من «زهر الأكم في الأمثال والحكم» للحسن اليوسي (ت ١١٠٢هـ)
الحمار حماري وأنا أركب من وراء
!
وقد آن أنَّ نذكر في هذا الباب ما يتيسر من الشعر. قال الشاعر:
أخاك أخاك، إنَّ من لا أخالهمساع إلى الهيجا بغير سلاح
وإنَّ أبن عم المرء فأعلم جناحهوهل ينهض البازي بغير جناح؟
وقال الآخر:
وإني وتركي ندى الأكرمينوقدحي بكفي زندا شحاحا
كتاركة بيضها بالعراءوملحفة بيض أخرى جناحا
يريد النعامة، وقد تقدم ذلك فيها.
وقال عروة بن الورد:
وقلت بقوم في الكنيف تروحواعشية بتنا وإنَّ رزح
تنالوا الغنى أو تبلغوا بنفوسكمإلى مستراح من حمام مبرح
وسيأتي ما يناسب هذا المعنى، إن شاء الله.
ومن يكن مثلي ذا عيال ومقترايغرر ويطرح نفسه كل مطرح
ويبلغ عذرا أو يصيب رغيبةومبلغ نفس مثل منجح
والكنيف حظيرة تعمل للماشية تحفظ فيها؛ والرزح جمع رازح وهو الساقط المعيي هزالا، وهو نعت القوم؛ والحمام بكسر الحاء الموت وجعله مبرحا أي شاقا لطوله لأنهم يبقون حتى يموتوا جوعا.
وذلك أنَّ عروة مر بقوم من أهله قد جهدوا على أنفسهم حظيرة، فقال لهم: ما هذا؟ قالوا: أنا جهدنا وخفنا على أنفسنا السباع، فعملنا هذا نبقى فيه حتى نموت. فلامهم على ذلك واستنهضهم لطلب الرزق. فسار بهم حتى نزلوا ماء يقال له ماوان لبنى فزارة. فمر بهم راكب معه ظعينة على بعير ومائة ناقة. فقام إليه عروة فقاتله حتى قتله.
فأخذ ذلك وقسمه على أصحابه.
وقوله: ومبلغ نفس عذرها مثل منجح: مثل سائر عند القوم: ويريد به أنَّ من جد في الطلب، عانى المشقة والتعب، فهو إنَّ ظفر فذلك ما يسعى إليه، وإنَّ لم يظفر فلا ملامة عليه، كما قال امرؤ القيس: نحاول ملكا أو نموت فنعذرا وقال أبن هرمة:
يحب المديح أبو ثابتٍويفرق من صلة المادح
كبكر تشهى لذيذ النكاحوتجزع من صولة الناكح
وقال الحماسي عمرو بن الاطنابة الأنصاري:
أبت لي عفتي وأبى بلائيوخذي الحمد بالثمن الربيح
وإجشامي على المكروه نفسيوضربي هامة البطل المشيح
وقولي كلما جشأت وجاشت:مكانك تحمدي أو تستريحي
لأدفع عن مآثر صالحاتوأحمي بعد عن عرضٍ صحيح
الإجشام: الإكراه على تحمل المشقة؛ والمشيح والشائح: الجاد في الأمر؛ وجشأت نفس الرجل: تحركت واضطربت من جزع أو حزن؛ وجاشت: ماجت واضطربت، ومنه الجيش، لموجانه بعضه في بعض؛ والمآثر ما يذكر عن الإنسان ويؤثر عنه؛ والعرض الصحيح: الذي لم يتعلق به عيب فيمرضه.
وقال جميل بن معمر:
أريد صلاحها وتريد قتليفشتى بين قتلي والصلاح!
وقبله:
تنادى آل بثنة بالرواحوقد تركوا فؤادك غير صاح
فيا لك منظرا ومسير ركبٍشجاني حين أمعن في الفياحي
ويا لك خلة ظفرت بعقليكما ظفر المقامر بالقداح!
وبعده أريد صلاحها " البيت "
لعمر أبيك لا تجدن عهديكعهدك في المودة والسماح
ولو أرسلت تستهدين نفسيأتاك بها رسول في سراح
وقال أبو الطيب:
وما ترك الشعر إلاّ إنّهتقصر على نفسي وصف الأمير المدائح
قلت: وما أحق أنَّ يتمثل بك بهذا عند ترك الاشتغال بمديح النبي ﷺ! فإن أكثر الفحول تركوه واشتغلوا بمديح غيره. وما ذلك إلاّ عجزاً: فإن نباهة مكانه ﷺ، وجلالة جانبه تبهر العقل وتحير الفكر، فلا يستطيع إنَّ يجول فيه، ولو جال لقصر. وقد ذكر أبن الخطيب ﵀ هذا المعنى في صدر كتاب السحر والشعر له، بعد إنَّ ذكر مقطعات لبعض الأدباء في مدحه ﷺ، فقال وكما أنَّ الشعر لم يتعلمه رسول الله ﷺ ولا ينبغي له لئلا يرتاب المبطلون، وذلك في حقه الكامل، بخلاف غيره، كذلك يبعد أو يمتنع أنَّ وجد قسم السحر في مدحه، إذ أصله الإغياء والمحاكاة والخيال والتمجين، حتى قال: ووقار جانبه ﷺ يبهر النفس ويمنع من استرسالها في ذلك. فالمجيد فيه من عول على نصاعة اللفظ، وقصد الحق، وقرب المعنى، وإيثار الجد. انتهى. قلت: ومن أسباب ذلك إنَّ المديح إنّما يحسن لاشتماله على المحاسن وأوصاف كمال للممدوح، ويتفطن لها الشاعر دون غيره، ويبالغ فيها أكثر مما يستحق الممدوح ويظن به.
وقد علم في حق النبي ﷺ أنَّ كل ما يتخيله الشاعر من المحاسن والكمالات، فالنبي ﷺ زائد على ذلك وارفع منه إذ لا يبقى فوق كماله ﷺ إلاّ كمال الألوهية، وليس لأحد أنَّ يثبته له، فلم يبق للشاعر إلاّ إنَّ يبين ما هو عليه أو أنقص، وكلاهما لا طائل فيه، مع أن إتيان قدره ﷺ نتعذر عادة، إذ لا تصل إليه العقول فليس إلاّ القصور. ولله در القائل:
ما قصر الشعراء فيك تعمدابل دق في أفكارهم معناكا
نعم! يمكن الإتيان بشيء من حلاه ﷺ وأوصفه على نوع من الغرابة وضرب من المبالغة، بحسب ما يرى الناس من حاله ﷺ.
وقال أيضاً:
أيكون الهجان غير هجان؟أيكون الصراح غير صراح؟
جهلوني وإنَّ عمرت قليلاًنسبتي لهم رؤوس الرماح
وقال أيضاً:
تخفي العداوة وهي غير خفيةٍنظر العدو بما أسر يبوح
وقال أيضاً:
فقلت لكل حي يوم سوءوإنَّ حرص النفوس على الفلاح
وقال أبو العلاء المعري:
وأمراض المواعد أعلمتنيبأن وراءها سقما صحيحا
وقال:
أعباد المسيح يخاف صحبيونحن عبيد من خلق المسيحا
وقال:
وما للمسك في أنَّ فاح حظولكن حظنا في أنَّ يفوحا
وقال:
وذلك إنَّ شعرك طال شعري:فما نلت النسيب ولا المديحا
ومن لم يستطع علام رضوىلينزل بعضها نزل السفوحا
وهذا في معنى ما مر لأبي الطيب: وقال الشاعر:
إذا أبطا رسولك فارج يسرا:ففي إبطائه أثر النجاح!
وهذا يشبه قول أبي الطيب:
ومن الخير بطئ سيبك عنيأسرع السحب في المسير الجهام
وقال الآخر:
إذا أنت لم تصلح لنفسك لم تجدلها أحداً من سائر الناس يصلح
وقال الآخر:
جبينك والعمامة والثناياصباح في صباح في صباحٍ
وقال الآخر:
دع الناس طرا واهجر الناس كلهمإذا كنت في أخلاقهم لا تسامح!
وقال الآخر:
صديق بلا عيب قليل وجودهوذكر عيوب الأصدقاء قبيح
وقال الآخر:
طلبت بك التكثير قلةوقد يخسر الإنسان في طلب الربح
وقال الآخر:
كأنني الجزار في فعله:ما قال بسم الله إلاّ ذبح
وقال الآخر:
كن في أمان الله من خاطر:مثلك لا يهجى ولا يمدح
وقال الآخر:
ليس عاراً بان يقال مقل:إنّما العار أنَّ يقال شحيح
ومثله قول الآخر:
ألم تعلمني يا عمرك الله إننيكريم على حين الكرام قليل
وإني لا أخزى إذا قيل مملقكريم وأخزى أنَّ يقال بخيل
قول الآخر من شعراء الحماسة:
أجلك قوم حين صرت إلى الغنىوكل غني في العيون جليل
وليس الغنى إلاّ غنى زين الفتىعشية يقرى أو غداة ينيل
وقال إحسان بن حنظلة:
تلك ابنة العدوي قالت باطلاأزرى بقومك قلة الأموال
أنا لعمرك أبيك يحمد ضيفناويسود مقترنا على الإقلال
وقول الآخر:
لنا حمد أرباب المئين ولا يرىإلى بيتنا مال مع الليل رائح
وقول الآخر:
بكر العواذل بالسواد يلمننيجهلا يقلن: ألا ترى ما صنع؟
فأتيت مالك في السفاه، وإنماأمر السفاهة ما أمرنك أجمع
وقتود ناجية وضعت بقفرةوالطير عاشية العوافي وقع
بمهند ذي حليةٍ جردتهيبرى الأصم من الكعوب ويقطع
لتنوب نائبة فيعلم إننيممن يغر على الثناء فيخدع
إني مقسم ما ملكت فجاعلأجراً لآخره ودنيا تنفع
وقول أبي زياد الأعرابي:
له نار تشب على يفاعٍإذا النيران ألبست القناعا
ولم يك أكثر الفتيان مالاولكن كان أرحبهم ذراعا
وقول الآخر:
وليس بأوسعهم في الغنىولكن معروفة أوسع
وقال الآخر:
وتبا لمن بخلت نفسهبشيء يؤول إلى المستراح
أي: المرحاض: وقال الآخر:
وشيئان معدومان في الأرض: درهمحلال، وخل في الحقيقة ناصح
وقال الآخر:
ويؤلمني جميل لا أكافاعليه كأنه عندي قبيح
وقال الآخر:
هجوت زهيرا ثم أني مدحتهوما زالت الأشراف تهجى وتمدح
وقال الآخر:
لا يصحب الإنسان في قبرهغير التقى والعمل الصالح
وقال الآخر:
وما العيش إلاّ في خمول مع الغنىوعافية تغدوا بها وتروح
وقال الآخر:
وما كل حين يصدق المرء ظنهولا كل أصحاب التجارة يربح
وقال معن بن أوس:
رأيت رجالا يكرهون بناتهموفيهن لا تكذب نساء صوالح
وفيهن والأيام يعثرن بالفتىعوائد لا يمللنه ونوائح
وقال الآخر:
ولا تفش سري إلاّ إليكفإن لكل نصيح نصيحا!
فإني رأيت غواة الرجال لا يتركون أديما صحيحا
وقيل: وكان أمير المؤمنين علي كرم الله وجهه يتمثل بهذين البيتين كثيرا، وقيل انهما له. والأديم: الجلد، استعير هنا للعرض، وجعل لام الوشاة سهاما يرما بها الأعراض حتى تهتكها. ومثله قول أبن الخياط:
فلا تعدل إلى الواشين سمعافإنَّ كلام أكثرهم كلام
وإنَّ الود عندهم نفاقإذا طاوعتهم والحمد ذام
وأقوال إذا سمعت سهامتقصر عن موقعها السهام
فلما نصحوا لمجدك بل مراداًلمّا قد ساءني قعودا وقاموا
فليتك تسمع القولين حتىتبين في من الحق الخصام!
وقالت فاطمة بنت الأحجم الخزاعية ترثي أخاها وقيل ليلى بنت يزيد بن الصعق ترثي ابنها قيس بن زياد:
لقد كنت لي جبلا ألوذ بظلهفتركتني أضحى بأجرد ضاح
قد كنت ذات حمية ما عشت ليأمشي البراز وكنت أنت جناحي
فاليوم أخضع للذليل وأتقيمنه وأدفع ظالمي بالراح
وأغض من بصري وأعلم إنّهقد مات خير فوارس ورماح
وإذا دعت قمرية شجبنا لهايوما على فنن دعوت صباحي
وتمثلت بها فاطمة أم السبطين ﵂ يوم وفاة أبيها ﷺ. ومعنى: دعوت صباحي أي قلت: وأسوء صباحاه! لعدم ناصري فيه. وفي معنى الأول قول أبي الوفاء يرثي غازي:
أيا تاركي ألقى العدو مسلمامتى ساءني بالجد قمت ألاعبه
وقال سعد بن قيس:
كشفت لهم عن ساقهاوبدا من الشر الصراح
فالهم بيضات الخدورهناك لا النعم المراح
والضمير في كشفت للحرب في قوله:
يا بؤس للحرب التيوضعت أراهط فاستراحوا
وكشف الساق كناية عن اشتدادها، أخذ من كشف الرجل عن ساقه وتشميره إذا جد في الأمر، كما قيل:
وكنت إذا جاري دعا لمضوفةاشمر حتى ينصف الساق مئزري
والصارح: الخالص أصله اللبن الذي ذهبت رغوته، كما مر؛ فالهم بيضات الخدور الخ.. فيه وجهان: أحدهما إنّه يقول: أما حينئذ لا نبالي بأموالنا أن تذهب، وإنّما همنا الدفع عن حريمنا؛ والآخر: إنَّ يريد: أنا ظهرنا على العدو ولم نلتفت إلى أموالهم وأخذها، وإنما همنا منهم القتل والسباء وهو أفخر.
وقال أحد بني يشكر:
إلاّ أبلغ بني ذهل رسولاوخص إلى سراة بني البطاح
بأنا قد فتلنا بالمعلىعتيبة منكم وأبا الجلاح
فإن ترضوا فأنا قد رضيناوإنَّ تأبوا فأطراف الرماح
مقومة وبيض مرهفاتتبين جماجما وبنان راح
وقال الحيض بيض:
ملكنا فكان العفو منا سجيةفلما ملكتم سال بالدم أبطح
وحللتم قتل الأسارى وطالماغدونا على الأسرى فنعفو ونصفح
ويحكى عن بعضهم قال: رأيت الإمام علي بن أبي طالب كرم الله وجهه في المنام، فقلت له: يا أمير المؤمنين، تفتحون مكة وتقولون: من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ثم يؤثم على ولدك الحسين مآثم؟ فقال لي: أسمعت أبيات الصيفي في هذا، وهو الحيص بيض؟ فقلت: لا. قال: اسمعنا منه! قال: فانتبهت، فلما أصبحت بادرت إلى دار الحيص بيص فأخبرته بالقصة فبكى وحلف بالله ما خرجت من فيه إلى أحد وما نظمها إلاّ في ليلته، فأنشدني: ملكنا فكان العفو منا البيتين.
وقال الحماسي أحد بني الحارث بن كعب:
لنا حمد أرباب المئين ولا يرىإلى بيتنا مال مع الليل رائح
وقال مالك بن أسماء، من شعراء الحماسة أيضاً:
وحسبك تهمة ببرئ قومهميضم على أخي سقم جناحا
وقبله:
هجوت الأدعياء فنا صبتنيمعاشر خلتها عربا صحاحا
فقلت لهم وقد نجوت طويلاإلى وما أجبت لهم نباحا
أمنهم أنتم فأكف عنكموأدفع عنكم الشتم الصراحا؟
وحسبك " البيت "
والمناصبة: المعاداة. ويقول: إنَّ عاديتموني بسببهم وذهبتم عنهم، فأنتم منهم ولا أهجوكم للؤمكم، وكفى بكم ريبة إنَّ تضموا الجناح على المريبين.
وقال الآخر:
وإني لأغلي لحمها وهي حيةويرخص عندي لحمها حين تذبح
بذا فآندبيني فإننيفتى تعتريني هزة حين امدح
وتقدم هذا الشعر وما كان بمعناه.
وقال الآخر:
ونصر الفتى في الحرب أعداء قومهعلى قومة للمرء ذي الطعم فاضح
وقبله:
دعاني أبو نصر وأهدى نصيحةإلي ومما أنَّ تعز النصائح
لأجزر لحمي كلب نبهان كالذيدعا القاسطي حتفه وهو نازح
أو البرجمي حين أهداه حينهلنار عليها موقدان وذابح
ورأي أبي سعد وإنَّ كان حازمابصير وإنَّ ضاقت عليه المسارح
أعان به ملعون نبهان سيفهعلى قومه والقول عاق وجارح
ونصر الفتى في الحرب " البيت "
وقوله: لأجزر لحمي أي: أصير نفسي جزرة، والجزرة البدنة تنحر. قال: عنترة:
إنَّ يعفرا مهري فإنَّ أباهماجزر لخامعة ونسر قشعم
والقاسطي الذي ذكره هو أحد القارضين الهالكين، وسيأتي فيهما المثل؛ والبرجمي هو وافد البراجم المتقدم؛ وقوله: للمرء ذي العقل والمعرفة. وقال الحماسي أشجع السلمي:
مضى أبن سعيد حين لم يبق مشرقولا مغرب إلاّ له فيه مادح
وما كنت أدري ما فواضل كفهعلى الناس حتى غيبته الصفائح
فاصبح في لحد من الأرض ميتاوكان به حيا تضيق الصحاصح
فما أنا من رزء، وإنَّ جل، جازعولا بسرور بعد موتك فارح
كأن لم يمت حي سواك ولم تقمعلى أحد إلاّ عليك النوائح!
وقال أبن المعتز:
كما يخلق الثوب الجديد ابتذالهكذا يخلق المرء العيون الطوامح
ومن هذا قولهم: طول المجالسة يخلق: وقد قال أزدشير لأبنه: لا تمكن الناس من نفسك: فإن أجرا الناس على الأسود أكثرهم لها معاينة! وقال أبو بكر بن النطاحي في المدح:
يتلقى الندى بوجه حييوصدور القنى يوجه وقاح
هكذا هكذا، المعالي:طرق الجد غير طرق المازح!
والبيت الثاني ذهب مثلا سائرا. وقال مجد الدين الاربلي:
طرفي وقلبي: ذا يسيل دما، وذابين الورى أنت العليم بقرحه
وهما بحبك شاهدان وإنّماتعديل كل منهما في جرحه
ونحو هذا من التوجيه قول الآخر:
زرت الإمام الشافعي ولم أكنيوما زيارة قبره بالتارك
فوجدت مولاي الحبيب يزورهفظفرت عند الشافعي بمالك
وقول الآخر:
وعاطيته علم البديع وخدهيعلمني تلوينه علم جابر
وصفحت من شوقي مدونة الرضىلثغر فأفتاني بنص الجواهر
وقول الآخر:
لا غزو إنَّ يصلي الفؤاد ببعدكمنارا تؤججها يد التذكار:
قلبي إذا غبتم يصور شخصكمفيه وكل مصور في النار!
وقال الآخر في هذا المعنى:
إلاّ إنَّ حالي في هواك خفيفةولكن لعيني بالصبابة تبريح
عجبت لدمع لا يزال مرويافيقبل في آثاره وهو مطروح
وأعجب من ذا أن خدي شاهديصادق في أقواله وهو مجروح
وقال أيضاً:
ومحكم اللحطات في مهج الورىتحكيم نار هواه بين جوانحي
جريح الفؤاد فطار من ولع بهفكيف الخلاص لطائر من جارح؟
ومثله أيضا قوله:
أحادثه بالفكر فهو منادميعلى الدهر لا أبغي عليه بديلا
تملك قلبي فهو رهن اعتقالهفمن شاء يبصر مالكا وعقيلا
وتقدم لنا هذا المعنى في حرف الثاء، مستوفى، وسنعيد منه كثيرا.
وقال القاضي أبو الفضل عايض ﵀:
انظر إلى الزرع وخاماتهتحكي وقد ماست أمام الرياح
كتبة خضراء مهزومةشقائق النعمان فيها جراح
ومثله قوا الآخر:
فتح الشقائق جرحها ومغنمهاوشيء الربيع، وقلاها من الثمر
لأجل هذا إذا هبت طلائعهتدرع النهر واهتزت قنا الشجر
ونحو هذا من حسن التعليل في هذا المعنى قولي:
إنَّ بين الغمام والزهر الغضلرحما قديمة وإخاء
بان إلف عن إلفه فتوارىفي الثرى ذا وذاك حل السماء
فإذا ما لغمام زارت جانباأذنت فيه بالحبيب اللقاء
ذكرت عهده القديم فحنتعند لقياه فاستهلت بكاء
فترى الزهر بارزا من خباياهيحيى الوفود والأصدقاء
بادي البشر والبشاشة جذلان لبوسا من كل لون رداء
ثملا من شموس شمس الضحىوهو على بسط سندس خضراء
راقصات والصبا تهنيه والورق غواني القيان تشدو غناء
وما رأيت أحدا ولا أظنه سيبقي إلى هذا المعنى، ولا تصريحا ولا تلويحا.
وقال الحسن بن هانئ:
مازلت أشرب روح الزق في لطفٍوأستميح دما من غير مجروح
حتى أغديت ولي روحان في جسديوالزق مطرح جسم بلا روح
وقال أيضاً في هذا المعنى:
أذكى السراج وساقي القوم يمزجهافلاح في البيت كالمصباح مصباح
كدنا على علمنا للشك نسأله:أراحنا نارنا أم نارنا الراح؟
وسيأتي هذا المعنى مستوف في بعد. وقال أبن الخياط في صفحة الحساب:
أخفى مسالكها الظلام فأوقدت من برقها كي تهدي مصباحا
وكان صوت الرعد خلف سحابهاحادٍ إذا ونت الركائب صاحا
وتقدم هذا المعنى في حرف الهمزة. وقال عبد الله بن المعتز:
كأن سماءنا لمّا تجلتخلال نجومها عند الصباح
رياض بنفسج خضل ثراهتفتح بينه نور الأقاح
وقال أبن الزقاق:
فبت وقد زارت بأنعم ليلةتعانقني حتى الصباح صباح
على عاتقي من ساعديها حمائلوفي خصرها من ساعدي وشاح
وقال إدريس بن اليماني:
ثقلت زجاجات أتتنا فرغاحتى إذا ملئت بصرف الراح
حفت فكادت أن تطير بما حوتوكذا الجسوم تخف بالأرواح
وقال الآخر في وصف الروض:
ورياض من الشقائق أضحتتتهادى بها نسيم الرياح
زرتها والغمام يجلد منهازهرات تفوق لون الراح
قلت: ما ذنبها؟ فقال مجيبا:سرقت حمرة الخدود الملاح!
وقال الآخر في زورق:
لو أبصرت عيناك زورق فتيةٍبيدي لهم لمح السرور مراحة
وقد استداروا تحت ظل شراعهكل يمد بكأس راح راحه
لحسبته خوف العواصف طائرامد الحنان على بنيه جناحه
وقال أبن الرومي:
قالت: علا الناس إلاّ أنت قلت لها:كذاك يسفل في الميزان مارجحا
وقال أبو إسحاق بن الحاج:
يا مالكي بصبيح وجهٍ حسنهأربى على فلق الصباح الأوضح
ما شك قلبي فيك أنك مالكلمّا عرفت وسامة بالإصباحِ
وقال سيف الدولة:
لا أواخذك بالجفاء فإنيواثقٌ منك بالوفاء الصريحِ
فجميل العدو غير جميلٍوقبيح الصديق غير قبيحي!
وقال مهيار:
اذكرونا مثل ذكرانا لكمرب ذكرى قربت من نزحا
وارحموا صبا إذا غنى بكمشرب الدمع وعاف القدحا
وقال شرف الدين الحموي شيخ الشيوخ:
حديثي في المحبة ليس يبرح:فدعني من حديث اللوم واسرح
فما لك مطمع ببراح قلبيعن الحب الذي أعيا وبرح
فكم من لائم ألحى إلى أنتأمل من هويت فما تنحنح
فيا لله ما أشهى وأبهىويا لله ما أحلى وأملح!
له طرفٌ يقول: الحرب أحرىولي قلبٌ يقول: الصلح أصلح
سألت سواره المثري فنادىفقير وشاحه: الله يفتح
وماس من القوام بغصن بانإذا أنشدت أغزالي ترنح
وحياني بألحاظٍ مراضٍصحيحاتٍ فأمرضني وصحح
أعاتبه فلا يصغي لعتبيولا أسلو فأتركه وأربح
وقال عبد المحسن الصوري:
وأخٍ مسه نزولي بقرحٍمثل ما مسني من الجوع قرحُ
بت ضيفاً له كما حكم الدهر وفي حكمه على الحر قبحُ
فابتداني يقول وهو من السكرة بالهم طافحٌ ليس يصحو:
لم تغربت؟ قلت: قال رسولالله والقول منه نصح ونجح:
سافروا تغنموا. فقال: وقد قالتمام الحديث: صوموا تصحوا!
وقال أبن الوردي:
قد عجبنا لأميرٍظلم الناس وسبح
فهو كالجزار فيهميذكر الله ويذبح
وقال شهاب الدين الخفاجي وهو من باب التورية اللطيفة:
وصفت خصره الذيأخفاه ردف راجحُ
قالوا: وصف جبينهفقالت: ذاك واضح!
وقال أيضاً وفيه نحو ما في الذي قبله من التورية:
لله أيام الصبا والهوىلله أيام النجا والنجاح!
ذاك زمان مر حلو الجنىظفرت منه بحبيب وراح
وقال أبو محمد الحريري:
لزمان السفار وجبت القفاروعفت النفار لأجنبي الفرح
وخصت السيول ورضت الخيوللجر ذيول الصبا والمرح
ومطت الوقار وبعت العقارلحسو العقار ورشف القدح
ولولا الطماح إلى شرب راحلمّا كان باح فميبالملح
ولا كان ساق دهئي الرفاقلأرض العراق بحملي السبح
فلا تغضبن ولا تصخبنولا تعتبن فعذري وضح
ولا تعجبن لشيخ أبنبمغنى أغن ودن طفح:
فإنَّ المدام تقوي العظاموتشفي السقام وتنفي الترح
وأصفى السرور إذا ما الوقورأماط ستور الحيا وأطرح
وأحلى الغرام إذا المستهامأزال اكتتام الهوى وافتضح
فبح بهواك وبرد حشاكفزند أساك به قد قدح
وداوي الكلوم وسل الهمومببنت الكروم التي تقترح
وخص العبوق بساقبلاء المشوق إذا ما طمح
وشاد يشيد بصوت تميدجبال الحديد له إن صدح
وعاص النصح الذي لا يبيحوصال المليح إذا ما سمح
وجل في المحال ولو بالمحالوجع ما يقال وخذ ما صلح
وفارق أباك إذا ما أباكومد الشباك وصد من سنح
وصاف الخليل وناف البخيلوأول الجميل ووال المنح
ولذلك بالمتاب أمام الذهابفمن دق باب كريم فتح
وقال أيضاً:
نهاني الشيب عما فيه أفراحيفكيف أجمع بين الراح والراحِ؟
وهل يجوز اصطباحٌ من معتقةٍوقد أنار مشيب الرأس إصباحي
أنَّ ليت لا خامرتني الخمر ما علقتروحي بجسمي وألفاظي بإفصاحي
ولا اكتست لي بكاسات السلاف يدٌولا أجلت قداحي بين أقداح
ولا صرفت إلى صرفٍ مشعشعةهمي ولا رحت مرتاحا إلى راح
ولا نظمت على مشمولة أبداًشملي ولا اخترت ندماناً سوى الصاحي
محا المشيب مراحي حين خط علىرأسي: فأبغض به من كتاب ماح!
ولاح يلحى على جري العنان إلىملهى: فسحقاً له من لائح لاح!
ولو لهوت وفودي شائب لخفىبين المصابيح من غسان مصباحي
قومٌ سجاياهم توقير ضيفهموالشيب ضيفٌ له التوقير يا صاح!
وقال أيضاً:
أعدد لحسادك حدّثني السلاحوأورد الأمل ورد السماح
وصارم اللهو ووصل المهىوأعمل الكوم وسمر الرماح
واسع لإدراك محل سماعماده لا لادراع المراح
والله ما السؤدد حسنو الطلاولا مراد الحمد رؤد رداح
واها لحر صده واسعوهمه ما سر أهل الصلاح
مورده حلو لسؤالهوماله ما سألوه مطاح
ما اسمع للآمل ؤداً ولا ما طله والمطل لؤم صراح
ولا أطاع اللهو لمّا دعاولا كسا راحا له كأس راح
سوده إصلاحه سرةوردعه أهواءه والطماح
وحصل المدح له علمهما مهر الحور مهور الملاح
وقال عوف بن محلم:
ألا يا حمام الأيك إلفك حاضرٌوغصنك ميادٌ ففيم تنوحُ؟
أفق لا تنح من غير شيء فإننيبكيت زمانا والفؤاد صحيحُ
ولوعاً فشطت غربة دار زينبفها أنا أبكي والفؤاد جريحُ
وزعموا إنّه خرج مع عبد الله بن طاهر في بعض غزواته فسمع عبد الله يوما وهما يتسايران صوت حمامة فأنشد أبيات عوف ثم التفت إلى عوف وقال له: هل حضرك شيء في هذا المعنى وهذه القافية؟ فقال عوف:
أفي كل عامٍ غربةٌ ونزوح؟أما للنوى من ونيةٍ فتروحُ؟
لقد ظلم البين القذوف ركائبي:فهل أرين البين وهو طليحُ؟
وأرقني بالري نوح حمامةٍفنحت وذو الشوق الغريب ينوحُ
على أنها ناحت ولم تدر عبرةًونحت وأسراب الدموع سفوحُ
وناحت جود عبد الله أن يعكس النوىفتلقى عصا التسيار وهي طريحُ
فإنَّ الغنى يدني الفتى من صديقهوعدم الغنى بالقترين نزوحُ
فرق له عبد الله وصرفه إلى أهله بعطاء جزيل وقال: يصلك عطاؤك كل سنة لموضعك.
وللشعراء قديما وحديثا الإكثار من ذكر الحمام والفواخت والورشان في أشعارهم واستحسان أصواتها. فمن مستحسن ما للأولين في ذلك قول الشاعر:
سيغنيك عن مزمار آل مخارقوبربطهم تغريد تلك الحمائمِ
بأيكة ناظر تجاوبن بالضحىعلى شاهقات آفلاتٍ نواعمِ
قول الآخر:
أحن إلى حوائط ذات عرقٍلتغريد الفواخت والحمامِ
ألم بها بكل فتى كريمٍمن الفتيان مخلوع الزمامِ
إذا غنت على الأغصان ورقٌأجبناها بإعمال المدامِ
وقول أبي صخر:
ولمّا دعت غورية الأيك سجعتفسجع دموعي يستهل ويستشري
يذكرني شجي دعاء حمامةٍويبعث لوعات الصبابة في صدري
بكت حزناً رزء الهديل وشفنيفراق حبيب ضاق عن فقده صبري
وقول الآخر:
أيها البلبل المغرد في النخليس غريبا من أهله حيرانا
أفراقا تشكوه أم ظلت تعوفوق أفنان نخلك الورشانا؟
هاج لي شجوك المغرد شجواًرب صوتٍ يهيج الأحزانا
وقول حميد بن ثور:
وما هاج هذا الصوت إلاّ حمامةٌدعت ساق حر ترحةً وترنما
محلاة طوقٍ لم يكن بتميمةٍولا ضرب صواغٍ بكفيه درهما
تغنت على غصنٍ عشاءً فلم تدعلنائحةٍ في نوحها متلوما
إذا حركته الريح أو مال ميلةًتغنت عليه مائلاً ومقوما
عجبت لها أنى يكون غناؤهافصيحا ولم تفغر بمنطقها فما
فلم أر مثلي شاقه صوت مثلهاولا عربياً شاقه صوت أعجما!
وقول الآخر:
ومن بستان إبراهيم حنتحمائم بينها فننٌ رطيبُ
وقول عدي بن الرقاع:
ومما شجاني أنني كنت نائماًأعلل من برد الكرى بالتنسمِ
إلى أن دعوت ورقاء في غصن أيكةٍتردد مبكاها بحسن الترنمِ
فلو قيل مبكاها بكيت صبابةًبسعي شفيت النفس قبل التندمِ
ولكن بكت قبلي فهيج لي البكابكاها فقلت: الفضل للمتقدمِ
وقال المجنون:
وأدنيتني حتى إذا ما سبيتنيبقول يحل العصم سهل الاباطحِ
تجافيت عني حين لا لي حيلةٌوخلفت ما خلفت بين الجوانحِ
وزعموا أنَّ رجلا دخل بني عامر يسأل عن المجنون فقيل له إنّه في هذه لبصحراء قد استوحش وإنّه إذا رآك نفر منك؛ ولكن إذا رأيته فاجلس كأنك لا تقصده فانه يجلس إليك. فإذا جلس إليك فإن كان عندك شيء من شعرا بن ذريح فاذكره فانه يصغي إليك. قال: ففعلت ذلك. فلما جلس إلي قالت: ما أشعر قيس بن ذريح حيث يقول:
وإني لمفنٍ دمع عيني بالبكاحذاراً لمّا قد كان أو هو كائنُ
وقالوا: غداً أو بعد ذاك بليلةٍفراق حبيبٍ بان أو هو بائنُ
وما كنت أخشى أن تكون منيتيبكفي إلاّ الله تعالى ما حان حائنُ
قال: فبكى طويلا ثم قال: أنا والله أشعر منه حيث أقول:
أبى القلب إلاّ حبها عامريةًلها كنيةً عمرو وليس لها عمرُ
تكاد يدي تندى إذا لمستهاوينبت في أطرافها الورق الخضرُ
عجبت لسعي الهر بيني وبينهافلما انقضى ما بيننا سكن الهرُ
ثم أوغل في الصحراء وتركني فانصرفت. فلما كان الغد رجعت فقلت: ما أشعر قيسا حيث يقول:
يبيت ويضحى كل يومٍ وليلةٍعلى منهج تبكي عليه القبائلُ
قتيلٌ للبنى صدع الحب قلبهوفي الحب شغلٌ للمحبين شاغلُ
فبكى أيضاً طويلا ثم قال: أنا والله أشعر منه حيث أقول:
سلبت عظامي لحمها فتركتهامعرقةً تضحى لديك وتخصرُ
وأخيلتها من مخها فكأنهاقوارير في أجوافها الريح تصفرُ
إذا سمعت ذكر الفراق تقطعتعلائقها مما تخاف وتحذرُ
ثم قام هاربا وتركني. فانصرفت ثم عدت في الغد فقلت: ما أشعر قيسا حيث يقول:
هبوني امرءاً إن تحسنوا فهو شكرٌلذاك وإن لم تحسنوا فهو صافحُ
فأن يك قومٌ قد أساؤوا بهجرنافإنَّ الذي بيني وبينك صالحُ
فبكى أيضاً طويلا ثم قال: أما والله أشعر منه حيث أقول: وأدنيني حتى إذا ما سبيتني " البيتين ". ثم فر عني وانصرف. وعدت من الغد فلم أجده فأخبرت قومه فانطلقوا يطلبونه فوجدوه بعد يومين ميتا في شعراء بين حجرين.
قلت: وفي البيتين المذكورين قال جرير لمّا أنشده إياها بعض أصحابه وهما متوجهان إلى الشام: لو كان النخير يصلح لنخرت حتى يسمعني هشام على سريره من هاهنا! وقال أبن الدمينة:
إلاّ يا حمى وادي المياه قتلتنيأباحك لي قبل الممات مبيحي
ولي كبدٌ مقروحةٌ من يبيعنيبها كبداً ليست بذات قروحِ
أبى الناس ريب الناس لا يشترونهاومن ذا الذي يشتري دوى بصحيحِ؟
والدوى: المريض الشديد المرض والمرض الشديد أيضاً والأحمق.
وينشد هذا الشعلا أيضاً على إسقاط البيت الأول وزيادة آخر وهو:
أئن من الشوق الذي في جوانحيأنين غصيص بالشراب جريحِ
ويحكى عن إبراهيم الموصلي المغني المشهور أنه قال: سألت الرشيد أن يهب لي يوما أخلو فيه بنفسي وكان أمره أن لا يتغيب عنه يوما أصلا قال: فقال لي إني أستثقل يوم السبت فآله فيه بما شئت! قال: فأعددت يوما شرابا وأطعمة منتخبة وأصبحت عازما على أن لا آذن لأحد. فأمرت البواب بإغلاق الأبواب وجلست وحولي جواري والخدم يترددون بين يدي فإذا أنا بشيخ ذي هيئة وجمال حسن الثياب بيده عكازة مقمعة بفضة وقد سطع منه ريح المسك حتى ملأ البيت. قال: فامتلأت غيظا على البوابو عزمت على غقوبته. فسلم علي الشيخ بأحسن السلام فرددت عليه وأمرته بالجلوس. فجلس فأخذ في أحاديث العرب وذكر أيامها وأشعارها حتى أذهب ما بقلبي. وقلت: لعل البواب عرف أدبه فأراد مسرتي به فقلت له: هل لك في الطعام؟ فأبى. فقلت: هل لك في الشراب؟ فقال: ما أكرهه. فشربت وسقيته فقال: يا أبا إسحاق وهل لك أن تغني لنا من صنعك؟ فقد نبغت فيها عند الخاص والعام وأحسن فيها ما استطعت حتى نكافئك بمثلها! فأخذت العود وغنيته أصواتا حسانا في كلها يقول: أحسنت يا سيدي! ويطرب ويستزيدني. ثم وضعت العود فقال: أتأذن لعبدك في الغناء؟
فاستصعبت لكني أذنت له. فلما أخذ العود وجسه خلته والله ينطق بلسان عربي. ثم اندفع يغني:
ولي كبدٌ مقروحةٌ من يبيعني
إلى آخر الأبيات الثلاثة المتقدمه. فو الله لقد ظننت أنَّ الحيطان والأبواب وكل ما في البيت يغني معه حتى خلت عظامي وثيابي تجاوبه وبقيت مبهوتا لا أستطيع الكلام لمّا خالط قلبي. ثم غنى:
ألا يا حمامات اللوى عدن عودةفأني إلى أصواتكن حزينُ
فعدن فلما عدن كدن يمتننيوكدت بأسراري لهن أبينُ
دعون بترديد الهدير كأنماشربن الحميا أو بهن جنونُ
فلم تر عيني مثلهن حمائمابكين ولم تدمع لهن عيونُ
فكاد والله عقلي يذهب طربا وارتياحا لمّا سمعت. ثم غنى:
ألا يا صبا نجدٍ متى هجت من نجد.فقد زادني مسراك وجدا على وجدِ
لقد زعموا أنَّ المحب إذا دنايمل وأنَّ النأي يشفي من المجدِ
بكل تداوينا فلم يشف ما بناعلى أنَّ قرب الدار خيرٌ من البعدِ
على أنَّ قرب الدار ليس بنافعٍإذا كان من تهواه ليس بذي ودِ
ثم قال: يا إبراهيم هذا الشعر الماخوري فانح نحوه في غنائك وعلمه جواريك! فقلت: أعده علي! فقال: لست تحتاج إلى إعادته. فغاب عن بصري فارتعت وقمت إلى السيف فجردته وعدوت نحو الباب فوجدته مغلقا. فسألت البواب عن الشيخ فقال: والله ما دخل علي اليوم أحد! فرجعت متحيرا فإذا هو هتف بي من بعض جوانب البيت: لا بأس عليك أبا إسحاق! فقال هو إبليس اخترت مندمتك اليوم فلا ترع! فال إبراهيم: فركبت من فوري إلى الرشيد وقلت: لا أطرفه بطرفة أحسن من هذه! فلما دخلت حدثته الحديث فقال: ويحك غن لي ما غناك! فأخذت العود وغنيته إياها كأنها من محفوظاتي. فطرب الرشيد وجلس للشرب ولم يكن عزم عليه وأمر لي بصلة وقال: الشيخ كان أعلم حيث قال إنك أخذتها. فليته متعنا بنفسه يوما كما أمتعك! انتهى. قوله الماخوري: هو نسبة إلى الماخور وهو بيت الريبة معرب. وقيل إنّه عربي من مخرت السفينة الماء لتردد الناس إليه. وقال أبن عبد المنان:
صبحته عند المساء فقال لي:ماذا الصباح وظن ذاك مزاحا
فأجبته: إشراق وجهك غرنيحتى توهمت المساء صباحا
وسبب قوله هذا الشعر إنّه دخل وهو ثمل على السلطان أحمد المريني عشية فصبحه. فنظر السلطان إليه نظر منكر، وقال له: أي وقت هذا؟ وأي معنى للصباح فيه؟ فأفاق من سكره وانشد ما مر ارتجالا، وهذه بديهة لا بأس بها.
ومثله ما يحكى إنّه وقع ليحيى بن أكثم، وكان الأمين بن الرشيد شرب يوما مع عبد الله بن ظاهر، ومعهما يحيى. فتغامزا عليه، وأمر الساقي فأكثر له حتى أسكره. وكان بين أيديهم ردم من رياحين. فأمر يحيى فدفن فيه، وأمر قينة أنَّ تغني عند رأسه بيتين علمهما. فغنت:
ناديته وهو ميت لا حراك بهمكفن في ثياب من رياحين
فقلت: قم؟ قال: رجلي لا تطاوعنيوقلت: خذ! قال: كفي لا تواتيني
فأنتبه يحيى لصوت العود وصوت الجارية، فأخذ العود منها وغنى:
يا سيدي وأمير الناس كلهمقد جار في حكمه من كان يسقيني
إني غفلت عن الساقي فصيرنيكما رأيت سليب العقل والدين
لا أستطيع نهوضا قد وهى بدنيولا أجيب لداع حين يدعوني!
وقال أبو الفتح البستي:
أفد طبعك المكدود بالجد راحةيجم وعلله بشيء من المزح
ولكن إذا أعطيته المزح فليكنبقدر الذي يعطى الطعام من الملح
وقال آخر في معناه:
ممازحة الصديق تزيد وداإذا كانت تضاف إلى الملاحه
فمازح من تحب وتصطفيهفمزحك مع صديق في راحه
وقال الآخر في المدح:
إذا نزل الضيف ليلا بهمرأى أوجها لاح منها الصباح
كرام الوجوه لمن أمهموعند وجوه الكرام السماح
وهذا من العكس، وهو عند أهل البديع قسمان: تعاكس الكلم وتعاكس الحروف.
فمن الأول في النثر قولهم: عادات السادات سادات العادات: وقولهم عقول الملوك
ملوك العقول؛ وكلام الملوك ملوك الكلام؛ وفول بعضهم، وقد قيل له لا خير في السرف، لا سرف في الخير، ونحو هذا. وفي الشعر ما مر وقول صاحب الحلية:
خير الليالي ليالي الخير في إضمٍوالقوم قد بلغوا أقصى مرادهم
وقول أبي الطيب:
فلا مجد في الدنيا لمن قل مالهولا مال في الدنيا لمن قل مجده
وقول أبن جابر:
عطفت قدها النضير فقالت:هل رأيتم لحسن هذا نظيرا؟
بذلت للمحب يوم وصالٍفرأينا وصال يوم كثيرا
ونحوه وهو كثير.
ومن التالي في النثر كقوله تعالى:) كل في فلك (وقوله تعالى:) وربك فكبر (وقول العماد الاصبهاني للقاضي الفاضل: سر، فلا كبا بك الفرس! وقول بعضهم:
سرو حماة بربها محروس؛ وقولك أرض خضراء ورمح أحمر، ونحو ذلك وهو كثير.
ومن الشعر قول الشاعر:
مودته تدوم لكل هولوهل كل مودته تدوم؟
ومن النوع الأول قولي في أبيات:
نتائج أبناء كرام غطارفٍكرام بنين ماجدين كبار
وقول الآخر:
إذا المرء لم يمدح بحسن فعالهفمادحه يهذي وإنَّ كان يفصح
وقول الآخر في معناه:
وما شرف أنَّ يمدح المرء نفسهولكن أعمالاً تذم وتمدح
وقول الآخر يروي لأبن الفارض، ﵁:
خليلي إنَّ زرتما منزليولم ترياه فسيحا فسيحا،
وإنَّ رمتا منطقي من فميولم ترياه فصيحا فصيحا،
وقول أبي بكر بن عمار في الاستعطاف:
سجاياك إنَّ عافيت واسمحوعذرك إنَّ عاقبت أجلى وأوضح
وإنَّ كان بين الخطيتين مزيةفأنت إلى الأدنى من الله أجنح
وقال أبو عيسى بن لبون في النسيب:
سقى أرضا نووها كل مزنوسايرهم سرور وارتياح
فما ألوى بهم ملل ولكنصروف الدهر والقدر المتاح
سأبكي بعدهم حزنا عليهمبدمع في أعنته جماح
وقال أيضاً:
يا رب ليل شربنا فيه صافيةحمراء في لونها تنفي التباريحا
ترى الفراش على الأكواس ساقطةكأنها أبصرت منها مصابيحا
وقال أبو محمّد بن عبدون:
سقاها الحيا من مغان فساحفكم لي بها من معان فصاح؟
وحلى أكاليل تلك الربىووشى معاطف تلك البطاح
فما أنس لا أنس عهدي بهاوجري فيها ذيول المراح
ونومي على حبرات الرياضيجاذب بردي مر الرياح
ولم أعط أمرا النهى طاعةولم أصغ سمعا إلى لحي لاح
وليل كراجعة طرف المريبلم أدرله شفقا من صباح
وقلت أنا:
أم والمهيمن إنني من بعدكملكطائر قد قُدَّ منه جناح
أوديتم بمحبكم من بعدكمأو ليس على المضر جناح؟
قد كان فيهم أعصرا بوصالهمقد طبن روح للنفوس وراح
فكأنني صبرا سقيت فكيف ليصبر وقد زموا المطي وراحوا؟
وقلت أيضاً:
نقل النسيم عن الأراك محدثاعن ثغر سلمى الأشنب الوضاح
وحديثه المروي إنَّ رضابهعسل ومسك شوبا بالراح
صدقا أحاديث الصحيح قد اعتلتعن ريبة تعزى لها من لاح
وقال بعض السادات الصوفية ﵃:
قد كنت أحسب إنَّ وصلك يشترىبنفائس الأموال والأرواح
حتى رأيتك تجتبي وتخص منتختاره بنفائس الأرباح
فعلمت انك لا تزال بحيلةولويت رأسي تحت طي جناح
وجعلت في عشق الغرام إقامتيأبدا وفيه تحويلي ورواحي
وقال الآخر:
أبداً نحن إليكم الأرواحووصالكم ريحانها والراح
وقلوب أهل ودادكم تشتاقكموإلى كمال جمالكم ترتاح
وارحمة للعاشقين تحملواألم المحبة والهوى فضاح
بالسير إن باحوا تباح دماؤهموكذا دماء البائحين تباح
وقال الآخر:
راحوا فبانت راحتيصفرا وأضحى حبهم لي راحا
فتحوا على القلب الغموم وأغلقواباب السرور وضيعوا المفتاحا
وقال بشار:
خليلي ما بال الدجى لا تزحزحوما لعمود الصباح لا يتوضح؟
أضل النهار المستنير طريقه؟أم الدهر ليل كله ليس يبرح؟
وطال علي الليل حتى كأنهبليلين موصول فما يتزحزح
واعلم إنَّ الشعراء في الليل قديما وحديثا مقصدين مختلفين لباعثين متباينين: فتارة يستطيلونه ويستبطئون الإصباح وذلك لأجل الاختناق بتباريح الأشواق عند احتساء كأس الفراق المر المذاق وتارة يستقصرونه ويودون أن لو دام وذلك عند اجتناء ثمرات الوصال والاشتغال بلذات الإقبال. فمن الأول قول مهلهل:
أليلتنا بذي حسم أنبريإذا أنت أنقضيت فلا تحوري
ولم يحضرني لمن قبله شيء في هذا الباب. وقول امرئ القيس:
وليل كموج البحر أرخى سدولهعلي بأنواع الهموم ليبتلي
فقلت له لمّا تمطا بجوزهوأردف أعجازا وناء بكلكل
إلاّ أيّها الليل الطويل إلاّ أنجليبصبح وما الإصباح منك بأمثل
فيالك من ليل كأن نجومهبكل مغار الفتل شدت بيذبل
كأن الثريا علقت في مصامهابأمراس كتان إلى صم جندل
وقوله أيضاً:
أعني على التهمام والذكراتيبتن على ذي الهم معتكرات
بليل التمام أو وصلن بمثلهمقياسة أيامها نكرات
وهو أوّل من أبدع في هذا الباب فيما علمنا. وقول النابغة:
فبت كأني ساورتني ضئيلةمن الرقش في أنيابها السم ناقع
يسهد من ليل التمام سليمهالحلي النساء في يديه قعاقع
تناذرها الراقون من سوء سمهاتطلقه طورا وطورا تراجع
وقوله أيضاً:
كليني لهم يا أميمة ناصبوليل أقاسيه بطيء الكواكب
تطاول حتى قلت ليس بمنصوليس الذي يرعى النجوم بآءب
وصدر أراح الليل عازب همهتضاعف في الحزن من كل جانب
وقوله أيضاً:
كتمتك ليلا بالجمومين ساهراوهمين هما مستكنا وظاهرا
أحاديث نفس تشتكي ما يربهاوورد هموم لن يجدن مصادرا
وقوله أيضاً:
أتاني أبيت اللعن أنك لمتنيوتلك التي أهتم منها وأنصب
فبت كأن العائدات فرشننيهراسا به يعلى فراشي ويقشب
وقول جندح:
في ليل صول تناهى العرض والطولكأنما ليله بالليل موصل
لا فارق الصبح كفي إن ظفرت بهوإن بدت غرة منه وتحجيل
لساهر طال في صول تململهكأنه حية بالسوط مفتول
حتى أرى الصبح قد لاحت مخائلهوالليل قد مزقت عنه السراويل
ليل تحير ما ينطح في جهةكأنه فوق متن الأرض مشكول
نجومه ركد ليست بزائلةكأنما هن في الجو القناديل
ما أقدر الله أن يدنى على شحطمن داره الحزن ممن داره صول
الله يطوي بساط الأرض بينهماحتى يرى الربع منه وهو مأهول
وقول الحصري:
يا ليل الصب متى غدهأقيام الساعة موعده؟
وقول الآخر:
إلاّ هل على الليل الطويل معينإذا نزحت دار وحن حزين؟
أكابد هذا الليل حتى كأنماعلى نجمه إلاّ يغور يمين
وتالله ما فارقتكم قاليا لكمولكن ما يقضي فسوف يكون
وقول الآخر:
ما لنجوم الليل لا تغربكأنها من خلفها تجذب؟
روادك ما غار في غربهاولا بدا من شرقها كوكب
وقول العباس بن الأحنف:
أيّها الراقدون حولي أعينونيعلى الليل حسبه وآئتجارا
حدثوني عن النهار حديثاأوصفوه فقد نسيت النهارا
وقال السويد بن أبي كاهل:
وإذا ما قلت ليل قد مضىعطف الأول منه فرجع
يسحب الليل نجوما ظلعافتواليها بطيآت التبع
ويزجيها على إبطائهامغرب اللون إذا الليل انقشع
وقول أبن الرومي:
رب ليل كأنه الدهر طولاقد تناهى فليس فيه مزيد
ذي نجوم كأنهن نجوم الشيبليست لكن تزيد
وقول سعيد بن حميد:
يا ليل بل يا أبدأنام عندك غد؟
يا ليل لو تلقى الذيألقى بها أو تجد
قصر من طولك أوضعف منك الجلد
أشكو إلى ظالمةتشكو الذي لا تجد
وقف عندها ناظريوقف عنها السهد
وقول الآخر:
يخيل إلي إنَّ الشهب في الدجىوشدت بأهداب إليهن أجفان
وقول الآخر:
رب ليل أمد من نفس العاشقطولا قطعته بآنتحاب
وحديث ألذ ممن نظر الوامقبدلته بسوء العتاب
وقول أبن شهيد:
وبتنا نراعي الليل لم يطو بردهولم يجن شيب الصبح في فزعه وخطا
تراه كملك الزنج من فرط كبرهإذا رام مشيا في تبختره أبطا
مطلا على الآفاق تاجهوقد علق الجوزاء من أذنه قرطا
وقال بعضهم: كان علي بن الجهم يستنشدني شعر خالد الكاتب فأنشده فيقول: ما صنع شيئاً حتى أنشدته يوما له:
رقدت ولم ترث للساهروليل المحب بلا آخر
ولم تدر بعد ذهاب الرقادما صنع الدمع من ناظري
فقال: قاتله الله لقد أدمن الرمي حتى أصاب الغرة.
ومن الاعتبار الثاني قول الأعرابي:
وليل لم يقصره رقادوقصر طوله وصل الحبيب
وقول أبن المستوفي:
حسد الليل الصباح لمّا ضمناغيظا ففرق بيننا داعيه
وقول الآخر:
رأيت في المنام أقل بخلاوأطوع منك في غير المنام
فليت الصبح زال فلا نراهوليت الليل يبقى ألف عام
ولو إنَّ النعاس يباع حينالأغليت التعاس على النيام
وقول القاضي الفاضل وهو السحر حقا:
بتنا جميعا كيف شاء الهوىوربما لا يمكن الشرح
بوابنا الليل وقلنا له:إن غبت عنا دخل الصبح
وقول أبن الصمد بن المعذل:
أقول وجنح الدجى ملبدولليل في كل فج يدُ
ونحن ضجيعان في مسجدٍفلله ما ضمنا المسجدُ:
قيا ليلة الوصل لا تبعديكما ليلة الهجر لا تنفدُ
ويا غد إن كنت لي راحمافلا تدن من ليلتي يا غدُ!
وقول الآخر:
شباب المرء ثوبٌ مستعاروأيام الصبا أبداً قصارُ
ولأجل الاعتبالرين كان قول الأعرابي:
تطاول بالفسطاط ليلي ولم يكنبأرض الغضا ليلي علي يطولُ
وقول أبي الوليد بن زيدون:
أجل إنَّ ليلي فوق شاطئ بيطةلأقصر من ليلي بآنة فالبطحا
وقول عمر بن أبي ربيعة:
فيالك من ليلٍ تقاصر طولهوما كان ليلي قبل ذلك يقصرُ
ومن الثاني أيضاً قال الآخر:
لله أيام الشباب وعصرهلو يستعار جديده فيعارُ
ما كان أقصر ليله ونهارهوكذاك أيام السرور قصارُ!
وقول أبي بكر بن دريد:
يا رب يومٍ جمعت قطريه ليبنت ثمانين عروساً تجتلى
وقد شرح الاعتبارين الوليد بن يزيد في قوله:
لا أسأل الله تغييراً لمّا فعلتنامت وقد أسهرت عيني عيناها
فالليل أطول شيء حين أفقدهاوالليل أقصر شيء حين ألقاها
والآخر في قوله:
أخو الهوى يستطيل الليل من أرقٍوالليل في طوله جارٍ على قدر
ليل الهوى سنةٌ في الهجر مدتهلكنه سِنةٌ في الوصل من قصر
والآخر في قوله:
ليلي وليلى سواءٌ في اختلافهماقد صيراني جميعاً في الهوى مثلا
يجود بالطول ليلي كلما بخلتبالطول ليلى وإن جادت به بخلا
وقول جميل:
وقالوا: لا يضرك نأي شهرٍفقالت صاحبي: فمن يضيرُ؟
يطول اليوم إن شحطت نواهاوحولٌ نلتقي فيه قصيرُ
وقول بشار:
لا أظلم الليل ولا أدعيأنَّ نجوم الليل ليست تغيورُ
ليلي كما شاءت فإن لم تجدطال وإن جادت فليلي قصيرُ
تصرف الليل على حكمهافهو على ما صرفته يدورُ
وقول الآخر:
تعالوا أعينوني على الليل إنهعلى كل عينٍ لا تنام طويل!
وقول الآخر:
لم يطل ليلي ولكن لم أنمونفى عني الكرى طيفٌ ألم
وقول الفرزدق:
يقولون طال الليل والليل لم يطلولكن من يبكي من الشوق يسهرُ
وهذا المعنى أكثر من أن يستقصى. وترقى عن الاعتبارات قول بعض العارفين المحبين:
لست أدري أطال ليلي أم لاكيف يدري بذاك من
لو تفرغت لاستطالة ليليولرعي النجوم كنت مخلا
إنَّ للعاشقين عن قصر الليلوعن طوله من الهم شغلا
وقال أبن حمديس الصقلي في مجونه:
قم هاتها من كف ذات الوشاحفقد نعى الليل بشير الصباح
باكر إلى اللذات واركب لهاسوابق اللهو ذوات المراح
من قبل أن ترشف شمس الضحىريق الغوادي من ثغور الاقاح!
وقال أيضاً:
بت منها مستعيراً قبلاًكن لي منها على الهر اقتراح
وأروى غلل الشوق بمالم يكن في قدرة الماء القراح
وقال الآخر:
سل المفتي المكي هل في تزاوروضمة مشتاق الفؤاء جناحُ
فقال: معاذ الله أن يذهب التقىتلاصق أكباد بهن جراحُ
والمعنى هنا بالمفتي هو عطاء بن أبي رباح الإمام الفقيه المشهور أحد الكبراء من التابعين. وكان بمكة مفتيا.
قال شمس الدين بن خلكان في تأريخه: لمّا بلغه هذان البيتان قال: والله ما قلت شيئا من هذا! وقال فخر الدين التكريتي:
وما ذات طوق في فروع أراكةٍلها رنةٌ تحت الدجى وصدوحُ
ترامت بها أيدي النوى وتمكنتلها فرقةٌ من أهلها ونزوحُ
فحلت بزوراء العراق وزغبهابعسفان ثار منهم وطليحُ
تحن إليهم كلما ذر شارقٌوتسجع في جنح الدجا وتنوحُ
إذا ذكرتهم هيجت ذا بلابلوكادت بمكتوم الغرام تبوحُ
بأبرح من وجدي بذكراكم متىتألق برقٌ أو تنسم ريحُ
وقال أبن الزيات:
سماعاً يا عباد الله منيوكفوا عن ملاحظة الملاحِ
فإنَّ الحب آخره المناياوآخره يهيج بالمزاحِ
وقالوا: دع مراقبة الثرياونم فالليل مسود الجناحِ
فقلت: وهل أفاق القلب حتىأفرق بين ليلي والصباحِ؟
وقال مؤيد الدين الموصلي:
يا قالة الشعر قد نصحت لكمولست أدهى إلاّ من النصحِ
فقد ذهب الدهر بالكرام وفيذاك أمورٌ طويلة الشرحِ
وأنتم تمدحون بالحسن والظرفوجوها في غاية القبحِ
وتطلبون السماح من رجلٍقد طبعت نفسه على الشحِّ
من هاهنا تحرمون كدكملأنكم تكذبون في المدحِ
صونوا القوافي فما أرى أحداًيعثر فيه الرجاء بالنجاحِ
فإن شككتم فيما أقول لكمفكذبوني بواحد سمحِ!
ونحو هذا البيت في المعنى ما حكي أنَّ بعض ظرفاء السؤال مر بقوم يأكلون فقال لهم: يا بخلاء! فأنكروا عليه. فلما سمع إنكارهم قال لهم: كذبوني بلقمة! وقال أبن ميادة:
فنظرن من خلل الحجال بأعينٍمرضى يخالطها السقام صحاحِ
وأرشن حين أردن أن يرميننينبلاً بلا ريشٍ ولا بقداحِ
وقال آخر يخاطب الناس:
تبعتم السابح في لجهورعتم في الجو ذات الجناح
هذا وأنتم غرضٌ للردىفكيف لو خلدتم يا قباحِ؟
وقال أبن الساعاتي:
وكم فيك من عذراء زفتلفهمك في غدو أو رواحِ
من الغيد الحسان بلا شبيهٍفكيف يفوتها حظ القباحِ؟
وقال الآخر:
وإذا الفتى من دهره كملت لهخمسون وهو إلى التفى لم يجنحِ
طلعت عليه المخزيات وقلن قدأرضيتنا فكذاك كن لا تبرحِ
وإذا رأى إبليس صورته بدتحيى وقال: فديت من لم يفلحِ
ومثله قول التهامي:
إذا بلغ الفتى عشرين عاماًوأعجزه الفخار فلا اعتذارُ
إذا ما أوّل الخطي أعطىفما يرجى لآخره انتظارُ
وقول الآخر:
وصهباء جرجانية لم يطف بهاحنيف ولم تنغر بها ساعة قدرُ
أتاني بها يحيى وقد نمت نومةًوقد غابت الشعرى وقد طلع النسرُ
فقالت اغتبقها أو لغيري فاسقهافما أنا بعد الشيب ويحك والخمرُ
إذا المرء وافى الأربعين ولم يكنله دون ما يأتي حياءٌ ولا سترُ
فدعه ولا تنفس عليه الذي ارتأىولو جر أسباب الحياة له الهرُ
وقال الآخر:
وقولوا: في الهجاء عليك إثمٌوليس الإثم إلاّ في المديح
لأني إن مدحت كذباًوأهجو حين أهجو بالصحيحِ
وقال الآخر:
قالوا: تعشقها عمياء قلت لهم:ما شأنها ذاك في عيني ولا قدحا
بل زاد وجدي فيها أنها أبداًلا تعرف الشيب في فودي إذا وضحا
إن يجرح السيف مسلولا فلا عجبٌوإنّما العجب سيفٌ مغمدٌ جرحا
كأنما هي بستان خلوت بهونام حارسه سكران قد طفحا
تفتح الورد فيه من كمائمهوالنرجس الغض فيه بعد ما انفتحا
ومثله قول أبن سناء الملك:
فتنتني مكفوفةٌ ناظرهاكتبا لي من الجراح أمانا
فهي لم تسلل الجفون حساماًلا ولم تحمل الفتور سنانا
وهي بكر العينين محصنة الأجفانما افتض ميلها الأجفانا
قصرت عشقها علي فلم تعشق فلاناً إذ لم تعلين فلانا
عميت من الهوى وأرتحل الانسان من عينها وأخلى المكانا
علمت غيرتي عليها فخافتأن تسمي غيري لها إنسانا
وقال أبن قاضي ميلة:
وكيف لا تدركه نشوةٌواللحظ راح وجنى الريق راح؟
لو لم تكن ريقه خمرةًلمّا تثنى عطفه وهو صاح
وقال أبن نباتة السعدي:
وغانية هذه الدنيا فسادٌفكيف نكون منها في صلاحِ؟
هي الخرقاء تنقص بعد نسجٍفما فيها لحيي من فلاحِ
وسيأتي هذا المعنى مستوفي في الحكم إن شاء الله تعالى.
وقال الآخر وكان أبو بكر بن دريد يتمثل به كثيرا أو هو قائله:
فواحزناً إنَّ الحياة لذيذةٌولا عملٌ يرضي به الله صالحُ
وقلت أنا:
تصبر إن أصابك نبل عوضوضاق عليك متسع البراح
فإنَّ الدهر ليس بذي اصطبارعليك بل التول والبراح
وإنَّ الخطب أسرع من ذناببمنسجم يسيل إلى سراحي
وما أمر يضيق عليك إلاّبآخره يصير إلى سراح
فكم أمسيت ذا حزن وأصبحتتصبح مسرور كؤوس راح
العوض: الدهر كما قال الحماسي:
ولولا نبل عوض فيخضماتي وأوصالي
لطاعنت صدور الخيلطعنا ليس بالآلي
والبراح: المتسع من الأرض لا زرع فيها ولا شجر والبراح في البيت الثاني: الزوال مصدر برح مكانه أي زال عنه والذناب مسيل بين التلعتين والسراحي بالياء الكثمانية جمع سرحان وهو هنا وسط الحوض والسراح في البيت بعده الانسراح والانفراج وتصبح تستقي تقول: صبحت زيدا إذا سقيته الصبوح فهو مصبوح وقولي مسرور فحذفت نون من وهو جائز فصيح.
ولنكتف بهذا القدر والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.
النص من طبعة دار الثقافة بالدار البيضاء (١٤٠١هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع