من «زهر الأكم في الأمثال والحكم» للحسن اليوسي (ت ١١٠٢هـ)
خلي سبيل من وهى سقاؤه
!
التخلية مرت، وتقول: خليت سبيل الرجل إذا تركته ولم تتعرض له. ووهى السقاء بالفتح يهي وهياً: تمزق. والسقاء بالكسر والمد القربة.
قال الشاعر:
أقول لعبد الله لمّا سقاؤناونحن بوادي عبد شمس وهي: شم!
أي أقول له حين وهى سقاؤنا ونحن بوادي عبد شمس: شم البرق! أي انظر إليه! فشم، في آخر البيت فعل أمر وهو معمول القول. وهذا المثل قد يروى رجزاً فيقال:
خل سبيل من وهى سقاؤهومن هريق بالفلاة ماؤه
يقال: أرقت وهرقت بقلب الهمزة هاء فأنا مريق ومهريق بفتح الهاء وكان القياس حذف الهاء لأنها في مكان همزة أفعل وهي تحذف في المضارع لكنها لمّا صارت هاء ذهب الثقل فبقيت. قال الشاعر:
فظللت كالمهريق فضلة مائهفي ظل هاجرةٍ للمع سرابِ
وقد يقال: أهرقته بتسكين الهاء والجمع بين الهمزة وبدلها تناسيا لأصل فأنا مهريق بالسكون أيضاً. قال:
فصرت كمهريق الذي في سقائهلرقراق آل فرق رابية صلدِ
والفلاة: القفرة والجمع فلى وفلوات.
وهذا المثل كالذي قبله مضربا. وقد قيل إنّه يضرب في الرجل لا يستقيم في أمره وإنّه لا ينبغي أن يعاني. وقيل إنه يضرب في اقتناء السر بمعنى إنّه إذا باح صاحبك بسرك ونضح به كما ينضح هذا السقاء الواهي بالماء فدعه عنك ولا تؤاخه ولا تصاحبه فلا خير لك فيه! وهذا مناسب لتشبيههم من لا يكتم السر بالغربال كما قال الحطيئة:
أغربالاً إذا استودعت سراًوكانونا على المتحدثينا؟
خلاؤك أقنى لحيائك الخلاء بفتح الخاء والمد يطلق مصدرا من قولك: خلا المكان وغيره يخلو خلاء وخلوا. ومكان حالٍ وخلاء: لا أحد به. قال حسان ﵁:
عفت ذات الأصابع فالجواءإلى عذراء منزلها خلاء
وقد يطلق على المتوضأ كما في الحديث ويطلق على المكان القفر لا شيء به وهو المراد. قال زهير:
فأما ما فريق العقد منهافمن أدماء مرتعها الخلاءُ
والحياء بالمد معروف وقني الرجل الحياء وقناه بالكسر والفتح وأقناه واقتناه: لزمه وحفظه. قال عنترة:
قامت تخوفني الختوف كأننيأصبحت عن غرض الحتوف بمعزلِ
فأجبتها: إنَّ المنية منهللا بد أن أسقى بكأس المنهلِ
فاقني حياءك لا أبا لك واعلميأني امرؤ سأموت إن لم أقتلِ!
أي: الزمي حياءك واحفظيه ولا تضيعيه! وقال العطوي:
أيقني جميل الصبر من هد ركنهوهيض جناحاه وجد الأنامل؟
ومعنى المثل أنَّ منزلك إذا خلوت به هو ألزم وأحفظ لحيائك.
الخلة تدعو إلى السلة الخلة بفتح الخاء الحاجة والخصاصة والفقر. قال:
رأى خلتي من حيث يخفى مكانهافكانت قذى عينيه حتى تجلتِ
ويقال للرجل إذا مات: اللهم أخلف على أهله بخير واسدد خلته! أي فرجته التي تركها. قال أوس بن حجر:
لهلك فضالة لا تستويالفقود ولا خلة الذاهب
يقول: إنّه كان سيدا فلما مات ترك ثلمة لم تسد. تقول: خل الرجل وأخل به بالضم إذا احتاج. ورجل مخل ومختل وخليل أي فقير. قال زهير:
وإن أتاه خليلٌ يوم مسألةيقول: لا غائبٌ مالي ولا حرم
واختل إليه: احتجاج. وفي كلام أبن مسعود: عليكم بالعلم! فإنَّ أحدكم لا يدري متى يختل، أي متى يحتاج الناس إلى ما عنده، وما أخلك إليه، أي ما أحوجك! والأخل الأفقر. ويقولون: " الأخل فالأخل، أي الأفقر فالأفقر ". والسلة بفتح السين: السرقة وكذا الاسلال. ويقال في بني سلة أي سرقة. والمعنى أنَّ الحاجة والخصاصة تدعوا إلى السرقة وتلجئ إليها، عياذاً بالله تعالى! وأما الخلة بضم الخاء فهي الصداقة. والصديق أيضاً للذكر والأنثى، ورجل خلة لي وامرأة خلة. وقال امرؤ القيس:
وكان لها في سالف الدهر خلةيسارق بالطرف الخباء المسترا
أي خليل. وقال الآخر:
ألا أبلغها خلتي جابراًبأن خليك لم يقتل!
وقال الآخر:
شبعت من نوم وزاحت علتيوطرفي في المنام خلتي
ما علمت إنّها ألمتحتى قضت حاجتها وولت
أي خليلتي.
النص من طبعة دار الثقافة بالدار البيضاء (١٤٠١هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع