من «سرور النفس بمدارك الحواس الخمس» لأحمد بن يوسف التيفاشي (ت ٦٥١هـ)
الباب الثامن في النار ذات اللهب وما يتعلّق بها، ونار النفط، والصعاعقة، ونار الفحم
والكوانين
في التنزيل العزيز: (أفرأيتم النارَ التي تُورُونَ أأنتم أنشأتُمْ شَجَرَتَها أم نحنُ المنشئون)، تورون: أي تقتدحون، تقول وَرَيت الزناد فوري إذا قَدَحْتَ. وقوله: (نحنُ جَعَلْنَاهَا تذكرةً ومتاعاً لِلْمُقْوِين). أي تذكر نار جهنّم، والمتاع ما يُنْتفع به، والمقوي في هذه الآية الداخل في الأرض القَواء، وهي الفيافي الخالية، وقيل: المقوون المسافرون، وهذا راجع إلى هذا المعنى، يقال أقوى الرجل إذا دخل في الأرض القواء، وأقوت الدار وأقوت الأرض وأقوى الطلل، أي صار قواه أي خالياً، والفقير والغني إذا أقويا سواء في الحاجة إلى النار، إذ لا شيء يُغنى عنها ولا يقوم مقامها.
وأفضل ما يتخذ منه الزناد شجرتا المرخِ والعفار، فكون الانثى هي الزَّنْدَة السفلى مَرْخاً، ويكون الذكر وهو الزَّند الأعلى عَفَاراً، واختُلِفَ في العفار فقيل: هو ضربٌ من المرخ، وقيل: هو شجر صغار تشبه صغار شجر الغبيراء، منظره من بعيد كمنطره، والمرخ ليست صفته كذلك، بل المرخ ينبت قضباناً سمحة طوالاً سُلُباً لا ورق لها. ولفضل هاتين الشجرتين في سُرعة الوري وكثرة النار سار قول العرب فيهما مثلاً فقالوا: " في كل الشجر نار، واستمجد المرخُ والعفار " أي ذهبا بالمجد في ذلك، وكان الفضل لهما.
ومن فضيلة المرخ في كثرة النار وسرعة الوري أنّه ربما كان المرخ مجتمعاً متلبداً وهبت الريح، فحكّ بعضه بعضاً، فأورى فأخرق الوادي كلّه. قال أبو زياد: ولم أر ذلك في شيء من الشجر. وفي المثل " أرخ يديك واسترخ، إنّ الزناد من مرخ " أي اقتدح على الهوينا فإن ذلك يجزئ إذا كان زنادك مرخاً، فإن أخطأ الزند الذكر أن يكون عفاراً فالدّفلى خير ما جعل مكانه، والدّفلى جيدة ورية، والعرب تقول: " اقدحْ بدفلى في مرخ، ثم شدّ بعد أو ارخ " وذلك إذا حملت رجلاً فاحشاً على رجلٍ فاحشٍ. والمرخ في الدّفلى أسرع شيء سقوط نار. وزعموا أن عراجين النخيل فاضلة في ذلك وريَّة الزناد؛ وقد يقتصر على المرخ وحده ويُجْعَل الزّنْدان منه.
صفة الزندة: عود مربع طولَ شبر أو أكثر، في عرض إصبع أو أشفَّ، وفي صفحاتها فُرَضٌ، وهي نُقَرٌ، الواحدة فُرْضَةٌ، وتجمع أيضاً فِراضاً، والزند الأعلى نحوها غير أنه مستدير وطرفه أدقُّ من سائره، وإذا أراد المقتدح الاقتداح وضع الزندة ذات الفراض بالأرض، ووضع رجليه على طرفيها، ثم جعل طرف الزند الأعلى في فُرْضَةٍ من فراضِ الزّندة، وقد تقدم، فهيّأ في الفرضة مجرىً للنار إلى جهة الأرض، يحز فيه بالسكين في جانب الفرضة، ثم فَتَل الزندة بكفيه كما يُفتل المِثْقَب، وقد ألقى في الفُرْضَة شيئاً من التراب يسيراً يبتغي بذلك الخُشْنَة ليكون الزند في الزندة، وقد جعل إلى جانب الفرضة عند مُفْضى الحز ريَّةً تأخذ فيها النار، فإذا فتل الزند لم يلبث الدخان أن يظهر، ثم تتبعه النار، تنحدر في الحز وتأخذ في الريّة، وتلك النار هي السِّقط - بكسر السين - والسَّقط - بالفتح - وكذلك الجنبن إذا سقط فهو سقط، ويقال في الجنين سُقط أيضاً - بالضم - فهكذا يُقْتَدَحُ
بالزناد. ولذلك شبّه عنترة حكَّ الذباب ذراعه بذراعه - وذلك عادة في الذباب - باقتداح الأجذم، وهو المقطوع الكف، كأنّه إذا أراد الاقتداح وقد عدم كفيه احتاج إلى فَتْلِ الزند بذراعيه، قال ووصف عُشباً في روضة:
وخلا الذبابُ بها فليس ببارحِهَزِجاً كفعلِ الشاربِ المترنمِ
هزجاً يحكُ ذراعَهُ بذراعِهِ ... قَدْحَ المكبِّ على الزنادِ الأَجذمِ فإذا خرجت النار من تلك الحكاكة فصارت في الرية، وهي خرقةٌ، ضمَّ القادح الخرقة عليها وطَرَحَ الزندين.
قال أبو حنيفة: ولا أعلم أحداً وصف الاقتداج بالزند وترشيح النار، من حين سقطت شررةً إلى أن عَظُمَتْ، وَصْفَ ذي الرمة في قوله:
وسقطٍ كعينِ الدّيكِ نازعتُ صاحبيأَباها وهيّأنا لمنزلها وَكْرا
مُشَهَّرةٍ لا تُمْكنُ الفحلَ أُمُّهاإذا هيَ لم تُمْسَكْ بأطرافها قسرا
أخوها أبوها والضوى لا يَضيرهاوساقُ أبيها أمها عُقِرَتْ عَقْرا
قد انتُتِجَتْ من جانبٍ من جنوبهاعَواناً ومن جَنْبٍ إلى جَنْبِهِ بكرا
فلما بَدَتْ كَفَّنْتُها وهي طفلةٌبطلساءَ لم تكمُلْ ذراعاً ولا شبرا
وقلتُ له ارفعها إليك وأحيهابروحك واقتَتْهُ لها قيتةً قَدْرا
وظاهرْ لها مِنْ يابسِ الشَّخْتِ واستعنْعليها الصَّبا واجعلْ يديكَ لها سترا
فلما تَنَمَّتْ تأكلُ الرمَّ لم تدعْ ... ذوابلَ مما يجمعون ولا خُضْرا السقط: سِقْطُ النار، وقوله " نازعت صاحبى اباها " يعني أنه اقتدح هو مرّة وصاحبه مرة، كأنّ الزند كبا عليه فتعاوراه، والوكر ما هيأ من رية لتقع فيها، والفحل هو الأب الذي ذكره هو فحل للزندة، والأم هي الزندة وقوله " أخوها أبوها " يعني أنهما من شجرة واحدة، ويريد بالساق ساق الشجرة، وعُقِرَتْ: قطعت. وأما الضَّوَى فهو تداني نسب الأبوين، وذلك مكروه يُخْشى منه الضوى، وهو الضعف في البدن وفي الرأي، وربما خرج الولد إذا اكتنفه الضوى من كل جانب عديم العقل، ولذلك قيل: تباعدوا في المناكح لا تضووا، وقيل: الغرائب أنجب. فأراد ذو الرمّة إنّ الزناد ليس مما يضره الضوى، وألغز في الوصف، وأما قوله: " قد انتتجت من جانب من جنوبها عوانا " يعني الزندة، يقول: قد أقتدحت في فرضة من جنب من جنوبها عواناً، وذلك أنها فُرْضَة قد اقتدح فيها مرّة قبل ذلك، فهي من هذه الجهة عوان، واقتدحت من جانب آخر في فرضة جديدة لم يُقتدح فيها قبل ذلك، في من هذه الجهة بكر. وذكر بعض الأعراب أنهم يقتدحون في الفرضة الواحدة إلى أن يُنْفَذ إلى الوجه الآخر. وقوله " فلما بدت " يعني الشَّررة " وكفنتها " ضمَّه إيّاها في الريّة، وكانت الريّة في هذه الحال خرقة طلساء، أي وسخة " لم تكمل ذراعاً ولا شبرا " لأن سقط النار يجتزئ بدون ذلك، وألغز في هذا أيضاً. وقوله " ارفعها إليك " فإنه خاطب صاحبه ذكر أنه نازعه القدح، فقال له، لمّا سقطت الشّررة وضمها في الرية: ارفعها إليك وانفخ فيها لتقوى، وهو معنى قوله وأَحْيِهَا بروحك. ثم قال: " واقتته لها " أي اجعل النفخ بمقدار، لا تشدّ فتقتلها ولا تضعف فلا تبلغ ما ينبغي، ولكن بَيْنَ ذلك قوتاً قدراً. والقيتة من كل شيء ما يكفي ويقوت؛ والمظاهرة: طَرْحٌ على طرح، أي ألقِ عليها بعد إحيائها في الريّة من يابس شختِ العيدان أي من صغارها وضعافها، لأنها لم تقوّ بعد على الأخذ في الغليظ، وكلّ دقيق شخت. وقوله: " واجعل
يديك لها ستراً " لئلا تشتدّ عليها الريح فتقتلها؛ والتمنّي: الارتفاع والعلو، والرمّ: ما ارتممته من الأرض من حطام العيدان والقماش، يقول: فلما صارت في هذه الحال لم تدع رطباً ولا يابساً إلاّ أَخذت فيه، وما غلُظ من الخطب يسمّى الجَزْل.
وجميع الشجر الذي يُتَّخذ منها الزناد خواره كلّها، ولا تصلح الزناد من عُتُق العيدان وصِلابها، ولذلك صار النبع أقل الشجر ناراً لأنه أعتقها وأكرمها وأرزنها عوداً، ولذلك يُختار للقسيّ وما أشبه ذلك مما تراد صلابته. وليس كل خفيف خوارٍ يصلح للزناد، ولكن ما ذكرناه.
مقادح الحجارة والحديد: الحديد الذي يصنع به يسمى القرّاعة والقداحة والمِقدحة - بكسر الميم - والحجر الذي يقتدح يه يسمى المِظرّة - بكسر الميم -. وهذه الحجارة والحديد مخالفة للزناد في معنى الخؤورة، ولا تكون إلا من أصلب الحجارة والحديد. فإن حجارة القدّاحات إن كانت من الكذّان لم تصلح، وكذلك حدائدها إن كانت من حديد ليّن لم تصلح، ولا تصلح إلاّ أن يكون الحجر مرواً ذكراً والحديد يابساً مذكراً.
حسّان الكلبي المعروف بعرقلة في المظرَّة وهي حجر القدّاحة:
ومضروبة من غيرِ جُرْمٍ ولا ذنبِحوى جِسْمُها مثلَ الذي قد حوى قلبي
إذا ما أتاها القادحونَ عشيَّةًحَكَتْ فلكاً يرمي الشياطينَ بالشُّهْبِ الشريف الموسوي:
كأنَّ شرارةً من قدحِ ناررَمَتْ بِحُراقِها لهبَ الضرامِ
شهابٌ حُطَّ من جبلٍ رفيع ... فألقى النارَ في ذيلِ الظلامِ أخي شرف الدين حسن بن مكرم الأنصاري، ﵀:
وما ذَكَرٌ مَيْتٌ وأنثاه مَيْتَةٌتزوجها قهراً ولم يُعْطِها مهرا
فواقَعَها في الحالِ آتته عاجلاًغلاماً كغصنِ البان قد يخجل البدرا
يلفَّفُ في قمطٍ فيأكلُ قمطَهُمن الجوعِ أو يأتي بِمَطْعَمِهِ قهرا
الشريف الموسوي يشكر على إهداء الزناد:
شكري لفضلك بالزنادِ كأنهمَلْكٌ يُغيرُ على العدا أفراسا
رقَّ الحراق فنال منه نقطةمن قهوة ونمت فصارت كاسا
كالقلبِ يقدحُ نظرةً فيه فتم ... لأه لأسبابِ الهوى وسواسا ويقال: زَنْدٌ خَوّارُ: إذا كان وريّاً سريع القَدْح كثير النار، بمنزلة الناقة الخوارة وهي الغزيرة اللبن، ولا يراد بذلك خؤورة العود، بل كثرة النار. يقال: زندً وارٍ اذا كان سريع الوري كثير النار، ومنه قولهم فلان واري الزناد، يريدون أنه نجيحٌ واضح الأمر مضيّ.
ويقال للزندين زنادٌ، ويجمع الزَّنْدُ أزنداً وأزناداً وزناداً وزُنُداً وأَزْاند.
الريَّة:
الرية دقيق النبت وحطامه وغير ذلك مما يسرع الاشتعال فيه إذا وضع على النار التي تقع من الزناد، وهي مأخوذة من وَرَيْتُ، وهي ما تُورى به النار - أي توقد - من خرقة أو عُطْبة أو قشرة؛ فإن كانت بعرةً فتّها لتأخذ النار فيها فهي فتّة. فأما ما يوضع تحت القرّاعة ليقع سِقْطُها فيه - وهو شررها - وهي الخرق المحرقه وما أشبه الخرق، فإنّ الفراء والأحمر قالا: هو الحَرُّوقاء بالتشديد وزاد الفراء فقال: هو الحَروق - بفتح الحاء والتخفيف - والحرّوق - بالتثقيل، والحُرَّاق مشدّدة؛ قال الشاعر يصف امرأة سليطة لها زوج حديد. فالشرُّ يهيج بينهما:
قُرَّاعة وزوجها حُرَّاقُ ... ونارُ الزناد أقوى من نار القرّاعة، ولذلك لا تحتاج إلى الحرّاق، وتأخذ في الفتّة من البعر والرية من العطب والقشور الليّنة، وخُرفع العُشَرِ من أجود الحرّاق، يعني للزناد. وضروب الحرَّاق كثيرة منها قشرٌ يشبه السيداق التي يُغْسَل برمادها الكتان.
ويقال للشرر الذي يسقط من الزناد والقراعة نار أبي حباحب، ونار حباحب أيضاً، وهو الشرار الذي لا يضرّ؛ قال الشاعر في نار ابي حباحب، وذَكَرَ السيوفَ إذا ضُرِبَ بها بَيْضُ الحديد فقدحتْ:
يرى الراؤون بالشّفراتِ منهاكنار أبي حباحب والظبينا الاحطاب:
أبو زياد: العرفج أطيب الحطب ريحاً وأسرعه وقوداً والتهاباً، وهو ضرام، فهو سريع الأخذ سريع الانطفاء.
ومن النبات ما يُسْتَوقد رطباً كما يستوقد اليابس، وأكثر ذلك من أجناس الحمض، وأفضل الحمض في ذلك القَيْسَبُ فإنه ليس بين رطبه ويابسه فرق.
وليس في الشجر أذكى ناراً ولا أبقى جمراً من الغضا، ربما بقيت ناره تحت الرماد المدة الطويلة تتعاورها الرياح والأمطار وهي حيّة، وبعد الغضا في كثرة النار وقلّة الرماد القَرْظُ، والسَّنْط منه، وهو قَرْظ ينبت بمصر، يوقد النهار والليل كلّه فلا تجد له من الرماد إلاّ اليسير مع ذكاء وقود؛ وقد ضربت العرب المثل بجمر الغضا لذكائه، قال امرو القيس:
كأنّ على لبّاتِها جَمْرَ مُصْطَلٍ ... أصابَ غضاً جزلاً وكُفَّ بأجذالِ الأجذال: جمع جِذْل، وهو أغلظ الحطب وأصل الشجرة، والعَصَلُ في ذلك مثل الغضا، والعصل يشبه الدّفلى، وكذاك حطب المَظِّ ويتخذ منه داذين يستوقد استيقاد الشمع، وتتخذ من أطراف العصل قِلْي. والضبّار أيضاً كذلك في جَودة الحطب، وليس في الشجر إذا اشتعلت فيه النار وهو رطب أشدّ فرقعة منه، إنما هو بمنزلة المخاريق.
الأدخنة والأرمدة وألوان النار:
إذا خلص الدخان من اللهب، وذلك إذا علا وضعفت حرارته فهو نحاس، وفي التنزيل (يُرْسلُ عليكما شواظٌ من نارٍ وَنُحاسٍ) والشواظ: اللهب الذي لا دخان له، وقال الجعدي:
تضيءُ كضوءِ سراجِ السَّليطِ ... لم يجعلِ اللهُ فيه نُحاسا وإذا كان الدخان أبيض وُصِفَت النار بالشُّقرة لأجل بياض دخانها. قال الشاعر:
ويوقدها شقراءَ من فَرْعِ تَنْضُبِجعلها شقراء أَن كان حطبها التَّنْضُبُ، ودخان التنضُب أبيض
وألوان لهب النيران على قدر ألوان الدخان؛ وكلما مال الدخان إلى البياض مال لون اللهب إلى الشقرة، وكلما كان الدخان أشدّ سواداً كان اللهب أشد حُمْرةً، حتى إذا اشتدّ سواد الدخان اكماتَّ اللهب، وبين دخان الحطب الواحد في أول ما تششعل النار فيه وبينه إذا توسطت الحال وإذا تناهى حَمْيُ الحطب وقهرته النار اختلاف كثير، فإن النار أول ما تأخذ في الحطب يكون لهبها أقرب إلى السواد، ولا سيما إن كان الحطب رطباً، ثم ترى اللهب يصفو ويميل إلى الشقرة على قدر احتدام الحطب ورقّة دخانه، حتى إذا كان آخراً وذكت النار ورقّ الدخان اشقارَّ اللهب، حتى إذا انقطع الدخان الغليظ ألبتة وصار الخطب جمراً ذاكياً متوهجاً رأيت له لهباً لطيفاً قليل الشّقرة قريباً من البياض، وذلك هو الأُوار، وما بقي له من لون حينئذٍ فهو من قبل جنس الجمر، ألا ترى أن أُوار الحُمم أخضر، وذلك لغلبة السواد على الفحم. وانما اللهب دخان حميَ فآض ناراً، وكل شيء يحمى حتى يتناهى في الحرارة تحوَّل ناراً، وإنما النار دخان انتهى في الحرارة أو جمر، ألا ترى أن كل شيء لا دخان له فإنك إذا أحميته آض جمراً من غير أن يكون له لهب، كالحجارة والحمم والحديد وما أشبه ذلك، وإن كان في الحمم بقية من الصنف الذي
يصير من الحطب دخاناً صارت تلك البقية أواراً، وهو أرقّ من الدخان وألطف، وكذلك أيضاً يكون لون الأوار أضعف وأرقّ من لون اللهب.
فإن عريت النار من أن تكون من أوارٍ أو دخانٍ أو جمر كانت بيضاء خالصة البياض كلون نار المهاة التي توجد عنها النار فتقوم مقام القداحة، وكلون نار المرآة المحرقة، فإنّ هاتين النارين بيضاوان من أجل أنه لا دخان هناك ولا جمر، وإذا ألهبنا الرية المدخنّة كان اللهب الساطع من الرية أحمر من أجل الدخان، وإنما ألهبَتْها نار بيضاء كالبَرَدَة.
ونيران الأدهان والصموغ والكباريت والزفوت شديدة اختلاف الألوان، منها الأسود وقريب من السواد، ومنها الأخضر والأصفر والأزرق والأشهب في ألوان غير محدودة، وكذلك أرْمِدَتُها وأرمدة الأحطاب وحُرَّاقات الأشياء فإن منها الأسود والأخضر والأصفر والأحمر، فترى رماد النار العظيمة أصنافاً وهو رماد ساعته، فترى ظاهرة بخلاف وسطه، ووسطه بخلاف أسفله، وأسفله فيه ألوان متعددة، ولذلك قيل للرماد أَخْرج، والخُرْجَة لونان يختلطان وقيل له أيضاً أَوْرَقُ وخصيفٌ.
ورماد الحجارة وهو الكلس أشدُّ شيء بياضاً، وعلل ذلك وأسبابه لا تنحصر، يدلّ مذكورها على ما لم يُذْكَر، ويقال رماد رِمْدِدٌ على وجه المبالغة، وتجمع أرمدة وأرمداء. قال الراجز:
لم يُبْق هذا الدهُر من آيائه ... غيرَ أثافيه وأرمدائِهِ فأما الجمر فلون جمر جميع الحطب واحد أو قريب. قالوا: وقد يختلف لون الجمر باختلاف الأوقات المنظور إليه فيها، فهو في الشمس أكهب، وفي الفيء أَشْكَلُ، وفي الليل أحمر.
والعرب تصف النار في أشعارها بالشقرة وبالحمرة على حسب الاختلاف في ألوانها المذكورة قبل الأسباب المذكورة فيه في شُقرة النار، يقول مزرّد:
فأبصرَ ناري وهي شقراءُ أُوقدتْبعلياءَ نشْزٍ للعيونِ النواظرِ وقال آخر:
ونارٍ كَسَحْرِ العَوْدِ ترفع ضوءَها ... مع الليل هبَّاتُ الرياحِ الصواردِ السَّحْر: الرئة، وسَحْرُ العَوْدِ - وهو المُسِنُّ من الإبل - أشدُّ حمرةً.
ألوان الأدخنة:
قد بيّنا أن اختلاف ألوان الأدخنة علّة اختلاف ألوان اللهب، واختلاف أجناس الحطب مع اختلاف أحواله في الرطوبة واليبوسة علّة اختلاف الأدخنة. فأما العلّة التي تعرض في اختلاف ألوان الدخان من قبل اختلاف جنس الحطب فكالذي يعرض لدخان التَّنّضُب فإنه أبيض في مثل لون الغبار، ولذلك شبّه الشعراء الغبار به في مواضع كثيرةٍ من أشعارهم، منها قول طفيل الغنوي وذكر الخيل:
إذا هَبَطَتْ سهلاً كأنّ غبارهُ ... بجانبه الأقْصى دواخنُ تَنْضُبِ ودخان الرّمث أشدّ سواداً من دخان التنضب، ولم يبلغ أن يكون أسود ولكن أورق كلون الذئب، ولذلك شبهت العرب لون الذئب بلون دخان الرمث؛ قال الشاعر يصف الذئب:
كأنَّ دخانَ الرمثِ خالَطَ لونَهُ ... يُغَلُّ به من باطنٍ ويجلَّلُ وقال الراعي يشبه لون الذئب بلون دخان العرفج الذي مسه الماء:
متوضّح الأقرابِ فيه شُهْبَةٌنَهشُ اليدين تخالُهُ مشكولا
كدخانِ مرتجِلٍ بأَعلى تلعةٍغَرْثانَ يُضْرِمُ عرفجاً مبلولا
يكون المرتجل الذي يطبخ الجراد أو يشويه، والرِّجل من الجراد: القِطْعة، ويكون المرتجل: الطابخ بالمرْجَل، ويكون المرتجل: القادح بالزند، وارتجاله الزندة وضع إبهامَيْ رجليه عليها كيلا تزول إذا فتل فيها الزند.
وصف النار من ابتدائها إلى انتهائها وأسماؤها:
قال الأصمعي: يقال للزند إذا قدَحْتَ به فسمعت له عند خروج النار منه صوتاً: قد كشَّ الزند يكشُّ كشّاً، وسمعت كشّة الزند، وذلك إذا همّ الدخان أن يتحول ناراً من قبل أن تقوى حرارته، فيحدث من ذلك صوت كما يحدث من الحطب إذا اندفع من جوفه دخان شديد الازعاج كأنه النَّفخُ، وأرادت النار العلوق به ولم تقدر لضعفها وقوّة اندفاع الدخان، فيحدث بينهما الصوت الذي يقال له الفحيح، يقال: فحَّت النار تفُحُّ فحيحاً كما يقال في الحيّة إذا نفخت.
فإذا مار ذلك الدخان ناراً فذلك وَرْيُ الزناد وإيراؤها، وتلك النار حينئذٍ سِقْطٌ، وهي شرارة وشَرَرةَ، والجميع شَرَرٌ وشرارٌ، فإذا أخذت في الرية فقد تمّ عمل الزناد وحَيِيَتِ النار.
ثم تبتغي حينئذ ثقوباً وهو مايثقبها ويقويها مما هو أقوى من ذلك قليلاً، يقال ثَقوب وثقاب؛ فإذا ألهبت فهو اللهب، ثم ينميها تنمية، إذا قواها بأكثر من ذلك كي ترتفع، فإذا علت وقويت قلت: شبَّت تشبّ، وشَبَتْتُها أنا أشبُّها، فهي نار مشبوبة، ولا يقال هي شابة ولكن مشبوبة، ويقال لما شَبَبْتَ به شِبَابٌ، كما يقال لما ثقبتها به ثقوب، ولما أوريتها به ريّة، فإذا قويت النار فقد اشتعلت تشتعل اشتعالاً، وأشعلتها إشعالاً، والشُّعلة الطائفة منها تشتعل، والشَّعيلة ما أخَذَتْ فيه الشعلة، ولذلك قيل للفتيلة شعيلة، والمِشْعَل - بكسرالميم - ما أشعلتها به كالمِسْعَر، وهو ما سَعَّرتها به، والمَسْعَر - بفتح الميم - مَوْضِعُها الذي تُسْتَوقَد فيه، والعُشْوَة كالشُّعْلَة، قال الراجز:
كَعُشْوَةِ القابسِ ترمي بالشَّرر ... وتأجمت النار وتأطَّمت، إذا ذكت، وكذلك قالوا في الغضب تأجَّم عليه وتأطّم، وكذلك اضطرمت فهي تضطرم اضطراماً، وتضرّمت تتضرم تضرماً، وأضرمتها أنا أُضرِمها إضراماً، والضَّرَمَة ما اضطرمت فيه النار كائناً ما كان. وفي المثل " ما بها نافخ ضَرَمة ". والضريم: الحريق نفسه. قال أبو زياد: لا تقول للعود ليس فيه نار ضرمة، فإذا كان في العود نار قيل جاء بضرمة، إذا اقتبس فيها، وتقول للحطب ليس فيه نار ضرام، قال: والضرام عندنا أَشْخَتُ الحطب وأدقّه وأضعفه. قال أبو زيد: العرفج وما دونه ضرام، والقصب وكل شيء ليس له جمرفهو ضِرام، وكل ما له جمر فهو جَزْل.
ويقال: تسعرت النار تتسعّر تسعّراً واستعرتْ تستعرُ استعاراً، وأسعرتُها أنا وسعَّرتها، والسَّعير: الحريق، والسُّعار: حرُّ النار وذكاؤها، والمِسْعر: بكسر الميم: ما سَعَّرْتَ به النار، وهو المِسْعَار والمِحراث والمِحْضَاء، كلّه للعود الذي تُحرِّك به النار وتُفْتَح به عينها. فإذا فعلت فيها ذلك قلت ذكَّيتها تذكيةً، والذُّكْيَةُ - بالضم - ما ألقيت عليها من حطب أو غيره.
ويقال: اضْرَحْ نارك أي افتح لها عيناً وأصل الضَّرْح الشقُّ. وأجّجت النار ألهبتها، وتأجَّجَت هي تأجُّجاً، وائتَجَّت ائتجاجاً فسمعت للهيبها صوتاً، والأَجَّةُ لفْحَتُها، وأجيجها صوت لهيبها. ويقال للنار حَدَمَةٌ وحَمَدةٌ، وهو صوت الالتهاب، ويوم مُحْتَدِمٌ ومحتمدٌ.
وصلا النار - مفتوح مقصور - وصِلاؤها - مكسور ممدود -: حَرُّها، والمصطلي ألمتلقي صَلاَها. ووقدت النار وتلظَّت وتوهَّجَت إذا اشتدَّ حرّها، وكذلك تحرّقت وأضاءت النار وضاءت وهو ضوؤها - بالفتح والضم - وتوبَّصت النار رأيت
وبيصها، والضُّوء - بالفم - من لغة أهل الحجاز، وهم الذين يقولون الشُّهد والسُّم - بالضم.
وكذلك أنارت النار وأنرتها أنا وتنوَّرتها إذا نظرت إليها من منظر بعيد، وموضع النار المنيرة منارة ومَنْورة على الأصل، والجميع منائر ومناور. ولألأت النار لألاءةً: إذا لمعت وبرقت، ولألاء كل شيء: لمعانه وبريقه. وجاحم النار وجحيمها معظمها. ومَعْمَعِة النار ما سمع من صوتها إذا اشتد لهبها، وإذا اشتد صوتها في تلهّبها فذلك الزفير.
والنار تذكّر وهو قليل، قال الشاعر:
فمن يأْتنا يُلْمِمْ بنا في ديارنا ... يَجْدِ أثراً دعساً وناراً تأَجَّجا يقال: نار وأَنُورٌ وأنؤر ونِيارٌ ونِيرانٌ ونيرةٌ مثل: جار وجيرة، قال بشر يصف الإبل:
تَشُبُّ إذا ما أَدْلَجَ القومُ نيرةً ... بأَخفافها من كلِّ أمْعَرَ مُظْلمِ والحَرَقُ من أسماء النار - بفتح الراء - ولذلك قيل: " اذهب في حَرَقِ الله ونارِهِ ". يراد به النار نفسها.
ومن اسمائها سَكَنٌ وماموسة قال ابن أحمر:
كما تطايرَ عن ماموسَةَ الشَّرَرُ ... ومن أسمائها الصَّلاء - بفتح الصاد والمدّ - والوحِيّ - بالكسر والتشديد؛ قال ثعلب سألت ابن الاعرابي عن الوحيّ فقال هو المَلَك، فقلت: ولم سُمِّي المَلَك الوحي؟ فقال: الوحي النار فكأنّ الملك مثل النار يضرُّ وينفع.
وإذا سكن لهب النار وانقطع قيل: خَبَت النار تخبو خُبُوّاً، وخمدت تخمد خموداً، قال ﷿: (كلّما خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيراً).
فإذا ذهب الجمر إلاّ بقايا منه في الرماد تتبينها إذا حرّكت الرماد، والرماد حارمن أجل تلك البقية، فذلك الرماد يقال له المهل ويسمى أيضاً المَلَّة، ولذلك سمّى الناس الخبز الملّة، إنما هي المليل ولكن سُمّيت باسم الملّة، ومنه أخذت المليلة في الحمّى. ويقال للمليلة من الخبز أيضاً الفئيد، والموضع الذي يفتأد فيه هو المُفْتَأَد. فإذا برد الرماد فلم يبق فيه من الجمر شيء قيل همدت النار تَهْمد هموداً فهي هامدة، وقد طُفِئَتْ انار تطفأ طفوءاً، وأنطفأت وأطفأتُها أنا، وماتت النار تموت موتاً فهي ميتة، وحيت تحيا حياة فهي حيّة. وإذا صارت رماداً فهي آسة.
ومن أحسن ما قيل في النار بعد انطفائها وبقاء رمادها حاراً ما قال عبد الله بن محمد الأزدي من شعراء إفريقية:
تظنّنَّ امرءاً أغضبهسَبَبٌ ثم انقضى ذاك السببْ
سالمَ الصَّدْرِ من الحِقْدِ وإنْأظهرَ الودَّ ولم يُبْدِ الغَضَبْ
فمكانَ النار يبقى حرُّهاكامناً فيه وإن زال اللَّهب أوصاف النار:
قالت العلماء: ليس في العالم جسم صرف غير ممزوج، ومرسل غير مركب، ومطلق القوى غير محبوس، أحسن من النار، ويقال: شراب كأنه النار، وامرأة حسناء كأن لون وجهها لون النار. وقالت أعرابية: هذا والله وأنا أحسن من النار. ويقال لمن يوصف بالذكاء هو إلاّ نار موقدة.
وقال بعض الحكماء: النيران أربع نارٌ تأكل وتشرب وهى نار المعدة،
ونار تأكل ولا تشرب وهي النار الموقدة، ونار تشرب ولا تأكل وهي نار الشجر، ونار لا تأكل ولا تشرب وهي نار الحجر.
وقالوا: الاصطلاء لذيذ عند الامتلاء.
شاعر:
وشعثاءَ غبراءِ الفروعِ منيفةٍبها تُوصَفُ الحسناءُ أو هيَ أجملُ
دعوتُ بها ابناءَ ليلٍ كأَنَّهُمْوقد أبصروها مُعْطِشُونَ قد انهلوا جعميل بن معمر:
رأيتُ وأصحابي بأَيلةَ موهناًوقد غاب نجمُ الفرقدِ المتصوِّبُ
لبثنةَ ناراً ما تبوخُ كأنهاإذا ما رمقناها مع الّليلِ كوكبُ جامع الكلابي:
وإنّي لنارٍ أُوقدت بينَ ذي الغضاعلى مل بعيني من قَذَىً لَبَصيرُ
اضاءت لنا وحشيةٌ غير أنّهامع الإِنس ترعى ما رَعَوْا وتسير آخر:
يا مُوقدَ النارِ يذكيها ويُخْمِدُهَاقَرُّ الشتاءِ بأَرواحٍ وأمطارِ
قمْ فاصطل النارَ من قلبي مُضَرَّمَةًبالشوق تَغْنَ بها يا موقدَ النار
ويا أخا الذَّوْدِ قد طال الهُيامُ بهالم تدرِ مل الريُّ من جَدْبٍ وإقتار
رِدْ بالعطاشِ على عيني ومحجرهاتَرْوَ العطاشُ بدمعٍ واكف جار آخر:
يا موقدَ النار بالزنادوطالبَ النارِ في الرَّمادِ
دعْ عنك شكاً وَخُذْ يقيناًواقتبسِ النار من فؤادي ربيعة بن ثابت:
لمن ضوءُ نارٍ قابلتْ أعينَ الركبتُشَبُّ بِلَدْنِ العُودِ وَالْمَنْدَلِ الرَّطْبِ
فقلت لقد آنستُ ناراً كأنّهاسنا كوكبٍ لاحت يحنُّ لها قلبي أبو تمام يصف حريق الأفشين:
ما زال سرُّ الكفر بين ضلوعهحتى اصطلى سرَّ الزناد الواري
نارٌ يساورُ جسمَهُ من حرِّهالَهَبٌ كما عَصْفَرْتَ شِقَّ إِزارِ
طارتْ لها شُعَلٌ يهدِّمُ لفحُهاأركانَهُ هَدْماً بغيرِ غبار
مشبوبةٌ رُفِعَتْ لأعظمِ مُشْرِكٍما كان يَرْفَعُ ضوءَها للساري
صلّى لها حيّاً وكان وقودها ... مَيْتاً ويدخلها مع الكفار ابن العين زربي في حريق دمشق في سنة إحدى وستين وأربعمائة:
لهفَ نفسي على دمشقَ التي كانت جمالَ الآفاقِ والأَقطارِوعلى ما أَصاب جامعها الجامعَ للمعجباتِ والآثار
كنتَ إن جِئْتَهُ تعاينُ فيهرَبْعَ فَضْلٍ وموضعَ استغفار
فأتته النيران طولاً وعرضاًعن يمينٍ من قُطْرِهِ ويسار
ثم مرَّتْ على حدائقِ نخلٍ ... فإذا الجمرُ موضعَ الجمَّار فكأنَّ الفردوسَ قد عَصَتِ الله فولَّى عذابَها للنار ... كان إحراقُهُ من الجانبِ الغربيِّ يومَ الإثنين نصفَ النهار ... نصفَ شعبانَ عام إِحدى وستين فأضحى قد رُدَّ كالمستعار ... الشريف أبو الحسن ابن حيدرة العقيلي من شعراء مصر في حريق على بُعْدٍ:
وقع الحريقُ بموضعٍ لم أُسْمِهِوأتى وهيجٌ غيرُ ذي إلهاب
فكأنَّ لمعَ النارِ بين دُخَانِهِبرقٌ تألَّقَ في سماءِ ضَبابِ الجماز يهجو مروان أبا السمط بِبَرْدِ شعره:
اجتمع الناسُ وقالوا الحريقْبباب مروانَ وَسُوقِ الرقيقْ
فجاء مروانُ على بغلةٍ ... فأنشدَ الشعرَ فأَطفا الحريق كان نصير الدولة أمير إفريقية يشرب ليلةً على موضع مرتفع، والعسكر أسفل منه، ونيران العسكر موقدة، وفي المجلس ابن حيان الكاتب فأمره بصفة الحال فقال:
بتنا نديرُ الراحَ في شاهقٍليلاً على نغمة عُودَيْنِ
والنارُ في الأرضِ التي دوننامثلُ نجومِ الجوِّ في العين
فيا لَهُ من منظرٍ مونِقٍكأننا بين سماءين وأحسن منه قول القاضي نصر بن سيار:
ربَّ ليل كَشَعْرِ ليلى سواداًشَقَّ جلبابَهُ على الأرضِ نارُ
فترى الأرضَ كالسماء وكلٌّقد تحلى خلالهُ أنوار
بشرارٍ كأنّهن نجومونجومٍ كأنّهنَّ شَرارُ الحيص بيص ملغزاً في النار:
هل تعرف الحسناءَ تفجرُ بالبروزِ على الطريقِ
ولها وليٌّ لا يَغارُ من الزيارةِ والطُّروق
لا يستريبُ بها وإنكانتْ سُعاراً للرّفيق
وإذا اختفتْ في خِدْرهاخَلَدَتْ لتظهرَ في الخفوق
فأتتكَ منه في خِضاب ناصلٍ واهي الخروق
وقد اكتستْ بغلالةٍإمّا عرارٍ أو شقيق
تاجُ الزمرد فوق مفرقها يُرَصَّعُ بالعقيق
بينَ الأنامِ وبينهاما شئت من نَسَبٍ عريق
ابن أبي الشبل ملغزاً فيها:
وآكلةٍ بغير فمٍ وبطنلها الحيوانُ قوتٌ والنباتُ
تُصَرِّفُ أَلسناً من غير نطقسوى لغةٍ تخالفها اللغات
فما أكلت به تحيا وتطغىفإن شَرِبَتْ يعالجها الممات أبوالفضل ابن العميد ملغزاً فيها:
ماذا ترى يا أبا العباسِ في عَجَبِتشابهتْ منه أُولاه وأُخراهُ
ترى مقدّمه شَرْوَيْ مؤخرهحسناً ويمناه في تمثالِ يسراه
من حيثُ واجهته أرضاك منظرُهُوكيف قابلته أَعياكَ معناه
يهوى المباعدُ عنه قربَ منزلهحتى إذاما تَغَشَّاه تحاماه ابن خفاجة:
وموقدِ نارٍ طاب حتَّى كانمايشبُّ الذي فيه لساري الدجى نَدَّا
فأطلعَ من داجي دخانٍ بنفسجاًجنيّاً ومن قاني شواظٍ له وردا وله:
حمراءُ نازعتِ الرياحَ رداءَهاوَهْناً وزاحمتِ السماءَ بمنكبِ
ضربتْ سماءً من دخانٍ فوقهالم تدل فيها شُعْلةً من كوكب
وتنفست من كلّ نفحة جَمْرةٍباتتْ لها ريحُ الشمالِ بمرقب
مشبوبةٌ فكانّما هيَ زفرةٌمن مُحْنَقٍ أو نظرةٌ من مغضب
قد أُلهبتْ فتذهبت فكأنهالسكونها بشرارها لم تُذْهب
تذكو وراءَ رمادِها فكأنهاشقراءُ تمرحُ في عَجَاجٍ أكهب
أبو محمد عبد الله بن سارة من شنترين في المائة السادسة:
لابنةِ الزَّنْدِ في الكوانين جمرُكالدّراري في الليلةِ الظلماء
خبراني عنها ولا تكتمانيألدَيْهَا صناعةُ الكيمياء
سَبَكَتْ فحمنا سلاسلَ تبرٍرصعتهُ بالفضّةِ البيضاء
كلَّما ولولَ النسيمُ عليهارقصتْ في غلالةٍ حمراء
لو ترانا من حولها قلتَ شَرْبٌيتعاطَوْنَ أَكْؤُسَ الصهباء
سَفَرَتْ في عشيِّنا فأرَتنَاحاجبَ الشمسِ طالعاً بالعِشاء وله فيها:
ما كابنة الزند للمقرورِ فاكهةٌإذْ يُجْمِدُ البردُ منه ساعداً ويدا
جاؤوا بياقوتةٍ منها وقد قطعوامن مِسْكِ دارينَ أثواباً لها جددا
حتى إذا ما تغطتْ بالرمادِ حَكَتْورداً عليه سقيطٌ الطلِّ قد جمدا وله فيها:
باتتْ لنا النار دُرياقاً وقد جَعَلَتْعقاربُ البردِ تحت الليل تَلْسَعُنا
زهراءُ قَدَّتْ لنا من دفئها لُحُفاًلم يَعْلَمِ البردُ فيها أين موضِعُنا
لها حريقٌ بكانونٍ نطيفُ بهكمثل جامِ رحيقٍ فيه مَكْرَعُنَا
تُبيحنا قُرْبَها حيناً وَتُبْعِدُناكالأمِّ تلفظنا طوراً وترضعنا محمد بن أبي الخصال كاتب يوسف بن تاشفين:
انظر إلى النارِ وهي راقصةٌتهزُّ أكمامها من الطَّربِ
تضحكُ من أبنوسها عجباًإذْ صَيَّرتْ عَيْنَهُ إلى الذَّهَب الصنوبريّ في نار الميلاد:
ألست ترى الميلادَ قد بثَّ عَسْكَرَهْوأعلامهُ في كلّ وجه مُنَشَّرَهْ
تُشَبَّهُ بيضُ الدُّورِ والنارُ حولهاببيضِ جوارٍ في ثيابٍ معصفره يحيى بن هذيل:
ومحجوبةٍ في كلِّ وقتٍ ظهورهايَخافُ عوادي غَدْرِهَا مَنْ يديرُهَا
يجيرُ عليها الماء والماءُ حتْفُهاولكنها في ملك من قد يجيرُها
لغزَّتْ فلم يستغنِ عنها ابنُ آدموهانَتْ عليه فهو لا يستعيرها
كأنَّ ركاماً فوقها وهي تحتهعجاجٌ، وَطِرْفٌ أشهبٌ يستثيرها وله:
وقفتُ على عفراءَ والجزعُ دونهالأنظرَ من نارٍ على البعد توقدُ
تقومُ بطولِ الرمح ثم يخونهاهبوبُ الصَّبا عند السكونِ فتقعد
فَشَبَّهْتُها في الحالتين بقارئإذا اعترضتْهُ سَجْدَةٌ ظلَّ يسجد في نار النفط على الماء:
أسعد بن إبراهيم بن بليطة من شعراء الأندلس:
والنفطُ مهما افترَّ فوه فاغراًأجرى لسانَ النار فوق الماءِ
فكأنه ذهبٌ جرى في صارمٍأو رجعُ برقٍ في أديمِ سماء والدي جلال الدين المكرم، ﵀:
كأنَّما الماءُ حين لاحتْمن فوقه النارُ وهو جاري
أرضٌ من اللازورد مَدُّوابها بساطاً من النُّضَار وله:
انظر إلى النارِ على الماء ترى منها العَجَبْ
كثوبِ خمرٍ أخضرٍله طرازٌ من ذهب وله:
كأنما البحر طَفَتْ من فوقه النار إذا شبَّهها المحققُ
عشيةٌ صاحيةٌ [.........]يظهر بعدَ الشمسِ فيها الشَّفق أبو الحسن ابن سعيد:
اطارَ النفطُ فوقَ الماءِ ناراًقد اصطلحا لتكميل الهياجِ
أرى شفقاً يلوحُ على سماءٍكما ذابَ العقيقُ على الزجاج شرف الدين أبو طالب البابلي:
كأنما النارُ فوق الماء موقدةًوالريحُ تُخْمدُهَا حيناً وتُذْكِيها
بيارقٌ نُصِبت صُفْرٌ على كُثُبٍوالريحُ تنشرُهَا طَوْراً وتطويها أبو الحسن ابن عبد الكريم:
أبدى لنا النفطُ من العجابِما يستفزُّ ثابتَ الألبابِ
صيَّرَ ضِدَّين بلا ارتيابِمصطحبين صُحْبةَ الأَحباب
من غيرِ ما بُعْدٍ ولا حجابناراً بسطحِ الماء في التهاب
كأنها تجري على العُبابِبرقٌ يشقُّ أزرقَ السحاب عبد الله بن محمد ابن الشيخ جريك:
ويومٍ حميدٍ ظلتُ فيه منعماًأجرُّ ذيولَ اللهو مع فتيةِ الأدبْ
بنهرٍ يروقُ العينَ رائقُ مائهوتحسبُهُ دمعَ المحبِّ قد انسكب
تراهُ ونارُ النفطِ فوق صفائهكسيفٍ صقيلِ المتنِ حُلِّيَ بالذهب
أبو المعالي ابن إسرائيل:
قارورةُ النفطِ بلا مراءِتجمعُ ضدّين لعينِ الرائي
بجذوةٍ تُشْعَلُ فوقَ الماء ... محمرةٍ في لجّةِ زرقاء كالشَّمسِ حلَّت أُفُقَ السماء ... الشيخ شرف الدين المصنف:
رأيتُ من الضدين لما تآلفاعلى البحر للرحمن أكبرَ آياتِ
وللنفطِ نارٌ يحرقُ الماءَ نُورهاكمثلِ شعاعِ الشمسِ في سطح مرآة نار الفحم والكوانين:
ما لم يصرْ من الجمر رماداً وبقي أسود فهو الحُمم، وهو السُّخام، سمي حمماً لسواده، وسُخاماً للينه، والسخام: اللين، والفَحَمّ - بالتثقيل وقد يخفف والتثقيل أكثر - وفي المثل: " لو كت أنفخُ في فَحَمّ " - بالتثقيل -. والفحم مأخوذ من فحمة العشاء، وهي ثور الظلمة من أول الليل ثم تسكن، ومنه الشَّعر الفاحم.
أبو فراس:
لله قرٌّ ما أشدّومنظرٌ ما كان أعجب
جاء الغلامُ يَشُبُّهاهوجاءَ في فحمٍ تَلهَّبْ
فكأنما جمع الحُليَّفمحْرَقٌ منه ومذهب
ثم انطفت فكأنهاما بيننا ندٌّ مشعب سيف الدولة:
كأنّما النارُ والرمادُ معاًوضوءها في ظلامه يُحْجَبْ
وجنةُ عذراءَمسَّها خجلٌفاستترتْ تحت عنبرٍ أَشهب ابن المعتز:
كأنَّما النارُ في تلظيهاوالفحمُ من فوقها يغطيها
زنجيةٌ شبكت أناملَهَامن فوقِ نارنجةٍ لتخفيها كشاجم:
كأنَّما النارُ والرّمادُ وقدكاد يواري من جسمه النورا
وردٌ جنيُّ القطافِ أحمرُ قدذرَّتْ عليه الأَكفُّ كافورا ابن وكيع:
كان كالآبنوس غير محلَّىفغدا وهو مُذْهَبُ الأبنوسِ
لقيَ النارَ في ثيابِ حِدادفَكسَتْهُ مُصَبّغاتِ عروس القاضي التنوخي:
ويوم كأنَّ الشمس من فَرْطِ بردهغدا حَرُّها في الأرضِ بَرْدَ جليدِ
شببنا به ناراً كأنَّ ضِرامهاتورّدُ خدٍّ أو فؤادُ حسود
ندبُّ دبيب الراح في الروح والتظتْتلظيَ حِقْدٍ في ضلوعِ حَقود
بفحمٍ كأيّامِ الوصالِ فعالهومنظرُهُ في العينِ يومُ صدود
كأنَّ لهيبَ النارِ بين خِلالِهِبوارقُ لاحتْ في غمائم سُود كشاجم:
فحم أنارتْ نارُهُفتضرَّمَتْ فيه حريقا
فكأنَّهُ وكأنَّهَاسبج قَرَنْتَ به عقيقا ظافر الحدّاد:
كأنَّ سوادَ الفحمِ من فوقِ جمرهوقد جُمعا فاسْتُحْسِنَ الضدُّ بالضدِّ
غدائرُ خودٍ فرقتها وقد بدتعلى خَفَرٍ من تحتها حمرةُ الخد
فلّما تناهى صبغه خِلْتُ أنهفصوصُ عقيقٍ أو جنى زَهَرِ الورد
إلى ان حكى بعد الخُمودِ رمادُهُغباراً من الكافور في قِطَع الندّ
وله:
لقد جَمَعَ الكانونُ نوراً وظلمةًوجالسنا في حِلْيةِ الرَّجُلِ الكَهْلِ
ودبَّ سلافُ الماءِ في نار فحمهكما دبَّ نورُ الشمسِ في طَرَفِ الظلّ
وكنّا نُفَدِّيه وفيه شبيبةٌونَخْتَصُّهُ بالقربِ منا وبالواصل
إلى أن علا شيبُ الرمادِ قَذَالَهُوأصبحَ شيخاً في المزاج وفي الثقل
هَجَرْنَاهُ هَجْرَ الغانياتِ ضرورةًوصار لدينا لا يُمِرُّ ولا يُحْلي وله:
انظرْ إلى ما ضُمِّنَ الكانونُ من فحمٍ وجمرِ
هذا يزيد وذا يبيدُ كما انطوى ليل بفجر
وكأنها رُسُلُ الوصالِ تواترت بزوالِ هجر
أو كالعقود تضمَّنَتْنوعين من سَبَجٍ وشَذْرِ
أو حمرةِ الوجناتِ لاح شقيقها في آسِ شعر
يلجا إلى الكافور فيكانونَ مفتقرٌ ومثري
فمقامه في البيت أنفع فيهـ من نمطٍ وَسِتْرِ وله:
ويومِ بردٍ عقوده بَرَدٌلها سلوكٌ من هَيْدَبِ المطرِ
ينثره الجوُّ ثم تَنْظِمُ منهـ الأرضُ في الحال كلَّ منتثر
كأنَّ ذاك الشرارَ من ذَهَبٍقراضةٌ تستطيرُ من نقر شاعر:
زرتُ بعضَ الإخوان في يومِ قرٍما على يومِ قرّه من مزيدِ
فأتاني بمنقلٍ فيه فحمٌفوق جمرٍ وارٍ بغيرِ وقود
خِلْتُةُ جاءَني بأَصداغِ غيدٍلاحَ من تحتها احمرارُ الخدود ابن الطوبي:
ونارِ فحمٍ ذي منظرٍعجبيُطْرَدُ عنها الشرارُ باللهبِ
كأنّما النارُ مِبْرَدٌ جُعِلَتْتبردُ منه بُرادةُ الذهب ابن الساعاتي:
انظرْ إلى الكانونِ في بدئهوبعدَ ما يخمدُ منه اللهبْ
بينا ترى المسكَ على فضةٍحتى ترى الكافورَ فوقَ الذَّهَبْ شاعر في الشرار:
كأنَّ الشرارَ على نارناوقد راق منظرها كلَّ عَيْنِ
سُحالةُ تبرٍ إذا ما علافإما دنا فَفُتَاتُ اللجينِ شاعر:
اشربْ على النار في الكوانينقد انقضتْ مدّةُ الرياحينِ
بدتْ لنا والرمادُ يَحْجُبُهَاكجلّنار من تحتِ نسرين ابن وكيع:
وقرٍّ قد طردتُ بنارِ راحٍعضدتُ جنودَها بوقودِ نارِ
لها شررٌ كأنّ الريحَ منهتُبَدِّدُهُ نثارٌ من بهارِ شاعر:
أعدَّ الورى للبردِ جُنداً من القلىولاقيته من بينهم بجنودِ
ثلاثة نيران: فنارُ مدامةٍونارُ صباباتٍ ونار وقود الصنوبريّ:
نار راح ونار خدٍّ ونارُكحشا الصّبِّ بينهنَّ استعارُ
ما أبالي ما كان ذا الصيفُ عنديكيف كانَ الشتاءُ والأمطار آخر:
إذا ارتمتْ بالشرار فاطَّردَتْعلى ذراها مطاردُ اللهبِ
رأيتَ ياقوتةً ممَّسكةتطيرُ منها قُراضةُ الذّهب
طافتْ بها الكاسُ وهي مُتْرَعَةٌمبيضَّةُ العارِضَيْنِ بالحَبَبِ شاعر:
كلّ شيءٍ مُسْتَحْسَنٌ في العيونِدونَ نارِ الكانونِ في كانونِ
صِبْغُ خدِّ المعشوقِ فيه وفيهحَرُّ أحشاءِ عاشقٍ محزون القاضي نصر بن سيار:
وليلةٍ سامَحَتْنِيفيها نوائبُ دهري
بتنا نضيعُ دجاهاما بينَ خَمر وجمر
فذاك ذائبُ جمرٍوذاك جامدُ خمر آخر:
وليلةِ قرٍّ بتُّ أَهْزِمُ بَرْدَهابجيشين من خمرٍ ذكي ومن جمرِ
فطوراً أظنُّ الخمرَ ذائبَ جمرهاوطوراً أظنُّ الجمر منعقدَ الخمر كشاجم:
وَمُقْعَدٍ لا حَراكَ يُنْهِضُهُوهو على أربعٍ قد انتصبا
مصفّر محرق تَنَفُّسُهُتخاله العين عاشقاً وَصِبا
إذا نظمنا بجيده سبجاًتخاله بعد ساعةٍ ذهبا
فما خبت نارُه ولا وَقَفَتْخيولُ قصفٍ جَرَتْ بنا خببا آخر:
وأزهرَ وضاحٍ يروقُ عيونَناإذا ما رميناهُ بلحظِ النّواظرِ
له أربعٌ تأَبى السّرى غير أنهاتصافحُ وَجْهَ الأرضِ مثلَ الحوافر
تواصلنا أيامَ للقرّ صولةٌوتهجرنا أيامَ لفحِ الهواجر
تقلّ جسوماً بعضها في مورّدٍوسائرها في مِثْلِ سودِ الدياجر
نظمنا كؤوس الراح في جنباتهنجوماً على قُطْبٍ من اللهوِ دائر
طوالعَ فوق الراح مثنى وَمَوْحَداًغواربَ ما بين اللها والحناجر الشريف أبو الحسن العقيلي:
نارٌ أتاكَ بها غزالٌ أهيفٌ رطبُ الشبابِ
محجوبةٌ برمادهابعدَ اضطرابٍ والتهاب
مثل العُقَارِ إذا بَدَتْفي كأسها تحت الحباب لبعضهم:
سقياً لنا وظلامُ الليل يَكْنُفُناونحن ما بين نيرانٍ وأنوارِ
وللأباريقِ في الكاساتِ قهقهةٌوللشموعِ أكاليلٌ من النار
وقد عَقَدْنَا وشاحَ اللهو من طَرَبٍيدورُ في فَلَكٍ للرَّقْصِ دوّار بعض المغاربة، وأجاد:
هات التي للأيكِ أَصْلُ ولادهاولها حنينُ الشمسِ في الإشماسِ
أُنْسُ الوحيدِ وصبحُ ليلِ المعتشيولباسُ مَنْ أمْسى بغيرِ لباس
بيضاءُ ترفلُ في السوادِ كأنَّماضَرَبَتْ بِعِرٍْق في بني العبّاس
شاعر:
انظرْ لكانوننا وما فيهوقد بدا بيننا تلظِّيهِ
يأخذُ فحماً كأنه سَبَجٌيتركه عسجداً لرائيه آخر:
كأنما نارنا وقد عَلِقَتْفي الفحم منها أوائلُ الوَّهجِ
جامُ عقيق عليه قد نُثِرَتْقلائدٌ نُظِّمت من السّبَج آخر:
أتانا بكانونٍ بكانونَ يلتظيبه جمرةٌ في الفحمِ ذاتُ توهّجِ
كروضٍ نضيرٍ جاده الطلُّ فابتداخلال شقيقٍ فيه نَوْرُ بنفسج الشيخ شرف الدين المصنف:
أتانا بكانونٍ يُشَبُّ اضطرامهكقلبِ محبٍّ أو كصدرِ حسودِ
كأنَّ احمرارَ النارِ من تحت فحمهاخدودُ عذارى في محاجرَ سودِ السري الرفاء:
خفقتْ رايةُ الصباح وللنارِ لهيبٌ كالرايةِ الصفراءِ
لمعتْ للعيونِ بعدَ سوادٍفأنارتْ حنادسَ الظلماء
واستقرَّتْ تحتَ الرمادِ فَخِيلَتْذهباً تحتَ فضةٍ بيضاء المأموني:
ما ترى النارَ حين أسقمها القرّ فأضحتْ تخبو وحيناً تَسَعَّرْ
وغدا الجمرُ والرمادُ عليهفي قميصين مُذْهَبٍ ومعنبر شاعر:
وافى الغلامُ بمنقلٍ متضمنٍناراً فيا طوبى لها من نارِ
وتوقَّدَتْ في فحمه جَمَراتُهُكالخدِّ يُشْرِقُ في سوادِ عذار
وخبتْ فخلتُ رمادَها من فوقها ... حبباً يُنَظَّم فوقَ كأسِ عقار الشيخ شرف الدين المصنف، وأطنب في وصف هذين البيتين، وبالغ في استحسانهما، وهما كما ترى:
كأنما نارنا وقد خَمَدَتْوجمرُهَا بالرمادِ مستورُ
دمٌ جرى من فواختٍ ذُبِحَتْمن فوقه ريشهنَ منثور
فراغ
النص من طبعة المؤسسة العربية للدراسات والنشر ببيروت (١٩٨٠م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع