من «الفلك الدائر على المثل السائر» لابن أبي الحديد (ت ٦٥٦هـ)
الفلك الدائر على المثل السائر
ألف هذا الكتاب ليرد به على كتاب ابن الأثير "المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر" لأنه وجد فيه -كما في المقدمة- المحمود والمردود.
أما المحمود فإنشاء ابن الأثير وصناعته، إلا في الأقل النادر.
وأما المردود فنظره وجدله واحتجاجه واعتراضه وتحامله على الفضلاء، وإفراطه في الإعجاب بنفسه، والتقريظ لعلمه وصناعته.
كذلك قصد من تأليفه إلى أن يبين لمن راقهم كتاب المثل السائر من أكابر أهل الموصل وبغداد ما في الكتاب من وجوه النقص وألوان المآخذ، وأن يعلم ابن الأثير ورؤساء بلده أن في خدم المستنصر من يفوقه علما وافتنانا.
وكان كتاب المثل السائر قد وصل إليه في غرة ذي الحجة سنة هـ فتصفحه، وعلق عليه في خمسة عشر يوما كما ذكر في المقدمة، ولم يعاود النظر فيه مرة ثانية.
ولما ألفه كتب إليه أخوه موفق الدين هذين البيتين:
المثل السائر يا سيديصنفت فيه الفلك الدائرا
لكن هذا فلك دائرأصبحت فيه المثل السائرا
وقد قدم كتابه إلى خزانة كتب الخليفة المستنصر بالله.
أما تسمية الكتاب فقد أراد بها -كما ذكر في المقدمة- نقض كتاب المثل وإبطاله ومحوه؛ لأنهم يقولون لما باد ودثر قد دار عليه الفلك، كأنهم يريديون أنه قد طحنه ومحاه.
رأينا أن نخرج هذا الكتاب؛ لأنه وثيق الصلة بكتاب المثل السائر، وهو في جملته تعليق عليه ونقد له، وتوسعة لمجال الدراسات البلاغية والنقدية.
والنسخة التي اعتمدنا عليها مطبوعة على الحجر سنة هـ على نفقة الميرزا محمد الشيرازي، في صفحة من القطع المتوسط.
وطبعتها رديئة جدا، تنوء بالتحريف والأغلاط، وليس بها ترتيب ما، وكل ما بها من شعر مدمج بالنثر إدماجا.
وكثيرا ما يكتفي المؤلف بالإشارات إلى بعض النصوص، وكثيرا ما يذكر النص مبتورا، سواء أكان آية قرآنية أم بيت شعر أم مثلا، وكثيرا يورد النصوص غير منسوبة إلى قائليها، وفي بعض الأحيان ينسبها إلى غير قائليها.
فاجتهدنا في معالجة هذا كله.
صححنا النصوص المحتاجة إلى تصحيح، وأكملنا ما يحتاج إلى إكمال، ونسبنا النصوص المجهولة إلى قائليها ما استطعنا، وصوبنا نسبة بعضها إلى أصحابها، ورجعنا كل نص إلى مصدره الذي أخذ منه أو الذي صححناه منه.
وراجعنا نقله من "المثل السائر" فقرة فقرة، سواء أكان النقل كاملا أم ملخصا، ونبهنا على ذلك.
وعرفنا بكثير من الأعلام والأحداث التي ذكرها في كتابه.
وشرحنا ما يحتاج من نثر المؤلف إلى شرح.
يتبين من دراسة "الفلك الدائر" أن ابن أبي الحديد كان معجبا بنثر ابن الأثير، وببراعته في حل المنظوم، والاقتباس من القرآن الكريم والحديث النبوي، ويغلب على نقده الموضوعية:
ونستطيع أن نقسم نقده ثلاثة أقسام:
بعضه حق، مثله قوله:
أ- قال المصنف -ابن الأثير: "ولا أدعي فيما ألفته فضيلة الإحسان، ولا السلامة من سبق اللسان". ثم قال بعد سطر واحد: "وإذا تركت الهوى قلت إن هذا الكتب بديع في إغرابه، وليس له صاحب من الكتب فيقال إنه متفرد من بين أصحابه".
وعلق ابن أبي الحديد بقوله: وهل يدعي أحد فضيلة الإحسان بأبلغ من هذا الكلام؟ وقد قال قبل هذا التواضع بثلاثة أسطر: "إن الله هداني لابتداع أشياء لم تكن من قبلي مبدعة، ومنحنى درجة الاجتهاد التي لا تكون أقوالها تابعة وإنما تكون متبعة".
فمن يزعم أن الله هداه في هذا الفن إلى ابتداع أشياء لم يسبق بها، ورزقه فيها درجة الاجتهاد التي يتبعها الناس كيف يقول: لا أدعي فيما ألفته فضيلة إلا وبلغتها؟
ب- وكان ابن الأثير قد نبه الكُتَّاب على أن يعلموا فيما يعلمون ما يتصل بالنحو والصرف واللغة وقال: "وأما الإدغام فلا حاجة إليه لكاتب، لكن الشاعر ربما احتاج إليه؛ لأنه قد يضطر في بعض الأحوال إلى إدغام حرف، وإلى فك إدغام من أجل إقامة الميزان الشعري". ثم قال بعد ذلك: "وإنما قصدنا أن يكون الكتاب الذي يكتب في هذا المعنى مشتملا على الترغيب والترهيب والمسامحة في موضع والمحاققة في موضع".
وتلقف ابن أبي الحديد كلمة "المحاققة" فعلق عليها بقوله: قد ظهرت فائدة علم الإدغام في باب الكتابة، فإن الكاتب أراد أن يوازن لفظة المسامحة بلفظة المحاققة، وسها عن أن المحاققة بفك الإدغام غير جائزة.
جـ- قال ابن الأثير: "وقد مدح أبو الطيب كافورا بقوله:
فما لك تغني بالأسنة والقناوجدك طعان بغير سنان؟
وما لك تختار القسي وإنماعن السعد يرمي دونك الملوان؟
وهذا يحتمل المدح والذم، بل هو بالذم أشبه؛ لأنه يقول إنك لم تبلغ ما بلغته بسعيك واهتمامك، بل بجد وسعادة، وهذا لا فضل فيه؛ لأن السعادة ينالها الخامل والجاهل ومن لا يستحقها. وأكثر ما كان المتنبي يستعمل هذا الفن في القصائد الكافوريات.
وعلق ابن أبي الحديد على هذا تعليقا يدل على ذوقه الصائب، واطلاعه الواسع، وتحرره مما تناقله الناس، فقال: إن الناس واقع لهم واقع ظريف مع المتنبي في هذا الباب، وكان أصله الشيخ أبو الفتح عثمان بن جني ﵀.
وزعم بعضهم أن المتنبي كان يبغض كافورا ويحنق عليه، فكان يقصد ذلك ويتعمده بالشعر الموجه الذي يحتمل المدح والذم.
ومنهم من زعم أن كافورا كان يتفطن لذلك ويغضي عنه، وينقلون هذا عن المتنبي.
وما كان ذلك قط، ولا وقع شيء، ولا قصد أبو الطيب نحو ذلك أصلا.
ثم ضرب أمثلة من مدح المتنبي لسيف الدولة، فيها مدح بالجد وحسن الحظ، كقوله:
ولقد رمت بالسعادة بعضامن نفوس العدا فأدركت كلا
وقوله:
إذا سعت الأعداء في كيد مجدهسعى جده في كيدهم سعي محنق
وقوله:
لو لم تكن تجري على أسيافهممهجاتهم لجرت على إقباله
وقوله:
هم يطلبون فمن أدركواوهم يكذبون فمن يقبل
وهم يتمنون ما يشتهونومن دونه جدك المقبل
وضرب أمثلة أخرى من شعر المتنبي فيها إشارة بالحظ المواتي والسعد المسعف، ثم قال: ولكن سيف الدولة لما اشتهر إخلاص أبي الطيب له عدل
الناس عن هذا الشعر الذي يتضمن ذكر الجد والحظ فلم يذكروه، ولم يجعلوه متوسطا بين المدح والذم، وقالوا ذلك في كافور لما حدث تغيره مع أبي الطيب، وانحراف كل منهما عن صاحبه، ومجاهرة أبي الطيب له بالهجاء بعد أن فارقه.
ثم زاد الفكرة تأكيدا بأمثلة من شعراء آخرين.
د- قال ابن الأثير في تفسير بيت أبي صخر الهذلي:
عجبت لسعي الدهر بيني وبينهافلما انقضى ما بيننا سكن الدهر
إنه يحتمل وجهين من التأويل: أحدهما أنه أراد بسعي الدهر سرعة تقضي الأوقات مدة الوصال، فلما انقضى الوصل عاد الدهر إلى حالته الأولى في السكون والبطء.
والآخر أنه أراد بسعي الدهر سعي أهل الدهر بالنمائم والوشايات، فلما انقضى ما كان بينهما من الوصل سكنوا وتركوا السعاية.
فعلق ابن أبي الحديد بقوله: التفسير الثاني هو الصحيح، والأول غير صحيح، واللفظ لا يحتمله، وفي البيت ما يمنع منه؛ لأنه قال "بيني وبينها" وهذه اللفظة تمنع من أن يريد سرعة تقضي الزمان أيام وصالنا، فإنها قرينة تحمل لفظ السعي على العناية والنميمة بالشر، لا على السعي بمعنى الحركة والسير.
ألا تراهم يقولون سعي فلان بين فلان وفلان بالشر، أي ضرب بينهم، وحمل بعضهم على بعض، ولا يقولون سعى بينهم من السعي بمعنى الحركة والسير؟
وليس هذا مقصود البيت. ولو أراد السعي بمعنى سرعة مرور الزمان لقال عجبت لسعي الدهر أيام وصلنا، أو ما يشبه ذلك.
وفساد المعنى ظاهر عند من له أدنى نقد للمعاني الشعرية.
هـ- قال ابن الأثير: الأسماء المترادفة هي التي يتحد فيها المسمى وتختلف أسماؤه، كالخمر والراح والمدام.
وعلق ابن أبي الحديد بقوله: هذا من أمثال الغلطات التي نبه عليها المنطقيون، فقالوا قد يظن في كثير من الأسماء أنها مترادفة، وهي في الحقيقة متباينة، كالسيف والصارم والمهند، فكل واحد من هذه مباين للآخر، فالأسماء الموضوعة لها متباينة في الحقيقة، وإن ظن في الظاهر أنها مترادفة.
وكذلك ما مثل به هذا المصنف، فإن الخمر اسم موضوع لهذا الشراب المخصوص، والراح اسم لما ترتاح النفس إليه، والمدام اسم لما يدام استعماله، فالمعاني متباينة لا محالة، وإن توهم في الظاهر أنها مترادفة.
و قال ابن الأثير في بيان المشترك اللفظي: إن مقصود واضع اللغة البيان والتجنيس، والبيان يحصل بالألفاظ المتباينة الكافية في الإفهام، وأما التجنيس فإنه عمدة الفصاحة والبلاغة، ولا يقوم به إلا الأسماء المشتركة.
ورد ابن أبي الحديد بأن عدم الاشتراك اللفظي لا يذهب التجنيس، فإن التجنيس يحدث بين لفظتين متشابهتين في حروفهما الأصيلة، كقول أبي تمام:
متى أنت عن ذهلية الحي ذاهل؟
وأكثر التجنيس في الشعر والرسائل مثل هذا، ولا يستعمل التجنيس بالمشترك إلا نادرا.
ورد أيضا بأن عدم التجنيس لا يذهب حسن الكلام، وضرب أمثلة بأدب عبد الحميد وابن المقفع ومن قبلها ومن بعدهما من الفصحاء، وقال: فهل ترى لأحد منهم تجنيسا في كلامه إلا أن يقع اتفاقا غير مقصود؟
وبعضه مجانب للحق؛ إذ كان الصواب فيما قاله ابن الأثير.
من ذلك أن ابن الأثير ذهب إلى أن صناعة تأليف الكلام من المنظوم والمنثور تفتقر إلى آلات كثيرة، وثقافة متنوعة، وقد قيل: ينبغي للكاتب أن يتعلق بكل علم، ويخوض في كل فن، وملاك هذا كله الطبع، فإنه إذا لم يكن ثم طبع فإنه لا تغني تلك الآلات شيئا ...
وعلق ابن أبي الحديد على هذا بأنه من دعاوي الكتاب وتزويقاتهم، ولا يعول عليه محصل؛ لأن الفنون التي يذكرها الكتاب، ويزعمون أن الكتابة مفتقرة إليها، إن أرادوا بها ضرورتها لها فهذا باطل؛ لأن سحبان وائل وقس بن ساعدة وغيرهما من خطباء العرب ما كانت تعرفها، كذلك من كان في أول الإسلام من الخطباء كمعاوية وزياد وغيرهما.
وإن أرادوا أنها متممة ومكملة فهذا حق، لكن عدمها لا يقتضي سلب اسم الكتابة، مع أن ما يحتاج إليه الكاتب يحتاج إليه الشاعر وزيادة.
ويبدو من تعليقه هذا أنه غفل عما تنبه إليه ابن الأثير من ضرورة الثقافة للكتاب.
ولم يكن موفقا في تمثيله بقس وسحبان ومعاوية وزياد؛ لأن هؤلاء خطباء، ولم يعرض ابن الأثير لثقافة الخطباء، بل عرض لثقافة الكتاب والشعراء.
والذي يقرأ ما كتبه ابن الأثير في هذا الفصل يجده قد أشرك الشعراء مع الكتاب في ألوان الثقافة، واختص الشعراء بنوع منها هو علم العروض والقوافي الذي يقام به ميزان الشعر.
فلا محل إذًا لاعتراض ابن أبي الحديد بقوله: مع أن ما يحتاج إليه الكاتب يحتاج إليه الشاعر وزيادة.
- وبعضه يبدو منه أن ابن أبي الحديد يتحامل أحيانا، ويقسو على ابن الأثير، وإن كان السمة الغالبة على كتابه أنه نقد موضوعي مدعوم بالبراهين.
من ذلك قوله: إن هذا الموضع من المواضع التي اشتبهت على هذا الرجل.
وقوله: وهذا من الغلط على ما تراه.
وقوله: إن كان هذا الرجل ممن ينفي القياس في الشرعيات كلمناه كلاما أصوليا، كما نكلم الشيعة والنظام وأهل الظاهر وغيرهم ممن نفى القياس في الفقه.
وإن كان يعترف بالقياس في الشرعيات فالقياس في النحويات كالقياس في الشرعيات.
وإذا كان ابن أبي الحديد قد أخذ على ابن الأثير إعجابه بفنه وإشادته بكتابه، فإن ابن أبي الحديد قد تورط في مثل هذا.
من ذلك قوله:
وقد كنت شرعت في حل سينيات المتنبي، وأن أجعل ذلك كتابا مفردا، وأنا أورد ههنا بعض ذلك، ليكون معارضا لما جاء به هذا الرجل.
ومن ذلك أنه أورد مثالا من نثره في حل بيتي المتنبي:
بناها فأعلى والقنا يقرع القناوموج المنايا حوله متلاطم
وكان بها مثل الجنون فأصبحتومن جثث القتلى عليها تمائم
وأورد مثالين لابن الأثير في حل البيتين.
ثم قال: ومن عنده أدنى ذوق في فن الكتابة يعرف الفرق بين كلامنا وهذا الكلام.
ثم قال: والزيادات العجيبة، والتسميطات والأسجاع التي أتينا بها تزري على ما أتى به هذا الكتاب، وتتجاوزه أضعافا مضاعفة.
ومن هذا ما ذكره في المقدمة من الزهو بعلماء بغداد والفخار بأدبائها، وتفضيلهم على من سواهم تفضيلا مبالغا فيه، وهو يريد نفسه، وإن كان قد حاول أن يستل نفسه ممن أشاد بهم.
نص الكتاب:
الحمد الله الذي فاوت بين عقول البشر وأخلاقهم، كما فاوت بين أعمارهم وأرزاقهم، فكان من خفايا تدبيره، ولطائف حكمته وتقديره، أن أرضى كلا منهم بعقله وخلقه، لا بعمره ورزقه، فلست ترى منهم إلا الراضي بعقله وآرائه، المعجب بما يرشح من إنائه، الحامد لسجيته، الزاري على الناكبين عن طريقته؛ تصديقا لقوله تعالى: ﴿قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ﴾ ".
وقل أن تجد منهم القانع بدنياه، الراضي عن وقته بما قسم له "الله" وأعطاه.
فلا ترى إلا قانطا أو ساخطا أو حاسدا أو غابطا، دأبهم الكدح والنصب والجد والطلب؛ تصديقا لقوله "ﷺ": "لو كان لابن آدم واديان من ذهب "لتمنى أن يكون له ثالث".
وصلى الله على سيدنا محمد رسوله المويد بروح قدسه، والمعصوم من الخطأ في القول ولبسه، والحاكم بأن من جملة الثلاث المهلكات عجب المرء بنفسه، وعلى آله وأصحابه الذي منهم من هو "من" نوعه وجنسه.
وبعد، فقد وقفت على كتاب نصير الدين بن محمد الموصلي المعروف
بابن أثير الجزيرة المسمى "كتاب المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر" فوجدت فيه المحمود والمقبول، والمردود والمرذول.
أما المحمود منه فإنشاؤه وصناعته، فإنه لا بأس بذلك إلا في الأقل النادر. وأما المردود فيه فنظره وجدله، واحتجاجه واعتراضه، فإنه لم يأت في ذلك في الأكثر الأغلب بما يلتفت إليه مما يعتمد عليه.
فحداني على تتبعه ومناقضته في هذه المواضع النظرية أمور، منها إزراؤه على الفضلاء، وغضه منهم، وعيبه لهم، وطعنه عليهم، فإن في ذلك ما يدعو إلى الغيرة عليهم، والانتصار لهم.
ومنها إفراطه في الإعجاب بنفسه، والتبجح برأيه، والتقريظ لمعرفته وصناعته، هذا عيب قبيح عمل الإنسان والاجتهاد، ويوجب المقت من الله والعباد.
ومنها أنه قد أومأ مرارا في كتابه إلى عتاب دهره؛ إذ لم يعطه على قد استحقاقه، فأردنا أن نعرفه أن الأرزاق ليست على مقادير الاستحقاق، وأن الرزق مقسوم لا يجلبه الفضل، ولا يرده النقص.
ومنها أن جماعة من أكابر الموصل قد حسن ظنهم في هذا الكتاب جدا، وتعصبوا له، حتى فضلوه على أكثر الكتب المصنفة في هذا الفن، وأوصلوا منه نسخا معدودة إلى مدينة السلام وأشاعوه، وتداوله كثير من أهلها.
فاعترضت عليه بهذا الكتاب، وتقربت به إلى الخزانة الشريفة المقدسة النبوية الإمامية المستنصرية، عمر الله تعالى بعمارتها أندية الفضل ورباعه، وأطال بطول بقاء مالكها يد العلم وباعه، وجعل ملائكة السماء أنصاره وأشياعه، كما جعل ملوك الأرض أعوانه وأتباعه.
وكان أكثر قصدي في ذلك أن يعلم مصنف هذا الكتاب ورؤساء بلدته أن من أصاغر خول هذه الدولة الشريفة -فالعجب مبير، ولا أنبئ عني فمثلي كثير- من إذا ألغز أدرى، وإذا ضرب أفرى وإذا رشق أصمى، وإذا نكا أدمى، وأن دار السلام، وحضرة الإمام ما خلت كما تزعم المواصلة ممن إذا سوبق خلى، وإذا بوسر فاز بالقدح المعلى وإذا خطب خضعت لبراعته المناصل، وإذا كتب سجدت لبراعته الذوابل، وإذا شاء علم الناس السحر، وما أنزل على
الملكين ببابل، وأن في الأغفال المغمورين من رعايها من لو هدر لقرت له الشقاشق، ولو نطق لتجلت بشموسه المهارق، ولو جرد حسام قلمه لقال الملك للسيف اغرب فأنت طالق، فكيف بسدنة كعبتها والحافين بشريف سدتها، فحول البلاغة الذين إذا ركض أحدهم في حلبة البيان أخجل البروق، وسخر بالرياح، وإذا ضرب الأعداء بصارم اللسان قد السلوقي المضاعف، حتى توقد نار الحباجب في الصفاح.
وهذا الكتاب وقع إليَّ في غرة ذي الحجة من سنة ثلاث وثلاثين وستمائة، فتصفحه، أولا أولا في ضمن الأشغال الديوانية التي أنا بصددها، وعلقت في هذا الكتاب في أثناء تصفحه على المواضع المستدركة فيه إلى نصف الشهر المذكور، فكان مجموع مطالعتي له واعتراضي عليه خمسة عشر يوما، ولم
أعاود النظر فيه دفعة ثانية، وربما يسنح له عند المعاودة نكت أخرى، وإن وقع ذلك ألحقتها.
وقد سميت هذا الكتاب "الفلك الدائر على المثل السائر" لأنه شاع من كلامهم، وكثر في استعمالهم أن يقولوا لما بادودثر "قد دار عليه الفلك" كأنهم يرويدون أنه قد طحنه ومحا صورته. من ذلك قول أبي العتاهية:
إن كنت تنشدهم فإنهم
همدوا ودار عليه الفلك
وأنا أسأل الله المعونة والتوفيق، وأستمنحه الهداية إلى سواء الطريق بمنه وكرمه
قال المصنف: "نسأل الله أن يبلغ بنا من الحمد ما هو أهله".
أقول إنه أول ما تكلم سأل أمرا يستحيل عقلا؛ لأنه تعالى لا نهاية لما هو أهله من المحامد، سواء جعل الحمد بمعنى المدح أو أخص.
أما الأول فلان جلالته تعالى وعظمته وصفة كماله لا تقف عند غاية، ولا تنقطع عند حد، وأما الثاني فلأن نعمه لا نهاية لها بتعريضه إيانا للثواب والنعيم الذي لا نهاية له، فإذًا هو سبحانه أهل للحمد الذي لا نهاية له على
كلا التفسيرين، ويستحيل أن يبلغ بنا إلى ذلك؛ لأن القوة المتناهية لا تقوى على أمور غير متناهية.
ليس لظان أن يظن هذا القول يجري مجرى قول الناس الحمد لله كما هو أهله، فإن ذلك كلام مجمل، لا يتضمن سؤالا، ولا يقتضي دعاءه تعالى ن يجعلنا حامدين حمدا لا بداية ولا نهاية.
قال المصنف: "وأن يعلمنا من البيان ما تقصر عنه مزية للنطق وفضله".
أقول: هذا أيضا سؤال أمر مستحيل؛ لأن النطق هو كمال الصورة الإنسانية إن أُخذ على تفسير التعليم الطبيعي، والفصل المميز إن أُخذ على تفسير التعليم المنطقي. وعلى كلا التفسيرين فيه يكون الإنسان إنسانا، فيستحيل أن يفضله البيان في مرتبة وفضيلة؛ لأن الفرع لا يفضل الأصل الذي لولاه لما كان.
واعلم ن هذين الأعتراضين قد يعتذر المصنف عنهما بأنه إنما قال ذلك على سبيل المبالغة، ويسمى غلوًّا، وهو مستهجن في الكتابة وأحد عيوبها القبيحة، وإنما يسلكه الشعراء، وأما الكاتب ففي سعة عنه، ومذهب الكتابة غير مذهب الشعر.
قال المصنف: وأن يُوفقنا للصلاة على رسوله محمد الذي هو أفصح من نطق بالضاد، ونسخ بهديه شريعة كل هاد.
أقول في هذا الكلام عيب ظاهر، وذلك أن عطف الفعل وهو "نسخ" على الاسم وهو "أفصح" وهذا قبيح. ألا ترى أنه يقبح أن يقال: زيد أفصح القوم، وضرب زيد. والوجه أن يقال الذي هو أفصح من نطق بالضاد، والمنسوخ بهداه شريعة كل هاد.
قال المصنف: "ولا أدعي فيما ألفته فضيلة الإحسان، ولا السلامة من سبق اللسان". ثم قال بعد سطر واحد: "وإذا تركت الهوى قلت إن هذا الكتاب بديع في إعرابه، وليس له صاحب من الكتب، فيقال إنه متفرد من بين أصحابه".
أقول: وهي يدعي أحد فضيلة الإحسان بأبلغ من هذا الكلام؟ وقد قال قبل هذا التواضع بثلاثة أسطر: "إن الله هداني لابتدع أشياء لم تكن من قبلي مبتدعة، ومنحنى درجة الاجتهاد التي لا تكون أقوالها تابعة
وإنما تكون متبعة". فمن يزعم أن الله هداه في هذا الفن إلى ابتداع أشياء لم يسبق بها، ورزقه فيها بلوغ درجة الاجتهاد التي يتبعها الناس، ولا تكون تابعة لأحد منهم، كيف يقول لا أدعي فيما ألفته فضيلة إلا وبلغتها؟.
قال المصنف: "موضوع الحساب هو الأعداد من جهة ما يعرض لها من الضرب والقسمة ونحوهما، وموضوع الطب بدن الإنسان من جهة مايصح ويمرض، وموضوع النحو هو اللفظ من جهة الدلالة على المعنى من طريق الوضع اللغوي، وموضوع علم البيان هو اللفظ والمعنى من جهة الحسن والقبح. ثم قال: صاحب هذا العلم هو والنحوي يشتركان في النظر في دلالة الألفاظ على المعنى من جهة الوضع اللغوي، وتلك دلالة عامة، وصاحب علم البيان ينظر في فضيلة تلك الدلالة، وهي دلالة خاصة".
أقول أما موضوع علم النحو فغير ما ذكر، بل الذي ذكر موضوع علم اللغة؛ لأن اللغوي هو الذي ينظر في الألفاظ من حيث كانت دلالة بالوضع
اللغوي على المعاني، وأما موضوع علم النحو فهو الألفاظ من جهة تغييرات تلحق أواخرها أو تلحقها أنفسها على قول من جعل التصريف جزءا من النحو، ولم يجعله علما مفردا.
قال المصنف: "وقد غلط مفسرو الأشعار في اقتصارهم على شرح المعنى، وما في الشعر من الكلمات اللغوية، وتبيين مواضع الإعراب فيه دون ما تضمنه من أسرار البلاغة والفصاحة".
أقول: إن مفسري الأشعار جعلوا قصدهم وكدهم كشف مراد الشاعر ليُعلم، ففسروا الألفاظ اللغوية وما في الشعر من إعراب نحوي يتعلق فهم المعنى به، وتارة يشرحون المعنى فقط، إذا لم يكن في البيت ألفاظ لغوية، ولا يرتبط المعنى بإعرابه، كأنهم إنما وضعوا الشروح المصنفة لتفسير مراد الشاعر فقط، فكل ما يذكرونه من زيادة على ذلك مقصودة بالعرض لا بالذات، وإذا كانت الحال هكذا لم يجز أن يقال إنهم غلطوا لإخلالهم بنقد الشعر والكلام على ما فيه من علم الصناعة الشعرية، والبحث عن فصاحته وبلاغته؛ لأن ذلك فن مفرد لم يضعوا شروحهم له، وكذلك لم يتكلموا في العروض والقوافي ودقائق التصريف. فإن قلت قد تكلم كثير من شارحي الأشعار في العروض والقوافي ودقائق في التصريف أيضا، قلت: وقد تكلم كثير من شارحي الأشعار في نقدها. وبحثوا عن فصاحتها وبلاغتها وما تحتهما من أسرار ذلك. ثم يقال له إن جمهور مفسري القرآن
اقتصروا على شرح المعاني واللغة والإعراب وأسباب النزول، وما يتضمنه الكتاب العزيز من الفقه والأصول ونحوها، ولم يذكروا في تفاسيرهم نقد ما فيه من البلاغة والفصاحة وأسرارها، فإن ارتكبت من ذلك قياسك، وغلطت المفسرين، كنت مغلطا لأكابر الصحابة، كعلي بن أبي طالب ﵇، وعبد الله بن عباس، وهما اللذان أخذ علم التفسير كله عنهما، ويكفيك ذلك قبحا وشناعة، وإن لم تغلط المفسرين، فقد انتقض ما قلته من شرح الأشعار.
قال المصنف: "وصناعة تأليف الكلام من المنشور والمنظوم تفتقر إلى آلات كثيرة. وقد قيل إن كل ذي علم يسوغ له أن ينسب نفسه إليه، فيقال فلان الكاتب لما يفتقر إليه من الخوض في كل فن".
أقول هذا الكلام من أبهات الكتاب وتزويقاتهم، ولا يعول عليه محصل، وهذه الفنون التي يذكرها الكُتَّاب، ويزعمون أن الكتابة مفتقرة إليها، إن أرادوا بها ضررتها فهذا باطل؛ لأن سحبان
وقسا وغيرهما من خطباء العرب ما كانت تعرفهما، وكذلك من كان في أول الإسلام من الخطباء كمعاوية وزيادة وغيرهما.
وإن أرادوا أنها متممة ومكملة فهذا حق، ولكن عدمها لا يقتضي سلب اسم الكتابة، مع أن كل ما يحتاج إليه الكاتب يحتاج إليه الشاعر وزيادة.
قال المصنف: "ومن أقسام الفاعل والمفعول ما لا يفهم إلا بعلامة، كتقديم المفعول على الفاعل، فإنه إذا لم يكن ثم علامة تبين أحدهما عن الآخر، وإلا لأشكل الأمر، كقولك "ضرب زيد عمر" بالوقف عليهما ويكون زيد هو المضروب، فإنك إذا لم تنصب زيدا وترفع عمرا لم يُفهم ماذا
أردت. ومن هذا قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء﴾.
أقول إن هذه الآية لا مدخل له في هذا الموضع؛ لأنا لو وقفنا على الفاعل والمفعول منها لم يحصل الالتباس، لعلمنا أن الله لا يخشى أحدا لا من العلماء ولا من غيرهم، فالآية تدل بنفسها لا بعلاقة لفظية على أنه تعالى مفعول، وأن العلماء فاعل، بخلاف ما إذا وقفنا على زيد ومحمد في ضرب زيد محمدا، فقد بان أن تمثيله بهذه الآية مضاهيا بضرب زيد محمد غير صحيح، وأن أحد المثالين لا يشابه الآخر.
قال المصنف: "وكل خماسي يحذف منه في التصغير حرف، سواء كان في الكلمة حرف زائد أو لم يكن، مثال الزائد منطلق تصغيره مُطَيْلق، فإن كان في الكلمة حرفان زائدان استبقيت الميم لأنها زيدت لمعنى وأسقطت النون لأنها زيدت لغير معنى، ومثال الأصول جحمرش تصغيره جُحيمر".
أقول: هذه القضية على إطلاقها غير صحيحة، فإنهم قالوا في تصغير حمراء ونحوها حُميراء، وهي خماسية، ولم يسقطوا شيئا، وكذلك لفظة أجمال صغروها فقالوا أُجيمال، فهذه الخماسيات ما أسقطوا منها شيئا، ولا تصرفوا فيها بشيء سوى ياء التصغير فقط، ومن الخماسيات ما تصرفوا فيه نوع تصرف،
ولم يسقطوا منه شيئا، نحو ميزان فإنهم قالوا مُويزين، فأبدلوا ولم يسقطوا، وبالجملة فقوله كل خماسي لا بد أن يسقط بعض حروفه قول غير صحيح.
قال المصنف: "وقد غلط أبو نواس فيما لا يغلط فيه مثله حيث قال:
كأن صغرى وكبرى من فواقعهاحصباء على أرض من الذهب
فإن فُعلى أفعل لا يجوز حذف اللام منها إلا إذا أُضيفت، وإنما يُحذفان من فعلى التي لا أفعل لها، نحو حُبلى".
أقول إنا لا ننكر أن كثيرا من أئمة العربية طعن في هذا البيت، لكن كثيرا منهم انتصر له، وقالوا قد وجدنا فعلى أفعل في غير موضع وإرادة بغير لام لا مضافة، مثل دنيا في قول الراجز:
في سعي دنيا طال ما قد مدت
وقول الآخر "لا تبخلن بدنيا وهي مقبلة" ومثلها أخرى، وقد جاء جُلَّى في قوله:
وإن دعوت إلى جلي ومكرمة ... ..........................
وقالوا: طوبى لك.
وفي البيت وجه، وهو أن يُجعل من في قوله من فواقعها زائدة على مذهب أبي في الحسن، زيادة من في الواجب، فإنه يذهب إلى ذلك.
ويحتج بقوله تعالى: "فيها من برد" أي فيها برد، وعلى هذا يكون فعلى من البيت مضافة، وقد وقع الاتفاق على جوازه.
قال المصنف: "وقد غلط أبو تمام في قوله:
بالقائم الثامن المستخلف اطأدتقواعد الملك ممتدا لها الطول
والصواب اتطدت بالتاء؛ لأن التاء تبدل من الواو في موضعين:
أحدهما: مقيس عليه كهذا الموضع؛ لأنك إذا بنيت افتعل من الوعد قلت اتعد، وهنا يجب أن يكون اتطد لأنه من وطد يطد، مثل وعد يعد"
أقول: قرأت بخط أبي زكريا ﵀: قال: العلماء: اشتقاق اطأدت من الطود، وهو الجبل بني على افتعلت من ذلك، فقيل اطادت لينا غير مهموز لأن تاء الافتعال إذا كان بعدها تاء قلبت ألفا، ثم همزها في الشعر للضرورة.
قال المصنف: "وقد لحن أبو نواس في أمر ظاهر، فقال لمحمد بن الأمين:
يا خير من كان ومن يكونإلا النبي الطاهر الميمون
فرفع بعد الاستثناء من الموجب".
أقول إن أبا نواس يستعمل في شعره مذهب الكوفيين كثيرا، وهذا من جملة مذاهبهم، وقد قال:
لمن طلل عافى المحل دفين"عفا عهده إلا خوالد جون"
فابتدأ بقوله خوالد جون، وحذف الخبر وتقديره فإن الأمين لا يفضله. على أن الناس من رواه "إلا النبي الطاهر الميمون" فنصب اللفظتين الأوليين على الاستثناء من الموجب ونعته، ورفع الميمون على حذف المبتدأ، تقديره هو الميمون، ويجوز في الوصف إذا كرر أن يتبع وأن يستأنف.
قال المصنف: "وقد خفي على أبي الطيب المتنبي أمر ظاهر، فقال يصف ناقة:
وتكرمت ركباتها عن مبركتقعان فيه وليس مسكا أذ فرا
فجمع في حال التثنية فقال ركباتها عن مبرك تقعان فيه وليس للناقة إلا ركبتان".
أقول إن هذا من اتساع العرب ومذاهبها غير بعيد، كقولهم: امرأة ذات أوراك، وركان، وقال الشاعر:
ولا رهل لباته وبآدله وقد جاء مثله في حكم داود وسليمان في الغنم التي نفشث في الحرث وكنا لحكمهم شاهدين.
قال المصنف: "فأما الإدغام فلا حاجة إليه لكاتب، لكن الشاعر ربما احتاج إليه؛ لأنه قد يضطر في بعض الأحوال إلى إدغام حرف أو فك أو إدغام من أجل إقامة الميزان الشعري".
أقول إن المعرفة بأبواب الإدغام ومباحثه كما يحتاج إليه الشاعر لإقامة الميزان الشعري قد يحتاج إليه الكاتب للقرينة، وقد يصيب فيه وقد يخطئ.
مثال الخطأ نقول: "وأخلص بعدما نافق، وأصحب بعدما شاقق" فقد دعته القرينة إلى أن أخطأن في فك الإدغام في موضع لا يجوز فكه فيه.
ومثال الصواب أن يقال أولاهم بالإحسان من لم يغش ولم يمارق ولم يشق عصا ولم يشاقق.
قال المصنف: "والأسماء المترادفة هي التي يتحد فيها المسمى وتختلف أسماؤه كالخمر والرح والمدام، فإن المسمى بها شيء واحد، والأسماء كثيرة.
أقول: هذا الموضع من أمثال الغلطات التي نبه عليها المنطقيون، فقالوا قد يظن في كثير من الأسماء أنها مترادفة، وهي في الحقيقة متباينة، كالسيف والصارم والمهند موضوع للمنسوب إلى الهند، فكل واحد من هذه المعاني
مباين للآخر فالأسماء الموضوعة لها متباينة في الحقيقة، وإن ظن في الظاهر أنها متردافة.
وكذا ما مثل به هذا المصنف، فإن الخمر اسم موضوع لهذا الشراب المخصوص، وإن كان مشتقا غير مرتجل، والراح اسم لما ترتاح النفس إليه، والمدام اسم لما يدام استعماله، كأنه أديم يدام فالمعاني متبانية لا محالة، وإن توهم في الظاهر أنها مترادفة.
قال المصنف: "والأسماء المشتركة هي التي تتحد، وتختلف مسمياتها كالعين".
أقول ينبغي أن تزاد في ذلك زيادة فيقال هي التي وضعت لها وضعا أولا، ويكون ذلك احترازا عما يدل على شيء بالحقيقة وعلى غيره بالمجاز فإنه متحد تختلف مسمياته، ولا يُسمى مشتركا.
قال المصنف: من الناس من منع وقوع اللفظ المشترك بمعنى أنه لا يكون حقيقة في مسميين، بل يكون مجازا في أحدهما، واحتج بأن ذلك مخل بفائدة وضع اللغة؛ لأن مقصود الواضع الإفهام والإبانة والاشتراك يخل بذلك.
ثم أجاب فقال: لا نسلم أن مقصود الواضع هو البيان فقط، بل البيان والتجنيس، فالبيان يحصل بالألفاظ المتباينة التي هي كافية في الإفهام، وأما التجنيس فإنه مهم في هذه اللغة؛ لأنه عمدة الفصاحة والبلاغة، ولا يقوم به إلا الأسماء المشتركة، وهي وإن أخلت بفائدة البيان إلا أنه إخلال يمكن استدراكه بالقرينة الدالة على المراد من اللفظ المشترك، والإخلال بوضع الألفاظ المشتركة تسقط به الفصاحة والبلاغة ورونقها، ولا استدراك له بحال، فكان وضع الألفاظ المشتركة متعينا.
أقول: لا نسلم أنه بتقدير عدم الألفاظ المشتركة يذهب التجنيس من الكلام، ولا يزول رونقه وبهاؤه كما زعم هذا الرجل، وبيانه أن التجنيس يحصل بتشابه لفظتين في الحروف الأصلية، وإن كانت في إحداهما زوائد ليست في الأخرى، مثاله أبي تمام:
متى أنت عن ذهلية الحي ذاهل
وقوله:
تطل الطولول الدمع من كل موقف
وقوله:
منازل لم يخف الربيع ربوعها
فذهلية منسوبة إلى ذهل اسم رجل، وذاهل فاعل ذهل عن الأمر يذهل. ويطل الطلول كذلك؛ لأن يطل مضارع أطل دمه أي أهدره، والطلول جمع طلل وهو ما شخص من آثار الديار. وكذلك الربيع وهو العشب والربوع جمع ربع وهو المنزل، فهذه كلها تتضمن التجنيس، وليست من المشتركات؛ لأنها ليست متماثلتين دالتين على مسميين مختلفين، كلفظة العين.
وأكثر التجنيس في الشعر والرسائل مثل هذا، ولا يستعمل فيه التجنيس بالمشترك إلا في النادر أيضا، فلو كان كل تجنيس في الذهن بالمشترك فقط لم يكن ذلك من المقصودات الأصلية التي تقتضي وضع المشترك مع ما فيه من تردد فهم السامع وعدم معرفته، فإن محذور ذلك أعظم من تزويق اللفظ بالمشتركات، خصوصا ويمكن استدراك غير اللفظ بغير التجنيس، كالمطابقة والمقابلة وغيرهما من أنواع البديع.
والعجب من قول هذا الرجل إن عدم التجنيس يذهب حسن الكلام، وقوله إن واضع اللغة نظر إلى ما تحتاج إليه الفصاحة والبلاغة، فوجد من مهمات ذلك التجنيس الذي لا يقوم إلا بالأسماء المشتركة، وهو يرى القرآن عاريا عن التجنيس، وهو أحسن الكلام وأفصحه وأبلغه، كما قال تعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيث﴾.
وليت شعري كيف تحتاج البلاغة إلى التجنيس؟ أتراه يعلم ما البلاغة؟
ألم يسمع كلام عبد الحميد بن يحيى وابن المقفع ومن جاء بعدهما من الكتاب، ومن كان قبلهما من فصحاء العرب الذين كلامهم محض البلاغة؟ فهل ترى لأحد منهم تجنيسا في كلامه، اللهم إلا أن يقع ذلك اتفاقا غير مقصود قصده؟
قال المصنف: وقد استعمل المشترك في الكلام العزيز قال سبحانه: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ﴾ فالساعة الأولى هي القيامة والساعة الثانية هي هذا المقدار المخصوص من الزمان.
أقول لذاهب أن يذهب إلى أن الساعة في الموضعين بمعنى واحد، وهو هذا المقدار المعين من الزمان، وسميت القيامة ساعة لما يجري فيها من الأهوال والأمور الشاقة، وهذه عادتهم إذا استعظموا أمرا يقع في زمان مخصوص اكتفوا بذكر ذلك الزمان في الدلالة عليه، كقولهم يوم الجمل ويوم ذي قار وليلة الهرير وقوله سبحانه: ﴿هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ
تُوعَدُونَ﴾ ولم يقل أحد إن لفظة يوم مشتركة، وأنها في هذا الموضع بمعنى القيامة وفي غيره بمعنى هذا الزمان المخصوص، وعلى هذا يكون معنى قوله تقوم الساعة أن تحضر الساعة التي وعدوا بالمجازاة فيها، فلا تكون اللفظة مشتركة كما زعمه هذا المصنف، أو يكون مجازا في القيامة حقيقة في الوقت المخصوص، فلا يتم أيضا ما يريده من الاشتراك.
ويؤكد بطلان الاشتراك أن العرب لم تكن تعرف القيامة فيضعوا لها لفظة الساعة، كما وضعوا لفظة الفرس لهذا الحيوان المخصوص، اللهم إلا أن يقال إنها حقيقة شرعية، فيكون ذلك تسليما لما يقوله المعترض؛ لأن الحقيقة الشرعية مجاز حقيقي في أصل الوضع.
قال المصنف: وقد تعسف قوم وأجابوا عن شبهة الاشتراك في اللغة فقالوا: الأسماء المشتركة إنما وضعتها قبائل مختلفة لا واضع واحد. قال: وهذا باطل؛ لأنه قد ورد الجموع ما يقع على مسميين مختلفين مثل كعاب جمع كعب وجمع الكعبة لهذه البنية المخصوصة، وقد ورد لفظ لمفرد وجمع لغيره على وزنه، مثل الراح اسم الخمر، وجمع راحة وهي راحة الكف، ومثل عقاب للعقوبة وجمع عقبة، ونظائر هذا كثيرة.
أقول لصاحب هذا الجواب أن يقول إن هذه الجموع أيضا وضعتها قبائل مختلفون، فوضع بنو تميم مثل الكعاب جمع كعبة، وكذلك ما جاء مثل الراح المفرد بمسمى والراح الجمع لمسمى آخر يجوز أن يكون ورد عن قبيلتين كل واحدة منهما وضعت اللفظة بمسمى غير ما وضعته القبيلة الأخرى له،
فالقدر الأول عن وقوع الاشتراك في اللغة مطرد فيما ظن هذا المصنف أنه لا يمكن اطراده فيه حذو النعل بالنعل.
قال المصنف: "وحد المثل هو القول الوجيز المرسل ليعمل عليه".
هذا باطل بقوله تعالى: ﴿أَقِيمُوا الصَّلَاة﴾ فإنه قول وجيز أرسل ليعمل عليه، وليس بمثل، وأيضا فإن أراد بقوله ليعمل عليه أي ليعمل بموجب ما فيه من الاقتضاء والطلب، فهذا باطل بأكثر الأمثال، نحو قولهم: هو أفعل من كذا.
وإن أراد بقوله ليعمل عليه أن يستعمل في الموضع اللائق، فكل بيت شعر من أشعار الجاهلية والمحدثين قول وجيز مرسل يستعمل في موضع يليق به، وذلك يقتضي أن يكون الشعر كله أمثالا، ولم يقل بذلك قائل.
والصحيح أن يقال المثل يطلق على نوعين: أحدهما ما قصد به المبالغة بلفظه أفعل، كقولهم: أشغل من ذات النحيين، والثاني كل كلام وجيز منثور أو منظوم قيل وفي واقعة مخصوصه تضمن معنى وحكمة، وقد تهيأ بتضمنه ذلك لأن يستشهد به في نظائر تلك الواقعة.
قال المصنف: وقد كتبت كتابا لمن اقترحه عليَّ أذكر فيه فتح مصر معارضا لكتاب كتبه عبد الرحيم بن علي البيساني في المعنى فقلت فيه. "ومن
جملتها ما فعله الخادم في الدولة المصرية، وقد قام بها منبر وسرير، وقالت منا أمير ومنكم أمير، فرد الدعوة العباسية إلى معادها، وأذكر المنابر ما نسبته بها من زهو أعوادها، ولم يعدها إلى وطنها حتى تغربت لها الأرواح عن أوطانها، وسهرت لها أجفان السيوف سهر العيون عن أجفانها".
قال فانظر إلى كيف أتيت فيه بكلام الحباب بن المنذر الأنصاري حيث قال يوم السقيفة للمهاجرين: منا أمير ومنكم أمير والقصة مشهورة فقال أبو بكر: بل نحن الأمراء وأنتم الوزراء قال: وهذا نكتة هذا الفتح التي عليها المعول، ومركزه الذي عليه يدور.
وعجيب من عبد الرحيم بن علي البيساني مع تقدمه في فن الكتابة كيف فاته أن يأتي به في كتابه.
أقول إن القاضي الجليل الفاضل النبيل أبا علي عبد الرحيم كان موقفا حيث لم يذكر ما ذكره هذا الرجل وأعجب به، وذلك أن الحباب بن المنذر والأنصار راموا أن يكون منهم أمير ومن المهاجرين أمير، وملوك الدولة
الطالبية بمصر لم يقتصروا على أن يكون منهم خليفة ومن الأئمة العباسية خليفة، بل كانوا يدعون أن الخلافة ليست إلا لهم خاصة، دون غيرهم، وما زالت الحرب بين الفريقين قائمة، والمنهج سائمة على ذلك، ولو لم يكن إلا ما جرى في الأيام القائمة لكفى. فكيف كان القاضي الفاضل على جلالته ممن يذهب عليه هذا، ويشبه واقعتهم بواقعة الأنصار، ويورد كلام الحباب ابن المنذر ويشوه وجه رسالته الحسناء به؟ وإنما ترصع الرسالة بالوقائع والأيام المشهورة إذا كانت مطابقة للحال الحاضرة، لا إذا كانت مخالفة لها، فأما الكلام المنثور الذي أنشأه في هذا فليس من جيد قوله، وفيه مالا يجوز، وإن جاز فهو على ضعف شديد وتكلف عظيم. فمن ذلك قوله: "واذكر المنابر ما نسيته بها عن زهو أعوادها" فإن الباء في بهالا محالة متعلقة بزهو، وإلا لم يبق للكلام معنى، وحينئذ التقدير "وأذكر المنابر ما نسبته من زهو أعواد بها" وحرف الجر إذا تعلق بالمصدر صار من صلته، فلا يجوز تقديمه عليه إلا على تأويل بعيد، وهو أن يقدر مثله شيء قد دل عليه المصدر المتأخر، وهو في هذا الموضع متعذر التقدير أو مستهجن التقدير.
ومن ذلك قوله: "وسهرت لها أجفان السيوف سهر العيون عن أجفانها" فقوله سهر العيون عن أجفانها كلام بارد، لأن العيون لا تسهر عن الأجفان، وما سمعنا من نثر ولا نظم سهرت عيني عن جفني. ولا شبهة أنه أراد وسهرت لها أجفان السيوف سهر أجفان العيون، فلم يستوسق له ذلك، فأتى بلفظ إما ألا يكون صحيحا أصلا، أو يحتاج في تصحيحه إلى تعب شديد، ليس تحت اللفظ من المعنى الغريب ما يساوي ذلك التعب.
قال المصنف: وإنما قصدنا أن يكون الكتاب "الذي يكتب" في هذا المعنى مشتملا على الترغيب والترهيب والمسامحة في موضع والمحاققة في موضع.
أقول قد ظهرت فائدة علم الإدغام في باب الكتابة كما قدمناه، فإن الكاتب أراد أن يوازن لفظة المسامحة بلفظة المحاققة، وسها عن أن المحاققة بفك الإدغام غير جائزة.
قال المصنف: اللفظ قد يتأول في المعنى وضده، وقد يتأول على المعنى وغيره الذي ليس يضد. والأول أغرب وأظرف. فمما جاء منه قوله ﵇: "صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة في غيره من المساجد إلا المسجد الحرام".
قال فهذا الحديث يستخرج منه معنيان ضدان: أحدهما أن المسجد الحرم أفضل من مسجد رسول الله ﷺ، والآخر أن مسجد رسول الله ﷺ أفضل من المسجد الحرام، إلا أن صلاة واحدة فيه لا تفضل ألف صلاة في المسجد الحرام، بل تفضل ما دونها بخلاف المساجد الباقية، فإن ألف صلاة فيه تقصر عن صلاة واحدة فيه.
النص من طبعة دار نهضة مصر، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع