من «المحاضرات والمحاورات» لجلال الدين السيوطي (ت ٩١١هـ)
ذكر الأصل في المفاخرات
أخبرنا ابن سعد، أخبرنا ابن محمد بن عمر، حدثني أبو بكر بن عبد الله بن أبي سبرة، عن سليمان بن سحيم قال: تفاخرت الأوس والخزرج فيمن ضرب على يد رسول الله ﷺ، ليلة العقبة أول الناس، فقالوا: لا أحد أعلم به من العباس بن عبد المطلب، فسألوا العباس، فقال: ما أحد أعلم بهذا مني، أول من ضرب على يد النبي ﷺ تلك الليلة،
أسعد بن زرارة، ثم البراء بن معرور، ثم أسيد بن الحضير. وقال ابن سعد، أخبرنا عبد الله بن نمير، ومحمد بن عبيد، قالا: حدثنا زكريا بن أبي زائدة، عن عامر قال:
تزوج علي ﵁ أسماء بنت عميس، فتفاخر ابناها محمد بن جعفر، ومحمد بن أبي بكر، قال كل واحد منهما: أنا كرم منك، وأبي خير من أبيك، فقال لها عليّ اقضي بينهما، فقالت: ما رأيت شابا من العرب كان خيرا من جعفر، ولا رأيت كهلا خيرا من أبي بكر، فقال عليّ: ما تركت لنا شيئا، فقالت: والله إن ثلاثة أنت أحسنهم لخيار، فقال لها: لو قلت غير هذا لمقتك، أخرجه ابن أبي شيبة.
وأخرج أحمد في مسنده عن أبي سعيد الخدري قال: افتخر أهل الإبل والغنم عند رسول الله ﷺ، فقال رسول الله ﷺ: (الفخر والخيلاء في أهل الإبل، والسكينة والوقار في أهل الغنم). وقال: (بعث موسى وهو يرعى غنما على أهله، وبعثت أنا، وأنا أرعى غنما لأهلي بجياد)./
وأخرج الحكيم الترمذي في نوادر الأصول، وأبو يعلي عن أنس قال: افتخر الحيان من الأنصار الأوس والخزرج، فقالت الأوس: منّا غسيل الملائكة حنظلة ابن الراهب، ومنّا من اهتز لموته عرش الرحمن سعد بن معاذ، ومنّا من حمته الدّبر عاصم بن ثابت بن أبي الأقلح، ومنا من أجيزت شهادته بشهادة رجلين، خزيمة بن ثابت، فقالت الخزرج: منّا أربعة جمعوا القرآن، لم يجمعه أحد غيرهم؛ زيد ابن ثابت، وأبو زيد، وأبيّ بن كعب، ومعاذ بن جبل. /
وأخرج ابن سعد في الطبقات عن عائشة قالت: فضّلت على نساء النبي ﷺ بعشر، قيل: ما هنّ يا أم المؤمنين؟ قالت: لم ينكح بكرا قط غيري، ولم ينكح امرأة أبواها مهاجرين غيري، وأنزل الله ﵎ براءتي من السماء، وجاءه جبريل ﵇
بصورتي من السماء في حريرة، وقال: تزوجها فانها امرأتك، وكنت أغتسل أنا وهو من إناء واحد، ولم يكن يصنع ذلك بأحد من نسائه غيري، وكان يصلي وأنا معترضة بين يديه، ولم يكن يفعل ذلك بأحد من نسائه غيري، وكان ينزل عليه الوحي وهو معي، ولم يكن ينزل عليه وهو مع أحد من نسائه غيري، وقبض الله نفسه وهو بين سحري ونحري، ومات في الليلة التي كان يدور عليّ فيها، ودفن في بيتي.
وأخرج ابن سعد عن عائشة قالت: أعطيت خلالا ما أعطيتها امرأة، ملكني رسول الله ﷺ وأنا بنت سبع سنين، وأتاه الملك بصورتي في كفه فنظر إليها، وبنى بي لتسع سنين ورأيت جبريل، ولم تره امرأة غيري، وكنت أحبّ نسائه إليه، وكان أبي أحبّ أصحابه إليه، ومرض رسول الله ﷺ في بيتي، فمرّضته، وقبض ولم يشهده غيري والملائكة.
وأخرج ابن سعد عن أنس بن مالك قال: نزلت في زينب بنت جحش: فَلَمَّا قَضى زَيْدٌ مِنْها وَطَراً زَوَّجْناكَها
، قال: فكانت تفخر على نساء النبي ﷺ، تقول:
زوجكن أهلكن، وزوّجني الله من فوق سبع سماوات.
وأخرج ابن سعد عن عاصم الأحول، أن رجلا من بني أسد، فاخر رجلا فقال الأسدي: هل منكم امرأة زوجها الله من سبع سماوات؟ يعني زينب بنت جحش.
وأخرج ابن سعد عن عائشة قالت: يرحم الله زينب بنت جحش، لقد نالت في هذه الدنيا الشرف الذي لا يبلغه شرف، إنّ الله زوجها نبيه ﷺ في الدنيا، ونطق به القرآن، وأن رسول الله ﷺ قال لنا ونحن حوله: (أسرعكن بي لحوقا أطولكن باعا)، فبشّرها رسول الله ﷺ بسرعة لحوقها به، وهي زوجته في الجنة.
وأخرج ابن سعد عن ابن أبي عون قال: استبّت عائشة وصفية، فقال رسول الله ﷺ لصفية: (ألا قلت أبي هارون، وعمي موسى)، وذلك أن عائشة فخرت عليها.
وأخرج ابن سعد في الطبقات، وابن أبي شيبة، وعبد الله بن أحمد في زوائد الزهد، عن مجاهد قال: كنا نفخر على الناس بأربعة؛ بفقيهنا، وقاصّنا ومؤذننا وقارئنا، فأما فقيهنا، فابن عباس، وأما مؤذننا، فأبو محذورة، وأما قارئنا فعبد الله بن السائب، وأما قاصّنا فعبيد بن عمير. وأخرج ابن سعد عن سعيد بن عبد الرحمن عن أبيه قال: تفاخر قوم من قريش، فذكر كل رجل ما فيهم، فقال معاوية للحسن ﵁: ما يمنعك من القول فما أنت بكليل اللسان، قال: يا أمير المؤمنين، ما ذكروا مكرمة ولا فضيلة إلا ولي محضها ولبابها، ثم قال:
فيم الكلام وقد سبقت مبرّزاسبق الجياد من المدى المتنفّس
وأخرج ابن عساكر، عن أبي الدرداء أنه خرج يريد النبي ﷺ، فوجد جماعة من العرب يتفاخرون، قال: فاستأذنت، فأذن لي رسول الله ﷺ، فقال لي: (يا أبا الدرداء، ما هذا اللجب الذي أسمع؟، قلت: يا رسول الله، هذه العرب تتفاخر فيما بينها، فقال رسول الله ﷺ: (يا أبا الدرداء، إذا فاخرت، ففاخر بقريش، وإذا كاثرت، فكاثر بتميم، وإذا حاربت، فحارب بقيس).
وأخرج ابن عساكر عن بهز بن حكيم، عن أبيه عن جده، قال: افتخر رجلان عند النبي ﷺ، أحدهما من مضر، والآخر من اليمن، فقال اليماني: إني من حمير لا من ربيعة أنا ولا من مضر، فقال له النبي ﷺ: (فاشقى لبختك واتعس لجدك، وأبعد لك عن بيتك)./
النص من طبعة دار الغرب الإسلامي ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع