تجاوز إلى المحتوى

من «شرح معاني شعر المتنبي: السفر الثاني» لابن الإفليلي (ت ٤٤١هـ)

العضديات

وقال يمدح الملك عضد الدولة أبا شجاع فنا خسرو بن ركن الدولة.

أَوهِ بَديلٌ مِنْ قَولَتِي وَاهَا لِمَنْنَأتْ والبَدِيلُ ذِكرَاها
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أوه بديل من قولتي واها»
أَوهِ أَنْ لا أَرَى مَحَاسِنَهاوَأَصلُ وَاهَاً وَأَوهِ مَرآها

أوه: كلمة تقال على معنى التذكر والحزن، واها: كلمة تقال عند التلهف والتفجع، قال أبو النجم:

وَاهَاً لِسَلمَى ثُمَّ وَاهَاً وَاهَا

والذكر والذكرى: معروفان، والمرأى: المنظر، وما تعيده الرؤية من حقيقة المرئي.

فيقول: أنه يتداول كلمات التأسف والتفجع، فيستقل من أوه إلى قوله واها، تلهفا على من نأت عنه بعد القرب، وباعدته بعد ما كانت تبذله من الوصل، فاعتاض من السرور بقربها، ما هو عليه من التعلل بذكرها.

ثم قال معيدا لما ابتدأ به من التفجع، ومشيرا إلى ما يتشكاه من شدة التألم: أوه من ألا أرى محاسنها الكاملة، وبدائع خلقها المعجبة الرائقة، وأصل واها وأوه اللتين أشير بهما إلى ما بنفسي من الوجد والأسف، على ما امتحنت به في محبوبتي من البعد بمرآها، الذي يملكني بحسنه، وتبدلت من مشاهدته بذكره. وقد قبل إن (واها) كلمة تأتي بمعنى الاستطابة والتعجب، وهي في التلهف أبين.

شَامِيَّةٌ طَالَ ما خَلَوْتُ بِهَاتُبصِرُ في نَاظِري مُحيَّاهَا
فَقَبَّلتْ ناظِري تُغَالِطُنيوإنَّما قَبَّلتْ بِهِ فَاهَا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أوه بديل من قولتي واها»
فَلَيتَها لا تَزَالُ آوِيَهُوَلَيتَهُ لا يَزالُ مَأوَاها
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أوه بديل من قولتي واها»

المحيا: الوجه، والناظر: سواد العين، والآوي: الذي يصير إلى مكان يستقر فيه، والمأوى: المكان المشتمل على من يأوي إليه.

فيقول: أم محبوبته كانت من أهل الشام، وطال ما نعم بخلوتها، واستوفر الحظ من

محبتها، ولاعبها محيشا لها، ولثمها متصلا بها، فأبصرت في خلال ذلك محياها في ناظره، وقاربته هذه المقاربة إعجابا به. يشير إلى موضعه من نفسها، وما كانت تخصه به من إسعادها ووصلها.

ثم قال: فقبلت ناظري مغالطة بما تظهر في ذلك من الإعجاب بي، وما تبديه في فعلها من الإيثار لي، وإنما رأت في ناظري شخصا فراقها حسنه، وتبينته فأعجبها أمره، فقبلته وفوها المقبل، وصبت إليه ووجهها المتأمل. وأشار بهذه الجملة إلى شدة المقاربة، وأعرب بها عن تمكن الاتصال والملابسة.

ثم قال مؤكدا لما قدمه: فليتها لا تزال من ناظري في مأوى تنزله، وتقيم منه في محل تتخيره، وليت ناظري ذلك المأوى الذي تكون فيه إقامتها، والمحل الذي تشتمل عليه إرادتها.

كُلُّ جَريحٍ تُرجَى سَلامَتُهُ إلاَّفُؤادَاً دَهَتهُ عَينَاها
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أوه بديل من قولتي واها»
تَبُلُّ خَدَّيَّ كُلَّما ابتَسَمَتْ مِنْمَطَرٍ بَرقُهُ ثَنَايَاها
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أوه بديل من قولتي واها»
ما نَفَضَتْ في يَدِي غَدائِرُها جَعَلَتهُفي المُدامِ أَفواهَا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أوه بديل من قولتي واها»

الفؤاد: القلب، ودهته: نالته بغاية الضر، والثنايا: الأضراس الأربعة المتوسطة في أعلى الفم وأسفله، وهي معروفة، والغدائر: جمع غديرة، وهي كل خصلة من الشعر تفتل ثم ترسل وتعقد، والأفواه: أخلاط الطيب، واحدها فوه.

فيقول: كل جريح ترجى سلامته، وتؤمل من جراحه إفاقته، غير قلب سحرته عيناها وتيمته، ورمته بسهامها فأقصدته، فأن ذلك جريح لا يبل من سقمه، وعليل لا يبرأ من كلومه وألمه.

ثم قال: تبل خدي كلما ابتسمت لاهية عما أتشكاه، ومستقلة لما أكابده وألقاه، (وقوله): (من مطر)، أشار به إلى دمعه، وكثرة (ما) بريق منه على خده.

ثم ذكر أن برق ذلك المطر، الذي هو واكف دمعه، ما يبديه من التبسم وميض

ثناياها الواضحة، وما يطلعه من تلألؤ تلك الأنوار الساطعة. وعقد البيت على الإيماء والإشارة التشبيه والاستعارة.

ثم قال مشيرا إلى موضع محبوبته من الرفعة، وما هي عليه من الرفاهية والنعمة: ما نفضت في يدي غدائرها من الطيب والعطر، وما اكتسبتها من الفوح والنشر، جعلته أفواها تتضوع، ومشاما تعبق وتسطع.

لَقَينَنَا والحُمُولُ سَائِرَةٌ وَهُنَّدُرٌّ فَذُبنَ أَمواها
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة
في بَلَدٍ تُضرَبُ الحِجَالُ بِهِعَلى حِسَانٍ وَلَسنَ أَشبَاهَا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أوه بديل من قولتي واها»
كُلُّ مَهَاةٍ كَأَنَّ مُقلَتَهاتَقوُل: إيَّاكُمُ وإيَّاهَا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أوه بديل من قولتي واها»
فِيهنَّ مَنْ تَقطُرُ السُّيوفُ دَمَاًإذا لِسَانُ المُحِبِّ سَمَّاها
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أوه بديل من قولتي واها»

الحمول: الإبل عليهن النساء في هوادجهن، واحدها حمل، والأمواه: جمع ماء، والهمزة (مبدلة من هاء كما) في قولهم هرقت وأرقت وما أشبهه، ويدل على أن همزة ماء مبدلة من هاء قولهم في تصغير ماء مويه، وفي النسب إليه ما هي، وفي جمعه أمواه.

فيقول مشيرا إلى محبوبته والمتصلات بها: لقيننا والحمول سائرة بهن في حسنهن، وتضوع بياضهن كاللؤلؤ المكنون، والدر الرفيع المصون، فذبن أمواها من الخجل، وغيرهن إفراط الأسف والحزن.

ثم قال مشيرا إلى اللواتي قدم ذكرهن: كل مهاة تفتن بحسنها، وتغلب على القلوب بتكامل دلها، كأن مقلتها بما تضمنته من السحر، وصرفته من فتور اللحظ، تحذر من أبصرها من عواقب الحب، وتسير إلى قسوتها على المتيم الصب.

ثم قال مبينا لمنزلة المذكورات من الرفعة، وموضعهن من جلالة الرتبة: فيهن من لا تتفوه الألسن بذكرها، ولا يتمكن التصريح باسمها، فأن أعلن المحب بذكر؛ لفرط كلفه لها، قطرت السيوف دما عند ذلك إكراما لها. فأشار إلى أن المذكورات

يتصلن بالملك، ويشتمل عزه عليهن بلا شك.

أُحِبُّ حِمصَاً إلى خُناصِرَةٍوَكُلُّ نَفسٍ تُحِبُّ مَحيَاهَا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أوه بديل من قولتي واها»
حَيثُ التقى خَدُّها وَتُفَّاحُ لُبنَانَوَثَغرِي على حُمَيَّاها
وَصَفتُ فِيهَا مَصِيفَ بادِيَةٍشَتَوتُ بالصَّحصَحَانِ مَشتَاهَا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أوه بديل من قولتي واها»

حمص وخناصرة: بلدان من الشام، ولبنان: جبل من جبال الشام، لا نظير لتفاحه في طيب المطعم، وعبق الريح، وحميا الكأس: سورتها وحدتها، والصحصحان: ما استوى من الأرض واتسع، والمحيا والمصيف والمشتى: مصادر بمعنى الحياة والصيف والشتاء.

فيقول: أنه يحب حمص، هذا البلد، إلى خناصرة، هذا الموضع، وما بين هذين المكانين مقر أحبته، وجماع مسرته، وكل نفس تألف حياتها وترغبها، وتؤثرها بالإرادة وتفضلها.

ثم قال مشيرا إلى الجهة التي وصفها، وإلى محبوبته التي رفع بها: حيث التقى خد تلك المحبوبة بلثمي له، وتفاح لبنان بتنقلي به، وحميا الخمر التي نازعت محبوبتي كؤوسها، وقاسمتها مؤانستها وسرورها. واعتمد تفاح لبنان من بين سائر نقله، لمماثلته الخد الذي لثمه في الخلقة، ومقاربته له في اللون والنكهة.

ثم قال، وهو يريد الناحية التي قدم ذكرها: (وصفت فيها مصيف بادية)، يخبر بأنه مدة ذلك المصيف جانب الحواضر، واثقا بجرأته، وتصرف في البادية مسندا إلى نفاذه وشدته، وكذلك قطع الشتاء المتصل بذلك الصيف في صحصحان تلك البادية، غير معتصم ببنيان يسكنه، ولا معرج على حصن يمنعه، معولا على نفسه ومن يألفه من الفتيان، ومستظهرا بمن يستضيف إليه من حماة الفرسان.

إنْ أعشَبَتْ رَوضَةٌ رَعَينَاهَا أَوذُكِرَتْ حِلَّةٌ غَزَونَاهَا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أوه بديل من قولتي واها»
أَو عَرَضَتْ عَانَةٌ مُفَزَّعَةٌصِدْنَا بِأُخرَى الجِيادِ أُولاَهَا
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة
أَو عَبَرَتْ هَجمَةٌ بِنَا تُرِكَتْتَكُوسُ بَينَ الشُّرُوبِ عَقْراها
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أوه بديل من قولتي واها»

الحلة: البيوت المجتمعة تنزلها القبيلة من الأعراب في البادية، والعانة: القطيع من حمر الوحش، والهجمة: ما بين التسعين إلى المائة من الإبل، وكوس الدابة: أن تمشي على ثلاث قوائم، يقال من ذلك: كاست تكوس كوسا، وشروب: جمع شرب، وهم القوم يعكفون على الشراب.

فيقول واصفا لحاله، يبديه الذي قدم ذكره: أن أعشبت روضة وردناها غير متوقفين، ورعتها إبلنا وخيلنا غير مدافعين، لا نحذر غارة تطرقنا، ولا نخاف جماعة تنازعنا، وإن ذكرت لنا حلة من حلل العراب غير حلتنا، غزوناها غير مستبقين لها، وأتيناها موقعين بها. يشير إلى ما يتصرف فيه من العزة، وما هو عليه من الاستظهار والقوة.

ثم قال: أو عرضت لنا في خلال ما نحن عليه، عانة من حمر الوحش مذعورة مفزعة، مستنفرة مروعة. يشير بذلك إلى استفراغها لأنفسها في الجري، وبلوغها إلى غاية ما تستطيعه من العدو؛ طردناها طالبين، وتلوناها متبادرين، وقصدنا بأواخر خيلنا أوائلها، وبالمتأخرين من فرسانها سوابقها. فأعرب عن موضع خيله وخيول أصحابه من العتق، ومحلها من الكرم والسبق؛ لأن متأخرها بعفوه أدرك متقدم الحمر، مع ما بذل في العدو من جهده.

ثم قال: وإن عبرت علينا هجمة من الإبل ضربنا سوق كرائمها بسيوفنا، فكاست عقراها بين شروبنا، فعقرناها مطعمين متكرمين، كما صدنا ما طردناه من الوحش منعمين مقتدرين.

فَالخَيلُ مَطرُودَةٌ وَطَارِدَةٌتَجُرُّ طُولَى القَنَا وَقُصراها
يُعجِبُها قَتلُها الكُمَاةَ ولايُنظِرُها الدَّهرُ بَعدَ قَتلاها
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أوه بديل من قولتي واها»

الطولى والقصرى: بمعنى الطويلة والقصيرة، وكلاهما فعلى، من طال يطول

وقصر يقصر، بمنزلة الحسنى والسرءى، من حسن يحسن، وساء يسوء، والكماة: جمع كمي، وهو الذي يستر من شجاعته أكثر مما يظهر مأخوذة من كميت الشيء: إذا سترته، وينظرها: يمهلها.

فيقول: وخيلنا مطرودة وطاردة، ومطلوبة وطالبة، في قتال من تقصده، ومنازلة من تغير عليه وتعتمده، تجر ما طال من القنا لصحته وسلامته، وما قصر لتكسره في استعمال المطاعنة به. يشير إلى مداومته ومداومة أصحابه للحرب، وتنازعهم لشدة الطعن.

ثم قال مشيرا إلى خيله: يعجبها قتل من تقتله منك كماة الفرسان، ومشاهير الشجعان؛ لما لها في ذلك من الظهور والظفر، وما يتخلد لها من طيب الخبر، إلا أنها مع ذلك لا يمهلها الدهر فتطول مددها، ولا يتراخى عنها القتل فيتأخر أمدها. وقصد إلى قول بني الحارث بن عبد المدان.

وإنَّا أُنَاسٌ لا نَرَى القَتلَ سُبَّةًإذا ما رَأَتهُ عامِرٌ وَسَلُولُ
يُقَرِّبُ حُبُّ المَوتِ آجالَنَا لَنَاوَتَكرَهُهُ آجَالُهم فَتَطُولُ
للشاعر صفي الدين الحلي، من قصيدة «قبيح بمن ضاقت عن الأرض أرضه»

فأفتخر بإسراع القتل إلى أصحابه وإليه، وتوطينهم لأنفسهم عليه.

وَقَدْ رَأَيتُ المُلوكَ قَاطِبَةًوَسِرْتُ حَتَّى رَأَيتُ مَولاَها
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أوه بديل من قولتي واها»
وَمَنْ مَنَاياهُمُ بِراحَتِهِ يَأمُرُهافِيهمْ وَيَنهَاهَا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أوه بديل من قولتي واها»
أَبَا شُجَاعٍ بِفَارِسٍ عَضدَ الدَّولَةِفَنَاخُسرُو شَهنَشَاها

قاطبة: كلمة بمعنى المصدر، كأن الذي يقول: رأيت القوم قاطبة، يقول: رأيتهم عامة وجميعا.

فيقول: وقد رأيت الملوك محتفلا في رؤيتهم، وشهدتهم مستوعبا لجماعتهم، وسرت حتى بلغت إلى الملك الممدوح، فرأيت منزلته في المسميين باسمه، منزلة المولى من خادمه، والرئيس من تابعه، وعلمت أنه ملك الملوك لاشك فيه، وعظيم

العظماء لا خفاء عليه.

ثم قال: ورأيت منه الذي منايا الملوك براحته، وتصرفهم في الأمور على حسب إرادته، فمن أرضاه مكنت له السعادة جميع مقاصده، ومن أسخطه أورده الحين أخبت مارده. وهذه العبارة وإن لم تكن على نص لفظه، فهي مفهومة من حقيقة قصده.

ثم قال، يريد الممدوح: أبا شجاع الذي أتيته بفارس، هذه البلدة الجليلة، والناحية المعظمة الكريمة، ثم أردف ذلك بقوله: فناخسرو شهنشاها، فأبان عنه بأسمه، وأتبعه برفيع من وصفه. والكلمتان فارسيتان، ومفهوم الوصف فيهما الإجلال والتعظيم، ومراد التفضيل والتقديم.

أَسَامِياً لَمْ تَزِدهُ مَعرِفَةً وَإنَّمالَذَّةٌ ذَكَرنَاهَا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أوه بديل من قولتي واها»
تَقُودُ مُستَحسَنٌ الكَلاَمِ لَنَاكما تَقُودُ السِّحابَ عُظمَاها
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أوه بديل من قولتي واها»
هو النَّفِيسُ الَّذي مَواهِبُهُأَنفَسُ أَموَالِهِ وَأسنَاهَا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أوه بديل من قولتي واها»

العظمى من السحاب هي العظيمة، على وزن فعلى من العظم، وأسنى الأموال أرفعها قيمة.

فيقول فيما قدمه من أسماء الممدوح: تلك الأسماء لم تزده شهرة، ولا أفادته في الناس معرفة، لما عظمه الله من قدره، وأبانه من جلالته وفضله، ولكنه أجتلبها التذاذا بذكرها، وأعلن بها استكثارا من حسنها.

ثم قال: أن تلك الأسماء تقود مستحسن الكلام لنا وتتدقمه، وتشتمل عليه وتتضمنه، كما تقود العظمى من السحاب تواليها، وتتصل سائرها في النهوض بها.

ثم قال مشيرا إلى الممدوح: هو النفيس الذي عطاياه ومواهبه، ومكارمه وفواضله، أنفس مما يقتنيه ويدخره، وأرفع ما يستفيده ويكتسبه، يريد أنه لا يصون الأموال

على البذل، ولا يلذ بغير ما يظهره من الفضل.

لا تَجِدُ الخَمْرُ في مَكارِمِهِ إذاانتَشَى خَلَّةً تَلاَفَاهَا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أوه بديل من قولتي واها»
تُصَاحِبُ الرَّاحُ أَريَحِيَّتَهُفَتَسقُطُ الرَّاحُ دُونَ أدنَاهَا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أوه بديل من قولتي واها»
لو فَطَنَتْ خَيلُهُ لِنَائِلَةٍلَمْ يُرضِهَا أَنْ تَرَاهُ يَرضاها
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أوه بديل من قولتي واها»

الانتشاء: السكر، والخلة: الوهن والنقصان، والراح: الخمر، والأريحية: اتساع الخلق والانبساط بالمعروف.

فيقول، وهو يريد الممدوح: لا تجد الخمر عند تناوله لها، وانتشائه بها، خلة في كرمه تتلافاها بالزيادة فيما قصر عنه، ولم تبلغ بطبيعته إلى الغاية منه؛ لأن جوده في حين صحوه، لا تمكن الزيادة فيه بسكره.

ثم قال مؤكدا لما قدمه: يصاحب الخمر في حين سكره، وما تزيد عليه من أريحية كرمه في حين صحوه، فيسقط ما يبعث عليه طرب السكر عند أقل ما تبعث عليه طبيعته من الكرم والفضل، وأراد ما سبق إليه أمرؤ القيس حيث يقول:

وَتَعْرِفُ فيهِ مِنْ أَبيهِ شَمَائِلاًوَمِنْ خَالِهِ وَمِنْ يَزيدَ وَمَنْ حُجُرْ
للشاعر امرؤ القيس، من قصيدة «لَعَمْرُكَ ما قَلْبي إلى أهْلِهِ بِحُرْ»
سَمَاحَةَ ذا، وَبِرَّ ذَا، وَوَفاَء ذَاوَنَائِلَ ذَا، إذا صَحَا وإذا سَكِرْ
للشاعر امرؤ القيس، من قصيدة «لعمرك ما قلبي إلى أهله بحر»

ثم قال: لو فطنت خيله لعموم بذله فيما يملكه، وسروره بما ناله؛ ما يوافقه ويستحسنه، لما أرضاها أن ترضيه بتقدمها في سبقها، وتروقه بما يشهده من تطهيمها وعتقها؛ لما يدعو إليه ذلك من تقصيرها في جملة ما يبذله، فيما يؤثره من الإنعام والفضل.

ثم أكد ذلك بقوله:

تَسُرُّ طَربَاتُهُ كَرَائِنَهُثُمَّ تُزِيلُ السُّرورَ عُقبَاهَا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أوه بديل من قولتي واها»
بِكُلِّ مَوهوبَةٍ مُولولَةٍقَاطِعَةٍ زِيرَهَا وَمَثْناهَا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أوه بديل من قولتي واها»
تَعُومُ عَومَ القَذَاةِ في زَبَدٍمِنْ جُودِ كَفِّ الأَمِيرِ يَغشَاهَا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أوه بديل من قولتي واها»

الكرائن: الضوارب بالكران، وهو العود، الواحدة كرينة، والمولولة: المرأة التي ترفع صوتها داعية بالويل على نفسها، والزير والمثنى: معروفان من أوتار العود، والقذاة: اليسير من الأشياء تطفو في الكثير من الماء، والزبد: السير الشديد، او البحر الهائج.

فيقول: (تسر طرباته كرائنه) لما يرتجينه عنده من الحظوة، ويرتقبنه من الاختصاص والأثرة، ثم يعقب ذلك السرور منهن ما ينقله إلى ضده، ويحيله إلى غيره.

ثم قال مبينا لذلك: بكل موهوبة موهن، تدعو بالويل على نفسها، وتجزع لمفارقة ما تستحقه بخدمته من ارتفاع قدرها، فتقطع أوتار عودها متحزنة، وتنفذ في جملة هباته متأسفة.

ثم أشار إلى الكريمة المذكورة، فقال: تعوم عوم القذاة في جميل مواهبه، وتحفى في ما يبذله من عطاياه وفواضله، وتحل في ذلك محل القذاة في البحر، والخردلة في المهمة القفر، بما وصف به الممدوح، على أن ما حسن موقعه منه يخرجه الكرم بالهبة عنه.

تُشْرِقُ تِيجانُهُ بِغُرَّتِهِإشرَاقَ أَلفَاظِهِ بِمَعنَاهَا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أوه بديل من قولتي واها»
دَانَ لَهُ شَرقُهَا وَمَغرِبُهاوَنَفسُهُ تَستقِلُّ دُنيَاهَا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أوه بديل من قولتي واها»
تَجَمَّعَتْ في فُؤادِهِ هِمَمٌ مِلءُفُؤادِ الزَّمانِ إحدَاهَا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أوه بديل من قولتي واها»

تشرق: تضيء، والغرة: بياض في الجبهة وما أشرف من الوجه، ودان: اعترف بالطاعة، والهمم: جمع همة، وهي ما انعقدت النية على فعله من رفيع الأفعال.

فيقول مشيرا إلى الممدوح: تشرق تيجانه بجمال وجهه، وتزهى ببهائه وحسنه، إشراق ألفاظه البديعة المتخيرة، بمعانيه الحكيمة المستصوبة، فأقترن له ما اختص به من جلالة المنظر، بما استضاف إلى ذلك من براعة المخبر.

ثم قال، وهو يشير إلى الدنيا، وأضمر ثقة ببيان ما قصد له: دان له شرقها ومغربها، على بعد ما بين الأمرين، وتراخي الأمد بين الغايتين، ونفسه تستقل الدنيا بجملتها، ولا يقنعها أن تنفرد بإمرتها، لما تتحققه من بيان فضله، وتتيقنه من انقياد الرئاسة لمثله.

ثم قال: تجمعت في فؤاده همم لا تتناهى رفعتها، ومقاصد في السيادة لا تتحصر جملتها، إحدى تلك الهمم تملأ فؤاد الزمان وتذعره، وتعجزه بما يحاوله وتبهره.

ثم قال مشيرا إلى همم الممدوح المذكورة:

فَإنْ أَتَى حَظُّهَا بِأَزِمِنَةٍ أَوسَعَمِنْ ذَا الزَّمانِ أَبدَاهَا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أوه بديل من قولتي واها»
وَصَارَتِ الفَيلَقَانِ واحِدَةً تَعثُرُأَحياؤُها بِمَوتاهَا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أوه بديل من قولتي واها»
وَدَارَتِ النَّيِّراتُ في فَلَكٍ تَسجُدُأَقمَارُهُ لأَبِهَاهَا
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

الحظ: الجد، والفيلق: الكتيبة الشديدة، والنيرات: السيوف والأسنة، استعار ذلك من أسماء الكواكب، والفلك هاهنا: حيث تدور الحرب، شبهة بمدار النجوم على ما قدمه من استعارة أسمها للأسنة والسيوف.

فيقول: فأن أتى حظ همم الممدوح المقرونة بالسعادة، المحروزة لغايات السيادة، بأزمنة هي أوسع من زمانه المشهور بما يقرب الله للممدوح من المراد، ويقربه بمقاصده من السداد، أبدى تلك الهمم وأظهرها، وصرفها فيما يحاوله وأعملها.

ثم قال مبينا لما قدمه: وصارت الفيلقان، من أصحابه والمقدمين على خلافه، فيلقا واحدا باستيلائه على المناصبين له، وتملكه لمرهم، يعثر الأحياء المتغلبون من أصحابه في جثث القتلى المصرعين من أضداده.

ثم قال مشيرا إلى السلاح ومجال الحرب: ودارت النيرات في فلك تسجد فرسان مغانيه، وتخضع زعماء مواكبه، وهم أقمار ذلك الموقف الطالعة، وكواكبه النيرة الثاقبة، لأبهاها وأرفعها، وأجلها وأكملها، يشير إلى أن الممدوح تخضع له في

حومة الحرب الأمراء، وتسجد له الشجعان والرؤساء.

ثم قال يريد الممدوح:

الفَارِسُ المُتَّقِي السِّلاَحُ بِهِ المُثنِيعَلَيهِ الوَغَى وَخَيلاها
لَو أَنكَرَتْ مِنْ حَيَائِهَا يَدُهُفي الحَربِ آثَارَهَا عَرَفنَاهَا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أوه بديل من قولتي واها»
وَكَيفَ تَحفَى الَّتي زِيادَتُهاوَنَاقِعُ المَوتِ بَعضُ سِيمَاها

الوغى: الحرب، سميت بذلك لارتفاع الأصوات فيها، وناقع الموت: كثيره وشديده، والسيما: العلامة.

فيقول، وهو يريد الممدوح: الفارس الذي يستكف السلاح بجلالته، ويتقي بإحجام الأبطال عن مواجهته، تثني عليه الوغى باستيلائه على جملتها، واستيفائه غاية حقيقتها، الذي يثني عليه خيلا الحرب من أصحابه وأضداده؛ فأما أصحابه فلاعتصامهم به، وأما أضداده فلاعترافهم له.

ثم قال: لو أنكرت يده آثارها في الحرب، وزيادتها على جميع الشجعان في الطعن والضرب، ترفعا عن التمدح بذلك، وحياء من استجلاب ذكره، لعرفناها بانفرادها دون مماثلة، وتوحدها من غير مشابهة.

ثم قال: وكيف تخفى أفعاله التي تزيد على ما تفعله الفرسان، وتقلل ما يفعله الشجعان، وناقع الموت المرتبط بها، ونفاذه في كل من يتعرض لها، بعض سيماها التي تخصها وتعينها وتظهرها للناس وتبينها.

لَو كَفَرَ العَالمونَ نعمَتَهُ لَمَاعَدَتْ نَفسُهُ سَجَايَاهَا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أوه بديل من قولتي واها»
كالشَّمسِ لا تَبتَغِي بِمَا صَنَعَتْمَنفَعَةً عِندَهُمْ ولا جَاهَا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أوه بديل من قولتي واها»

العالمون: جميع الخلائق من الإنس والجن، والسجايا: الطباع، واحدتها سجية، والجاه: ارتفاع المنزلة في الناس.

فيقول مشيرا إلى الممدوح: لو كفر العالمون نعمته الجليلة الشاملة، وأياديه الرفيعة

الظاهرة، لما عدت نفسه سجيتها في الفضل، ومذهبها في إتيان الكرم والبذل؛ لأن نعمه ليست على سبيل الاستكثار من الشكر، وإنما هي على ما يضمنه عنه شرف الطبع.

ثم قال مؤكدا لما قدمه من وصف الممدوح، وما جبله الله عليه من عموم فضله، والتقدم في الإحسان بطبعه: أنه كالشمس التي تنير بخلقتها، وتريق الخلائق بجبلتها، ولا تبتغي عندهم جزاء تعتقده من الشكر، ولا منزلة تحوزها بجميل الذكر، وأن كرمه خلق جبل عليه، لا لعرض من الدنيا يرغب إضافته إليه.

الوَاسِعُ العُذرِ أَن يَتيهَ عَلَى الدُّنيَاوَأَبنَائِها وما تَاهَا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أوه بديل من قولتي واها»
وَلَّ السَّلاطينَ مَنْ تَوَلاَّهاوالجَأ إليهِ تَكُنْ حُدَيَّاها
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أوه بديل من قولتي واها»
ولا تَغُرَّنَّكَ الإمارَةُ فيغَيرِ أَميرٍ وَإنْ بِهَا بَاهَى
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أوه بديل من قولتي واها»

التيه: الكبر، وحديا السلاطين: الذي يساجلهم ويباريهم، والمباهاة: المكاثرة بجمال الحال.

فيقول: أن الممدوح في خلال من الرفعة، ومنزلة من الجلالة والمملكة، يوسعان عذره في التيه على الدنيا وأهلها، والأخذ في ذلك لنفسه (يفي) بحقها، ولكنه يؤثر التواضع ويألفه، وبجانب الكبر ولا يوافقه.

ثم قال: ول ما عدا الممدوح من السلاطين من اعتمدهم بقصده، وما إليهم بتأميله ووده، ودعهم وما آثروه، وسلم إليهم ما تخيروه، والجأ إلى الممدوح تكن موازنا لغيره من السلاطين بنفسك، ومباريا لهم بجلالة حالك، فخدمته تفيد أكثر مما استفادوه، وتتكفل بأوفر ما جاوزه من النعمة.

ثم قال: ولا تغرنك الإمارة ممن ينتحلها وليس باسم لها، ويتقلد أسمها دون أن يتحقق بها، مباهيا في ذلك غير منصف، ومغالطا بباطله غير معترف.

ثم قال مؤكدا لما قدمه:

فَإنَّما المَلْكُ رَبُّ مَملَكَةٍقَدْ فَعَمَ الخَافِقَينِ رَيَّاهَا
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة
مُبتَسِمٌ والوُجُوهُ عَابِسَةٌسَلمُ العِدَى عِندَهُ كَهَيجَاهَا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أوه بديل من قولتي واها»
النَّاسُ كالعِابِدِينَ آلِهَةًوَعَبدُهُ كالمُوَحِّدِ اللاَّهَا
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

الملك والملك والمملكة: سلطان الملك، وفعم: بمعنى سد وملأ، والخافقان: المغرب والمشرق، والريا: الريح الطيبة، والسلم: الصلح، يقال بفتح السين وكسرها، فمن فتح أنث، ومن كسر ذكر، والهيجاء: الحرب، والآلهة: ما عبد من دون الله.

فيقول، وهو يشير إلى الممدوح: فإنما الملك الذي لا يجهل قدره، والمعظم الذي لا يدفع أمره، من كان كالممدوح رب مملكة، قد فعم الخافقين طيب ريحها، وسد ما بينهما تضوعها وفوحها.

ثم قال، وهو يريده: مبتسم عند شدة الحرب، والوجوه عابسة، والعقول لأهوالها طائشة، وهو لا يحفل بأمرها؛ لاستظهاره فيها، ولا يستوحش منها، لتيقنه بالقدرة عليها، فسلم أعدائه عنده كحربهم؛ لأنه يغلبهم، وطاعتهم كمعصيتهم؛ لأنه يستذلهم ويملكهم.

ثم قال: الناس المعتقلون غيره، كالعابدين آلهة في بعدهم عن رشدهم فضلالهم فيما آثروه بقصدهم، وعبده المتمسك بحبله، المقتصر بأمله على فضله، في صواب ما رآه وتخيره، وصحة ما اعتمد عليه وآثره، كالذي يوحد الله فيتمسك بالحق ويؤمن به، فلا يعدل في ذلك عن الصدق.

تم بحمد الله.... ابتداء الزيادة.

وقال أيضا يمدحه ويذكر شعب بوان:

مَغَانِي الشَّعبِ طَيبَاً في المَغَانِيبِمَنزِلَةِ الرَّبِيعِ مِنَ الزَّمانِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «مغاني الشعب طيبا في المغاني»
وَلَكِنَّ الفَتَى العَرَبِيَّ فِيهاغَريب الوَجهِ واليَدِ واللِّسَانِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «مغاني الشعب طيبا في المغاني»

الشعب: ما انفرج بين الجبلين، وشعب بوان الذي ذكره: موضع معروف ببلاد فارس، والمغاني: مواضع الحلول، واحدها مغنى، والربيع: الفصل الذي يكون بين فصل الشتاء وفصل القيظ، وهو حين يأخذ النهار في الزيادة، والليل في النقصان، وفي هذا الفصل من السنة يقوى النبات وتكثر الزهرات.

فيقول مشيرا إلى شعب بوان: مغاني هذا الموضع في سائر المغاني المألوفة، والمواضع المستحسنة المحبوبة، كالربيع في سائر فصول الزمان التي يفضلها ببهجته، وتألفه النفوس من بينها بجملته، وتظهر الأرض فيه بدائع نورها، وتتصرف الأبصار في غرائب حسنها.

ثم قال مشيرا إلى نفسه، وانقطاعه عند حلوله في تلك المغاني عن أبناء جنسه. ولكن الفتى العربي في هذه الأماكن غريب الوجه؛ بمخالفته الأعاجم من أهلها في الهيئة، غريب اليد؛ بمفارقته لهم في الكتابة والصنعة، غريب اللسان؛ ببعده في الإبانة واللغة.

مَلاعِبُ جِنَّةٍ لَو سَارَ فِيهَاسُلَيمَانٌ لَسَارَ بِتُرجُمَانِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «مغاني الشعب طيبا في المغاني»
طَبَتْ فُرسَانَنَا والخَيلَ حَتَّىخَشِيتُ وَإنْ كَرُمْنَ مِنَ الحِرَانِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «مغاني الشعب طيبا في المغاني»

الملاعب: مواضع اللعب والتجاول، والواحد منها ملعب، الجنة: جمع جني، والهاء لتأنيث الجمع، وسليمان: هو النبي ﷺ، وسخر الله له الجن وفهمه لغاتها ولغات ما لا يتكلم من الحيوان، وطبت: صرفت وأمسكت، والحران: معروف.

فيقول مشيرا إلى شعب بوان، وإقفاره مع حسنه، واستيحاشه مع طيبه: وأن مغانيه ملاعب جنة، ومواضع عزلة، فلو سار فيها سليمان لواجه من الجن ما لا يفهم

لغته إلا بمترجم، ولا يتفسر له قوله إلا بمبين، مع أنه قد علم كلام النمل، وتفسرت له لغات ما لا ينطق من الحكل.

ثم ذكر أن تلك المواضع مع تباعدها عن الأسنة، وما هي عليه من الإقفار والوحشة؛ طبت فرسانه وخيلهم بجمالها وطيبها، وحببت إليهم الإقامة فيها ببهجتها وحسنها، حتى خشي على فرسانه التأخر عنه؛ لسرورهم بها، وعلى خيله الحران؛ لإيثارها لها.

غَدَونَا تَنفُضُ الأغصَانُ فيهِعَلَى أَعرَافِها مِثلَ الجُمَانِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «مغاني الشعب طيبا في المغاني»
فَسِرْتُ وَقَدْ حَجَبنَ الحَرَّ عَنَّاوَجِئنَ مِنَ الضِّياءِ بِمَا كَفَانِي
وَألقَى الشَّرقُ مِنهَا في ثِيابِيدَنَانِيرَاً تَفِرُّ مِنَ البَنَانِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «مغاني الشعب طيبا في المغاني»

الجمان: أمثلة تؤخذ من الفضة كاللؤلؤ، واحدتها جمانة، والشرق: مطلع الشمس، والبنان: أطراف الأصابع.

فيقول: غدونا نسير في هذا الشعب الذي ذكره، بين أشجار متكاثفة الظلال، متدانية الأغصان، تنفض على أعراف خيلنا من الندى المستقر في أوراقها، عند اتصالنا بها وتحريكنا لها، قطرا يشبه الجمان في حسن منظره، ويماثله في صفاء جوهره.

ثم قال: فسرت بين تلك الأشجار، وقد حجبت عني الحر فما أتأمله، وأهدت إلي من الضياء بحسب ما أرغبه، وألقى الشرق على ثيابي من خلل تلك الأغصان، وفرج تلك الظلال لمعا من أنوار الشمس في هيئة الدنانير، تفر من بنان الأيدي فلا تدركها، وتسبقها عند الإيماء إليها فلا تلحقها. يشير إلى أن طريقه إنما كان بين أشجار متدانية، وحدائق متوالية، لا يتشكى الحر من سلك بينها، ولا يتوقعه من تفيأ ظلها.

لَهَا ثَمَرٌ يُشيرُ إليكَ مِنهُبأشْرِبَةٍ وَقَفنَ بِلا أوَانِي
وَأَموَاهٌ يَصِلُّ بِهَا حَصَاهَاصَلِيلَ الحَلْي في أَيدِي الغَوَانِي
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

الثمر: حمل الشجر، والصليل: امتداد الصوت، والغواني: الشواب ذوات الأزواج، واحدتها غانية.

فيقول: أن للشجر التي قدم ذكرها ثمرا في غاية النضرة، وعلى أفضل ما يروق ويعجب من النعمة، يكاد ينذاب في فم آكله، ولا يتماسك في يد متناوله، كالشراب المستجد في غير إناء، والقائم بنفسه من دون وعاء.

ثم وصف المياه المطردة في تلك الغياض، والعيون المتفجرة بين تلك الرياض، فقال: أن تلك الأمواه يصوت حصاها عند تحريكها له، ويصل عند سيلانها به، تصويت جواهر الحلي إذا حركت، وعلى مثل حالها من الحسن والبهجة إذا تؤملت.

وَلَو كَانَتْ دِمَشقَ ثَنَى عِنَانِيلَبِيقُ الثُّردِ صِينِيُّ الجِفَانِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «مغاني الشعب طيبا في المغاني»
يَلَنْجُوجِيُّ ما رُفِعَتْ لِضَيفٍبِه النِّيرانُ نَدِيُّ الدُّخانِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «مغاني الشعب طيبا في المغاني»
يُحَلُّ بِهِ عَلَى قَلبٍ شُجَاعٍوَيُرحَلُ مِنهُ عَنْ قَلبٍ جَبَانِ
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

دمشق: مدينة في الشام معروفة، واليلنجوج: العود الذي يتبخر به، والند: أخلاط من الطيب يجمع بالعنبر المذاب، ويستعمل ذلك في البخور، والجفان الصينية: جفان تتخذ من حنتم الصين، وهو أرفع ما يكون فيه الطعام.

فيقول: ولو كانت هذه المنازل دمشق، قاعدة الشام التي لم أزل أعتقد التفضيل لها، وأتخير الاستقرار بها، لثنى عناني عنها الممدوح الذي أقصده، والرئيس الذي أعتمده، الجاري على سير العرب في بذل الطعام، والاحتمال من ذلك على سنن الكرام، إلا أن ثرده لبيقة خاصية الصنعة، وجفانه صينية جليلة القيمة، وما يرفعه للضيفان من نيرانه يلنجوجي الوقود، وما يثور عن ذلك من الدخان ندي الوجود.

ثم قال: يحل زواره منه على قلب شجاع، متقدم في برهم، ويرحلون منه عن قلب

جبان محجم عن فقدهم. وطابق ما بين الشجاعة والجبن، وجرى جميع ذلك على غاية الحسن.

مَنازِلُ لم يَزَلْ مِنهَا خَيَالُيُشَيِّعُنِي إلى النَّوبَندَجانِ
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة
إذا غَنَّى الحَمَامُ الوُرقُ فِيهَاأَجَابَتهُ أَغَانِيُّ القِيَانِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «مغاني الشعب طيبا في المغاني»
وَمَنْ بالشَّعبِ أَحوجُ مِنْ حَمَامٍإذا غَنَّى وَنَاحَ إلى البَيَانِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «مغاني الشعب طيبا في المغاني»
وَقَدْ يَتَقارَبُ الوَصفَانِ جِدّاًوَمَوصُوفاهُمَا مُتَبَاعِدَانِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «مغاني الشعب طيبا في المغاني»

الخيال: ما يتمثل في المنام مما تشتغل النفوس به، والنوبندجان: موضع من أرض فارس، والورقة: سواد في غبرة، والقيان: الإماءة المتزينات برفيع الصنع، والشعب: هو شعب بوان الذي قدم ذكره.

فيقول: أن المنازل التي ذكر حسنها، وأحتفل في وصفها، لم يزل يشيعه منها خيال يمتثله، وتذكر يتوهمه، إلى أن صار بالنوبندجان؛ وأشار بهذا إلى ما باشره بالشعب من المحاسن المعجبة، وما شاهده من الأمور المستغربة.

ثم قال: إذا غنت الحمام الورق في هذه المنازل، متداعية في أشجارها، مكثرة من التغريد على مجاري مياهها، أجابت تلك الألحان أغاني القيان المطربة، وأصواتها الندية المستحسنة.

ثم قال: ومن بالشعب المذكور من أهله وساكنيه، ومستوطنيه وعامريه، أحوج من الحمام إذا غنى وناح، إلى بيان ما يذكره، والتعريف بما يرجعه. يشير إلى لغات أهل تلك البلاد، قد غلبت عليها العجمة، وفشي فيها الاستغلاق واللكنة.

ثم قال مؤكدا لما قدمه، ومشيرا إلى تلك الأغاني والنغم، مفارقة لما عهد من نظائرها في بلاد العرب: وقد تتفاوت الأوصاف وتتماثل، وتتدانى هيئتها وتتشاكل، وأعيان الموصوفات بها متفارقة متنائية، وبعيدة في حقائقها متباينة.

يَقُولُ بِشَعبٍ بَوانٍ حِصَانِيأعَنْ هذا يُسَارُ إلى الطِّعانِ؟!
للشاعر المتنبي، من قصيدة «مغاني الشعب طيبا في المغاني»
أبُوكُمْ آدَمٌ سَنَّ المَعَاصِيوَعَلَّمَكُمْ مُفُارقَةَ الجِنَانِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «مغاني الشعب طيبا في المغاني»

الحصان: الذكر من الخيل.

فيقول: أن فرسه الذي كان يحمله، ظهر عليه من التثاقل في الخروج عن الشعب، والنشاط إلى الاستقرار به، والحرص على الكون فيه، ما حل محل العاذل لراكبه، واللائم لمزعجه، حتى كأنه قال له: أعن هذه الجنات الظاهرة، والحدائق الملتفة الرائقة، يستعمل الرحلة إلى الملوك الذين لابد عندهم من الطعن والضرب، والطعان والمبارزة للأقرا؟! وكأنه خاطبه في عذله، وما تابع عليه من لومه بأن قال له: أنك من جماعة سن لهم أبوهم المسارعة إلى العصيان، والمفارقة للخلود في الجنان، فليس بعجيب ما تتخيره من التقصير بنفسك، وما تستهله من إتعاب جسمك.

فَقُلْتُ إذا رَأيتَ أَبَا شُجَاعٍسَلَوتَ عَنِ العِبَادِ وذا المَكَانِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «مغاني الشعب طيبا في المغاني»
فَإنَّ النَّاسَ والدُّنيا طَرِيقٌإلى مَنْ ما لَهُ في النَّاسِ ثَانِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «مغاني الشعب طيبا في المغاني»
لَهُ عَلَّمْتُ نَفسِي القَولَ فِيهِمْكَتَعلِيمِ الطِّرادِ بِلا سِنَانِ
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

الطراد: التجاول في الميادين على الخيل، والسنان: الحديدة التي تركب في أعلى القناة، وبها يكون الطعن.

فيقول مجيبا لما نسبه من الخطاب إلى حصانه: إذا رأيت أيها الحصان الممدوح أبا الشجاع، الذي أريده وأقصده، وأؤمله وأعتمده، وتقلبت في ذراه، وأحاطت بك عوارفه ونعماه، سلوت عن هذا المكان، وحدث لك زهد في جميع الأنام.

ثم أكد ما قدمه بأن قال: فأن الناس باجمعهم، والدنيا المشتملة عليهم، طريق إلى من فات الناس بفضله، وبذهم بجلالة قدره، فليس له فيهم نظير يشبهه، ولا ثان يدانيه ويقاربه.

ثم قال: له علمت نفسي ما قدمته من مدح الأمراء، وما نظمته من الشعر في

الرؤساء، لألقاه من ذلك في غاية الدربة، وعلى أفضل ما يرغب في الشعر من النفاذ والقوة، وإنما كنت فيما تقدم لي من الشعر كمن يتعلم الطراد بقناة لا سنان لها، ومطاعنة لا يتأذى بها، فلما أرضاه موضعه من الإحسان، وتقدمه في ذلك الشان، بلغ بالطراد إلى غايته، وأستعمله من حقيقة الحرب في نهايته، وكذلك لما رضيت موضعي من الشعر، اعتمدت من فات أهل زمانه في جلالة القدر.

بِعَضدِ الدَّولَةِ امتَنَعَتْ وَعَزَّتْوَلَيسَ لِغَيرِ ذِي عَضُدٍ يَدَانِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «مغاني الشعب طيبا في المغاني»
ولا قَبضٌ على البِيضِ المَواضِيولا حَظٌّ مِنَ السُّمْرِ اللِّدانِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «مغاني الشعب طيبا في المغاني»
دَعَتْهُ بِمَفزَعِ الأعضَاء مِنهَالِيومِ الحَربِ بِكرٍ أَو عَوَانِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «مغاني الشعب طيبا في المغاني»

عضد الدولة: هو لقب فناخسرو، وخفف عضدا؛ لأن الضمة والكسرة تخففان في الثلاثي في مثل عضد وإبل، ذكر ذلك سيبويه، وربما قرءوا الكلمة على حسبها قبل التخفيف، وربما قلبوا الضمة والكسرة على ما قبلهما، فيقولون في عضد: عضد، وفي كتف: كتف. والبيض: السيوف، والسمر: الرماح، واللدان منها: كثيرة الاهتزاز، والحرب البكر: التي لم يكن قبلها حرب، والعوان: التي تكون بعد حرب، واستعار ذلك من صفات النساء، فالبكر منهن: التي لم تتزوج، والعوان: التي قد كان لها زوج.

فيقول: بالممدوح عضد الدولة امتنعت الدولة وعزت، وامتدت أطنابها وجلت، وفخمت على سائر الدول، وتواضع لها ملوك الملل، وما كان من الدول مما لم يكن فيه ممن يتغلب بها اللقب من رجال دعوتها، والمتصلين بجملتها، فليس لها يدان تبطش بقوتهما، وتبسط وتقبض بموضعهما؛ لأن اليدين إنما يتصرفان بالعضد، وهو لها أثبت سند. ثم أكد ذلك فقال: ومن لا عضد له فقد عدم حظه من أعمال البيض الصوارم، وتصريف السمر الذوابل. يشير إلى الترفيع بهذا اللقب، ويخبر أن له في السيادة أجل سبب.

ثم قال زائدا في تأكيد ما قدمه: دعته الدولة بمفزع أعضائها عند الشدائد، وعمدتها في الأمور العظائم، فكأن هذا اللقب إنما اشتق الممدوح من معناه، وأخبر عما تقلده في الدولة وتولاه.

فَمَا يُسمِي كَفَنَّاخُسرُو مُسمٍولا يُكْنَى كَفَنَّاخُسرُو كَانِ
ولا تُحصَى فَضَائِلُهُ بِظَنٍّولا الإخبَارِ عَنهُ ولا العِيَانِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «مغاني الشعب طيبا في المغاني»
أُرُوضُ النَّاسِ مِنْ تُربٍ وخَوفٍوَأرضُ أَبي شُجَاعٍ مِنْ أَمَانِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «مغاني الشعب طيبا في المغاني»

يسمي: بمعنى يسمي، وهو ذكر الرجل بالعلامة التي يعرف بها، يقال سميته وأسميته، والكنية: معروفة.

فيقول: ما يسمي مسم، ولا يكني كان كفناخسرو في نفاذ أمره، وجلالة قدره، وانفراده بالمكارم، وبحمله للعظائم.

ثم قال: ولا تطمح الظنون إلى أن تحصي فضائله، ولا تبلغ الأخبار إلى أن تستوفي محاسنه، ولا يستوعب العيان ذلك ولا يدركه، ولا يأتي عليه ولا يستكمله، إذ هو واحد زمانه في جلالة الشأن، ومقدم أهله في علو المكان.

ثم قال: فإذا كانت أروض الملوك في زمانه من ترب متماثل، وخوف شامل لا يتباين، فأرضه من أمان ودعة، وأهلها في خفض وسعة، قد ضبطها بقوة سياسته، وسكنها بتعاهده ورعايته.

تُذِمُّ على اللُّصوصِ لِكُلِّ تَجرٍوَتَضمَنُ لَلصَوارِمِ كُلَّ جَانِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «مغاني الشعب طيبا في المغاني»
إذا طَلَبَتْ وَدَائِعُهُمْ ثِقَاتدُفِعنَ إلى المَحَانِي والرِّعانِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «مغاني الشعب طيبا في المغاني»
فَبَاتَتْ فَوقَهُنَّ بِلا صِحَابٍتَصِيحُ بِمَنْ يَمُرُّ أَمَا تَرَانِي؟!
للشاعر المتنبي، من قصيدة «مغاني الشعب طيبا في المغاني»

تذم: تجير وتعاهد، واللصوص: القاطعون للسبل، ومن يجري مجراهم، والتجر: جماعة التجار، يقال: تاجر وتجر، كما يقال شارب وشرب، والمحاني: معاطف الأودية، والرعان: أنوف الجبال، الواحد رعن.

فيقول: أن أبا شجاع الممدوح بحسن ضبطه، وقوة سلطانه، تذم أرضه على اللصوص للتجر، ويجيرهم من أذاهم في المهمه القفر، فيأمنون ضررهم بحسن رعايته، ويتصرفون دون مخافة في كنف حياطته، وتضمن الجناة لصوارم السيوف حتى تحكمها فيهم، وتعود بهم إليها حتى يبسطها عليهم ثم قال مؤكدا لما قدمه: فإذا طلب التجار لودائعهم ثقات يحفظونها، وذوي أمانات فيها يؤدونها، اكتفوا بمعاطف أودية بلاده، وأن بعدت، وبأنوف جبالها وأن إنفردت، لا يخاف التجار على أموالهم في أعماله عدوة ظالم،... ولا يحوزون مضرة لص خارب.

ثم قال مؤيدا لما ذكره: فتبينت تلك الأموال في القفار النازحة، وتهمل على أنوف الجبال الشامخة، والأيدي عنها منقبضة، ومضرات أهل الاستطالة دونها مرتفعة، حتى كأنها تهتف باللصوص مزرية عليهم، وتناديهم متقدمة بالوعيد إليهم.

رَقَاهُ كُلُّ أَبيَضَ مَشرَفِيٍّ لِكُلِّأَصَمَّ صِلٍّ أُفعوانِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «مغاني الشعب طيبا في المغاني»
وما يَرقِي لُهَاهُ مِنْ نَدَاهُولا المالَ الكرِيمَ مِنَ الهَوانِ
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

الأبيض المشرفي: السيف المنسوب إلى المشارف، وهي قرى بالشام تنسب إليها صوارم السيوف، والأفعوان: ذكر الأفاعي، والصل منها: الشديد العادية، والأصم: الذي لا ينفع الرقي فيه، واللها: دفع العطاء، واحدتها لهوة.

فيقول: أن رقى الممدوح فناخسرو لكل قاطع سبيل، ضرره كضرر الصل الأفعوان، سيف صارم يهلكه به، وحتف عاجل يمكنه له.

ثم قال: وما يرقي الممدوح أبو شجاع أمواله من بذله، ولا يبقى على لهاه بتفريقه لها في تأكيد فضله، ولا يعصم كرائم أمواله من إصابته لها بالبذل، واستهلاكه إياها في سبيل الحمد والشكر.

حَمَى أطرَافَ فَارِسَ شِمَّرِيٌّيَخُضُّ على التَّبَاقِي في التَّفانِي
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة
بِضَربٍ هَاجَ أَطرَابَ المَنَايَاسِوى ضَربِ المَثَالِثِ والمَثَانِي
للشاعر المتنبي، من قصيدة «مغاني الشعب طيبا في المغاني»

الشمري: النافذ الماضي من الرجال، والمثالث والمثاني: أوتار معروفة في عيدان الغناء.

فيقول: حمى أطراف بلاد فارس من الممدوح فناخسرو، شجاع صارم، نافذ عازم على استدامة السلامة والبقاء، باستهلال الهلكة والفناء؛ يريد: أنه يعتقد أن الإكثار من القتل في سبيل الحق يعود راحة شاملة، وسلامة لمن يلتزم الاستقامة دائمة.

ثم أكد ما قدمه، فقال: بضرب تطرب المنايا بأصواته، وترتاح عند حلول أوقاته، هو غير ضرب المثالث والمثاني المستعمل لتسلية المكروب، واستجلاب الفرح إلى القلوب.

كَأَنَّ دَمَ الجَمَاجِمِ في العَنَاصِيكَسَا البُلدَانَ رِيشَ الحَيقُطانِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «مغاني الشعب طيبا في المغاني»
فَلَو طُرِحَتْ قُلُوبُ العِشقِ فيهالَمَا خَافَتْ مِنَ الحَدَقِ الحِسَانِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «مغاني الشعب طيبا في المغاني»

العناصي: خصل الشعر، الواحدة عنصوة، الحيقطان: ذكر الدراج.

فيقول: كأن ما رفعه الممدوح فناخسرو من رؤوس اللصوص والقاطعين للسبل في أقطار بلاد فارس، وما صار في عناصي تلك الرؤوس من دمائها، وما أفضى إليه ذلك من إخافة المفسدين، وتأمين المستورين، مهد البلاد وأمنها، ووطأها وسكنها، حتى كأنها مفروشة بريش الدراج من الطير، الذي هو أوطأ فراش وألينه، وأوثر مهاد وأفضله.

ثم أكد ذلك فقال: لو طرحت في تلك البلاد قلوب العشاق، وهي أضعف القلوب منة، وأكثرها وقارا وروعة، لما خافت من الحدق الحسان، مع نفاذ الحدق عليها فيما تقصده، وقوتها فيما تدعو إليه وتوجبه. فأشار إلى فناخسرو، بقوة سلطانه، وشدة ضبطه لأعماله، أمن من المخاوف ما لا يؤمن مثله، وفعل في ذلك ما لا يتمكن لأحد فعله.

وَلَمْ أرَ قَبلَهُ شِبلَيْ هِزَبرٍكَشِبلَيهِ ولا فَرَسَي رِهَانِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «مغاني الشعب طيبا في المغاني»
أَشَدَّ تَنَازُعَاً أَصلٍ وَأشبَهَمَنظَرَاً بِأبٍ هجانِ
وأكثَرَ في مَجَالِسهِ استِماعَاًفُلانٌ دَقَّ رُمحاً في فُلانِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «مغاني الشعب طيبا في المغاني»

الهزبر: الأسد، والشبل: ولده، والرهان: المسابقة بالخيل، والهجان من الرجال: الكريم الفضل، والدق: الكسر.

فيقول: ولم أر قبل ورثة الممدوح فناخسرو شبلي أسد كشبلية، ولا متسابقين إلى مجد كولديه. يشير إلى أنه لما لقيه وأفضى إلى ما شاهده من عظم شأنه، وجلالة سلطانه، أبصر من ولديه من يحذو حذوه، ويمتثل فضله، ورآهما يتسابقان في المجد، ويجريان إلى إحراز غابات الحمد.

ثم قال، وهو يريده: أشد منهما تنازعا لأصل كريم يتلوان فضله، وأثبت شبها بأب جليل يمتثلان فعله، مقتفين لما خلده من المكارم، مستبقين إلى ما شيده من الفضائل.

وأكثر منهما استماعا في مجالسه، لما يتخابر به من أمور الحرب، وما ينسب إلى الأبطال من التقدم في الطعن والضرب، لا يصغيان إلا على مثل ذلك، مما يزيد في الإقدام والبأس، ويحمله تحفظه على قوة النفس.

وَأَوَّلُ دَايَةٍ دَأَيَا المَعَالِيفَقَدْ عَلِقَا بِهَا قَبلَ الأوَانِ
وَأَوَّلُ لَفظَةٍ فَهِمَا وَقَالاإغَاثَةُ صَارخٍ أَو فَكُّ عَانِ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «مغاني الشعب طيبا في المغاني»
وَكُنتَ الشَّمسَ تَبهَرُ كُلَّ عَينٍفَكَيفَ وَقَدْ بَدَتْ مَعَهَا اثنَتَانِ؟!
للشاعر المتنبي، من قصيدة «مغاني الشعب طيبا في المغاني»

النص من طبعة مؤسسة الرسالة ببيروت (١٤١٢هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الجزء الثاني

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.