الجماعة مستحيياً لما حرمته من برك، وأزجر مهري مستسراً لما أنكرته من أمرك.
وأَعْلَمُ إذا مَا اعتَذَرْتُإليكَ أَرَادَ اعتِذَاري اعتِذَارا
ثم قال: وأعلم أني إذا تعرضت للعذر، وبسطت فيه شيئاً من القول، قابلت ذلك بالإنكار والرد، فأواصل العذر بما لا تقبله، وأكثر القول بما لا تسمعه.
كَفَرْتُ أَيَادِيَكِ الباهِراتِ إنْ كَانَ ذَلَك مِنَّي اختيارا
النص من طبعة مؤسسة الرسالة ببيروت (١٤١٢هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع