من «زهر الأكم في الأمثال والحكم» للحسن اليوسي (ت ١١٠٢هـ)
رماه الله بأفعى حاريةٍ
!
الأفعى معروفة. والحارية: الناقصة. تقول: حرى الشيء يحري حريا: نقص وأحواه الزمان والحاوية: الأفعى التي نقص جسمها من الكبر فلم يبق إلاّ رأسها ونفسها وسمها وذلك أخبث ما تكون فدعي بها.
رعاه بأقحاف رأسه الأقحاف جمع قحف بكسر القاف وسكون الحاء المهملة وهو العظم فوق الدماغ. ويقال هو ما انفلق من الجمجمة فبان ولا يقال لجميع الجمجمة قحف إلاّ أن يتكسر فيقال للمتكسر قحف إذا بان. والجمع أقحاف وقحوف. والمعنى: رماه بالدواهي المهلكة. يقال للرجل تسكته بداهية توردها عليه.
وقيل المعنى: رماه بنفسه ونطحه عما يحاوله.
فعلى الأول يكون المعنى إنّه لمّا رماه بالداهي فكأنه رماه بأفلاق رأسه إذ رماه بما
يؤول إلى ذلك. ويكون الضمير المضاف إليه للرمي. فتقول مثلا: رميت زيدا بأفلاق رأسه.
وعلى الثاني يكون المعنى إنّه باشر دفاعه بنفسه فشبه نفسه بالكبش الناطح برأسه والتعبير بالأقحاف حينئذ للمبالغة بأن كل جزء باشر النطح. والضمير يكون على هذا للرامي فتقول: رميت زيدا بأقحاف رأسي والله أعلم.
ومثله قولهم: رماه بثالثة الأثافي.
قال خفاف بن ندبة:
وإنَّ قصيدة شنعاء منيإذا حضرت كثالثة الأثافي
أرمى من أبن تقن أبن تقن بكسر التاء المثناة وسكون القاف بعدها نون رجل كان جيد الرمي يضرب به المثل. قال الراجز:
يرمي بها أرمى من أبن تقنِ
وأبن تقن هذا هو عمرو بن تقن الذي قيل فيه: لا فتى إلاّ عمرو! وسيأتي إن شاء الله تعالى في موضعه مشروحاً.
ووقع في الصحاح والقاموس أنَّ التقن هو رجل كان راميا جيد الرمي وكأنه مسامحة. ثم رأيت للشنتمري في شرح قول الحماسي:
أهلك عاداً وقبلهأهلك طسماً وذا جدونِ
وأهل جاش ومأربٍوحتى لقمان والتقونِ
قال: التقون جمع تقن وهو رجل من عاد وفيه قيل: أرمى من أبن تقن.
الأرواح جنود مجندةٌ هذا يروى حديثا عن النبي ﷺ أنه قال: الأرواح جنود مجندة فما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف.
وهذا إخبار بأنَّ بين الأرواح تارة تناسبا باطنيا يوجب الالتئام والتوافق وتارة تباينا يوجب الوحشة والاختلاف بإذن الله تعالى وهو مشاهد مجرب. ومن ثم قال أبو الطيب:
أصدق نفس المرء من قبل جسمهوأعرفها في فعله والتكلم
وقال الآخر:
وقائل لي: لم تفارقتما؟فقلت قولاً فيه إنصافُ
لم يك من شكلي ففارقتهوالناس أشكالٌ وآلافُ
وقال طرفة في أبيات:
وأنت امرؤ منا ولست بخيرناجوادٌ على الأقصى وأنت بخيلُ
وأنت على الأدنى شمالٌ عريةٌشآميةٌ تزوي الوجوه بليل
وأنت على الأقصى صبا غير قرةٍتذاءب منها ومرزغٌ ومسيلُ
وأعلم علماً ليس بالظن أنهإذا ذل مولى المرء فهو ذليلُ
وأنَّ لسان المرء ما لم يكن لهحصاةٌ على عوراته لدليلُ
وأنَّ امرءاً لم يعف يوما فكاهةًلمن لم يرد سوءاً بها لجهولُ
تعارف أرواح الرجال إذا التقت: فمنهم عدوٌ يتقى وخليلُ
وقال المجنون:
تعلق روحي روحها قبل خلقناومن بعدها كنا نطافاً وفي المهدِ
وقال أبن الرومي:
ذو الود مني وذو القربى بمنزلةٍوأخوتي أسوةٌ عندي لخلانُ
أحبةٌ جاورت آدابهم أدبيفهم وإن فرقوا في الأرض جيراني
أرواحنا في مكانٍ واحدٍ وغدتأجسامنا بعاقٍ أو خراسانِ
والشعر في هذا المعنى لا يحصى. ومثله المثل الآتي: وافق شنٌ طبقة.
استراح من لا عقل له الاستراحة ضد التعب. تقول: أرحت الرجل فاستراح؛ وإنّما استراح الذي
لا عقل له لأنَّ النفس إذا خليت أخلدت إلى الشهوات الحاضرة ولا تبالي بعزمة وتستنكف عن منقصة كالبهيمة والعقل ينزع بها إلى طلب الكمال والتحلي بالحمد والتخلي عما يذم. وفي ذلك أتعابهاً لجسمها عن مألوفها المستذل واقتحام الأخطاء بها لاكتساب الثناء والفضل وإطالة الهموم والأفكار عليها نظراً في عواقب الأمور واحترازا عما يشين ويضير. وليس قال الحماسي:
يا بؤس للحرب التيوضعت أراهط فاستراحوا!
وقال الآخر:
وقائلةٍ: لم عركت الهموموأمرك ممتثل في الأمم؟
فقلت: ذريني على حالتيفإنَّ الهموم بقدر الهمم!
وسمع الأحنف رجلا يقول: ما أبالي أمدحت أم هجيت! فقال: استرحت من حيث تعب الكرام! ومما ورد في العقل وفضله أنَّ أدم لمّا أهبط إلى الأرض خير في ثلاث: الحياء والدين والعقل. فاختار العقل: الحياء والدين أمران أن لا تفارق العقل.
وورد عن النبي ﷺ أنه قال: ثلاث من حرمهن فقد حرم خير الدنيا والآخرة: عقل يداري به الناس وحلم يداري به السفيه وورع يحجزه عن المحارم.
وفي حكمة داود ﵇: على العقل أن يكون عارفا بزمانه مالكا للسانه مقبلا على شأنه.
وقال علي ﵁: لا مال أعود من العقل ولا فقر أشد من الجهل ولا وحدة أوحش من الجهل ولا مظاهر أحسن من المشاورة ولا حسب كحسب الخلق.
وقال مطرف بن الشخير: عقول الناس على قدر أزمانهم.
ويقول: ثلاثة تدل على عقول أهلها: الكتاب والرسول والهدية.
وذكر المغيرة يوما عمر فقال: كان والله أفضل من أن يخدع وأعقل من أن يخدع.
وفي كتاب كلية ودمنة: رأس العقل التمييز بين الكائن والممتنع.
وقال الحجاج يوما: العاقل من يعرف عيبه. فقال له عبد الملك بن مروان: فما عيبك يا حجاج؟ قال: حسود حقود. فقال عبد الملك: ما في إبليس شر من هاتين! ويقال: لا دين لمن لا عقل له.
وقال علي ﵁: لا تؤاخ الأحمق ولا الفاجر. أما الأحمق فدخوله عليك وخروجه من عندك شين، وأما الفاجر فيزين لك فعله ويود أنَّ تكون مثله.
وقال أيوب بن القرية إنَّ نطق أصاب، وإنَّ سئل أجاب؛ والأحمق إنَّ تكلم عجل، وإنَّ سئل ذهل. والفاجر إنَّ ائتمنته خانك، وإنَّ صحبته شانك.
وقال عمر بن عبد العزيز: لا يعدم الأحمق خصلتين: كثرة الالتفات وسرعة الجواب. وقال الحسن: هجر الأحمق قربة. وقال: لا يتم دين امرئ حتى يتم عقله. وفي الحكمة: ينبغي للعاقل أنَّ يتمسك بست خصال: أن يحوط دينه، ويصون عرضه، ويصل رحمه، ويحفظ جاره، ويرعى إخوانه، ويخزن عن البذاء لسانه. ويقال: الفقر بالعقل، والرزق بالجهل.
ويحكى إنّه قيل لعيسى ﵇: يا روح الله، تبرئ ألاكمه والأبرص وتحيي الموتى، فما دواء الأحمق؟ قال: ذلك أعياني! وكان كسرى إذا غضب على عاقل سجنه مع جاهل.
وقال سهل بن هارون: ثلاثة من المجانين، وإنَّ كانوا عقلاء: الغضبان، والغرثان والسكران. وفي الخبر: العاقل إنَّ تكلم غنم، وإنَّ سكت سلم.
ومما ينسب لعلي ﵁:
يقاس المرء بالمرءإذا المرء ما شانه
فلا تصحب أخا الجاهلوإياك وإياه
فكم من جاهلٍ أردىحليما حين أخاه
وللشيء على الشيءنظائر وأشباه
وللقلب على القلبدليل حين يلقاه
وصالح بن عبد القدوس:
ولأنَّ يعادي عاقلا خير لهمن إنَّ يكون صديق أحمق
فآربا بنفسك أنَّ تصادق أحمقإنَّ الصديق على الصديق مصدق
ولغيره:
عدوك ذو العقل أبقى عليكوأجدى من الصاحب الأحمق
ولغيره:
قد عرفناك باختيارك إذ كاندليلا على اللبيب اختياره
ولآخر:
تحامق مع الحمقى إذا ما لقيتهمولا تلقهم بالعقل إنَّ كنت ذا عقل!
ولآخر:
إنَّ جئت أرضاً أهلها كلهمعور فغمض عينك الواحده!
وقال هشام بن عبد الملك: يعرف الأحمق بأربع: طول اللحية، وشناعة الكنية، ونقش الخاتم، وإفراط الشهوة.
ودخل عليه يوما رجل طويل اللحية فقال: انظروا فيه غيرها! فسئل عن كنيته فقال: أبو الياقوت. فقيل: وما نقش خاتمك؟ قال: وجاءوا على قميصه بدم كذبٍ.
ويحكى مثل هذه القصة عن معاوية وإنّها وقعت له مع رجل إلاّ إنّه قال في الكنية: أبو الكوكب الدري، ونقش الخاتم: وتفقد الطير. وتقدم شبه هذا للمأمون العباسي مع آخر، في حرف التاء.
وقيل:
ألا إنَّ عقل المرء عينا فؤادهفإنَّ لم يكن عقل فلن يبصر القلب
آخر:
لسان الفتى نصف ونصف فؤادهفلم يبق إلاّ صورة اللحم والدم!
وسيأتي في أجوبه الحمقى ومضحكاتهم شيء كثير.
النص من طبعة دار الثقافة بالدار البيضاء (١٤٠١هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع