تجاوز إلى المحتوى

من «أنوار الربيع في أنواع البديع» لابن معصوم المدني (ت ١١١٩هـ)

الفصل الثالث في الغرض

وهو ما يقصده المتكلم من إيراد التشبيه, وهو يعود في الأغلب إلى التشبيه, وقد يعود إلى المشبه به. فالأول على وجوه: أحدها, بيان حاله, كما في تشبيه ثوب بثوب آخر في السواد, إذا علم لون المشبه به دون المشبه. وهذا الوجه يقتضي كون المشبه أعرف بوجه الشبه.

الثاني: بيان مقدار حاله في القوة والضعف, والزيادة والنقصان.

كما إذا شبهت أسود بخافية الغراب, قال:

مداد مثل خافية الغرابوأقلام كمرهفة الحراب

وعليه قول الآخر:

فأصبحت من ليلى الغداة كقابضعلى الماء خانته فروج الأصابع
للشاعر قيس بن الملوح، من قصيدة «فأصبحت من ليلى الغداة كقابض»

أي بلغت في بوار سعيي في الوصول إليها, وأن أمنع عنها, أقصى الغايات, حتى لم أحظ بما قل ولا كثر, وهذا الوجه يقتضي كون المشبه به أخص من المشبه بوجه الشبه, مساويا له في المقدار حقيقة أو ادعاء.

الثالث: بيان وجوده, كما إذا شبه معقول في الذهن بأحد أفراده في الخارج, دلالة على وجوده, نحو الكلمة, كزيد, ويسمى مثلا.

الرابع: بيان إمكان وجوده, وذلك عند ادعاء ما لا يكون إمكانه بينا, فيمكن أن يخالف فيه ويدعى امتناعه, فيؤتى بالتشبيه لبيان إمكانه.

كقول ابن الرومي:

كم من أب قد علا بابن ذرى شرفكما علت برسول الله عدنان

وقول أبي الطيب:

فإن نفق الأنام وأنت منهمفان المسك بعض دم الغزال

فانه أراد أن يقول: إن الممدوح قد فاق الناس, بحيث لم يبق بينهم وبينه مشابهة, بل صار أصلا برأسه, وجنسا بنفسه. وهذا في الظاهر كالممتنع, لاستبعاد أن يتناهى بعض آحاد النوع في الفضائل الخاصة بذلك النوع, إلى أن يصير كأنه ليس منها, فاحتج لهذه الدعوى وبين إمكانها, بان شبه حاله بحال المسك الذي هو من الدماء, ثم أنه لا يعد من الدماء, لما فيه من الأوصاف الشريفة التي لا توجد في الدم.

فان قلت: أين التشبيه في هذا البيت؟.

قلت: يدل البيت عليه ضمنا, لأن المعنى: إن نفق الأنام مع أنك واحد منهم, فلا استبعاد في ذلك, لأن المسك بعض دم الغزال وقد فاته حتى لا يعد منه, فحالك شبيه بحال المسك. وليسم مثل هذا تشبيها ضمنيا, أو تشبيها مكنيا عنه. قاله التفتازاني في شرح التلخيص. وهذا الوجه كالذي قبله يقتضي كون المشبه به مسلم الحكم, فيكون أعرف به لا محالة.

الخامس: تقدير حاله عند السامع, وتقوية شأنه, كما إذا شبهت من لا يحصل من سعيه على طائل, بمن يرقم على الماء, فانك تجد فيه من تقرير عدم الفائدة, وتقوية شأنه ما لا تجد في غيره, وما ذلك إلا لان إلف النفس بالحسيات أتم من إلفها بالعقليات, لتقدم الحسيات على العقليات بالزمان.

ألا ترى انك إذا أردت الإشارة إلى تنافي شيئين فأشرت إلى ماء ونار, وقلت: هذا وذاك هل يجتمعان؟ كان تأثير ذلك زائدا على قولك: هل يجتمع الماء والنار؟ وكذلك لو قلت في وصف طول يوم: يوم كأطول ما يتوهم, أو كأنه لا آخر له.

أو أنشدت قول الشاعر:

في ليل صول تناهى العرض والطولكأنما ليله بالليل موصول

لم يجد فيه السامع من الأنس ما يجده في قول الآخر:

ويوم كظل الرمح قصر طولهدم الزق عنا واصطكاك المزاهر
للشاعر يزيد بن الطثرية، من قصيدة «ويوم كظل الرمح قصر طوله»

وما ذاك إلا للتشبيه المحسوس, وإلا فالأول أبلغ, لأن طول الرمح متناه, وفي الأول حكمت بان الليل موصول. وكذلك إذا قلت في قصر اليوم: يوم أقصر ما يكون, وكأنه ساعة أو لمحة بصر.

لم تجد فيه ما تجده في قول القائل:

ظللنا عند دار أبي أنيسبيوم مثل سالفه الذباب

وقوله:

ويوم كإبهام القطاة مزينإلي صباه غالب لي باطله
للشاعر جرير، من قصيدة «ألم تر أن الجهل أقصر باطله»

وهذا الوجه يقتضي كون وجه الشبه في المشبه به أتم, وهو به أشهر.

السادس: تقرير تحقيقه كيلا يستبعد وقوعه كقوله تعالى "وإذا نتقنا الجبل فوقهم كأنه ظلة" قرر ما لم تجربه العادة من نتق الجبل فوق رؤوسهم, بالتشبيه بما جرت به العادة من الظلة المحسوسة, وهي كل ما أظلك, وهذا الوجه يقتضي كون وجه الشبه في المشبه به أشهر.

والفرق بينه وبين قول المتنبي (وإن تفق الأنام) البيت, إن ذاك مستبعد عقلا, وهذا لا يستبعده العقل أصلا, لجزمه بان مثله سهل على الله جلت قدرته, لكنه خارق للعادة, وللنفس بالعادة إلف عظيم, فشبه بما هو معتاد.

السابع: إظهار التزيين للترغيب فيه, كما في تشبيه وجه أسود بمقلة الظبي.

وعليه قول القائل:

رب سواد وهي بيضاء معنىيحسد المسك عندها الكافور
مثل حب العيون تحسبه الناس سوادا وإنما ونور

الثامن: إظهار التشويه للتنفير عنه, كما في تشبيه وجه مجدور بسلحة جامدة قد نقرتها الديكة, وهذا الوجه والذي قبله يقتضيان كون الاستحسان والاستقباح, في المشبه به أتم. قال بعضهم: والتشبيه في طرفي الترغيب والتنفير أبلغ من سائر الصفات.

كقول البحتري في الورد:

أما ترى الورد يحكي خجله ظهرتفي صحن خد من المعشوق منعوت
كأنه فوق ساق من زبرجدةنثر من التبر في محمر ياقوت

حيث شبهه بصورة خد المعشوق, ومثله بالتبر والياقوت والزبرجد وبضده فعل ابن الرومي لا شكر سعيه فيه حيث قال:

وقائل لم هجوت الورد مقتبلافقلت من شؤمه عندي ومن سخطه
كأنه سرم بغل حين أخرجهعند البراز وباقي الروث في وسطه

التاسع: قصد استطرافه, وذلك أن يكون المشبه به أمرا غريبا نادر الحضور في الذهن مطلقا, فيكتسي المشبه غرابة منه, فيستطرف كما في تشبيه فحم فيه جمر متوقد, ببحر من المسك موجه الذهب لإبرازه في صورة الممتنع عادة.

وقط نظمت ذلك فقلت:

انظر إلى الفحم فيه الجمر متقدكأنه بحر مسك موجه الذهب
للشاعر ابن معصوم، من قصيدة «انظر إلى الفحم فيه الجمر متقد»

أو يكون نادر الحضور عند ذكر المشبه, كما في قول ابن المعتز في البنفسج:

ولازوردية تزهو برزقتهابين الرياض على حمر اليواقيت
كأنها فوق قامات ضعفن بهاأوائل النار في أطراف كبريت
للشاعر أبو القاسم الزاهي، اقرأ القصيدة

فان صورة اتصال النار بأطراف الكبريت لا يندر حضورها في الذهن ندرة حضور بحر من المسك موجه الذهب, وإنما النادر حضورها عند حضور البنفسج, فإذا حضر مع صحة الشبه استطرف لمشاهدة عناق بين صورتين لا تتراءى ناراهما.

ووجه آخر: وهو أنه أثبت التماثل بين أوراق رطبة غضة ناضرة يجري فيها ماء الحسن, وجسم ذابل يابس استولى عليه لهب النار, مع أنهما لا يتعانقان في خيال أبدا, ولذلك بلغ من الاستطراف حدا يتنافس فيه.

يحكى أن جريرا قال لما أنشد عدي بن الرقاع قوله:

عرف الديار توهما فاعتادهامن بعد ما لبس أبلادها

إلى قوله: (تزجي أغن كان إبرة روقه) رحمته, وقلت: قد وقع, ما عساه أن يقول وهو أعرابي جلف جاف.

فلما قال: (قلم أصاب من الدواة مدادها) استحالت الرحمة حسدا وما كنت رحمته أولاً, وحسده ثانياً, إلا لأنه رآه حين افتتح التشبيه بذكر ما لا يحضر له في بدء الفكر شبه, وهو أعرابي جلف ليس ممن يتعمق في الفكر, ويمعن النظر, حتى يفوز بما هو مناسب, رحمه, وحين رآه ظفر بأقرب صفة لا يجتمع معه في أبدى ذهن حسده.

ومن النادر الحضور, لتباعد الطرفين وندرة اجتماع أحدهما مع الآخر ما يحكى أن أبا تمام لما انتهى في قصيدته البائية إلى قوله:

يرى أقبح الأشياء خيبة آملكسته يد المأمول حلة خائب

وأحسن من نور تفتحه الصبا ... .............................

وقف يردده ويطلب مشبها به, فإذا سائل بالباب يقول: من بياض عطاياكم في سواد مطالبنا, فقال (بياض العطايا في سواد المطالب).

والثاني, وهو كون الغرض عائدا إلى مشبه به على نوعين.

أحدهما: إيهام أن المشبه به أتم في وجه التشبيه للمبالغة, لان المشابه حقه أن يكون أعرف بوجه التشبيه وأقوى, فإذا عكس كان مبالغة.

كقول محمد بن وهيب:

وبدا الصباح كأن غرتهوجه الخليفة حين يمتدح
للشاعر محمد بن وهيب الحميري، اقرأ القصيدة

فانه قصد إيهام أن وجه الخليفة أتم من الصباح في الوضوح والإنارة, وفي قوله: حين يمتدح, دلالة على إنصاف الممدوح بمعرفة حق المادح, وتعظيم شأنه عند الحاضرين بالإصغاء إليه والارتياح له, وعلى كونه كاملا في الكرم, يتصف بالبشر والطلاقة عند استماع المديح.

ويسمى هذا النوع: التشبيه المقلوب, وقد يسمى بالطرد والعكس, لأن عود الفائدة إلى ما هو مشبه حقيقة مطرد وإن عكس التشبيه. وتقرير ذلك أن الغرض العائد إلى المشبه لا يتفاوت إذا كان منعكسا إلا في بيان المبالغة, لأنك إذا قلت: الأسد كزيد, كان الغرض يعود إلى وصف زيد, لكن أبلغ من الأول, ففي كلا الحالتين الغرض عائد إلى المشبه, ومطرد في حقه.

ومنه قوله تعالى حكاية عن مستحلي الربا "إنما البيع مثل الربا" فإن مقتضى الظاهر هو أن يقال: إنما الربا مثل البيع, لان الكلام في الربا لا في البيع, فخالفوا بجعلهم الربا في الحل أقوى من البيع وأعرف به.

الثاني: بيان الاهتمام بالمشبه به, كتشبيه الجائع وجها كالبدر في الإشراق والاستدارة, بالرغيف, إظهارا للاهتمام بشأن الرغيف لا غير, وهذا يسمى: إظهار المطلوب, ولا يحسن المصير إليه إلا في مقام الطمع في تسني المطلوب.

كما يحكى عن الصاحب بن عباد, أن قاضي سجستان دخل عليه فوجده الصاحب متفننا فأخذ يمدحه, حتى قال (وعالم يعرف بالسجزي) وأشار إلى الندماء أن ينظموا على أسلوبه, ففعلوا واحدا بعد واحد, إلى أن انتهت النوبة إلى شريف في البين فقال (أشهى إلى النفس من الخبز) فأمر الصاحب أن تقدم له مائدة.

هذا كله -أعنى ما ذكرناه- من جعل أحد الشيئين مشبها, والآخر مشبها به, إنما يكون إذا أريد إلحاق الناقص بالزائد حقيقة أو دعاء. فإن أريد الجمع بين شيئين في أمر من الأمور من غير قصد إلى كون أحدهما زائدا والآخر ناقصا, سواء وجدت الزيادة والنقصان أو لم توجد, فالأحسن ترك التشبيه إلى الحكم بالتشابه, ليكون كل واحد من الشيئين مشبها ومشبها به, احترازا من ترجيح المتشابهين في وجه الشبه.

كقول ابن نباتة السعدي:

فو الله ما أدري أتلك مدامةمن الكرم تجنى أم من الشمس تعصر
إذا صبها جنح الظلام وعبهارأيت رداء الشمس يطوى وينشر
للشاعر ابن نباتة السعدي، اقرأ القصيدة

وقول الصاحب:

رق الزجاج ورقت الخمرفتشابها وتشاكل الأمر
للشاعر السهروردي المقتول، اقرأ القصيدة
فكأنما خمر ولا قدحوكأنما قدح ولا خمر
للشاعر الصاحب بن عباد، من قصيدة «رق الزجاج ورقت الخمر»

وقول أبي إسحاق الصابي:

جرت الدموع دما وكأسي في يديشوقا إلى من لج في هجراني
فتخالف الفعلان شارب قهوةيبكي دما وتشابه اللونان
للشاعر أبو إسحاق الصابي، اقرأ القصيدة
فكأن ما في الجفن من كأسي جرىوكأن ما في الكأس من أجفاني
للشاعر أبو إسحاق الصابي، اقرأ القصيدة

ويجوز التشبيه أيضاً كتشبيه غرة الفرس بالصبح, والصبح بغرة الفرس, متى أريد إظهار منير في مظلم أكثر منه, وتشبيه الشمس بالمرآة المجلوة, والدينار الخارج من السكة, وبالعكس, متى أريد استدارة متلالي متضمن لخصوص من اللون, وإن عظم التفاوت بين بياض الصبح وبياض الغرة, ولون المرآة والدينار, وبين الجرمين, فانه ليس شيء من ذلك بمنظور إليه في التشبيه.

النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «أنوار الربيع في أنواع البديع»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.